التهافت على المناصب

وأنا أرى تهافت بعض الناس حول التصدُّر، والبحث عن المكانة العملية، وذلك في كل شأن من شؤون الحياة، السياسية والتعليمية والثقافية.. وهذا اللهاث خلف البروز، وإن كان له ما يبرره على مدى تاريخ الأمم الطويل، من تسابق على التزعم وتصدُّر الناس، إلا أنني وجدت أن الإسلام وقف موقفًا معتدلاً ورصينًا بعيدًا عن الغلو والشطط؛ فلا هو بالذي أوصد باب الولايات، ولا هو بالذي فتحه مشرعًا دون قيد، وليس هنا مجال تفصيل ذلك.

والسؤال الذي ظل يراودني كثيرًا هو: هل لدى بعض الناس قناعة أن وصولهم لمنصب ليس دلالة على رجحان عقولهم وحكمتهم؟! ولأنه لا دراسة ناجزة لدي؛ كي أسبر بها غور هذه الإشكالية، فإن ذلك لا يعني أنه ليس لدي ما يمكن رده إلى هذه الظاهرة المعقدة.. وقد يكون ذلك التهافت لأسباب ثلاثة:

الأول: الاعتقاد بأن ذلك يسهم في زيادة الثقة في أنفسهم ومكانتهم العلمية، أو الشخصية، واعتبار أن وصولهم إلى هذا الشرف هو ذكاء اجتماعي، ونبوغ علمي، وحكمة راسخة.. فهم يقنعون أنفسهم أو يوهمونها بأن هذا الوصول هو رجحان عقل وفرادة علمية. وقد ألمح إلى ذلك فيلسوف اليونان أرسطو، الذي رأى أن للسعادة ثلاث سير، هي: سيرة اللذة وهي غاية العبيد والحيوانات، وسيرة النظر والحكمة، وسيرة الكرامة السياسية، وهي كما يصف غاية (الممتازين النشطين). وفي اعتقادي إن السعادة بالمعنى الإنساني، أو الطمأنينة بالمعنى الإسلامي، هي حالة داخلية، يجدها المرء في التواصل مع الله، سواء بالذكر أو الشكر أو النظر، وليست فعلاً خارجيًّا مؤقتًا؛ لأن انعكاس غيابها أشد إيلامًا من لذة حضورها؛ ولذلك قال عمار بن ياسر - رضي الله عنه - حين جرب الإمارة "حلوة الرضاع مرة الفطام".

السبب الثاني: اعتبار أن غاية العلم هو الحضور الحدثي، وليس التراكم المعرفي، وأن الهدف من العلم هو النفوذ السياسي، وليس إنتاج معرفة جديدة. وليس غريبًا أن تجد كتب العلماء تطفح بمر الشكوى من طلاب العلم، حين سئموا من دعوتهم إلى مواصلة علمهم بعد أن رأوا انصرافهم إلى تسنم الرئاسات، وتشوفهم إلى المناصب العليا، والتقرب من صناع القرار.. وهذا يظهر في العالم الثالث أكثر من غيره لسبب بسيط، هو عدم تقدير العلم في الأصل؛ فتجد تهافتًا على مواقع المسؤولية المختلفة في الوزارات والجامعات والإدارات المركزية والصغيرة على سدة هذه الأماكن، حتى الذي هُمّش أو أُقصي عن هذه الكراسي المخاتلة تجده ساخطًا، أو يبطن سخرية لمن تبوأ ذلك من زملائه؛ باعتبار مكانته العلمية ونبوغه العلمي، لا باعتبار تمكنه القيادي (القوة والأمانة).

السبب الثالث هو ما يحظى به من امتيازات وظيفية أو اجتماعية - رغم أنها عبودية في كلتا الحالين - فالمكان الذي يصل إليه غالبًا ما يحظى بموقع مرفه، ومكتب فاره، وحاشية لا يحتاج إليها. وأما الناس فغالبًا ما يبجلونه بالكلام المعسول، والفعل الجميل، فيحترمونه بالقيام له إن ذهب، والجلوس جواره إن جلس، وحيثما كان فله الصدر دون بقية الناس. ولا أود القول كما قال بيجوفتش ذات مرة "هكذا تُصنع الطغاة في هذه المجتمعات".. ما أود قوله إن القليل منهم من يخرج حافيًا أو دون حمص!

أكتب ذلك لأنني سُئلت أكثر من مرة، وعوتبت مرارًا في غير ما موقف، وذلك عن عودتي إلى عملي السابق، موظفًا مهمشًا، لا يأبه له أحد، بعد أن كنت موظفًا مرموقًا - كما يصفون - واعتقدوا أن هذا التنازل ضعف عقلي وجبن نفسي، بل إن أحدهم قال صراحة: "وما فائدة دراستك الدكتوراه وأنت لا تطمح إلى أن تكون مسؤولاً ومبرزًا في عملك الحالي؟!". وهذا ربط اعتسافي في غير محله من ربط العلم بالمنصب وليس العمل؛ لأن بإمكان الفرد أن ينتج بعد أن يعرف، وأن يعمل بعد أن يتعلم، بل هو الأصل الغائي للتعلم. وأما ما يكون من تكليفه بقيادة ما فهو تشريف وحظوة، لا تمت بصله لما تعلمه إلا نادرًا. ولا أجد أكثر من حالة عمر بن عبدالعزيز منارة للتائهين حين وجدوه يحتضر، وهو يتلو قوله تعالى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

اعلان
التهافت على المناصب
سبق

وأنا أرى تهافت بعض الناس حول التصدُّر، والبحث عن المكانة العملية، وذلك في كل شأن من شؤون الحياة، السياسية والتعليمية والثقافية.. وهذا اللهاث خلف البروز، وإن كان له ما يبرره على مدى تاريخ الأمم الطويل، من تسابق على التزعم وتصدُّر الناس، إلا أنني وجدت أن الإسلام وقف موقفًا معتدلاً ورصينًا بعيدًا عن الغلو والشطط؛ فلا هو بالذي أوصد باب الولايات، ولا هو بالذي فتحه مشرعًا دون قيد، وليس هنا مجال تفصيل ذلك.

والسؤال الذي ظل يراودني كثيرًا هو: هل لدى بعض الناس قناعة أن وصولهم لمنصب ليس دلالة على رجحان عقولهم وحكمتهم؟! ولأنه لا دراسة ناجزة لدي؛ كي أسبر بها غور هذه الإشكالية، فإن ذلك لا يعني أنه ليس لدي ما يمكن رده إلى هذه الظاهرة المعقدة.. وقد يكون ذلك التهافت لأسباب ثلاثة:

الأول: الاعتقاد بأن ذلك يسهم في زيادة الثقة في أنفسهم ومكانتهم العلمية، أو الشخصية، واعتبار أن وصولهم إلى هذا الشرف هو ذكاء اجتماعي، ونبوغ علمي، وحكمة راسخة.. فهم يقنعون أنفسهم أو يوهمونها بأن هذا الوصول هو رجحان عقل وفرادة علمية. وقد ألمح إلى ذلك فيلسوف اليونان أرسطو، الذي رأى أن للسعادة ثلاث سير، هي: سيرة اللذة وهي غاية العبيد والحيوانات، وسيرة النظر والحكمة، وسيرة الكرامة السياسية، وهي كما يصف غاية (الممتازين النشطين). وفي اعتقادي إن السعادة بالمعنى الإنساني، أو الطمأنينة بالمعنى الإسلامي، هي حالة داخلية، يجدها المرء في التواصل مع الله، سواء بالذكر أو الشكر أو النظر، وليست فعلاً خارجيًّا مؤقتًا؛ لأن انعكاس غيابها أشد إيلامًا من لذة حضورها؛ ولذلك قال عمار بن ياسر - رضي الله عنه - حين جرب الإمارة "حلوة الرضاع مرة الفطام".

السبب الثاني: اعتبار أن غاية العلم هو الحضور الحدثي، وليس التراكم المعرفي، وأن الهدف من العلم هو النفوذ السياسي، وليس إنتاج معرفة جديدة. وليس غريبًا أن تجد كتب العلماء تطفح بمر الشكوى من طلاب العلم، حين سئموا من دعوتهم إلى مواصلة علمهم بعد أن رأوا انصرافهم إلى تسنم الرئاسات، وتشوفهم إلى المناصب العليا، والتقرب من صناع القرار.. وهذا يظهر في العالم الثالث أكثر من غيره لسبب بسيط، هو عدم تقدير العلم في الأصل؛ فتجد تهافتًا على مواقع المسؤولية المختلفة في الوزارات والجامعات والإدارات المركزية والصغيرة على سدة هذه الأماكن، حتى الذي هُمّش أو أُقصي عن هذه الكراسي المخاتلة تجده ساخطًا، أو يبطن سخرية لمن تبوأ ذلك من زملائه؛ باعتبار مكانته العلمية ونبوغه العلمي، لا باعتبار تمكنه القيادي (القوة والأمانة).

السبب الثالث هو ما يحظى به من امتيازات وظيفية أو اجتماعية - رغم أنها عبودية في كلتا الحالين - فالمكان الذي يصل إليه غالبًا ما يحظى بموقع مرفه، ومكتب فاره، وحاشية لا يحتاج إليها. وأما الناس فغالبًا ما يبجلونه بالكلام المعسول، والفعل الجميل، فيحترمونه بالقيام له إن ذهب، والجلوس جواره إن جلس، وحيثما كان فله الصدر دون بقية الناس. ولا أود القول كما قال بيجوفتش ذات مرة "هكذا تُصنع الطغاة في هذه المجتمعات".. ما أود قوله إن القليل منهم من يخرج حافيًا أو دون حمص!

أكتب ذلك لأنني سُئلت أكثر من مرة، وعوتبت مرارًا في غير ما موقف، وذلك عن عودتي إلى عملي السابق، موظفًا مهمشًا، لا يأبه له أحد، بعد أن كنت موظفًا مرموقًا - كما يصفون - واعتقدوا أن هذا التنازل ضعف عقلي وجبن نفسي، بل إن أحدهم قال صراحة: "وما فائدة دراستك الدكتوراه وأنت لا تطمح إلى أن تكون مسؤولاً ومبرزًا في عملك الحالي؟!". وهذا ربط اعتسافي في غير محله من ربط العلم بالمنصب وليس العمل؛ لأن بإمكان الفرد أن ينتج بعد أن يعرف، وأن يعمل بعد أن يتعلم، بل هو الأصل الغائي للتعلم. وأما ما يكون من تكليفه بقيادة ما فهو تشريف وحظوة، لا تمت بصله لما تعلمه إلا نادرًا. ولا أجد أكثر من حالة عمر بن عبدالعزيز منارة للتائهين حين وجدوه يحتضر، وهو يتلو قوله تعالى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

15 يوليو 2017 - 21 شوّال 1438
09:05 PM

التهافت على المناصب

A A A
0
1,342

وأنا أرى تهافت بعض الناس حول التصدُّر، والبحث عن المكانة العملية، وذلك في كل شأن من شؤون الحياة، السياسية والتعليمية والثقافية.. وهذا اللهاث خلف البروز، وإن كان له ما يبرره على مدى تاريخ الأمم الطويل، من تسابق على التزعم وتصدُّر الناس، إلا أنني وجدت أن الإسلام وقف موقفًا معتدلاً ورصينًا بعيدًا عن الغلو والشطط؛ فلا هو بالذي أوصد باب الولايات، ولا هو بالذي فتحه مشرعًا دون قيد، وليس هنا مجال تفصيل ذلك.

والسؤال الذي ظل يراودني كثيرًا هو: هل لدى بعض الناس قناعة أن وصولهم لمنصب ليس دلالة على رجحان عقولهم وحكمتهم؟! ولأنه لا دراسة ناجزة لدي؛ كي أسبر بها غور هذه الإشكالية، فإن ذلك لا يعني أنه ليس لدي ما يمكن رده إلى هذه الظاهرة المعقدة.. وقد يكون ذلك التهافت لأسباب ثلاثة:

الأول: الاعتقاد بأن ذلك يسهم في زيادة الثقة في أنفسهم ومكانتهم العلمية، أو الشخصية، واعتبار أن وصولهم إلى هذا الشرف هو ذكاء اجتماعي، ونبوغ علمي، وحكمة راسخة.. فهم يقنعون أنفسهم أو يوهمونها بأن هذا الوصول هو رجحان عقل وفرادة علمية. وقد ألمح إلى ذلك فيلسوف اليونان أرسطو، الذي رأى أن للسعادة ثلاث سير، هي: سيرة اللذة وهي غاية العبيد والحيوانات، وسيرة النظر والحكمة، وسيرة الكرامة السياسية، وهي كما يصف غاية (الممتازين النشطين). وفي اعتقادي إن السعادة بالمعنى الإنساني، أو الطمأنينة بالمعنى الإسلامي، هي حالة داخلية، يجدها المرء في التواصل مع الله، سواء بالذكر أو الشكر أو النظر، وليست فعلاً خارجيًّا مؤقتًا؛ لأن انعكاس غيابها أشد إيلامًا من لذة حضورها؛ ولذلك قال عمار بن ياسر - رضي الله عنه - حين جرب الإمارة "حلوة الرضاع مرة الفطام".

السبب الثاني: اعتبار أن غاية العلم هو الحضور الحدثي، وليس التراكم المعرفي، وأن الهدف من العلم هو النفوذ السياسي، وليس إنتاج معرفة جديدة. وليس غريبًا أن تجد كتب العلماء تطفح بمر الشكوى من طلاب العلم، حين سئموا من دعوتهم إلى مواصلة علمهم بعد أن رأوا انصرافهم إلى تسنم الرئاسات، وتشوفهم إلى المناصب العليا، والتقرب من صناع القرار.. وهذا يظهر في العالم الثالث أكثر من غيره لسبب بسيط، هو عدم تقدير العلم في الأصل؛ فتجد تهافتًا على مواقع المسؤولية المختلفة في الوزارات والجامعات والإدارات المركزية والصغيرة على سدة هذه الأماكن، حتى الذي هُمّش أو أُقصي عن هذه الكراسي المخاتلة تجده ساخطًا، أو يبطن سخرية لمن تبوأ ذلك من زملائه؛ باعتبار مكانته العلمية ونبوغه العلمي، لا باعتبار تمكنه القيادي (القوة والأمانة).

السبب الثالث هو ما يحظى به من امتيازات وظيفية أو اجتماعية - رغم أنها عبودية في كلتا الحالين - فالمكان الذي يصل إليه غالبًا ما يحظى بموقع مرفه، ومكتب فاره، وحاشية لا يحتاج إليها. وأما الناس فغالبًا ما يبجلونه بالكلام المعسول، والفعل الجميل، فيحترمونه بالقيام له إن ذهب، والجلوس جواره إن جلس، وحيثما كان فله الصدر دون بقية الناس. ولا أود القول كما قال بيجوفتش ذات مرة "هكذا تُصنع الطغاة في هذه المجتمعات".. ما أود قوله إن القليل منهم من يخرج حافيًا أو دون حمص!

أكتب ذلك لأنني سُئلت أكثر من مرة، وعوتبت مرارًا في غير ما موقف، وذلك عن عودتي إلى عملي السابق، موظفًا مهمشًا، لا يأبه له أحد، بعد أن كنت موظفًا مرموقًا - كما يصفون - واعتقدوا أن هذا التنازل ضعف عقلي وجبن نفسي، بل إن أحدهم قال صراحة: "وما فائدة دراستك الدكتوراه وأنت لا تطمح إلى أن تكون مسؤولاً ومبرزًا في عملك الحالي؟!". وهذا ربط اعتسافي في غير محله من ربط العلم بالمنصب وليس العمل؛ لأن بإمكان الفرد أن ينتج بعد أن يعرف، وأن يعمل بعد أن يتعلم، بل هو الأصل الغائي للتعلم. وأما ما يكون من تكليفه بقيادة ما فهو تشريف وحظوة، لا تمت بصله لما تعلمه إلا نادرًا. ولا أجد أكثر من حالة عمر بن عبدالعزيز منارة للتائهين حين وجدوه يحتضر، وهو يتلو قوله تعالى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.