التقنية بين الإرهاب والأقطاب

بعد معركة دامت أسابيع بين أقطاب الولايات المتحدة الأمنية والعدلية والتقنية على خلفية طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) - عن طريق المحكمة من شركة أبل فك شفرة جهاز مرتكب جريمة سان برنارديون بكاليفورنيا، الذي قوبل برفض الشركة، وانتهى بتمكن(FBI) من كسر الشفرة دون مساعدة الشركة (الصانعة)، فإن الجدير بالتأمل هنا ليس النتيجة - وهي كسر الشفرة – وإنما الفيلم الدرامي الذي تم بين الأقطاب الثلاثة، وأبعاده، والأهداف التي كانت(FBI) تسعى لتحقيقها من إخضاع شركة أبل لهذا الطلب الذي بالتأكيد يخالف سياسة الشركة - وربما دستور الدولة أيضًا- مستغلة فداحة الجرم، وتعاطف المحكمة، وغضب الشارع.

باعتقادي، إن (FBI) لم تكن عاجزة عن كسر شفرة الجهاز ابتداء -وقد فعلت- ولم يكن ضغطها على الشركة هدفه فعلاً الدخول على الجهاز وبياناته للوصول لخيوط الجريمة كافة، وإنما كان الهدف هو رسم سياسة جديدة للشركات التقنية، وهي جبرية الخضوع والخنوع لمثل هذه الطلبات في المستقبل، التي بالتأكيد تخالفسياسات الشركات بالمجمل. لكن صمود شركة أبل في وجه هذا المدفع الثائر المتعطش لانتهاك الخصوصيات وجمع المعلومات أفشل هذا المخطط الذي كان – بلا شك - سيهز مصداقية الشركات؛ ما سينعكس على ولاء عملائها؛ وبالتالي مبيعاتها.

انتهت قضيتهم في المحكمة، ولكن لم تنتهِ فصول معركتهم. إعلانهم - عن طريق المحكمة - أنهم استطاعوا كسر شفرة الجهاز -مع أنه من المفترض إخفاؤه – ما هو إلا مناورة أخرى من (FBI) للالتفاف على صمود أبل والشركات التقنية الأخرى من خلفها.باعتقادي، إن هذه المناورة تحمل بعدين خطيرين، أولهما هو رغبة (FBI) بإحراج أبل أمام العالم لكشفها عن وجود ثغرات بنظامها الذي يتباهون بأمانه العالي؛ لتعيد التفكير مستقبلاً في مقاومتها؛ حتى لا تتعرض للإحراج مرة أخرى. البعد الثاني هو تهديد مبطن للشركات الأخرى في حال سلوكها سلوك شركة أبل نفسه، ورفضها طلبات الكشف عن المعلومات.

بعد هذه المعركة قامت شركات أخرى –كواتساب- بخطوات استباقية بإعلانها تطبيق التشفير في منتجاتها، وعدم قدرتها على قراءة المعلومات حتى تقطع الطريق على الحكومة. مع وجود شكوك حول عدم قدرتها على قراءة المعلومات إلا أن هذه الخطوة سوف تخرجها من دائرة المطالبات القانونية والمحاكم التي سوف تؤثر على سمعتها بشكل كبير، وستضطر الحكومة إلى استخدام الطرق الأخرى مباشرة دون الدخول في أي مواجهة معها.

هذه القضية تعيد سكب الزيت على نار الخلاف القائم بين الجهات الأمنية والاستخبارية من جهة، والحقوقيين ومتخصصي أمن المعلومات من جهة أخرى. هذا الخلاف يتمحور حول سؤال واحد، هو: هل للحكومة الحق للوصول للبيانات والمعلومات؟ سؤال قد يبدو من السهل الإجابة عنه من الوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا، تجعلنا فعلاً نحتار بسبب وجاهتها ومنطقيتها.

فمن كانت إجابته بـلا سيجد نفسه أمام سيل من الأسئلة الأخرى عن الأمن القومي وأهمية التعاون لكشف خيوط الجرائم المرتكبة، وعن الإرهاب وضرورة التصدي الاستباقي لضرباته.. ومن أجاب بنعم سيواجه أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا عن خصوصية البشر التي تكفلها الدساتير وعن حدود الحكومة الأمريكية في الوصول للمعلومات وعن أحقية حكومات الدول الأخرى في الوصول للمعلومات بحجج مقبولة مثل مكافحة الإرهاب، وعن مواطنيها وبياناتهم.

عبدالله السعدي
اعلان
التقنية بين الإرهاب والأقطاب
سبق

بعد معركة دامت أسابيع بين أقطاب الولايات المتحدة الأمنية والعدلية والتقنية على خلفية طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) - عن طريق المحكمة من شركة أبل فك شفرة جهاز مرتكب جريمة سان برنارديون بكاليفورنيا، الذي قوبل برفض الشركة، وانتهى بتمكن(FBI) من كسر الشفرة دون مساعدة الشركة (الصانعة)، فإن الجدير بالتأمل هنا ليس النتيجة - وهي كسر الشفرة – وإنما الفيلم الدرامي الذي تم بين الأقطاب الثلاثة، وأبعاده، والأهداف التي كانت(FBI) تسعى لتحقيقها من إخضاع شركة أبل لهذا الطلب الذي بالتأكيد يخالف سياسة الشركة - وربما دستور الدولة أيضًا- مستغلة فداحة الجرم، وتعاطف المحكمة، وغضب الشارع.

باعتقادي، إن (FBI) لم تكن عاجزة عن كسر شفرة الجهاز ابتداء -وقد فعلت- ولم يكن ضغطها على الشركة هدفه فعلاً الدخول على الجهاز وبياناته للوصول لخيوط الجريمة كافة، وإنما كان الهدف هو رسم سياسة جديدة للشركات التقنية، وهي جبرية الخضوع والخنوع لمثل هذه الطلبات في المستقبل، التي بالتأكيد تخالفسياسات الشركات بالمجمل. لكن صمود شركة أبل في وجه هذا المدفع الثائر المتعطش لانتهاك الخصوصيات وجمع المعلومات أفشل هذا المخطط الذي كان – بلا شك - سيهز مصداقية الشركات؛ ما سينعكس على ولاء عملائها؛ وبالتالي مبيعاتها.

انتهت قضيتهم في المحكمة، ولكن لم تنتهِ فصول معركتهم. إعلانهم - عن طريق المحكمة - أنهم استطاعوا كسر شفرة الجهاز -مع أنه من المفترض إخفاؤه – ما هو إلا مناورة أخرى من (FBI) للالتفاف على صمود أبل والشركات التقنية الأخرى من خلفها.باعتقادي، إن هذه المناورة تحمل بعدين خطيرين، أولهما هو رغبة (FBI) بإحراج أبل أمام العالم لكشفها عن وجود ثغرات بنظامها الذي يتباهون بأمانه العالي؛ لتعيد التفكير مستقبلاً في مقاومتها؛ حتى لا تتعرض للإحراج مرة أخرى. البعد الثاني هو تهديد مبطن للشركات الأخرى في حال سلوكها سلوك شركة أبل نفسه، ورفضها طلبات الكشف عن المعلومات.

بعد هذه المعركة قامت شركات أخرى –كواتساب- بخطوات استباقية بإعلانها تطبيق التشفير في منتجاتها، وعدم قدرتها على قراءة المعلومات حتى تقطع الطريق على الحكومة. مع وجود شكوك حول عدم قدرتها على قراءة المعلومات إلا أن هذه الخطوة سوف تخرجها من دائرة المطالبات القانونية والمحاكم التي سوف تؤثر على سمعتها بشكل كبير، وستضطر الحكومة إلى استخدام الطرق الأخرى مباشرة دون الدخول في أي مواجهة معها.

هذه القضية تعيد سكب الزيت على نار الخلاف القائم بين الجهات الأمنية والاستخبارية من جهة، والحقوقيين ومتخصصي أمن المعلومات من جهة أخرى. هذا الخلاف يتمحور حول سؤال واحد، هو: هل للحكومة الحق للوصول للبيانات والمعلومات؟ سؤال قد يبدو من السهل الإجابة عنه من الوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا، تجعلنا فعلاً نحتار بسبب وجاهتها ومنطقيتها.

فمن كانت إجابته بـلا سيجد نفسه أمام سيل من الأسئلة الأخرى عن الأمن القومي وأهمية التعاون لكشف خيوط الجرائم المرتكبة، وعن الإرهاب وضرورة التصدي الاستباقي لضرباته.. ومن أجاب بنعم سيواجه أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا عن خصوصية البشر التي تكفلها الدساتير وعن حدود الحكومة الأمريكية في الوصول للمعلومات وعن أحقية حكومات الدول الأخرى في الوصول للمعلومات بحجج مقبولة مثل مكافحة الإرهاب، وعن مواطنيها وبياناتهم.

13 يونيو 2016 - 8 رمضان 1437
10:17 PM
اخر تعديل
31 ديسمبر 2019 - 5 جمادى الأول 1441
06:03 AM

التقنية بين الإرهاب والأقطاب

عبدالله السعدي - الرياض
A A A
2
480

بعد معركة دامت أسابيع بين أقطاب الولايات المتحدة الأمنية والعدلية والتقنية على خلفية طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) - عن طريق المحكمة من شركة أبل فك شفرة جهاز مرتكب جريمة سان برنارديون بكاليفورنيا، الذي قوبل برفض الشركة، وانتهى بتمكن(FBI) من كسر الشفرة دون مساعدة الشركة (الصانعة)، فإن الجدير بالتأمل هنا ليس النتيجة - وهي كسر الشفرة – وإنما الفيلم الدرامي الذي تم بين الأقطاب الثلاثة، وأبعاده، والأهداف التي كانت(FBI) تسعى لتحقيقها من إخضاع شركة أبل لهذا الطلب الذي بالتأكيد يخالف سياسة الشركة - وربما دستور الدولة أيضًا- مستغلة فداحة الجرم، وتعاطف المحكمة، وغضب الشارع.

باعتقادي، إن (FBI) لم تكن عاجزة عن كسر شفرة الجهاز ابتداء -وقد فعلت- ولم يكن ضغطها على الشركة هدفه فعلاً الدخول على الجهاز وبياناته للوصول لخيوط الجريمة كافة، وإنما كان الهدف هو رسم سياسة جديدة للشركات التقنية، وهي جبرية الخضوع والخنوع لمثل هذه الطلبات في المستقبل، التي بالتأكيد تخالفسياسات الشركات بالمجمل. لكن صمود شركة أبل في وجه هذا المدفع الثائر المتعطش لانتهاك الخصوصيات وجمع المعلومات أفشل هذا المخطط الذي كان – بلا شك - سيهز مصداقية الشركات؛ ما سينعكس على ولاء عملائها؛ وبالتالي مبيعاتها.

انتهت قضيتهم في المحكمة، ولكن لم تنتهِ فصول معركتهم. إعلانهم - عن طريق المحكمة - أنهم استطاعوا كسر شفرة الجهاز -مع أنه من المفترض إخفاؤه – ما هو إلا مناورة أخرى من (FBI) للالتفاف على صمود أبل والشركات التقنية الأخرى من خلفها.باعتقادي، إن هذه المناورة تحمل بعدين خطيرين، أولهما هو رغبة (FBI) بإحراج أبل أمام العالم لكشفها عن وجود ثغرات بنظامها الذي يتباهون بأمانه العالي؛ لتعيد التفكير مستقبلاً في مقاومتها؛ حتى لا تتعرض للإحراج مرة أخرى. البعد الثاني هو تهديد مبطن للشركات الأخرى في حال سلوكها سلوك شركة أبل نفسه، ورفضها طلبات الكشف عن المعلومات.

بعد هذه المعركة قامت شركات أخرى –كواتساب- بخطوات استباقية بإعلانها تطبيق التشفير في منتجاتها، وعدم قدرتها على قراءة المعلومات حتى تقطع الطريق على الحكومة. مع وجود شكوك حول عدم قدرتها على قراءة المعلومات إلا أن هذه الخطوة سوف تخرجها من دائرة المطالبات القانونية والمحاكم التي سوف تؤثر على سمعتها بشكل كبير، وستضطر الحكومة إلى استخدام الطرق الأخرى مباشرة دون الدخول في أي مواجهة معها.

هذه القضية تعيد سكب الزيت على نار الخلاف القائم بين الجهات الأمنية والاستخبارية من جهة، والحقوقيين ومتخصصي أمن المعلومات من جهة أخرى. هذا الخلاف يتمحور حول سؤال واحد، هو: هل للحكومة الحق للوصول للبيانات والمعلومات؟ سؤال قد يبدو من السهل الإجابة عنه من الوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا، تجعلنا فعلاً نحتار بسبب وجاهتها ومنطقيتها.

فمن كانت إجابته بـلا سيجد نفسه أمام سيل من الأسئلة الأخرى عن الأمن القومي وأهمية التعاون لكشف خيوط الجرائم المرتكبة، وعن الإرهاب وضرورة التصدي الاستباقي لضرباته.. ومن أجاب بنعم سيواجه أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا عن خصوصية البشر التي تكفلها الدساتير وعن حدود الحكومة الأمريكية في الوصول للمعلومات وعن أحقية حكومات الدول الأخرى في الوصول للمعلومات بحجج مقبولة مثل مكافحة الإرهاب، وعن مواطنيها وبياناتهم.