ساحة الرأي الكتاب
  • حجم النص :
  • A
  • A
  • A
23 جمادى الثانية 1431-2010-06-0511:43 PM

كنا نؤمِّل فيكم.. واليوم نخشى منكم وعليكم!

قال الذهبيُّ في السير: لما قَدِم عمرُ الشامَ تلقّاه معاوية في موكب عظيم وهيئة، فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم. قال: مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم. قال: ولِمَ تفعل ذلك؟ قال: نحن بأرض جواسيس، العدو بها كثير؛ فيجب أن نُظهر من عزِّ السلطان ما يرهبهم، فإن نهيتني انتهيتُ. قال: يا معاوية ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلتَ حقًّا إنه لرأي أريب، وإن كان باطلا فإنه لخدعة أديب..!

وذكر الذهبيُّ عن القاضي أبي بكر الباقلاني - وكان يُضرب المثل بفهمه وذكائه – أنه ذهب رسولا عن أمير المؤمنين إلى ملك الروم، وجرت له أمور، منها أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك؛ ففطن لها القاضي ودخل بظهره.

وحكى وراق أبي زرعة الرازي يقول: حضرتُ أبا زرعة وهو في السوق – أي الاحتضار - وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء، فذكروا حديث التلقين واستحيوا من أبي زرعة، وهابوا لجلالة قدره وعلمه أن يلقنوه التوحيد؛ فقالوا تعالوا نذكر الحديث، فقال أبو عبد الله محمد بن مسلم: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح.. وجعل يقول: بن بن.. ولم يجاوز؛ فقال أبو حاتم: أخبرنا بندار، قال أخبرنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر، وسكت ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة - وهو في السوق -: أخبرنا بندار، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن بن أبي غريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وتوفي أبو زرعة - رحمه الله - على هذه الكلمة.

وثبت في البخاري عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يحدث أَنَّهُ قال مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ عن آيَةٍ فما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً له.

وروى الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -أنه لبى على الصفا وقال: يا لسان قُلْ خيرا تغنم أو اصمت تسلم من قبل أن تندم. فقال: يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو سمعته؟ قال بل سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه" (حسنه العراقي).

وروى البيهقي عن جابر - رضي الله عنه - قال: "تعلموا الصمت، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل، ثم انشروا".

إجلال العلماء والتزام الصمت بحضرتهم وعدم التصدُّر بوجودهم والكياسة في الفقه والفتوى من أدب طالب العلم، وكلنا يعرف ذلك!! كما أن السكوتَ في بعض الأحيان مطلبٌ شرعي حتى عن الأولويات، إنْ كان في إظهارها ظهور على نظام ولاة الأمر أو تلبيس على الناس أو إشاعة فتنة وتفرقة.

إنَّ الله تعالى نفسه سكت عن أشياء رحمةً بالناس، ليس نسيانا، كما ثبت بذلك في الحديث الصحيح، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ كما في الصحيحين: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا"؛ فأوقف العلم عند معاذ - رضي الله عنه - ونهاه أن يخبر الناس، بل منعه أن يبشرهم بثواب التوحيد لئلا يتكلوا. لاحظوا حرص الصحابي، يظنُّ بفقهه أن فيه بشارة للناس, ولكن بُعد نظر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما سيحصل بعد علمهم بذلك جعله ينهاه عن ذلك، مع أن علمهم بذلك فيه خير لهم، ولكن قد يجني علمهم عليهم بالتكاسل والتقاعس والتراخي عن العبادة والطاعة.

معاذ الله أن نرمي إلى السكوت عن الحق أو بيان ما أنزل الله من البيّنات والهدى للناس!

 إن ما نراه اليوم في تلهف بعض الناس للتحضر والانفتاح بل والتطلع لفلسفات الأمم الأخرى وتقديم المعقول على المنقول والتفريط في بعض الأحيان والتساهل يلزم العلماء بتذكير الناس بالله وتقواه وترهيبهم من الانسياق وراء ملذات الدنيا، فما نشاهده اليوم من التراخي يحتم في بعض الأحيان الشدة؛ ففي اللين والتراخي تنبغي الشدة، وفي حال تشدد الناس ينبغي عكسها من التيسير والترغيب والتسهيل, وفي حال تهافت وسائل الإعلام على العلماء طلبا للإثارة وتعدد الآراء وبث الفرقة وإشاعة الخلافات كمن قال الله فيهم: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (47 سورة التوبة)، ينبغي عند هذه الحالة الإمساك، وهكذا..
يخرج اليوم طالب العلم يؤلب الناس على العالم إذا وجد منه زلة، وقد سأل الوشاة ابن عباس عن معاوية - كما ثبت في البخاري - وقالوا إنه يوتر بركعة؟! فألجمهم الحجة وألزمهم المحجة القاطعة لشرورهم فقال : أصاب، إنه فقيه!!

وأعظم من ذلك تلك المقولة التي سارت مثلا "أسد تعزّرني على الإسلام" أتدرون ما حكايتها؟
جاء فرقة من الوشاة وقالوا لعمر - رضي الله عنه - إن سعدا بن أبي وقاص لا يُحسن الصلاة!
وهو رابع أو سابع رجل في الإسلام، وأول من رمى بقوس في سبيل الله!!

فيقول - كما ثبت في الصحيحين - أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي على الدِّينِ. لقد خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي.

وهل تدرون فيما جاءت قصة عمار وعمر في التيمم؟ وهي في صحيح مسلم، حينما قال عمر "اتَّقِ اللَّهَ يا عَمَّارُ" قال: "إن شِئْتَ لم أُحَدِّثْ بِهِ". قال أهل العلم: معنى قول عمر "اتق الله يا عمار"، أي فيما ترويه، وتثبَّت فيه؛ فلعلك نسيت أو اشتبه عليك؛ فإني كنتُ معك ولا أتذكر شيئًا من هذا. ومعنى قول عمار: إن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحدُّث به راجحة على التحدُّث وافقتك وأمسكتُ.

ألا يسع فقهاء الشاشات ومفتي القنوات ومتسنمي الصفحات ما وسع من كان قبلهم وأخشى لله منهم؟ ألا يقتدوا بأكثر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواية للحديث؛ فهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - الذي حوى العلم وفَقِه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول - رضي الله عنه -: لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقطع هذا البلعوم. وعنه قال: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. وقال: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة جرب، فأخرجت منها جرابين، ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة. قال الحسن: صدق والله؛ لو حدثهم أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقوه، وكأنه أراد ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية.

 قال أهل العلم: فيه من الفقه أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة، ويتحمل الأذى، ويحتسب رجاء ثواب الله تعالى، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى. قلتُ: الأذى عليه أو الأذى من قوله ذلك.

إنَّ بعض الدعاة اليوم، وبعض طلبة العلم، يخرج على الناس بباقعة زمانه، ثم بعد ذلك يقول سُئلت عن ذلك فأجبت، ولا يجوز لي أن أكتم العلم، ولم آت بجديد، ولي سلف في هذه المسألة!!

ويشذ ويشطح ويلبس على الناس ويخلط الأمور ويسوغ لنفسه الركض عكس التيار السائد لأهل البلد مما خطه لهم علماؤهم وارتضاه حكامهم وروعيت فيه مصلحة الأمة عامة، وهو يعلم أنه يخالف من هو أعلم وأتقى وأحرى للصواب والخشية لله، ولكن النفس تجاذبها بنيات الطريق من حُبِّ الظهور والجهل بالقصور والظن بإدراك المعالي واستعجال الحطام والإعجاب بالنفس.. كل ذلك مما لا يدور في فلكه وخلده فيقع وهو لا يشعر. إنَّ مَنْ هذه حاله قد يكون ممن أخبرنا رسولنا الكريم عنهم - كما صح عنه - يقوله: "سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ ما لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ".

ثبت أن أكابر الصحابة يتدافعون الجواب بينهم، كما ثبت في البخاري عن عِمْرَانَ بن حِطَّانَ قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن الْحَرِيرِ فقالت: ائْتِ ابن عَبَّاسٍ فَسَلْهُ. قال: فَسَأَلْتُهُ فقال: سَلْ ابن عُمَرَ. قال: فَسَأَلْتُ ابن عُمَرَ فقال: أخبرني أبو حَفْصٍ (يَعْنِي عُمَرَ بن الْخَطَّابِ).. الحديث.

هل يظن أولئك النفر أنهم أتوا بالعلم من أقصاه لأقصاه وأحاطوا بما لم يُحِط به غيرهم عندما يُضعِّفون ويُصحِّحون ويُقدِّمون ويُؤخِّرون ويبحرون ويستخرجون ثم يتصدرون ويسابقون بعضهم بالشواذ من المسائل؟!!
إنَّ صيام الأكابر عن وسائل الإعلام مقصود ومعلوم، وإن تصيد تلك الوسائل وأهدافه لم يعد يخفى إلا على صاحب شهوة أو شبهة!!

أيها الدعاة، إنَّ ظهوركم بالشكل الذي يقللكم في أعين العلماء، ويفتن فيكم الجهلاء، ويغري بكم السفهاء، وتلوككم به ألسنة العامة، لهو خسارة وبلاء ليس مثله بلاء؛ فكفوا عن تشويه أنفسكم، وجبوا المغيبة عنها؛ فرحم اللهُ امرأ جب المغيبة عن نفسه!

إنَّ الذكر حيث تنفع التذكرة، والعلم لا يُنشر عند غير أهله، وكما قال أمير المؤمنين علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُهُ؟! .

جلس شيخنا العلامة عبدالله بن قعود - رحمه الله - ذات ضحى في الحرم المكي يقرأ القرآن وأنا من خلفه ولا يشعر بي - ولم أحدث بهذه القصة إلا بعد وفاته - ثم أخذ يقرأ بخشوع في أول سورة المائدة حتى إذا جاء عند قوله {لولا ينهاهم...} الآية أخذ يبكي بحرقة، ووالله لقد أشفقت عليه، ولم يستطع أن يتجاوزها حتى أذّن المؤذن لصلاة الظهر!!
ولم أفهم السر حينها من ذلك البكاء!!

وبعد أن رأيتُ إسراف المنافقين وتواطؤهم مع المشركين وسكوت العلماء وتصدُّر أنصاف المتعلمين والمتعالمين، والفتن تطل على الأمة، علمت دواعي بكاء الشيخ - رحمه الله -. وبالمناسبة لو تأمل طالب العلم وتدبر السياق في آخر سورة النساء مع أول سورة المائدة سيكتشف معاني وأسرارًا عظيمة تجعله يدرك أهداف منافقي العصر، ويعرفهم ولا ينخدع بهم، ويدرك خطورة هدم البناء من داخله، ويعلم أسباب اللعنة وحلول العقاب الإلهي، ويعرف بما تُدرك النجاة، ويعرف ما يحل له وما يحرم عليه ومتى يحرم الحلال ويحل الحرام.

عجبت لمن يرد على النصيحة حينما جاءته من شيخ جليل، وما فيها إلا الوصية بالتقوى، ثم تأخذه العزةُ ويردُّ متهكما حينا وبارزا لعضلاته العلمية حينا آخر ومتربصا ومؤلِّبا على العالِم الرباني الذي أشفق ونصح وبرأ أمانته واستبرأ لعرضه، في حين أسبل أولئك أعراضهم لعامة الدهماء أن ينالوا منهم، وأخشى أن يصيبهم الله ببعض ما كسبوا، ولكن السؤال: أين هم عن قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (49) سورة المائدة ....؟!

روى الإمام مالك في الموطأ، والشافعي في المسند والأم، وأحمد في المسند، والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن عَائِشَةَ رضي الله عَنْهُا زَوْجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عن قَوَاعِدِ إبراهيم؟" فقلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَرُدُّهَا على قَوَاعِدِ إبراهيم؟ قال: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ..." الحديث. ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراجح وعدل إلى المرجوح؛ خشية أن يثير الناس ويحدث لهم بلبلة؛ وذلك لحداثتهم في الإسلام وقُرب عهدهم بالكفر أو الشرك.

قال بعض الحكماء: إنَّ الذي لم يذق طعم الخشية في العلم لا يحل له أن يفتي. وبئس طالب العلم الذي ينشغل بالجدل بعد انقراض الأكابر، فما بال بعض طلبة العلم اليوم يأتيه - وعلمه لا يتجاوز حظوظ نفسه، وحاله في العمل كذاك الفتى الذي يترد على أم المؤمنين يطلب العلم فقالت له: يا بني هل عملت بعدما سمعت مني؟ فقال: لا والله يا أماه. فقالت: يا بني فبما تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟ - اتصال هاتفي من مراسل صحيفة أو قناة ثم بعد أن يصرح نور الله ضريحه وقدس روحه يقول: هذا ما أراه!!

إن لعنة الله ولعنة الناس وغيبتهم قد تكون مشروعة، وقد يجعل الإنسان نفسه في مرماها، حينئذ نقول له: اتق الله، وابتعد عن مقت الله وغضبه، وارحم نفسك عن مغيبة الناس ولعنتهم، قال جل ذكره: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} (89) سورة البقرة، وقال سبحانه {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (60) سورة المائدة، وقال تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (18) سورة هود، وما أظن - والعلم عند الله - أن الذي يبول في طريق الناس وظلهم بأشد خطرا ممن يخرج كل يوم بقول شاذ لم يعتده الناس، ويفتنهم في دينهم ويلبس عليهم عباداتهم، ويثير البلابل بالأقوال المخالفة والشاذة، ويعكر فهمهم لعلمائهم، وينشر التفرقة المذهبية.. ثبت في صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ. قالوا: وما اللَّعَّانَانِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: الذي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ الناس أو في ظِلِّهِمْ".

إنَّ من أشر اللعنات على اليهود أنهم لم يجتمعوا على نبيهم، وتفرقوا في دينهم، وكانوا شيعا؛ فحذر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأمته أن يكونوا مثلهم؛ فقال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (31، 23) سورة الروم.

أعيذكم بالله أن تكونوا من: {الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (159) سورة الأنعام. أو تكونوا من: {الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يتسابقون للبروز ويتفيقهون في الدين {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} (7) سورة آل عمران. أو تكونوا من: { الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} (28) سورة إبراهيم.

أو ممن خسر ويظن أنه ربح كما في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} (53) سورة المائدة.

أختم محذرا من مغبة الانسياق وراء الأضواء الإعلامية وتلميع بعض الإعلاميين؛ فقد يكون حالهم أشبه بما جاء في قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (47) سورة التوبة.

ولنتأمل قوله تعالى وننزله على تلك الصحف والقنوات والمواقع التي آذتنا في ثوابتنا وأخلاقنا وعلمائنا: {لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} (48) سورة التوبة.
 
د. نايف بن محمد العصيمي 
dr.nayefo@gmail.com

تم إنتهاء المدة المحددة لإضافة تعليق

التعليقات (25)

رتب : الأقدم | الأحدث | الأحدث حسب الرد | الأكثر إعجاباً |

1 أبوالبراء الأحسائي

24 جمادى الثانية 1431 | 12:22 AM


كلام رائع فهل توجد حياة لمن تنادي؟
وأريد أن أعرف عن د.نايف أين كان غائبا عن الساحة بمثل هذه المقالات ؟


سر في الطريق لنرى البريق

2 ابو وسن

24 جمادى الثانية 1431 | 12:34 AM


جزاك الله خيرا
ورحم الله الاثنين اللي عقبوك

3 محمد ع ع

24 جمادى الثانية 1431 | 09:56 AM


لا توقف يا دكتور

اسأل الله العظيم ان يوفقك ويشرح صدرك يا دكتور نايف ويسدد خطاك




4 أبو مصعب

24 جمادى الثانية 1431 | 12:16 PM


ما أحوجنا في هذا الزمان إلى مثل هذه النصائح الجميلة الشافية الكافية ...

نسأل الله الهداية للجميع..آآآآمين

5 محب الخير

24 جمادى الثانية 1431 | 01:06 PM


اشكرك على هذه الكلمات الرائعة الشافية الوافية ولعل العنوان كفيل وحده

6 معجب

24 جمادى الثانية 1431 | 01:15 PM


رفع الله قدرك وزادك علما ونفع بك الاسلام والمسلمين

كلام جميل يبين مقدار علم كاتبه
زادك الله دنيا واخره

7 بدر الشمري

24 جمادى الثانية 1431 | 02:11 PM


الله يجزاك خير يادكتور.لكن ألا تلاحظ أنه لايوجد ردود على المقالة ربما لابد ن يكون عنوانها بارز في بداية الصفحة

الله يجزاك خير

8 فهد القحطاني

24 جمادى الثانية 1431 | 03:38 PM


مشكووووووووور على المقاااااال الاكثر من رائع يا د . نايف
والاجمل في المقال كثره الاستشهاد بالاحاديث وهذا يدل على علمك واطلاعك وثقافتك العاليه الله يوفقك

9 السهيمي

24 جمادى الثانية 1431 | 04:36 PM


مقال اكثر من رائع والى الامام دكتور نايف والله يكثر من امثالك

10 سعيفان الهيلا

24 جمادى الثانية 1431 | 05:51 PM



تعلموا الصمت، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل، ثم انشروا
رحم الله جابر ورضى عنه

وبارك الله فيك وفي قلمك يا دكتور نايف ووفق علماءنا

11 محمد حجازي

24 جمادى الثانية 1431 | 06:46 PM


بارك الله فيك يادكتور

كلامك درر وياليت يستفيدوا من هادا الكلام اللي بالي بالك ...

12 اتق الله يجعل لك مخرجا

24 جمادى الثانية 1431 | 07:27 PM


الله يعطيك العافية يادكتور هذا الكلام الصحيح والواضح واللي يكشف أصحاب الفتاوى الشاذة ونواياهم المشكوك فيها مشايخ آخر الزمان !!

13 سلطان بن عبدالله السبيعي

24 جمادى الثانية 1431 | 08:41 PM


د-نايـــــف الله يجزاك خير ويكثر من أمثالك

نعم نراء بعض الذين يظهرون لنا على الشاشات يتسابقون على الفتوى

بعلم وبغير علم

بينما كانو الصحابه سابقاً كل واحد منهم يحيل الفتوى لصحابي آخر وهذا خوف من الوقوع

في الشبهات وغير ذلك .

أسأل الله العلي العظيم أن يبارك فيك ياأبا محمد

14 محمد

24 جمادى الثانية 1431 | 08:58 PM


جزاك الله خيرا ونفع الله بك

15 القفاري

24 جمادى الثانية 1431 | 11:11 PM


اخي العزيز ابومحمد لقد اثلجت صدري بهذا المقال وكتبت ماكان يدور
بخاطري فلا شلت يمينك وجزاك الله خيرا ، اخي العزيز نحن في زمن
ليّ النصوص لتتوافق مع الهواء ويقول قائلهم انا جذيعها المحكك اليّ
محد قدي اصلح الله الجميع والسلام

16 أبو تميم

24 جمادى الثانية 1431 | 11:45 PM


نفع الله بكم

17 أبو تميم

24 جمادى الثانية 1431 | 11:45 PM


نفع الله بكم

18 ابو محمد

25 جمادى الثانية 1431 | 07:00 AM


كلام مسدد يادكتور نايف بارك الله فيك وان يجعل ماكتبته في ميزان حسناتكـــ

19 محمد الشويش

25 جمادى الثانية 1431 | 11:45 AM


ثابر يادكتور نايف فيما انت عليه وكثر الله من امثالك وادخلك افضل جناته وجزاك الله الف الف الف الف خير وشكرا............

20 محمد الشويش

25 جمادى الثانية 1431 | 11:49 AM


لقد صدقت يادكتور نايف فكثير من المشايخ يخرج في تلفاز بدون علم ونشكرك على هذا الموضوع وكثر الله من امثالك واحسن الله اليك شكرا جزيلا...........

21 سلطان عياد الحارثي

25 جمادى الثانية 1431 | 12:34 PM


بسم الله الحمن الرحيم
ماشاء الله على هذا الموضوع بصرااااحة صدقت يا د/نايف العصيمي
كل يووووم يطلع لنا على التلفزيون واحد ويخرف لنا وحنا ( مع الخيل شقرا )
واشكرك جداااااااااا وجزاك الله خير وجعله في ميزان حسناتك
وشكرااااااااااااااااااااا . . . . .

22 فواز الهذلي

25 جمادى الثانية 1431 | 12:47 PM


يعطيك العافيه د/ نايف العصيمي مقال رائع وشامل واكثر مااعجبني استشهادك بايات واحاديث مما يدل على غزارة يحثك ونحتاج دائما اللى الغيورين على ديننا امثالك وفقك الله

23 ابو همام

25 جمادى الثانية 1431 | 01:26 PM


زواج " المسيار" يصح إذا توفرت فيه شروط عقد النكاح وأركانه ، وصورة هذا الزواج موجودة في القديم ، وفيه يَشترط الزوج على المرأة التي يرغب بالتزوج منها أن لا يقسم بينها وبين نسائه بالتساوي ، أو لا ينفق عليها ، أو لا يسكنها ، وقد يشترط أن يكون لها النهار دون الليل ، وهو ما يسمى " النهاريات " ، وقد تكون المرأة هي المبادرة بإسقاط حقوقها ، فقد تكون صاحبة مال ومسكن فتُسقطهما عنه ، وقد ترضى بالنهار دون الليل ، وقد ترضى بعدد أيام دون أيام ضرائرها ، وهذا هو المشهور في زماننا .
وهذا الإسقاط للحقوق من كلا الطرفين لا يجعل النكاح محرَّماً ، وإن كرهه بعض أهل العلم لكنه لا يخرج عن الجواز من حيث شروطه وأركانه

24 ابو سطام المطيري

26 جمادى الثانية 1431 | 12:28 PM


بارك الله فيك أخي الدكتور نايف ..


مقال رائع بالفعل .. لا حرمنا الله من نبعك الراقي يا ابو محمد

25 المعيدة

26 جمادى الثانية 1431 | 01:40 PM


نتفائل بمثل هذه الأقلام ،، ولكن مازال الكثير هناك من يشذ ويشطح باغيا للشهرة والظهور

ولكن هل حقا ستبلغهم اللعنات ؟

شكرا لك أيها الكاتب أصبت كبد الحقيقة ..

المشاهدات : 45,801
التعليقات : 25
الإرسالات : 0