سعد سالم - سبق - الرياض: أصبحت محال العطارة وبيع الأعشاب تنافس البقالات؛ لكثرتها وتنوّع ما تقوم ببيعه من سلع.. لكن الاختلاف أن العطارة تبيع السلعة على أنها دواءٌ يشفي من كل داءٍ. وهنا يقع الفرق في سعر السلعة بينهما.
محال العطارة أضافت سلعة جديدة إلى قائمة مبيعاتها، وهي بيع المياه أو الزيت أو العسل المقروء عليها. وهذه سعرها يختلف حسب درجة إتقان الشيخ القراءة عليها، ودرجة الثقة التي يمنحها له جمهور المرضى.
وخلال جولة في سوق المعيقلية الشهير بوسط العاصمة الرياض، واجهت "سبق" كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب عند بعض الزبائن بشأن أدوية العطارين وأسعارها.
وتساءل الزبائن عمّن يضمن فاعلية القراءة على تلك السوائل (المياه والزيوت والعسل)، ويستغربون في الوقت نفسه ارتفاع أسعارها، بعلة أنها (قراءات مُركّزة).
يُضاف إلى ذلك قيام أصحاب تلك المحال بوصف أعشاب لزبائنهم كعلاج يؤكّدون لهم أنه مقطوعٌ بفائدته.. فأين هي الحقيقة في كل ما سبق؟ مَن المعني بوصف الأدوية الشعبية؟ ومَن الذي يرخص لها؟ ومَن الذي يراقبها؟ ومَن يمكن أن يسأل نظاماً عن فائدتها من عدمها؟
توجهنا إلى أحد محال العطارة الموجودة وسط الرياض، وصلنا إلى هناك في تمام (الرابعة) عصراً. وجدنا المحل مغلقاً. لكننا وجدنا عدداً من النساء يجلسن في انتظار فتح المحل.
ودخلنا إلى أحد المحال المجاورة له، وسألنا العامل الآسيوي عن موعد فتح جاره للمحل، فأخبرنا بأنه سيأتي بعد ساعة. قلنا: نستفيد من الوقت للقيام بجولة في السوق الكبير.
وصُدمنا عندما رأينا عدداً كبيراً من المحال يبيع زيوتاً لكل ما يخطر على البال من أمراض، وبأسماء مختلفة.
وبدونا مزعجين إلى حد كبير عندما وجّهنا سؤالاً لأحد الباعة عمّا إذا كانت هذه الزيوت مسجلةً برقمٍ خاص في وزارة الصحة أم لا؟!
ولم نستغرب الإجابة عندما قال بارتباكٍ: إن مَن يجلب الزيوت هو صاحب المحل، وتنتهي مهمته هو بقبض الثمن.
وفي تمام الساعة (4:45) دقيقة عُدنا إلى صاحب المحل الذي يفتح دكانه عند الخامسة، فوجدنا أن عدد الزبائن زاد بصورةٍ كبيرة. ولم يعد هنالك أي مكانٍ خالٍ للانتظار.
وحاولنا كسر الرتابة التي تطغى على المكان، وسرقة ابتسامة من الوجوه الجالسة، التي يبدو عليها التعب، وأنهكها طول الانتظار، إلا أننا لم ننجح.
وسألنا أحدهم عن صاحب المحل، فقال: "هذا شيخٌ مشهورٌ، والله شفى كثيرين على يده"!
وسألته: "سلامات وش عندك؟"، إلا أنه لم يجب، واكتفى بالنظر إلى ساعته.
وبعد بضع دقائق تقافز الجالسون للاصطفاف في طابورين، أحدهما للنساء والآخر للرجال.
ويبدو أن الجميع على علم بالنظام المعمول به في المحل. وقفنا وشعور مختلط من الرهبة والتعجب يختلج مشاعرنا. البعض من الخلف لا يلتزم بـ (الطابور) ويصيح: "تكفى عطني سبع حبات.. بكم؟!"، فيجيبه البائع: بـ "70".
وازداد فضولنا عندما رأينا البائع يجلب سبع قوارير من المياه لا يتجاوز سعرها (14) ريالاً وتُباع بـ (70).
وعند وصول الخمسيني الذي يقف أمامنا إلى شباك صرف الأدوية - إن جاز التعبير- سمعته ينقل للبائع شكوى امرأة لديهم من (إجهاض) جنينها في شهور حملها الأولى. لم يتوان البائع عن إحضار بعض الأعشاب والحبوب، ووصف للرجل أن تستخدمها "ع الريق".
أحد الواقفين بالقرب من محل العطارة كان ينظر بدهشة إلى طوابير النساء والرجال، وقال: "انتشرت هذه الظاهرة بشكلٍ كبيرٍ، وهذا الانتشار يدل على ارتفاع دخل هذه المحال". وأضاف: "كما نعلم كثرة الأمراض في هذا الزمن، ورغم وجود المستشفيات إلا أن الإقبال على هذه المحال أكثر وأشد".
وأرجع السبب إلى أن أصحاب هذه المحال وضعوا أنفسهم محل الأطباء، وبدؤوا يشخصون حالة المريض، ويصفون له العشب دونما رقيب من المسؤولين. وأوضح: "هؤلاء العطّارون ليس معهم تصاريح بتشخيص المرض أو وصف الدواء". وتابع: "يكفينا ما نسمعه عن ضحايا هذه الوصفات"، وطالب بتشديد الرقابة على هذه المحال، ووضع تراخيص على الأعشاب مثلما تُوضع على الأدوية.
وأكّد الرجل أنه دخل على أحد القرّاء ممَّن لهم شعبية وعليهم إقبال لدرجة التزاحم، وكان - كما قال - يقرأ على الناس في البداية كل بمفرده، ولكن في صف متتابع؛ حيث يمر مجموعة من القادمين للقراءة عليه وهو واقف، فينفث عليهم بشكل سريع، ويوجههم، كل حسب مرضه، بشراء شيء من العسل أو الزيت أو المياه، علاوة على كتيبات وأشرطة. وكل ذلك موجود بوفرة في محل أو دكان تابع لمحل القراءة.
وذكر الرجل أن "المرحلة الثانية يأخذ الراقي مكبر الصوت، ويفتحه بأعلى صوت، ثم يبدأ بالإمساك - بمساعدة ثلاثة أشخاص - ببعض مَن جاؤوا للاستشفاء، ويقرأ عليهم آيات لفك السحر وطرد الجن، ويردّدها هو، بينما مساعدوه يكبلون المقروء عليه، حتى كأنه ثور يُعَد للذبح".
وأضاف: "لكن للحقيقة بعضهم فعلاً كان يستسلم لهم، وكأنه أحسّ أو ظنّ أنه مريضٌ فعلاً، ثم يقوم بعد ذلك ويعدل هندامه، ويغادر إما خجلاً، وإما غضباً من هذه التصرفات، أو ربما يعتقد فعلاً أنه مصابٌ بهذه الوساوس والسحر".
وقال: "لا أدري ولا أدعي أن الراقي وأعوانه كاذبون، ولكن أسلوب وطريقة المبالغة ومكبر الصوت وعروض البيع والإلحاح فيه والتأكيد من المقرئ أن ذلك ضروري للشفاء، بحجة أن القراءة لا تكتمل إلا بالعسل والزيت والماء، تشكّك في المسألة".
وقبل أن يصلنا الدور وجهت سؤالاً إلى رجل ثلاثيني كان بين الحاضرين. قلت له: "ما هذه المياه المعلبة التي يقوم الشيخ ببيعها؟ وما تلك الأظرف المقفلة بإحكام التي توزع على زبائن المحل؟".
وأجابني بقوله: "هذا الشيخ معروفٌ منذ فترة من الزمن، وهو من أشهر العطّارين في المنطقة، وقد اشتهر ببيع الماء المقروء عليه، والأوراق المكتوب عليها آية الكرسي بماء الزعفران".
وسألته عن كيفية استعمال الماء والورق الذي يتوافد عليه الناس من جميع مناطق السعودية، فأجابني: "يسكب قليلا من الماء في كوب زجاجي، ومن ثم توضع الورقة داخل الماء الذي بالكوب ويشرب مباشرة".
وعن مدى ثقته بأمانة هذا العطار، قال لي: "بصراحة أنا لا أعرفه، لكنني أتيت إلى هنا نظراً إلى سمعته الكبيرة في شفاء عددٍ من الأمراض".
وأضاف: "أنا لديّ زوجة مريضة، وهذه هي المرة الثانية التي آتي فيها إلى هذا الشيخ". وقال: "في المرة الأولى أتيت فيها لم أجد أي نتيجة، ولكن أملي في الله كبير".
وعندما وصل إلينا الدور، حاولت أن أطلب من البائع علاجاً لمرض (النقرس)، إلا أنه أجاب بعدم وجود أي دواء لذلك، فبدّلت الشكوى إلى وجود حساسية ومرض جلدي لديّ، فقال عليك بوصف الحالة للشيخ. وانتهزت فرصة انشغال الشيخ مع مريض آخر؛ للحديث مع البائع حول أنفع العلاجات للجلدية، فقال دون تردّد: "عليك بزيت الزيتون"، فطلبت منه قارورة فأحضر إليّ زيت زيتون في نصف قارورة بقيمة (20) ريالاً!
وبينما نحن نعاني ازدحام الطابور إذا بصوت يعلو من جهة طابور النساء؛ حيث المسؤول عن الشباك هناك يعظ امرأة بحسم، ويدعوها إلى عدم التبرج وفتنة المسلمين، فتقول له بصوت منخفض: "أنا أتيت مع أمي يا شيخ"، فيرد عليها: "أمك في البيت مو عندي هنا"!
وتوجهنا بعد ذلك إلى أحد محال العطارة المجاورة للمحل السابق، فوجدنا البائع يروِّج لأحد أنواع التمور. ويعلق لوحة كتب عليها عبارة (هذا التمر طارد للجان ولعلاج السحر ومفيد للزوجين)! فسألناه عن سعره فأجاب: "60 ريالاً"، رغم أن وزن العبوة لا يتجاوز ربع الكيلو. وسألناه عن فائدته، فقال: "هذا مفيد لكل الأمراض الموجودة في الدنيا"!
لكن من المشاهدات الغريبة التي واجهتنا في هذا المحل اختلاف سعر الماء المقروء عليه، فالعبوات من (ماء زمزم) أغلى من الماء العادي.
ولم يكتف التسويق لأسواق المعيقلية وأطبائها الشعبيين عند هذا الحد، بل وصلت طرق التسويق إلى الشبكة العنكبوتية حيث أصبح عديدٌ من المحال الخاصّة بالعطارة تعرض منتجاتها الخاصّة من (ماء – عسل – حبة سوداء.. إلخ) على صفحات المنتديات ومواقع الإنترنت، الأمر الذي خلق تنافسية شرسة بين محال العطارة في المعيقلية وبين المحال ذاتها ولكن على شبكات الإنترنت.
وهنالك شائعة أطلقتها إحداهن على أحد المنتديات الشهيرة تقول: "إن الشيخ الذي ينفث على الماء مصابٌ بمرض فيروس الكبد الوبائي"، الأمر الذي جعل الردود تتخطى حاجز الألف رد عقب نشر هذه الشائعة. لكن أخباراً وردت في الشبكة العنكبوتية فنّدت هذه الشائعة وأنكرتها جملةً وتفصيلاً.
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليقات (16)
1 فتى الاطلال
8 ربيع الأول 1433 | 10:40 AM
[0] - [0]
2 زززززززهراني......
8 ربيع الأول 1433 | 06:36 AM
[2] - [0]
3 مهاوووي
8 ربيع الأول 1433 | 11:59 AM
[1] - [0]
4 سبق توكم ماشفتووو شي !
8 ربيع الأول 1433 | 02:53 PM
[0] - [0]
5 من السبب ؟
8 ربيع الأول 1433 | 01:51 PM
[0] - [0]
6 سعود العتيبي 1400
8 ربيع الأول 1433 | 08:32 PM
[0] - [0]
7 هلإبشش
8 ربيع الأول 1433 | 08:48 PM
[0] - [0]
8 تهااني الجهني
8 ربيع الأول 1433 | 08:51 PM
[0] - [0]
9 ابوووومحمد
8 ربيع الأول 1433 | 09:02 PM
[0] - [0]
الردود (1)
تحميل أكثر
10 يوسف سعد المحمد
8 ربيع الأول 1433 | 09:01 PM
[0] - [0]
11 عن تجربة
8 ربيع الأول 1433 | 09:17 PM
[0] - [0]
11 عن تجربة
8 ربيع الأول 1433 | 09:25 PM
[0] - [0]
12 بياض الحلم
10 ربيع الأول 1433 | 04:30 AM
[0] - [0]
13 alhoot111
10 ربيع الأول 1433 | 10:35 AM
[0] - [0]
14 الحقيقة وبس
10 ربيع الأول 1433 | 08:03 PM
[0] - [0]
15 مباشر ولاكن
10 ربيع الأول 1433 | 10:51 PM
[0] - [0]