اللجان: للتحقيق أم للتخدير؟!

ما أكثر ما تتردد على مسامعنا، وما أسرع ما تُقال، وما أشد جاهزيتها، وكأنها قيلت قبل الحدث!! تأتي إلينا وقد رافقتها حماسة شديدة، وقرار عاجل، وزفتها إلى واقعنا الإعلامي أقلامهم التي يصنعون مدادها بدم بارد!!

"وقد أمر ( ) بتشكيل لجنة للتحقيق فيما حدث".. هذه هي الجملة الفورية التي اعتدنا سماعها، وردة الفعل الأولى التي ينتهجها كل مسؤول عندنا حين يحدث أي خطأ في محيط عمله وما تحت مسؤوليته، خاصة عندما يتعلق الأمر بفضيحة تتناولها وسائل التواصل الاجتماعي وجماعات تويتر المثيرة بالنقد والتشهير؛ فتصبح بالتالي قضية رأي عام؛ تستوجب الاهتمام والمتابعة وتقديم الإجابات الموضحة.. وقد اشتعل حماس الناس، ودخلت التقنية بثقلها في تسليط الضوء وإثارة المعنيين، وحثهم على المطالبة بالتحقيق فيما حدث؛ وبالتالي انتظار نتائج التحقيق المرتجى! أحيانًا يُمتص غضبهم بكبش فداء، يُحمَّل المسؤولية بشكل مباشر حتى قبل بدء التحقيق!! أو ربما تأتي قضية أخرى؛ فتصرف المواطنين عن قضية اللجنة (الفلانية)، ويُعلَّق الرأي العام بلجنة (علانية) أخرى! ويخبو توهُّج الأولى، ويتقد وهج الثانية حتى تأتي ثالثة منقذة!! ثم لا أحد يسأل عن النتائج؛ لأنها غالبًا لا تأتي؛ فتكون قد أضاعت وقت المنتظرين، وفرغت الأعضاء من عملهم الحقيقي، وكأن تلك اللجنة وما شابهها ليست سوى تخدير مؤقت؛ ليتسنى ترتيب الأوراق من جديد؛ ربما لأن أعضاء اللجنة المكلفة بالتحقيق هم من منسوبي المنشأة التي وقع فيها الخطأ الكبير! فهل هذا يعني أنها ليست سوى لجنة إنقاذ؛ فتغطي الخطأ، وتبحث عن حلول للخروج من عنق الزجاجة التي حشرهم فيها الناس والمتابعون والمعنيون؟

لستُ أشكك في أحد، ولا أملك أن أشير بأصابع الاتهام لأية لجنة عُقدت، أو ستُعقد مستقبلاً! لكنني أتمنى أن تشكَّل تلك اللجنة من خارج الوزارة أو المؤسسة أو الإدارة؛ حتى تكون أبعد عن التأثُّر، وأكثر حرية في التحقيق والبحث. كما أنه ليس من المعقول أن تكون اللجنة هي الخصم والحكم!! وإذا لاح في الأفق حل غير اللجنة الموقرة فيا ليتها لا تُشكَّل..

أما البؤس الأكثر وجعًا فيكمن فيما لو كانت تلك اللجنة هي من السادة المقصِّرين؛ ليتم دمدمة الأخطاء، ومعالجة تقصيرهم وحدهم؛ للتغطية على فداحة الخطأ، وليس المعالجة المفترضة!! أما حين يكون المسؤول الأول في بيئة العمل، الذي يشكل تلك اللجان، هو المقصر بعينه، فمن يحاسبه؟ وحين يتنصل من المسؤولية تمامًا، ويفلت الأمانة التي وُضعت في عنقه، كيف يستحق المكانة التي وُضع فيها؟

إذا افترضنا وجود الشفافية والمحاسبة المفترضة فهل يمكن أن نقول إن تلك اللجان ليست سوى لجان تستُّر مثلاً؟ ولنكن منصفين أيضًا؛ فنضيف (بعض)؛ لنقلل من حجم المأساة التي نشعر بها على الأقل، كما أنه لا بد أن لـ(بعض) اللجان أيضًا نجاحًا وإنصافًا حتى لو كانت من أعضاء الفريق.

تذكروا فقط، وعدوا معي القضايا التي شغلتنا وأعقبها تشكيل لجنة تحقيق وبحث عن سبب التقصير والفساد والمرض العضال! هل كانت نتائج التحقيق مقنعة لكم؟ وهل خرجنا بشيء مؤثر يمكن أن يصلح الأمور، ويعيدها إلى نصابها؟

اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

اعلان
اللجان: للتحقيق أم للتخدير؟!
سبق

ما أكثر ما تتردد على مسامعنا، وما أسرع ما تُقال، وما أشد جاهزيتها، وكأنها قيلت قبل الحدث!! تأتي إلينا وقد رافقتها حماسة شديدة، وقرار عاجل، وزفتها إلى واقعنا الإعلامي أقلامهم التي يصنعون مدادها بدم بارد!!

"وقد أمر ( ) بتشكيل لجنة للتحقيق فيما حدث".. هذه هي الجملة الفورية التي اعتدنا سماعها، وردة الفعل الأولى التي ينتهجها كل مسؤول عندنا حين يحدث أي خطأ في محيط عمله وما تحت مسؤوليته، خاصة عندما يتعلق الأمر بفضيحة تتناولها وسائل التواصل الاجتماعي وجماعات تويتر المثيرة بالنقد والتشهير؛ فتصبح بالتالي قضية رأي عام؛ تستوجب الاهتمام والمتابعة وتقديم الإجابات الموضحة.. وقد اشتعل حماس الناس، ودخلت التقنية بثقلها في تسليط الضوء وإثارة المعنيين، وحثهم على المطالبة بالتحقيق فيما حدث؛ وبالتالي انتظار نتائج التحقيق المرتجى! أحيانًا يُمتص غضبهم بكبش فداء، يُحمَّل المسؤولية بشكل مباشر حتى قبل بدء التحقيق!! أو ربما تأتي قضية أخرى؛ فتصرف المواطنين عن قضية اللجنة (الفلانية)، ويُعلَّق الرأي العام بلجنة (علانية) أخرى! ويخبو توهُّج الأولى، ويتقد وهج الثانية حتى تأتي ثالثة منقذة!! ثم لا أحد يسأل عن النتائج؛ لأنها غالبًا لا تأتي؛ فتكون قد أضاعت وقت المنتظرين، وفرغت الأعضاء من عملهم الحقيقي، وكأن تلك اللجنة وما شابهها ليست سوى تخدير مؤقت؛ ليتسنى ترتيب الأوراق من جديد؛ ربما لأن أعضاء اللجنة المكلفة بالتحقيق هم من منسوبي المنشأة التي وقع فيها الخطأ الكبير! فهل هذا يعني أنها ليست سوى لجنة إنقاذ؛ فتغطي الخطأ، وتبحث عن حلول للخروج من عنق الزجاجة التي حشرهم فيها الناس والمتابعون والمعنيون؟

لستُ أشكك في أحد، ولا أملك أن أشير بأصابع الاتهام لأية لجنة عُقدت، أو ستُعقد مستقبلاً! لكنني أتمنى أن تشكَّل تلك اللجنة من خارج الوزارة أو المؤسسة أو الإدارة؛ حتى تكون أبعد عن التأثُّر، وأكثر حرية في التحقيق والبحث. كما أنه ليس من المعقول أن تكون اللجنة هي الخصم والحكم!! وإذا لاح في الأفق حل غير اللجنة الموقرة فيا ليتها لا تُشكَّل..

أما البؤس الأكثر وجعًا فيكمن فيما لو كانت تلك اللجنة هي من السادة المقصِّرين؛ ليتم دمدمة الأخطاء، ومعالجة تقصيرهم وحدهم؛ للتغطية على فداحة الخطأ، وليس المعالجة المفترضة!! أما حين يكون المسؤول الأول في بيئة العمل، الذي يشكل تلك اللجان، هو المقصر بعينه، فمن يحاسبه؟ وحين يتنصل من المسؤولية تمامًا، ويفلت الأمانة التي وُضعت في عنقه، كيف يستحق المكانة التي وُضع فيها؟

إذا افترضنا وجود الشفافية والمحاسبة المفترضة فهل يمكن أن نقول إن تلك اللجان ليست سوى لجان تستُّر مثلاً؟ ولنكن منصفين أيضًا؛ فنضيف (بعض)؛ لنقلل من حجم المأساة التي نشعر بها على الأقل، كما أنه لا بد أن لـ(بعض) اللجان أيضًا نجاحًا وإنصافًا حتى لو كانت من أعضاء الفريق.

تذكروا فقط، وعدوا معي القضايا التي شغلتنا وأعقبها تشكيل لجنة تحقيق وبحث عن سبب التقصير والفساد والمرض العضال! هل كانت نتائج التحقيق مقنعة لكم؟ وهل خرجنا بشيء مؤثر يمكن أن يصلح الأمور، ويعيدها إلى نصابها؟

اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

19 مايو 2017 - 23 شعبان 1438
11:18 PM

اللجان: للتحقيق أم للتخدير؟!

A A A
5
1,048

ما أكثر ما تتردد على مسامعنا، وما أسرع ما تُقال، وما أشد جاهزيتها، وكأنها قيلت قبل الحدث!! تأتي إلينا وقد رافقتها حماسة شديدة، وقرار عاجل، وزفتها إلى واقعنا الإعلامي أقلامهم التي يصنعون مدادها بدم بارد!!

"وقد أمر ( ) بتشكيل لجنة للتحقيق فيما حدث".. هذه هي الجملة الفورية التي اعتدنا سماعها، وردة الفعل الأولى التي ينتهجها كل مسؤول عندنا حين يحدث أي خطأ في محيط عمله وما تحت مسؤوليته، خاصة عندما يتعلق الأمر بفضيحة تتناولها وسائل التواصل الاجتماعي وجماعات تويتر المثيرة بالنقد والتشهير؛ فتصبح بالتالي قضية رأي عام؛ تستوجب الاهتمام والمتابعة وتقديم الإجابات الموضحة.. وقد اشتعل حماس الناس، ودخلت التقنية بثقلها في تسليط الضوء وإثارة المعنيين، وحثهم على المطالبة بالتحقيق فيما حدث؛ وبالتالي انتظار نتائج التحقيق المرتجى! أحيانًا يُمتص غضبهم بكبش فداء، يُحمَّل المسؤولية بشكل مباشر حتى قبل بدء التحقيق!! أو ربما تأتي قضية أخرى؛ فتصرف المواطنين عن قضية اللجنة (الفلانية)، ويُعلَّق الرأي العام بلجنة (علانية) أخرى! ويخبو توهُّج الأولى، ويتقد وهج الثانية حتى تأتي ثالثة منقذة!! ثم لا أحد يسأل عن النتائج؛ لأنها غالبًا لا تأتي؛ فتكون قد أضاعت وقت المنتظرين، وفرغت الأعضاء من عملهم الحقيقي، وكأن تلك اللجنة وما شابهها ليست سوى تخدير مؤقت؛ ليتسنى ترتيب الأوراق من جديد؛ ربما لأن أعضاء اللجنة المكلفة بالتحقيق هم من منسوبي المنشأة التي وقع فيها الخطأ الكبير! فهل هذا يعني أنها ليست سوى لجنة إنقاذ؛ فتغطي الخطأ، وتبحث عن حلول للخروج من عنق الزجاجة التي حشرهم فيها الناس والمتابعون والمعنيون؟

لستُ أشكك في أحد، ولا أملك أن أشير بأصابع الاتهام لأية لجنة عُقدت، أو ستُعقد مستقبلاً! لكنني أتمنى أن تشكَّل تلك اللجنة من خارج الوزارة أو المؤسسة أو الإدارة؛ حتى تكون أبعد عن التأثُّر، وأكثر حرية في التحقيق والبحث. كما أنه ليس من المعقول أن تكون اللجنة هي الخصم والحكم!! وإذا لاح في الأفق حل غير اللجنة الموقرة فيا ليتها لا تُشكَّل..

أما البؤس الأكثر وجعًا فيكمن فيما لو كانت تلك اللجنة هي من السادة المقصِّرين؛ ليتم دمدمة الأخطاء، ومعالجة تقصيرهم وحدهم؛ للتغطية على فداحة الخطأ، وليس المعالجة المفترضة!! أما حين يكون المسؤول الأول في بيئة العمل، الذي يشكل تلك اللجان، هو المقصر بعينه، فمن يحاسبه؟ وحين يتنصل من المسؤولية تمامًا، ويفلت الأمانة التي وُضعت في عنقه، كيف يستحق المكانة التي وُضع فيها؟

إذا افترضنا وجود الشفافية والمحاسبة المفترضة فهل يمكن أن نقول إن تلك اللجان ليست سوى لجان تستُّر مثلاً؟ ولنكن منصفين أيضًا؛ فنضيف (بعض)؛ لنقلل من حجم المأساة التي نشعر بها على الأقل، كما أنه لا بد أن لـ(بعض) اللجان أيضًا نجاحًا وإنصافًا حتى لو كانت من أعضاء الفريق.

تذكروا فقط، وعدوا معي القضايا التي شغلتنا وأعقبها تشكيل لجنة تحقيق وبحث عن سبب التقصير والفساد والمرض العضال! هل كانت نتائج التحقيق مقنعة لكم؟ وهل خرجنا بشيء مؤثر يمكن أن يصلح الأمور، ويعيدها إلى نصابها؟

اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.