"أبها"  عاصمة السياحة العربية 2017 لهذه الأسباب

"جرش" من أبرز حواضرها .. ودرب البخور الأشهر

تقع مدينة "أبها" الفائزة بلقب عاصمة السياحة العربية 2017 م في منطقة تحمل بعدًا حضاريًا وتاريخيًا مهمًا، نظير موقعها الاستراتيجي الذي أهلها لكي تكون ممرًا لأهم الطرق التجارية البرية التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها الشرقي والغربي ، مما أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن في أنحاء الجزيرة.


وبحسب سلسلة آثار المملكة العربية السعودية؛ لم تكن وعورة الجزء الرئيس من منطقة عسير عائقًا أمام النشاط التجاري، بل أسهمت في جعلها أماكن مناسبة لأن تكون محطات للقوافل التجارية، تتوقف بها لمدد قصيرة، نظرًا لتوفر المياه.


كما أن تعدد مسار هذا الطريق أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن والقرى في شتى أنحاء المنطقة، وذلك لأن الطرق البرية لم تكن ثابتة بسبب اضطراب الأحوال السياسية في المناطق التي تمر بها، مما يضطر معها أصحاب القوافل إلى تغيير مسار الطريق المعتاد.
 
٣ مسارات
احتل موقع المنطقة مكانة مهمة على هذا الطريق الذي كان يخترق المنطقة عبر ثلاثة مسارات مختلفة، من الناحية الشرقية للمنطقة عبر وادي تثليث، وعبر المرتفعات الجبلية، وأيضًا عبر السهل الساحلي من الجهة الغربية، ولعل أقدم مسارات هذا الطريق هو ما كان يعرف بدرب البخور الذي اشتهر منذ نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وكان يمر من بئر حمى، ثم الأجزاء الشرقية من عسير وهي أماكن سهلة إلى حد بعيد بالمقارنة بالمناطق الجبلية، أما المسار الآخر الذي يعد الأقصر من حيث المسافة بالمقارنة بالمسار الأول والذي يبدأ من صعدة ويمر من ظهران الجنوب، ثم يعبر جبال السروات حتى الطائف ، فقد تم إنشاؤه على الأرجح في عهد الملك أبي كرب أسعد الذي حكم خلال المدة من 375 – 420م وهو الطريق الذي كانت تسلكه جيوشه عندما كان يذهب من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، نظرًا لما وصلت إليه دولته من تقدم كبير آنذاك، وهو الطريق نفسه الذي استخدمه أبرهة فيما بعد في حملته المشؤومة على مكة المكرمة واشتهر بدرب الفيل من ذلك الحين.
ويبدو أن أبرهة أجرى بعض التحسينات على بعض أجزاء هذا الطريق كي تتناسب مع ما كان يضمه جيشه من عربات وفيلة، وتظهر معالم هذا الطريق على شكل أجزاء مرصوفة بألواح حجرية تم وضعها بأسلوب فني دقيق، ويتراوح عرض هذا الطريق ما بين 6 – 10 م، وذلك تبعًا لوعورة الأجزاء التي يمر من خلالها، ويبدو أن هذا المسار كان يستخدم على نطاق واسع خلال العصر الإسلامي وكان يعرف بدرب الحاج اليمني الواصل بين صعدة ومكة المكرمة إلى جانب المسار الغربي الذي كان يمر عبر ساحل تهامة ويعد أسهل هذه الطرق على الإطلاق.
 
صراع القوى السياسية
التجارة باللبان والمر اللذين تنمو أشجارهما في جنوب الجزيرة العربية وكذلك البخور والطيوب والتوابل والملابس وبعض المنتجات الأخرى القادمة من الهند والصين مثلت نشاطًا في غاية الأهمية لسكان الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر، ولعل أهمية الطريق التجاري كانت سببًا في صراع القوى السياسية داخل وخارج الجزيرة العربية بين وقت وآخر للسيطرة على المناطق التي يمر خلالها أو لتوفير أمن القوافل وضمان استمرار الطريق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تغير مسار الطريق من وقت إلى آخر.


وكان الطريق التجاري القديم يبدأ من جنوب الجزيرة العربية فيمر قريبًا من نجران ثم يتفرع عند بئر حمى إلى فرعين رئيسيين : الأول يتجه إلى الشمال الشرقي مرورًا بالفاو (قرية ) والأفلاج ويعبر اليمامة إلى الهفوف التي كانت تعرف بالجرهاء قديمًا ثم يتجه بمحاذاة الخليج العربي شمالاً إلى بلاد ما بين النهرين ، في حين يتجه الفرع الآخر من الطريق إلى الشمال الغربي من الجزيرة العربية عبر وادي تثليث ثم ينحرف إلى الغرب مرورًا بالأطراف الشرقية من عسير وربما يمر عبر جرش قريبًا من خميس مشيط  ويستمر عبر جبال السراة حتى الطائف ثم يتجه منها إلى مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ومنها إلى العلا والحجر، ومن ثم إلى البتراء وبلاد الشام وصولاً إلى مصر عبر سيناء.


وكانت التجارة من أبرز العوامل التي ساعدت على تبادل التأثيرات الحضارية بين مختلف الحضارات داخل وخارج الجزيرة العربية، ولعل موقع عسير بين كندة في الشرق ونجران ومدن ممالك جنوب الجزيرة العربية في الجنوب ومكة المكرمة ومدن شمال الجزيرة العربية في الشمال إلى جانب مرور الطريق التجاري عبر أجزاء عديدة منها جعلها مسرحًا لمختلف التأثيرات الحضارية ، فظهرت جرش بوصفها واحدة من أبرز حواضرها، وبلغت أوج ازدهارها خلال فترة ما قبل الإسلام واستمرت خلال الإسلامية تمثل أبرز المدن في المنطقة، وفي الجانب الآخر ظهرت برك الغماد على  ساحل البحر الأحمر، وكذلك ضنكان في ساحل تهامة وتبالة  وبيشة ، فضلاً عن المدن والقرى والآبار والمحطات التي تنتشر في أنحاء المنطقة بما تحويه من معالم عمرانية وكتابات ونقوش صخرية.


يُذكر أن الجزيرة العربية منذ بداية النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد لعبت نشاطًا حضاريًا متزايدًا تمثل في ظهور العديد من الممالك العربية في أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية ففي جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة معين وسبأ وحضرموت وقتبان وأوسان، وفي وسط الجزيرة العربية ظهرت كندة التي تمثلت من خلال حضارة قرية "الفاو"، وفي شمال وشمال غرب الجزيرة العربية ظهر الديدانيون واللحيانيون والأنباط ، أما في شرق الجزيرة العربية فظهرت حضارة الجرهاء ودلمون.
 

اعلان
"أبها"  عاصمة السياحة العربية 2017 لهذه الأسباب
سبق

تقع مدينة "أبها" الفائزة بلقب عاصمة السياحة العربية 2017 م في منطقة تحمل بعدًا حضاريًا وتاريخيًا مهمًا، نظير موقعها الاستراتيجي الذي أهلها لكي تكون ممرًا لأهم الطرق التجارية البرية التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها الشرقي والغربي ، مما أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن في أنحاء الجزيرة.


وبحسب سلسلة آثار المملكة العربية السعودية؛ لم تكن وعورة الجزء الرئيس من منطقة عسير عائقًا أمام النشاط التجاري، بل أسهمت في جعلها أماكن مناسبة لأن تكون محطات للقوافل التجارية، تتوقف بها لمدد قصيرة، نظرًا لتوفر المياه.


كما أن تعدد مسار هذا الطريق أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن والقرى في شتى أنحاء المنطقة، وذلك لأن الطرق البرية لم تكن ثابتة بسبب اضطراب الأحوال السياسية في المناطق التي تمر بها، مما يضطر معها أصحاب القوافل إلى تغيير مسار الطريق المعتاد.
 
٣ مسارات
احتل موقع المنطقة مكانة مهمة على هذا الطريق الذي كان يخترق المنطقة عبر ثلاثة مسارات مختلفة، من الناحية الشرقية للمنطقة عبر وادي تثليث، وعبر المرتفعات الجبلية، وأيضًا عبر السهل الساحلي من الجهة الغربية، ولعل أقدم مسارات هذا الطريق هو ما كان يعرف بدرب البخور الذي اشتهر منذ نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وكان يمر من بئر حمى، ثم الأجزاء الشرقية من عسير وهي أماكن سهلة إلى حد بعيد بالمقارنة بالمناطق الجبلية، أما المسار الآخر الذي يعد الأقصر من حيث المسافة بالمقارنة بالمسار الأول والذي يبدأ من صعدة ويمر من ظهران الجنوب، ثم يعبر جبال السروات حتى الطائف ، فقد تم إنشاؤه على الأرجح في عهد الملك أبي كرب أسعد الذي حكم خلال المدة من 375 – 420م وهو الطريق الذي كانت تسلكه جيوشه عندما كان يذهب من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، نظرًا لما وصلت إليه دولته من تقدم كبير آنذاك، وهو الطريق نفسه الذي استخدمه أبرهة فيما بعد في حملته المشؤومة على مكة المكرمة واشتهر بدرب الفيل من ذلك الحين.
ويبدو أن أبرهة أجرى بعض التحسينات على بعض أجزاء هذا الطريق كي تتناسب مع ما كان يضمه جيشه من عربات وفيلة، وتظهر معالم هذا الطريق على شكل أجزاء مرصوفة بألواح حجرية تم وضعها بأسلوب فني دقيق، ويتراوح عرض هذا الطريق ما بين 6 – 10 م، وذلك تبعًا لوعورة الأجزاء التي يمر من خلالها، ويبدو أن هذا المسار كان يستخدم على نطاق واسع خلال العصر الإسلامي وكان يعرف بدرب الحاج اليمني الواصل بين صعدة ومكة المكرمة إلى جانب المسار الغربي الذي كان يمر عبر ساحل تهامة ويعد أسهل هذه الطرق على الإطلاق.
 
صراع القوى السياسية
التجارة باللبان والمر اللذين تنمو أشجارهما في جنوب الجزيرة العربية وكذلك البخور والطيوب والتوابل والملابس وبعض المنتجات الأخرى القادمة من الهند والصين مثلت نشاطًا في غاية الأهمية لسكان الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر، ولعل أهمية الطريق التجاري كانت سببًا في صراع القوى السياسية داخل وخارج الجزيرة العربية بين وقت وآخر للسيطرة على المناطق التي يمر خلالها أو لتوفير أمن القوافل وضمان استمرار الطريق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تغير مسار الطريق من وقت إلى آخر.


وكان الطريق التجاري القديم يبدأ من جنوب الجزيرة العربية فيمر قريبًا من نجران ثم يتفرع عند بئر حمى إلى فرعين رئيسيين : الأول يتجه إلى الشمال الشرقي مرورًا بالفاو (قرية ) والأفلاج ويعبر اليمامة إلى الهفوف التي كانت تعرف بالجرهاء قديمًا ثم يتجه بمحاذاة الخليج العربي شمالاً إلى بلاد ما بين النهرين ، في حين يتجه الفرع الآخر من الطريق إلى الشمال الغربي من الجزيرة العربية عبر وادي تثليث ثم ينحرف إلى الغرب مرورًا بالأطراف الشرقية من عسير وربما يمر عبر جرش قريبًا من خميس مشيط  ويستمر عبر جبال السراة حتى الطائف ثم يتجه منها إلى مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ومنها إلى العلا والحجر، ومن ثم إلى البتراء وبلاد الشام وصولاً إلى مصر عبر سيناء.


وكانت التجارة من أبرز العوامل التي ساعدت على تبادل التأثيرات الحضارية بين مختلف الحضارات داخل وخارج الجزيرة العربية، ولعل موقع عسير بين كندة في الشرق ونجران ومدن ممالك جنوب الجزيرة العربية في الجنوب ومكة المكرمة ومدن شمال الجزيرة العربية في الشمال إلى جانب مرور الطريق التجاري عبر أجزاء عديدة منها جعلها مسرحًا لمختلف التأثيرات الحضارية ، فظهرت جرش بوصفها واحدة من أبرز حواضرها، وبلغت أوج ازدهارها خلال فترة ما قبل الإسلام واستمرت خلال الإسلامية تمثل أبرز المدن في المنطقة، وفي الجانب الآخر ظهرت برك الغماد على  ساحل البحر الأحمر، وكذلك ضنكان في ساحل تهامة وتبالة  وبيشة ، فضلاً عن المدن والقرى والآبار والمحطات التي تنتشر في أنحاء المنطقة بما تحويه من معالم عمرانية وكتابات ونقوش صخرية.


يُذكر أن الجزيرة العربية منذ بداية النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد لعبت نشاطًا حضاريًا متزايدًا تمثل في ظهور العديد من الممالك العربية في أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية ففي جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة معين وسبأ وحضرموت وقتبان وأوسان، وفي وسط الجزيرة العربية ظهرت كندة التي تمثلت من خلال حضارة قرية "الفاو"، وفي شمال وشمال غرب الجزيرة العربية ظهر الديدانيون واللحيانيون والأنباط ، أما في شرق الجزيرة العربية فظهرت حضارة الجرهاء ودلمون.
 

26 أكتوبر 2016 - 25 محرّم 1438
10:16 PM

"أبها"  عاصمة السياحة العربية 2017 لهذه الأسباب

"جرش" من أبرز حواضرها .. ودرب البخور الأشهر

A A A
9
9,667

تقع مدينة "أبها" الفائزة بلقب عاصمة السياحة العربية 2017 م في منطقة تحمل بعدًا حضاريًا وتاريخيًا مهمًا، نظير موقعها الاستراتيجي الذي أهلها لكي تكون ممرًا لأهم الطرق التجارية البرية التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها الشرقي والغربي ، مما أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن في أنحاء الجزيرة.


وبحسب سلسلة آثار المملكة العربية السعودية؛ لم تكن وعورة الجزء الرئيس من منطقة عسير عائقًا أمام النشاط التجاري، بل أسهمت في جعلها أماكن مناسبة لأن تكون محطات للقوافل التجارية، تتوقف بها لمدد قصيرة، نظرًا لتوفر المياه.


كما أن تعدد مسار هذا الطريق أدى إلى نشأة وازدهار العديد من المدن والقرى في شتى أنحاء المنطقة، وذلك لأن الطرق البرية لم تكن ثابتة بسبب اضطراب الأحوال السياسية في المناطق التي تمر بها، مما يضطر معها أصحاب القوافل إلى تغيير مسار الطريق المعتاد.
 
٣ مسارات
احتل موقع المنطقة مكانة مهمة على هذا الطريق الذي كان يخترق المنطقة عبر ثلاثة مسارات مختلفة، من الناحية الشرقية للمنطقة عبر وادي تثليث، وعبر المرتفعات الجبلية، وأيضًا عبر السهل الساحلي من الجهة الغربية، ولعل أقدم مسارات هذا الطريق هو ما كان يعرف بدرب البخور الذي اشتهر منذ نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وكان يمر من بئر حمى، ثم الأجزاء الشرقية من عسير وهي أماكن سهلة إلى حد بعيد بالمقارنة بالمناطق الجبلية، أما المسار الآخر الذي يعد الأقصر من حيث المسافة بالمقارنة بالمسار الأول والذي يبدأ من صعدة ويمر من ظهران الجنوب، ثم يعبر جبال السروات حتى الطائف ، فقد تم إنشاؤه على الأرجح في عهد الملك أبي كرب أسعد الذي حكم خلال المدة من 375 – 420م وهو الطريق الذي كانت تسلكه جيوشه عندما كان يذهب من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، نظرًا لما وصلت إليه دولته من تقدم كبير آنذاك، وهو الطريق نفسه الذي استخدمه أبرهة فيما بعد في حملته المشؤومة على مكة المكرمة واشتهر بدرب الفيل من ذلك الحين.
ويبدو أن أبرهة أجرى بعض التحسينات على بعض أجزاء هذا الطريق كي تتناسب مع ما كان يضمه جيشه من عربات وفيلة، وتظهر معالم هذا الطريق على شكل أجزاء مرصوفة بألواح حجرية تم وضعها بأسلوب فني دقيق، ويتراوح عرض هذا الطريق ما بين 6 – 10 م، وذلك تبعًا لوعورة الأجزاء التي يمر من خلالها، ويبدو أن هذا المسار كان يستخدم على نطاق واسع خلال العصر الإسلامي وكان يعرف بدرب الحاج اليمني الواصل بين صعدة ومكة المكرمة إلى جانب المسار الغربي الذي كان يمر عبر ساحل تهامة ويعد أسهل هذه الطرق على الإطلاق.
 
صراع القوى السياسية
التجارة باللبان والمر اللذين تنمو أشجارهما في جنوب الجزيرة العربية وكذلك البخور والطيوب والتوابل والملابس وبعض المنتجات الأخرى القادمة من الهند والصين مثلت نشاطًا في غاية الأهمية لسكان الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر، ولعل أهمية الطريق التجاري كانت سببًا في صراع القوى السياسية داخل وخارج الجزيرة العربية بين وقت وآخر للسيطرة على المناطق التي يمر خلالها أو لتوفير أمن القوافل وضمان استمرار الطريق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تغير مسار الطريق من وقت إلى آخر.


وكان الطريق التجاري القديم يبدأ من جنوب الجزيرة العربية فيمر قريبًا من نجران ثم يتفرع عند بئر حمى إلى فرعين رئيسيين : الأول يتجه إلى الشمال الشرقي مرورًا بالفاو (قرية ) والأفلاج ويعبر اليمامة إلى الهفوف التي كانت تعرف بالجرهاء قديمًا ثم يتجه بمحاذاة الخليج العربي شمالاً إلى بلاد ما بين النهرين ، في حين يتجه الفرع الآخر من الطريق إلى الشمال الغربي من الجزيرة العربية عبر وادي تثليث ثم ينحرف إلى الغرب مرورًا بالأطراف الشرقية من عسير وربما يمر عبر جرش قريبًا من خميس مشيط  ويستمر عبر جبال السراة حتى الطائف ثم يتجه منها إلى مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ومنها إلى العلا والحجر، ومن ثم إلى البتراء وبلاد الشام وصولاً إلى مصر عبر سيناء.


وكانت التجارة من أبرز العوامل التي ساعدت على تبادل التأثيرات الحضارية بين مختلف الحضارات داخل وخارج الجزيرة العربية، ولعل موقع عسير بين كندة في الشرق ونجران ومدن ممالك جنوب الجزيرة العربية في الجنوب ومكة المكرمة ومدن شمال الجزيرة العربية في الشمال إلى جانب مرور الطريق التجاري عبر أجزاء عديدة منها جعلها مسرحًا لمختلف التأثيرات الحضارية ، فظهرت جرش بوصفها واحدة من أبرز حواضرها، وبلغت أوج ازدهارها خلال فترة ما قبل الإسلام واستمرت خلال الإسلامية تمثل أبرز المدن في المنطقة، وفي الجانب الآخر ظهرت برك الغماد على  ساحل البحر الأحمر، وكذلك ضنكان في ساحل تهامة وتبالة  وبيشة ، فضلاً عن المدن والقرى والآبار والمحطات التي تنتشر في أنحاء المنطقة بما تحويه من معالم عمرانية وكتابات ونقوش صخرية.


يُذكر أن الجزيرة العربية منذ بداية النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد لعبت نشاطًا حضاريًا متزايدًا تمثل في ظهور العديد من الممالك العربية في أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية ففي جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة معين وسبأ وحضرموت وقتبان وأوسان، وفي وسط الجزيرة العربية ظهرت كندة التي تمثلت من خلال حضارة قرية "الفاو"، وفي شمال وشمال غرب الجزيرة العربية ظهر الديدانيون واللحيانيون والأنباط ، أما في شرق الجزيرة العربية فظهرت حضارة الجرهاء ودلمون.