أنقذوا بقايا ضمائركم

كم مرة وجدت نفسك لا تطيق سماع عبارات تقلب الحقائق رأسًا على عقب؟ كم مرة وجدت نفسك تشيح ببصرك عن إتمام قراءة عبارات مصفوفة منمقة، تقطر مديحًا مبالَغًا فيه، سمجًا وخادعًا أيضًا، وهي تحيل الزيف حقيقة، والخطأ صوابًا!! وفاحت منها روائح المصلحة، وتكاد ترى عيون القائلين والكاتبين وهي تضيق وتحدق في انتظار المقابل، وربما تكاد تسمع احتكاك أكفهم أيضًا؟!
 
كم مرة وجدت نفسك تتمنى أن تقول للقائل أو الكاتب: يكفي هذا؛ لقد صدعت رؤوسنا بغثائك، لستَ مضطرًا أن توافق المسؤول وتنافقه فقط لأنه يرتخي على كرسي سيدور به يومًا، ويخليه لغيره؟ لسنا بحاجة لكل هذا، وفي هذا الوقت بالذات؛ فرائحة المصالح الفائحة يجب أن يُحكم الغطاء عليها؛ حتى لا تصبح الطريق الأسهل للحصول على الترقي والرضا الوظيفي، أو غيرها من الجوائز الثمينة.. سئمنا هذا الأسلوب الأقرب للفساد، خاصة حين يكون تأثيره واضحًا لدى المتلقي المستهدف، وتنبئ قراراته، وكأنها تلبست بردات الفعل لمديح هذا وقول ذاك!
 
إن الكلمة، سواء كانت مقروءة أم مكتوبة، هي أمانة، وحينما تندلق للفضاء تصبح شاهدة عليك أو لك! تلك حقائق يفترض أننا وعيناها تمامًا، وأصبحت تظلل أحاديثنا وكتاباتنا، وننطلق منها كبنية أساسية لآرائنا المحكية والمكتوبة؛ خاصة ونحن في زمن الانفتاح الإعلامي المجتمعي، الذي يكاد بعضه يقترب من الفضائحي!! والذي يستطيع أن يكذِّب أولئك المتمصلحين ببساطة شديدة..
 
لذلك يا كل هؤلاء، دعوا المسؤول يعمل بهدوء، وبلا تشويش، لا تشعروه بأنه مَرضيّ عنه تمامًا، وأنه نقي بلا خطيئة!! دعوه يستشعر الخطأ الذي وقع فيه؛ ليتمكن من تصحيحه. إن حفنة من مديح تحصلون عليها منه، أو حفنة من مال أو ترقيه أو حظوة.. كلها زائلة، لكن لا تظنوا أنها تُنسى! أثرها باقٍ في الدنيا والآخرة إلا من رحمة الله تعالى..
 
والعجيب أن البعض يرى ذلك من المسلَّمات، وليس اقترافًا، ومنهم من يعطي نفسه مبررًا يريحه؛ ليستمر في التزيين والتمليح.. وما إن يترك المسؤول منصبه حتى ينساه تمامًا، وكأنه لم يكن، ويبري قلمه ولسانه استعدادًا للمسؤول الجديد!! هذه الثقافة التي أكل عليها الزمن وشرب ينبغي أن تختفي، بل يجب أن يُحاسَب عليها.. هذا العبث يعيق نهضتنا، ويؤذي نجاحاتنا.. كما أن الممدوح ينبغي له أن يفهم دوافع المادح؛ حتى يقيّمه، ويقرأ أهدافه؛ فليس هو (أي الممدوح) بالضرورة موافقًا لهوى المادح دائمًا.. لا بد أن يكون اختلاف الرأي بينهما كائنًا مهما حاول المادح تقريبه!!
 
هكذا تضج إداراتنا بين سلبية بعض الموظفين، والخوف من قطع الأرزاق، خاصة أمام المديرين المعروفين بالصلابة والشدة.. وبين من يتبرع بالتملق والتسلق.. وأعتقد أنه قد حان الوقت لتغيير تلك العادات بالكثير من الجهد ونشر الوعي بين الجميع، وتلقين الناشئة منذ وعيهم الأول للصواب والخطأ الممارسات السليمة، وتحذيرهم من الممارسات السيئة..
 
لكن في المقابل ليس كلُّ مدح كاذبًا؛ فهناك من يستحق فعلاً، كما أن البعض يخجل من التعبير عن رأيه وإعجابه خوفًا من شبهة التملق والمديح الزائف، خاصة أنه في كل مجتمع، خاصة الوظيفي، تجد مجموعة متحفزة لأي كلمة أو حركة من أي أحد للتبرع بتفسيراتها التي تراها منطقية، وإلقاء تهمة التزلف والتملق! لكل الفريقين.. أنقذوا بقايا ضمائركم قبل فوات الأوان. 

اعلان
أنقذوا بقايا ضمائركم
سبق

كم مرة وجدت نفسك لا تطيق سماع عبارات تقلب الحقائق رأسًا على عقب؟ كم مرة وجدت نفسك تشيح ببصرك عن إتمام قراءة عبارات مصفوفة منمقة، تقطر مديحًا مبالَغًا فيه، سمجًا وخادعًا أيضًا، وهي تحيل الزيف حقيقة، والخطأ صوابًا!! وفاحت منها روائح المصلحة، وتكاد ترى عيون القائلين والكاتبين وهي تضيق وتحدق في انتظار المقابل، وربما تكاد تسمع احتكاك أكفهم أيضًا؟!
 
كم مرة وجدت نفسك تتمنى أن تقول للقائل أو الكاتب: يكفي هذا؛ لقد صدعت رؤوسنا بغثائك، لستَ مضطرًا أن توافق المسؤول وتنافقه فقط لأنه يرتخي على كرسي سيدور به يومًا، ويخليه لغيره؟ لسنا بحاجة لكل هذا، وفي هذا الوقت بالذات؛ فرائحة المصالح الفائحة يجب أن يُحكم الغطاء عليها؛ حتى لا تصبح الطريق الأسهل للحصول على الترقي والرضا الوظيفي، أو غيرها من الجوائز الثمينة.. سئمنا هذا الأسلوب الأقرب للفساد، خاصة حين يكون تأثيره واضحًا لدى المتلقي المستهدف، وتنبئ قراراته، وكأنها تلبست بردات الفعل لمديح هذا وقول ذاك!
 
إن الكلمة، سواء كانت مقروءة أم مكتوبة، هي أمانة، وحينما تندلق للفضاء تصبح شاهدة عليك أو لك! تلك حقائق يفترض أننا وعيناها تمامًا، وأصبحت تظلل أحاديثنا وكتاباتنا، وننطلق منها كبنية أساسية لآرائنا المحكية والمكتوبة؛ خاصة ونحن في زمن الانفتاح الإعلامي المجتمعي، الذي يكاد بعضه يقترب من الفضائحي!! والذي يستطيع أن يكذِّب أولئك المتمصلحين ببساطة شديدة..
 
لذلك يا كل هؤلاء، دعوا المسؤول يعمل بهدوء، وبلا تشويش، لا تشعروه بأنه مَرضيّ عنه تمامًا، وأنه نقي بلا خطيئة!! دعوه يستشعر الخطأ الذي وقع فيه؛ ليتمكن من تصحيحه. إن حفنة من مديح تحصلون عليها منه، أو حفنة من مال أو ترقيه أو حظوة.. كلها زائلة، لكن لا تظنوا أنها تُنسى! أثرها باقٍ في الدنيا والآخرة إلا من رحمة الله تعالى..
 
والعجيب أن البعض يرى ذلك من المسلَّمات، وليس اقترافًا، ومنهم من يعطي نفسه مبررًا يريحه؛ ليستمر في التزيين والتمليح.. وما إن يترك المسؤول منصبه حتى ينساه تمامًا، وكأنه لم يكن، ويبري قلمه ولسانه استعدادًا للمسؤول الجديد!! هذه الثقافة التي أكل عليها الزمن وشرب ينبغي أن تختفي، بل يجب أن يُحاسَب عليها.. هذا العبث يعيق نهضتنا، ويؤذي نجاحاتنا.. كما أن الممدوح ينبغي له أن يفهم دوافع المادح؛ حتى يقيّمه، ويقرأ أهدافه؛ فليس هو (أي الممدوح) بالضرورة موافقًا لهوى المادح دائمًا.. لا بد أن يكون اختلاف الرأي بينهما كائنًا مهما حاول المادح تقريبه!!
 
هكذا تضج إداراتنا بين سلبية بعض الموظفين، والخوف من قطع الأرزاق، خاصة أمام المديرين المعروفين بالصلابة والشدة.. وبين من يتبرع بالتملق والتسلق.. وأعتقد أنه قد حان الوقت لتغيير تلك العادات بالكثير من الجهد ونشر الوعي بين الجميع، وتلقين الناشئة منذ وعيهم الأول للصواب والخطأ الممارسات السليمة، وتحذيرهم من الممارسات السيئة..
 
لكن في المقابل ليس كلُّ مدح كاذبًا؛ فهناك من يستحق فعلاً، كما أن البعض يخجل من التعبير عن رأيه وإعجابه خوفًا من شبهة التملق والمديح الزائف، خاصة أنه في كل مجتمع، خاصة الوظيفي، تجد مجموعة متحفزة لأي كلمة أو حركة من أي أحد للتبرع بتفسيراتها التي تراها منطقية، وإلقاء تهمة التزلف والتملق! لكل الفريقين.. أنقذوا بقايا ضمائركم قبل فوات الأوان. 

29 إبريل 2017 - 3 شعبان 1438
09:18 PM

أنقذوا بقايا ضمائركم

منيرة آل سليمان - الرياض
A A A
4
1,376

كم مرة وجدت نفسك لا تطيق سماع عبارات تقلب الحقائق رأسًا على عقب؟ كم مرة وجدت نفسك تشيح ببصرك عن إتمام قراءة عبارات مصفوفة منمقة، تقطر مديحًا مبالَغًا فيه، سمجًا وخادعًا أيضًا، وهي تحيل الزيف حقيقة، والخطأ صوابًا!! وفاحت منها روائح المصلحة، وتكاد ترى عيون القائلين والكاتبين وهي تضيق وتحدق في انتظار المقابل، وربما تكاد تسمع احتكاك أكفهم أيضًا؟!
 
كم مرة وجدت نفسك تتمنى أن تقول للقائل أو الكاتب: يكفي هذا؛ لقد صدعت رؤوسنا بغثائك، لستَ مضطرًا أن توافق المسؤول وتنافقه فقط لأنه يرتخي على كرسي سيدور به يومًا، ويخليه لغيره؟ لسنا بحاجة لكل هذا، وفي هذا الوقت بالذات؛ فرائحة المصالح الفائحة يجب أن يُحكم الغطاء عليها؛ حتى لا تصبح الطريق الأسهل للحصول على الترقي والرضا الوظيفي، أو غيرها من الجوائز الثمينة.. سئمنا هذا الأسلوب الأقرب للفساد، خاصة حين يكون تأثيره واضحًا لدى المتلقي المستهدف، وتنبئ قراراته، وكأنها تلبست بردات الفعل لمديح هذا وقول ذاك!
 
إن الكلمة، سواء كانت مقروءة أم مكتوبة، هي أمانة، وحينما تندلق للفضاء تصبح شاهدة عليك أو لك! تلك حقائق يفترض أننا وعيناها تمامًا، وأصبحت تظلل أحاديثنا وكتاباتنا، وننطلق منها كبنية أساسية لآرائنا المحكية والمكتوبة؛ خاصة ونحن في زمن الانفتاح الإعلامي المجتمعي، الذي يكاد بعضه يقترب من الفضائحي!! والذي يستطيع أن يكذِّب أولئك المتمصلحين ببساطة شديدة..
 
لذلك يا كل هؤلاء، دعوا المسؤول يعمل بهدوء، وبلا تشويش، لا تشعروه بأنه مَرضيّ عنه تمامًا، وأنه نقي بلا خطيئة!! دعوه يستشعر الخطأ الذي وقع فيه؛ ليتمكن من تصحيحه. إن حفنة من مديح تحصلون عليها منه، أو حفنة من مال أو ترقيه أو حظوة.. كلها زائلة، لكن لا تظنوا أنها تُنسى! أثرها باقٍ في الدنيا والآخرة إلا من رحمة الله تعالى..
 
والعجيب أن البعض يرى ذلك من المسلَّمات، وليس اقترافًا، ومنهم من يعطي نفسه مبررًا يريحه؛ ليستمر في التزيين والتمليح.. وما إن يترك المسؤول منصبه حتى ينساه تمامًا، وكأنه لم يكن، ويبري قلمه ولسانه استعدادًا للمسؤول الجديد!! هذه الثقافة التي أكل عليها الزمن وشرب ينبغي أن تختفي، بل يجب أن يُحاسَب عليها.. هذا العبث يعيق نهضتنا، ويؤذي نجاحاتنا.. كما أن الممدوح ينبغي له أن يفهم دوافع المادح؛ حتى يقيّمه، ويقرأ أهدافه؛ فليس هو (أي الممدوح) بالضرورة موافقًا لهوى المادح دائمًا.. لا بد أن يكون اختلاف الرأي بينهما كائنًا مهما حاول المادح تقريبه!!
 
هكذا تضج إداراتنا بين سلبية بعض الموظفين، والخوف من قطع الأرزاق، خاصة أمام المديرين المعروفين بالصلابة والشدة.. وبين من يتبرع بالتملق والتسلق.. وأعتقد أنه قد حان الوقت لتغيير تلك العادات بالكثير من الجهد ونشر الوعي بين الجميع، وتلقين الناشئة منذ وعيهم الأول للصواب والخطأ الممارسات السليمة، وتحذيرهم من الممارسات السيئة..
 
لكن في المقابل ليس كلُّ مدح كاذبًا؛ فهناك من يستحق فعلاً، كما أن البعض يخجل من التعبير عن رأيه وإعجابه خوفًا من شبهة التملق والمديح الزائف، خاصة أنه في كل مجتمع، خاصة الوظيفي، تجد مجموعة متحفزة لأي كلمة أو حركة من أي أحد للتبرع بتفسيراتها التي تراها منطقية، وإلقاء تهمة التزلف والتملق! لكل الفريقين.. أنقذوا بقايا ضمائركم قبل فوات الأوان.