الاقتصاد في النفقات!

اقتَصَدَ يقتصد اقتصادًا.. اقتصد الشخص بعض دخله: ادخره. اقتصد في النفقة، اقتصد في معيشته: توسط بين الإفراط والتقتير. والقصد في المعيشة ألا يسرف ولا يقتر.. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: طائفة معتدلة.
 
بحثتُ في معاجم اللغة عن معنى آخر لعبارة (الاقتصاد في النفقات)، وما إذا كانت تقتضي التقتير والتقشف، فلم أجد إجابة إلا السؤال الذي جعلني أقوم بالبحث ابتداء، وهو: من أين أتى المسؤولون لدينا بهذا المعنى؟!
 
لسنا بحاجة إلى أن يخبرنا أحد بأن هناك توجيهات بالاقتصاد في النفقات، ونعلم تمامًا أن ذلك من الإصلاحات التي يتضمنها برنامج تحقيق التوازن المالي، الذي هو أحد البرامج الرئيسية لتحقيق الرؤية الوطنية 2030م، ولكن ما يحدث في بعض الأجهزة الحكومية ليس اقتصادًا في النفقات، وإنما هو تنافس محموم في التقتير والتقشف؛ ما سيضيّع الفرص النفيسة للإصلاح والتطوير، فضلاً عن التأثير السلبي على أداء تلك الأجهزة بشكل عام، إن لم يكن ذلك قد حصل بالفعل!
 
لا يخالجني الشك إطلاقًا في أن هاجس قادة هذه البلاد – حفظهم الله – أن تصبح الأجهزة الحكومية نماذج تحتذى في جودة الأداء، وليس فقط القيام بواجباتها على النحو المطلوب! وما التوجيه بترشيد النفقات والاقتصاد فيها إلا من مقتضيات تحقيق هذا الهدف، وليس من عقباته! فمن الحكمة والحصافة أن يتم تحقيق أعلى مستويات الجودة بأقل كلفة، ولكن – مع الأسف - هواجس بعض المسؤولين لدينا في عالم آخر؛ بدليل التقشف الذي يمارسونه! والذي يوحي بأنهم مستعدون للتعامل مع الميزانيات المخصصة للأجهزة التي يديرونها وكأنها (ودائع) على حساب جودة الأداء، وربما بعض الواجبات!
 
إن برنامج تحقيق التوازن المالي، وغيره من التدابير الرامية إلى ترشيد النفقات والاقتصاد فيها، اتُّخذت لتعالج الهدر المالي الذي كان يمارَس بشكل ممنهج في السابق. وفي تقديري، إن ضَبْط هذه المسألة (الهدر المالي) يتطلب إصدار قواعد عامة ومجردة لجميع الأجهزة الحكومية بالاقتصاد في النفقات على قدم المساواة. وبدورها، تقوم تلك الأجهزة بتقييم سياساتها في الإنفاق، والرفع للمقام السامي الكريم عند الحاجة للحصول على استثناءات من تلك القواعد، ولاسيما أن الأجهزة ليست سواء في المهمات المنوطة بها، وبعضها يدير ملفات مهمة وحساسة.. وهنا نتحدث عن جودة الأداء، وليس الواجبات المنوطة بتلك الأجهزة!
 
مؤدى ذلك أنه على المسؤول أن يبادر باتخاذ تلك الخطوة إذا ما لاحظ أن قواعد الاقتصاد في النفقات ستؤثر على جودة أداء الجهاز، وليس المهام المنوطة به فحسب، التي تقع في حيز الواجبات! لا أن يعمل القاعدة العرفية (الجود من الموجود)، وهو يرى أن الموجود لا يفي بمتطلبات العمل.
 
أما الذين فهموا أن الاقتصاد في النفقات تقتير وتقشف وتضييق على الموظفين فتجدهم الساعة يقرؤون هذا المقال وهم يتهامسون فيما بينهم "بيعلمنا شغلنا"! فهؤلاء وجودهم في ظل الرؤية الوطنية الطموحة معضلة، يلخصها قول الشاعر:
 
متى يبلغ البينانُ يومًا تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
 
 

اعلان
الاقتصاد في النفقات!
سبق

اقتَصَدَ يقتصد اقتصادًا.. اقتصد الشخص بعض دخله: ادخره. اقتصد في النفقة، اقتصد في معيشته: توسط بين الإفراط والتقتير. والقصد في المعيشة ألا يسرف ولا يقتر.. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: طائفة معتدلة.
 
بحثتُ في معاجم اللغة عن معنى آخر لعبارة (الاقتصاد في النفقات)، وما إذا كانت تقتضي التقتير والتقشف، فلم أجد إجابة إلا السؤال الذي جعلني أقوم بالبحث ابتداء، وهو: من أين أتى المسؤولون لدينا بهذا المعنى؟!
 
لسنا بحاجة إلى أن يخبرنا أحد بأن هناك توجيهات بالاقتصاد في النفقات، ونعلم تمامًا أن ذلك من الإصلاحات التي يتضمنها برنامج تحقيق التوازن المالي، الذي هو أحد البرامج الرئيسية لتحقيق الرؤية الوطنية 2030م، ولكن ما يحدث في بعض الأجهزة الحكومية ليس اقتصادًا في النفقات، وإنما هو تنافس محموم في التقتير والتقشف؛ ما سيضيّع الفرص النفيسة للإصلاح والتطوير، فضلاً عن التأثير السلبي على أداء تلك الأجهزة بشكل عام، إن لم يكن ذلك قد حصل بالفعل!
 
لا يخالجني الشك إطلاقًا في أن هاجس قادة هذه البلاد – حفظهم الله – أن تصبح الأجهزة الحكومية نماذج تحتذى في جودة الأداء، وليس فقط القيام بواجباتها على النحو المطلوب! وما التوجيه بترشيد النفقات والاقتصاد فيها إلا من مقتضيات تحقيق هذا الهدف، وليس من عقباته! فمن الحكمة والحصافة أن يتم تحقيق أعلى مستويات الجودة بأقل كلفة، ولكن – مع الأسف - هواجس بعض المسؤولين لدينا في عالم آخر؛ بدليل التقشف الذي يمارسونه! والذي يوحي بأنهم مستعدون للتعامل مع الميزانيات المخصصة للأجهزة التي يديرونها وكأنها (ودائع) على حساب جودة الأداء، وربما بعض الواجبات!
 
إن برنامج تحقيق التوازن المالي، وغيره من التدابير الرامية إلى ترشيد النفقات والاقتصاد فيها، اتُّخذت لتعالج الهدر المالي الذي كان يمارَس بشكل ممنهج في السابق. وفي تقديري، إن ضَبْط هذه المسألة (الهدر المالي) يتطلب إصدار قواعد عامة ومجردة لجميع الأجهزة الحكومية بالاقتصاد في النفقات على قدم المساواة. وبدورها، تقوم تلك الأجهزة بتقييم سياساتها في الإنفاق، والرفع للمقام السامي الكريم عند الحاجة للحصول على استثناءات من تلك القواعد، ولاسيما أن الأجهزة ليست سواء في المهمات المنوطة بها، وبعضها يدير ملفات مهمة وحساسة.. وهنا نتحدث عن جودة الأداء، وليس الواجبات المنوطة بتلك الأجهزة!
 
مؤدى ذلك أنه على المسؤول أن يبادر باتخاذ تلك الخطوة إذا ما لاحظ أن قواعد الاقتصاد في النفقات ستؤثر على جودة أداء الجهاز، وليس المهام المنوطة به فحسب، التي تقع في حيز الواجبات! لا أن يعمل القاعدة العرفية (الجود من الموجود)، وهو يرى أن الموجود لا يفي بمتطلبات العمل.
 
أما الذين فهموا أن الاقتصاد في النفقات تقتير وتقشف وتضييق على الموظفين فتجدهم الساعة يقرؤون هذا المقال وهم يتهامسون فيما بينهم "بيعلمنا شغلنا"! فهؤلاء وجودهم في ظل الرؤية الوطنية الطموحة معضلة، يلخصها قول الشاعر:
 
متى يبلغ البينانُ يومًا تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
 
 

21 مارس 2017 - 22 جمادى الآخر 1438
12:45 AM

الاقتصاد في النفقات!

A A A
2
628

اقتَصَدَ يقتصد اقتصادًا.. اقتصد الشخص بعض دخله: ادخره. اقتصد في النفقة، اقتصد في معيشته: توسط بين الإفراط والتقتير. والقصد في المعيشة ألا يسرف ولا يقتر.. {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: طائفة معتدلة.
 
بحثتُ في معاجم اللغة عن معنى آخر لعبارة (الاقتصاد في النفقات)، وما إذا كانت تقتضي التقتير والتقشف، فلم أجد إجابة إلا السؤال الذي جعلني أقوم بالبحث ابتداء، وهو: من أين أتى المسؤولون لدينا بهذا المعنى؟!
 
لسنا بحاجة إلى أن يخبرنا أحد بأن هناك توجيهات بالاقتصاد في النفقات، ونعلم تمامًا أن ذلك من الإصلاحات التي يتضمنها برنامج تحقيق التوازن المالي، الذي هو أحد البرامج الرئيسية لتحقيق الرؤية الوطنية 2030م، ولكن ما يحدث في بعض الأجهزة الحكومية ليس اقتصادًا في النفقات، وإنما هو تنافس محموم في التقتير والتقشف؛ ما سيضيّع الفرص النفيسة للإصلاح والتطوير، فضلاً عن التأثير السلبي على أداء تلك الأجهزة بشكل عام، إن لم يكن ذلك قد حصل بالفعل!
 
لا يخالجني الشك إطلاقًا في أن هاجس قادة هذه البلاد – حفظهم الله – أن تصبح الأجهزة الحكومية نماذج تحتذى في جودة الأداء، وليس فقط القيام بواجباتها على النحو المطلوب! وما التوجيه بترشيد النفقات والاقتصاد فيها إلا من مقتضيات تحقيق هذا الهدف، وليس من عقباته! فمن الحكمة والحصافة أن يتم تحقيق أعلى مستويات الجودة بأقل كلفة، ولكن – مع الأسف - هواجس بعض المسؤولين لدينا في عالم آخر؛ بدليل التقشف الذي يمارسونه! والذي يوحي بأنهم مستعدون للتعامل مع الميزانيات المخصصة للأجهزة التي يديرونها وكأنها (ودائع) على حساب جودة الأداء، وربما بعض الواجبات!
 
إن برنامج تحقيق التوازن المالي، وغيره من التدابير الرامية إلى ترشيد النفقات والاقتصاد فيها، اتُّخذت لتعالج الهدر المالي الذي كان يمارَس بشكل ممنهج في السابق. وفي تقديري، إن ضَبْط هذه المسألة (الهدر المالي) يتطلب إصدار قواعد عامة ومجردة لجميع الأجهزة الحكومية بالاقتصاد في النفقات على قدم المساواة. وبدورها، تقوم تلك الأجهزة بتقييم سياساتها في الإنفاق، والرفع للمقام السامي الكريم عند الحاجة للحصول على استثناءات من تلك القواعد، ولاسيما أن الأجهزة ليست سواء في المهمات المنوطة بها، وبعضها يدير ملفات مهمة وحساسة.. وهنا نتحدث عن جودة الأداء، وليس الواجبات المنوطة بتلك الأجهزة!
 
مؤدى ذلك أنه على المسؤول أن يبادر باتخاذ تلك الخطوة إذا ما لاحظ أن قواعد الاقتصاد في النفقات ستؤثر على جودة أداء الجهاز، وليس المهام المنوطة به فحسب، التي تقع في حيز الواجبات! لا أن يعمل القاعدة العرفية (الجود من الموجود)، وهو يرى أن الموجود لا يفي بمتطلبات العمل.
 
أما الذين فهموا أن الاقتصاد في النفقات تقتير وتقشف وتضييق على الموظفين فتجدهم الساعة يقرؤون هذا المقال وهم يتهامسون فيما بينهم "بيعلمنا شغلنا"! فهؤلاء وجودهم في ظل الرؤية الوطنية الطموحة معضلة، يلخصها قول الشاعر:
 
متى يبلغ البينانُ يومًا تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم