"التشهير" ​الإلكتروني​..​ خراب البيوت وتشتت الأسر.. ومواقع التواصل بيئته الأبرز

مختصون لـ"سبق": فعله جريمة أكدت النصوص الشرعية والعلماء تحريمها

بين فترة وأخرى تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لقضية جديدة، بطلها شخص مشهور أو عادي، لا يعرف مصورها وناشرها مدى تأثيرها النفسي والاجتماعي على المتهم، وعلى أسرته، وحكمها الشرعي والنظامي.

 

"سبق" وصلت إلى من اكتوى بسياط التشهير، وشاركته معاناته، وحاولت إيصال رسالته لعل أن تكون فيها "ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

 

"س م" مِنْ هؤلاء يقول لـ"سبق": تفاجأت من دخول ابني عليَّ وهو في حالة هستيرية لم أشاهدها في شخص عاقل فضلاً عن طفل لم يبلغ العشر سنوات من عمره، وهو يمسك جواله بيده ويشير إليه، وهو في حالة بكاء شديد، ويقول: "ليش هذا يا أبي"، بعدما شاهد مقطعاً لي قد سرب لا يتمنى أن يراه ابنٌ لأبيه، وبسبب هذا المقطع أُدخل المستشفى وخرج بعد ٤٨ ساعة، ورفض الذهاب للمدرسة شهراً كاملاً؛ خوفاً من نظرات زملائه الطلاب، لولا تعاون إدارة المدرسة وعلى رأسهم المرشد الطلابي، هذه كانت حالة ابني فما بالك بحالتي أنا".

 

أما "ي س" فقد ذكر أن مقطع فيديو له تسبب بتمزق أسرته وانفصال زوجته عنه، فيقول: "أصبحت أعيش بمفردي في منزلي بدون أسرة، بين وحدة ونقد مجتمع".

 

 "خ ز" بدوره يقول: "انتشر مقطع صوتي لي وأنا في حالة غير طبيعية تواريت عن الأنظار بسببه حتى غبت عن عملي خمسة عشر يوماً متصلة؛ خوفاً من نقد الزملاء لي ونظرتهم الدونية لشخصي، فتم طيّ قيدي، وأصبحت بلا عمل، وبلا دخل أنفق به على أسرتي، حتى تسولت عند إشارات المرور لجلب حليب لطفلي".

 

لمعرفة الحكم الشرعي بالتشهير، وموقف النظام منه، ومدى تأثيره على الأسرة؛ التقت "سبق" بأستاذ المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية "الدكتور هشام البشر"؛ حيث قال: "أعتقد أن مزلّة القدم عند الكثيرين هو عدم التفريق بين أنواع التشهير الواجب والمباح والمحرم".

 

وأضاف: "التشهير الواجب؛ وهو ما جاء حماية للدين، ويدخل في ذلك التحذير من أصحاب البدع في حدود بدعتهم، والتحذير من الكتب المشبوهة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا كان الرجل مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الناس بذلك؛ بيّن أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهم عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع"، أو على سبيل الجرح والتعديل عند الحاكم الذي توجه للحكم بناءً على شهادة المجروح، أو عند إقامة الحدود استدلالاً بقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)".

 

وتابع: "أما من شهر بنفسه وجاهر بمعصيته– قاصداً ذلك- فيكون التشهير مباحاً في حدود ما ذكره عن نفسه، ومن التشهير المباح كذلك التشهير كعقوبة تعزيرية على المشهر به، يختص بها ولي الأمر أو من ينوبه، مراعياً في ذلك المصالح والمفاسد".

 

وأكمل: "بقي التشهير المحرم؛ وهو ما عدا الأنواع السابقة؛ وهو ما يسمى بجريمة التشهير؛ وهي التي تضافرت النصوص الشرعية وأجمع العلماء على تحريمها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، هذا فيمن يحب بقلبه أن تشيع، فكيف بمن ينقل ويذيع!".

 

وتابع: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه)".

 

وأضاف "البشر": "هذا النوع هو ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي؛ حيث إنها قالت: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل شخص يرتكب أياً من الجرائم المعلوماتية الآتية:

"التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة".

 

ويجب التنبيه إلى أن هذه المادة إنما تحدثت عن عقوبة التشهير في الحق العام، ويبقى الحق الخاص قائماً، فإذا اقترنت جريمة التشهير بالقذف، فيضم إلى عقوبة التشهير حدُّ القذف، وإذا اقترن التشهير بالسبّ والشتم فيضم إلى عقوبة التشهير عقوبة تعزيرية أخرى يقدرها القاضي، وإذا اقترن بالتشهير افتيات على ولي الأمر؛ كإيقاع العقوبة التعزيرية على شخص دون إذن ولي الأمر؛ فهذه جريمة أخرى تضم إلى جريمة التشهير.

 

وزاد: "من ذلك يتبين أن هنالك ضوابطَ للتشهير ليس للعامة الاجتهاد فيها؛ فالمبتدع والكتب المضللة يتصدى لها العلماء وطلبة العلم، والمجاهر بالمعصية لا يشهر به إلا في حدود ما جاهر به، وأما العقوبة التعزيرية فاختص بها ولي الأمر.

 

بدوره، ذكر لـ"سبق" المستشار القانوني "مزيد الغصن": "السند القانوني في مسألة التشهير بالمخالف بالمملكة العربية السعودية: هي بقصد الردع والزجر، وهي إحدى العقوبات التي تلجأ إليها بعض الجهات، ولكن لا بد من وجود سند نظامي. وعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد وزارة التجارة فعلت هذه العقوبة بحق المخالفين والمنصوص عليها بالمادة "٢٠" من نظام مكافحة الغش والتقليد، والتي تجيز التشهير بالمخالف بالنشر في إحدى الصحف المحلية، وعلى نفقته، بعد صيرورة القرار نهائياً حائزاً لحجّيّة الأمر المقضي به، وهناك جهات أخرى أجاز نظامها مسألة التشهير بالمخالف لأنظمتها وليس المجال هنا لذكر كل الجهات".

 

وتابع: "تأسيساً على ما تقدم نجد أن هناك جهاتٍ تقوم بالتشهير بالمخالف على الرغم من أنه لا يوجد سند نظامي يعطيها هذا الحق، ويكون التشهير صدر بصفة رسمية من الجهة أو نتيجة تصرف فردي لأحد منسوبيها، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يمكن للمشهر به ملاحقتها قضائياً، ومن باب أولى بالنسبة للأشخاص الطبيعيين الذين يتم التشهير بهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ ملاحقة من قام بهذا النشر والتشهير قضائياً، وتكون الملاحقة القضائية للجهات الإدارية التي شهرت بالمخالف دون سند نظامي هي المحاكم الإدارية "ديوان المظالم"، ما لم يصدر نص خاص ببعض هذه الجهات للاحتكام للجان شبه قضائية بدرجاتها الابتدائية والاستئنافية، ومن ثم ديوان المظالم. وبالنسبة للأفراد الطبيعيين فجهة التقاضي المحاكم الشرعية، وأخيراً فإنه لا يجوز لأي جهة أو شخص طبيعي أن يقوم بالتشهير بالمخالف بأي وسيلة وتحت أي ظرف إلا بموجب سند نظامي".

 

وأضاف مشرف الإرشاد النفسي بتعليم الرياض "مهدي السهلي": "التشهير من منطلق نفسي، خاصة فيما يخص إبراز الجانب السلوكي السلبي غير المرغوب في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، بقصد التشفي أو تعرية الشخص أمام الآخرين فيما لا يدركه العامة عنه، بقصد النيل منه أو الانتصار للنفس لأغراض واهية؛ فهذا هو الجانب القبيح والمظلم من مظاهر التشهير الذي لا ينبغي في مجتمعنا المحافظ والمترابط؛ لأن التشهير لا يضر بشخص بعينه بقدر ما يضر بعائلة كاملة، ومن المحتمل تهديد استقرارها نتيجة هذا التشهير، كما له أثر نفسي عنيف على الأطفال داخل العائلة حينما يكون قريباً من الدرجة الأولى، ويكثر الجدل والحديث عن المشهر به من مظاهر الاستهزاء والسخرية أمام الآخرين ينتج عنه شعور الطفل بالألم النفسي والدونية والانطواء والضعف في العلاقات الاجتماعية نتيجة هذا التشهير".

 

اعلان
"التشهير" ​الإلكتروني​..​ خراب البيوت وتشتت الأسر.. ومواقع التواصل بيئته الأبرز
سبق

بين فترة وأخرى تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لقضية جديدة، بطلها شخص مشهور أو عادي، لا يعرف مصورها وناشرها مدى تأثيرها النفسي والاجتماعي على المتهم، وعلى أسرته، وحكمها الشرعي والنظامي.

 

"سبق" وصلت إلى من اكتوى بسياط التشهير، وشاركته معاناته، وحاولت إيصال رسالته لعل أن تكون فيها "ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

 

"س م" مِنْ هؤلاء يقول لـ"سبق": تفاجأت من دخول ابني عليَّ وهو في حالة هستيرية لم أشاهدها في شخص عاقل فضلاً عن طفل لم يبلغ العشر سنوات من عمره، وهو يمسك جواله بيده ويشير إليه، وهو في حالة بكاء شديد، ويقول: "ليش هذا يا أبي"، بعدما شاهد مقطعاً لي قد سرب لا يتمنى أن يراه ابنٌ لأبيه، وبسبب هذا المقطع أُدخل المستشفى وخرج بعد ٤٨ ساعة، ورفض الذهاب للمدرسة شهراً كاملاً؛ خوفاً من نظرات زملائه الطلاب، لولا تعاون إدارة المدرسة وعلى رأسهم المرشد الطلابي، هذه كانت حالة ابني فما بالك بحالتي أنا".

 

أما "ي س" فقد ذكر أن مقطع فيديو له تسبب بتمزق أسرته وانفصال زوجته عنه، فيقول: "أصبحت أعيش بمفردي في منزلي بدون أسرة، بين وحدة ونقد مجتمع".

 

 "خ ز" بدوره يقول: "انتشر مقطع صوتي لي وأنا في حالة غير طبيعية تواريت عن الأنظار بسببه حتى غبت عن عملي خمسة عشر يوماً متصلة؛ خوفاً من نقد الزملاء لي ونظرتهم الدونية لشخصي، فتم طيّ قيدي، وأصبحت بلا عمل، وبلا دخل أنفق به على أسرتي، حتى تسولت عند إشارات المرور لجلب حليب لطفلي".

 

لمعرفة الحكم الشرعي بالتشهير، وموقف النظام منه، ومدى تأثيره على الأسرة؛ التقت "سبق" بأستاذ المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية "الدكتور هشام البشر"؛ حيث قال: "أعتقد أن مزلّة القدم عند الكثيرين هو عدم التفريق بين أنواع التشهير الواجب والمباح والمحرم".

 

وأضاف: "التشهير الواجب؛ وهو ما جاء حماية للدين، ويدخل في ذلك التحذير من أصحاب البدع في حدود بدعتهم، والتحذير من الكتب المشبوهة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا كان الرجل مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الناس بذلك؛ بيّن أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهم عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع"، أو على سبيل الجرح والتعديل عند الحاكم الذي توجه للحكم بناءً على شهادة المجروح، أو عند إقامة الحدود استدلالاً بقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)".

 

وتابع: "أما من شهر بنفسه وجاهر بمعصيته– قاصداً ذلك- فيكون التشهير مباحاً في حدود ما ذكره عن نفسه، ومن التشهير المباح كذلك التشهير كعقوبة تعزيرية على المشهر به، يختص بها ولي الأمر أو من ينوبه، مراعياً في ذلك المصالح والمفاسد".

 

وأكمل: "بقي التشهير المحرم؛ وهو ما عدا الأنواع السابقة؛ وهو ما يسمى بجريمة التشهير؛ وهي التي تضافرت النصوص الشرعية وأجمع العلماء على تحريمها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، هذا فيمن يحب بقلبه أن تشيع، فكيف بمن ينقل ويذيع!".

 

وتابع: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه)".

 

وأضاف "البشر": "هذا النوع هو ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي؛ حيث إنها قالت: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل شخص يرتكب أياً من الجرائم المعلوماتية الآتية:

"التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة".

 

ويجب التنبيه إلى أن هذه المادة إنما تحدثت عن عقوبة التشهير في الحق العام، ويبقى الحق الخاص قائماً، فإذا اقترنت جريمة التشهير بالقذف، فيضم إلى عقوبة التشهير حدُّ القذف، وإذا اقترن التشهير بالسبّ والشتم فيضم إلى عقوبة التشهير عقوبة تعزيرية أخرى يقدرها القاضي، وإذا اقترن بالتشهير افتيات على ولي الأمر؛ كإيقاع العقوبة التعزيرية على شخص دون إذن ولي الأمر؛ فهذه جريمة أخرى تضم إلى جريمة التشهير.

 

وزاد: "من ذلك يتبين أن هنالك ضوابطَ للتشهير ليس للعامة الاجتهاد فيها؛ فالمبتدع والكتب المضللة يتصدى لها العلماء وطلبة العلم، والمجاهر بالمعصية لا يشهر به إلا في حدود ما جاهر به، وأما العقوبة التعزيرية فاختص بها ولي الأمر.

 

بدوره، ذكر لـ"سبق" المستشار القانوني "مزيد الغصن": "السند القانوني في مسألة التشهير بالمخالف بالمملكة العربية السعودية: هي بقصد الردع والزجر، وهي إحدى العقوبات التي تلجأ إليها بعض الجهات، ولكن لا بد من وجود سند نظامي. وعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد وزارة التجارة فعلت هذه العقوبة بحق المخالفين والمنصوص عليها بالمادة "٢٠" من نظام مكافحة الغش والتقليد، والتي تجيز التشهير بالمخالف بالنشر في إحدى الصحف المحلية، وعلى نفقته، بعد صيرورة القرار نهائياً حائزاً لحجّيّة الأمر المقضي به، وهناك جهات أخرى أجاز نظامها مسألة التشهير بالمخالف لأنظمتها وليس المجال هنا لذكر كل الجهات".

 

وتابع: "تأسيساً على ما تقدم نجد أن هناك جهاتٍ تقوم بالتشهير بالمخالف على الرغم من أنه لا يوجد سند نظامي يعطيها هذا الحق، ويكون التشهير صدر بصفة رسمية من الجهة أو نتيجة تصرف فردي لأحد منسوبيها، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يمكن للمشهر به ملاحقتها قضائياً، ومن باب أولى بالنسبة للأشخاص الطبيعيين الذين يتم التشهير بهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ ملاحقة من قام بهذا النشر والتشهير قضائياً، وتكون الملاحقة القضائية للجهات الإدارية التي شهرت بالمخالف دون سند نظامي هي المحاكم الإدارية "ديوان المظالم"، ما لم يصدر نص خاص ببعض هذه الجهات للاحتكام للجان شبه قضائية بدرجاتها الابتدائية والاستئنافية، ومن ثم ديوان المظالم. وبالنسبة للأفراد الطبيعيين فجهة التقاضي المحاكم الشرعية، وأخيراً فإنه لا يجوز لأي جهة أو شخص طبيعي أن يقوم بالتشهير بالمخالف بأي وسيلة وتحت أي ظرف إلا بموجب سند نظامي".

 

وأضاف مشرف الإرشاد النفسي بتعليم الرياض "مهدي السهلي": "التشهير من منطلق نفسي، خاصة فيما يخص إبراز الجانب السلوكي السلبي غير المرغوب في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، بقصد التشفي أو تعرية الشخص أمام الآخرين فيما لا يدركه العامة عنه، بقصد النيل منه أو الانتصار للنفس لأغراض واهية؛ فهذا هو الجانب القبيح والمظلم من مظاهر التشهير الذي لا ينبغي في مجتمعنا المحافظ والمترابط؛ لأن التشهير لا يضر بشخص بعينه بقدر ما يضر بعائلة كاملة، ومن المحتمل تهديد استقرارها نتيجة هذا التشهير، كما له أثر نفسي عنيف على الأطفال داخل العائلة حينما يكون قريباً من الدرجة الأولى، ويكثر الجدل والحديث عن المشهر به من مظاهر الاستهزاء والسخرية أمام الآخرين ينتج عنه شعور الطفل بالألم النفسي والدونية والانطواء والضعف في العلاقات الاجتماعية نتيجة هذا التشهير".

 

29 فبراير 2016 - 20 جمادى الأول 1437
08:51 PM

مختصون لـ"سبق": فعله جريمة أكدت النصوص الشرعية والعلماء تحريمها

"التشهير" ​الإلكتروني​..​ خراب البيوت وتشتت الأسر.. ومواقع التواصل بيئته الأبرز

A A A
11
8,979

بين فترة وأخرى تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لقضية جديدة، بطلها شخص مشهور أو عادي، لا يعرف مصورها وناشرها مدى تأثيرها النفسي والاجتماعي على المتهم، وعلى أسرته، وحكمها الشرعي والنظامي.

 

"سبق" وصلت إلى من اكتوى بسياط التشهير، وشاركته معاناته، وحاولت إيصال رسالته لعل أن تكون فيها "ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

 

"س م" مِنْ هؤلاء يقول لـ"سبق": تفاجأت من دخول ابني عليَّ وهو في حالة هستيرية لم أشاهدها في شخص عاقل فضلاً عن طفل لم يبلغ العشر سنوات من عمره، وهو يمسك جواله بيده ويشير إليه، وهو في حالة بكاء شديد، ويقول: "ليش هذا يا أبي"، بعدما شاهد مقطعاً لي قد سرب لا يتمنى أن يراه ابنٌ لأبيه، وبسبب هذا المقطع أُدخل المستشفى وخرج بعد ٤٨ ساعة، ورفض الذهاب للمدرسة شهراً كاملاً؛ خوفاً من نظرات زملائه الطلاب، لولا تعاون إدارة المدرسة وعلى رأسهم المرشد الطلابي، هذه كانت حالة ابني فما بالك بحالتي أنا".

 

أما "ي س" فقد ذكر أن مقطع فيديو له تسبب بتمزق أسرته وانفصال زوجته عنه، فيقول: "أصبحت أعيش بمفردي في منزلي بدون أسرة، بين وحدة ونقد مجتمع".

 

 "خ ز" بدوره يقول: "انتشر مقطع صوتي لي وأنا في حالة غير طبيعية تواريت عن الأنظار بسببه حتى غبت عن عملي خمسة عشر يوماً متصلة؛ خوفاً من نقد الزملاء لي ونظرتهم الدونية لشخصي، فتم طيّ قيدي، وأصبحت بلا عمل، وبلا دخل أنفق به على أسرتي، حتى تسولت عند إشارات المرور لجلب حليب لطفلي".

 

لمعرفة الحكم الشرعي بالتشهير، وموقف النظام منه، ومدى تأثيره على الأسرة؛ التقت "سبق" بأستاذ المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية "الدكتور هشام البشر"؛ حيث قال: "أعتقد أن مزلّة القدم عند الكثيرين هو عدم التفريق بين أنواع التشهير الواجب والمباح والمحرم".

 

وأضاف: "التشهير الواجب؛ وهو ما جاء حماية للدين، ويدخل في ذلك التحذير من أصحاب البدع في حدود بدعتهم، والتحذير من الكتب المشبوهة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا كان الرجل مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الناس بذلك؛ بيّن أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهم عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع"، أو على سبيل الجرح والتعديل عند الحاكم الذي توجه للحكم بناءً على شهادة المجروح، أو عند إقامة الحدود استدلالاً بقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)".

 

وتابع: "أما من شهر بنفسه وجاهر بمعصيته– قاصداً ذلك- فيكون التشهير مباحاً في حدود ما ذكره عن نفسه، ومن التشهير المباح كذلك التشهير كعقوبة تعزيرية على المشهر به، يختص بها ولي الأمر أو من ينوبه، مراعياً في ذلك المصالح والمفاسد".

 

وأكمل: "بقي التشهير المحرم؛ وهو ما عدا الأنواع السابقة؛ وهو ما يسمى بجريمة التشهير؛ وهي التي تضافرت النصوص الشرعية وأجمع العلماء على تحريمها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، هذا فيمن يحب بقلبه أن تشيع، فكيف بمن ينقل ويذيع!".

 

وتابع: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه)".

 

وأضاف "البشر": "هذا النوع هو ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي؛ حيث إنها قالت: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل شخص يرتكب أياً من الجرائم المعلوماتية الآتية:

"التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة".

 

ويجب التنبيه إلى أن هذه المادة إنما تحدثت عن عقوبة التشهير في الحق العام، ويبقى الحق الخاص قائماً، فإذا اقترنت جريمة التشهير بالقذف، فيضم إلى عقوبة التشهير حدُّ القذف، وإذا اقترن التشهير بالسبّ والشتم فيضم إلى عقوبة التشهير عقوبة تعزيرية أخرى يقدرها القاضي، وإذا اقترن بالتشهير افتيات على ولي الأمر؛ كإيقاع العقوبة التعزيرية على شخص دون إذن ولي الأمر؛ فهذه جريمة أخرى تضم إلى جريمة التشهير.

 

وزاد: "من ذلك يتبين أن هنالك ضوابطَ للتشهير ليس للعامة الاجتهاد فيها؛ فالمبتدع والكتب المضللة يتصدى لها العلماء وطلبة العلم، والمجاهر بالمعصية لا يشهر به إلا في حدود ما جاهر به، وأما العقوبة التعزيرية فاختص بها ولي الأمر.

 

بدوره، ذكر لـ"سبق" المستشار القانوني "مزيد الغصن": "السند القانوني في مسألة التشهير بالمخالف بالمملكة العربية السعودية: هي بقصد الردع والزجر، وهي إحدى العقوبات التي تلجأ إليها بعض الجهات، ولكن لا بد من وجود سند نظامي. وعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد وزارة التجارة فعلت هذه العقوبة بحق المخالفين والمنصوص عليها بالمادة "٢٠" من نظام مكافحة الغش والتقليد، والتي تجيز التشهير بالمخالف بالنشر في إحدى الصحف المحلية، وعلى نفقته، بعد صيرورة القرار نهائياً حائزاً لحجّيّة الأمر المقضي به، وهناك جهات أخرى أجاز نظامها مسألة التشهير بالمخالف لأنظمتها وليس المجال هنا لذكر كل الجهات".

 

وتابع: "تأسيساً على ما تقدم نجد أن هناك جهاتٍ تقوم بالتشهير بالمخالف على الرغم من أنه لا يوجد سند نظامي يعطيها هذا الحق، ويكون التشهير صدر بصفة رسمية من الجهة أو نتيجة تصرف فردي لأحد منسوبيها، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يمكن للمشهر به ملاحقتها قضائياً، ومن باب أولى بالنسبة للأشخاص الطبيعيين الذين يتم التشهير بهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ ملاحقة من قام بهذا النشر والتشهير قضائياً، وتكون الملاحقة القضائية للجهات الإدارية التي شهرت بالمخالف دون سند نظامي هي المحاكم الإدارية "ديوان المظالم"، ما لم يصدر نص خاص ببعض هذه الجهات للاحتكام للجان شبه قضائية بدرجاتها الابتدائية والاستئنافية، ومن ثم ديوان المظالم. وبالنسبة للأفراد الطبيعيين فجهة التقاضي المحاكم الشرعية، وأخيراً فإنه لا يجوز لأي جهة أو شخص طبيعي أن يقوم بالتشهير بالمخالف بأي وسيلة وتحت أي ظرف إلا بموجب سند نظامي".

 

وأضاف مشرف الإرشاد النفسي بتعليم الرياض "مهدي السهلي": "التشهير من منطلق نفسي، خاصة فيما يخص إبراز الجانب السلوكي السلبي غير المرغوب في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، بقصد التشفي أو تعرية الشخص أمام الآخرين فيما لا يدركه العامة عنه، بقصد النيل منه أو الانتصار للنفس لأغراض واهية؛ فهذا هو الجانب القبيح والمظلم من مظاهر التشهير الذي لا ينبغي في مجتمعنا المحافظ والمترابط؛ لأن التشهير لا يضر بشخص بعينه بقدر ما يضر بعائلة كاملة، ومن المحتمل تهديد استقرارها نتيجة هذا التشهير، كما له أثر نفسي عنيف على الأطفال داخل العائلة حينما يكون قريباً من الدرجة الأولى، ويكثر الجدل والحديث عن المشهر به من مظاهر الاستهزاء والسخرية أمام الآخرين ينتج عنه شعور الطفل بالألم النفسي والدونية والانطواء والضعف في العلاقات الاجتماعية نتيجة هذا التشهير".