خبير اقتصادي لـ"سبق": اقتصادنا قوي "السابع في العالم".. ونحتاج لوزراء على مستوى من الشفافية

قال: رجال وسيدات الأعمال يضطرون للسفر لدبي أو البحرين لعقد الصفقات.. وأموالنا المهاجرة تُقدَّر بتريليونَيْ ريال

- التستر التجاري يزيد البطالة ويضعف صرف الريال أمام العملات الأجنبية.. ولا بد من حلول عاجلة
- من الطبيعي أن تطبِّق الدول "البترولية" التقشُّف في المصاريف.. ومفهوم "ربط وشد الأحزمة" يعني رقابة أكثر على المال العام
- كفاءة استغلال المال العام ومراقبة نزاهة تنفيذ المشاريع تحدان من البذخ والتبذير وتدلان على وعي الدولة بالتحديات الاقتصادية
- تراجع دخل الموظفين الحكوميين أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية.. أما "الأجنبية" فتستغل التنظيم التجاري الجديد
- مؤسسة النقد "ليِّنة" وتتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية والفوائد.. وكأن البنوك عالم آخر لا يهمه شأن المواطن
- على السعوديين حاليًا الابتعاد عن مقولة "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" لأنها تحث على الإفراط في الإنفاق والتبذير
- الشركات الاستشارية الأجنبية غير واقعية وتعيش في "برج عاجي".. ولا بد من هيئة استشارية سعودية مستقلة عن الوزارات لتنفيذ الرؤية 2030
- زيادة البطالة وغلاء المعيشة يدفعان للقروض الشخصية.. ومعدل دخل السعودي متراجع في السنوات السبع الأخيرة

 
يقول الخبير الاقتصادي د. عبدالوهاب بن سعيد القحطاني، أستاذ الإدارة الاستراتيجية وتنمية الموارد البشرية بكلية الإدارة الصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن: "التستر التجاري مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة، وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم".


مؤكدًا في حواره مع "سبق" أن تراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد.


موضحًا أن رجال وسيدات الأعمال السعوديين يضطرون للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب، وأن الأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال.
وقال: "من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة. وإن مفهوم (ربط أو شد الأحزمة) يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة".


ويتناول الحوار عددًا من المحاور الاقتصادية المهمة، فإلى التفاصيل:
 
** يرى الكثير من المتخصصين أن الاقتصاد السعودي يعاني ظاهرة التستر التجاري، وتداعياته السلبية المختلفة.. هل هو بالفعل ظاهرة لدينا؟ وكيف يمكن معالجته؟
التستر التجاري في السعودية يُعَدُّ مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة.. وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم والضرائب على المتستر والمتستَّر عليه؛ ما يُضعف إيرادات الدولة؛ ولذلك من الأهمية عمل ما يجب لملاحقة المتستر والمتستَّر عليه؛ لخلق بيئة استثمارية عادلة ومنافسة وشفافة ومربحة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
 
** إلى أي مدى يعد المجتمع السعودي من أعلى المجتمعات في اقتراض القروض الاستهلاكية من البنوك؟
حاليًا لا أعتقد ذلك؛ فتراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد بعد انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية؛ ما يزيد من شح السيولة في الاقتصاد السعودي. وعمومًا، فتحت سابقًا البنوك السعودية أبواب الاقتراض على مستوى الأفراد والشركات التي تعثر بعضها عن السداد؛ وبالتالي زاد عدد المقترضين لأغراض عديدة، منها العقارية والاستهلاكية. والبنوك السعودية تطمع في تحقيق أرباح عالية من القروض الشخصية لتغطية الديون المفقودة. ومن البديهي أن يحكم العرض والطلب ارتفاع معدل الفائدة على القروض، وكذلك التوجه الاستراتيجي لإدارات البنوك في مجال الإقراض الشخصي.
 
** وما دور مؤسسة النقد في تنظيم هذا الأمر؟
مؤسسة النقد العربي السعودي ليِّنة؛ إذ كانت تتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية فيما يخص شروط القروض الشخصية، ومعدل الفائدة، وكأن البنوك عالم آخر، لا يهمه شأن المواطن.. وتساهلت المؤسسة في تنظيم الإقراض في البنوك السعودية؛ ما قد يؤدي إلى مشكلة مالية بسبب تعثر المقترضين عن السداد. ونسبة كبيرة من المواطنين بحاجة للاقتراض بسبب تراجع دخولهم، وتلاشي مدخراتهم، وزيادة كل من معدل البطالة وغلاء المعيشة؛ ما يدفعهم للقروض الشخصية؛ إذ تراجع معدل دخل الفرد في السعودية في السنوات الأخيرة.
 
** هل يعني ذلك الحاجة الملحَّة للادخار في إنفاق الأسر السعودية، وتقليل المصاريف؟
بلا شك، إن الميزانية للأسرة السعودية حاليًا تحتاج التخطيط للإيرادات والنفقات المختلفة كافة؛ فتجميد الترقيات الحكومية والبدلات والانتدابات يؤثر على الدخل الشهري للموظف الحكومي، ويُحدث تغيرات اقتصادية ومالية مفاجئة؛ تتطلب إعادة النظر فيها حسب تلك المتغيرات الطارئة.. ولا بد من توازن بين الإيرادات والمصروفات، خاصة لدى محدودي الدخل الذين يعتمدون على الراتب الشهري، والابتعاد عن مقولة شائعة بين بعض الناس، هي "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"؛ لأنها مقولة خاطئة؛ تحث المستهلكين على الإفراط في الإنفاق، والتبذير، وسوء إدارة المال.
 
** كيف ترى المطالبات بجذب الأموال السعودية المهاجرة للداخل؟ وكيف يمكن ذلك؟
هذا جانب مهم؛ فكثير من الدول الغربية الصناعية المتقدمة جذبت الأموال من دول عديدة نامية، ومنها السعودية، وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي استقطبت هذه الأموال؛ ولذلك لا بد من تشجيع عودة الاستثمارات والأموال السعودية المهاجرة؛ لأن السعودية الأولَى بها من غيرها من الدول، خاصة أن التحول 2020 والرؤية 2030 بحاجة لضخ الأموال في البنية التحتية وقطاع الأعمال.

والملاحظ أن بعض البنوك السعودية والخليجية تحاول جذب رؤوس الأموال من داخل وخارج السعودية بنسبة عائد عالية على الودائع، والاستثمارات الإسلامية مثل بنك الإنماء، وبنك الخليج؛ إذ تبلغ نسبة العائد الاستثماري فيهما ثلاثة أضعافها في البنوك الأمريكية التي يتأرجح بعضها بين التعثر والإفلاس. ويجب أن نرحب بالمستثمرين السعوديين وغيرهم للاستثمار في بلادنا وفق ضوابط تحمي مصالح جميع الأطراف. وأهم المحفزات لعودة الأموال المهاجرة سرعة وسهولة الإجراءات الحكومية، وتسهيل التصدير، وتأشيرات دخول الخبرات الأجنبية، وسهولة التأشيرة لرجال وسيدات الأعمال الذين يرغبون في الاستثمار في السعودية، وتذليل عوائق زيارات أصحاب الأعمال التي تشجعهم على الاستثمار في السعودية؛ لأنهم في حقيقة الأمر يتعاملون مع رجال وسيدات الأعمال السعوديين الذين يضطرون أحيانًا للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب. فالأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال؛ ما يعني أن عودة نسبة بسيطة منها ستحرِّك الاقتصاد السعودي.
 
** يعوَّل كثيرًا على المورد البشري السعودي بأنه الأساس في تنفيذ الرؤية 2030. ما هو السبيل إلى ذلك؟
من يتجاهل المورد البشري مخطئ؛ لأنه أساس نجاح أي خطة، سواء على مستوى الشركات أو الدول، وهو أهم عناصر النجاح إذا كان له دور واضح وذو قيمة، وكان الأجدر أن يكون أيضًا موجودًا بعلمه وخبرته في صياغة الرؤية ورسالتها وأهدافها وخططها وتقييم مخرجاتها.. الرؤية 2030 حلم كبير، يتحول إلى واقع على أيدي أبناء الوطن إن شاء الله، لكن علينا أن نستعين بالكفاءات السعودية في الرأي والاستشارة؛ لأنهم أعرف وأحرص على مصلحة بلادنا أكثر من المستشار الأجنبي.
 
** هناك من ينتقد الاعتماد أو الاستعانة بالشركات الاستشارية الأجنبية لتقديم النصائح والتوصيات الاقتصادية.. كيف ترى ذلك؟
 الشركات الاستشارية الأجنبية متمرسة في كتابة الخطط، وتسويقها، لكنها غير واقعية في تقييمها لمرحلة التنفيذ؛ لأنها تبني خططها الاستراتيجية والقصيرة في برج عاجي؛ وتظهر أخطاؤها في مرحلة التنفيذ. والاستهانة بخبرة الأخصائيين الوطنيين السعوديين في التخطيط الاستراتيجي واضحة عند الاعتماد الكلي على شركات استشارية أجنبية، لا تعرف ما تجب معرفته عنا في شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية، إما تجاهلاً منها، أو لضعف معرفي في جوانب اقتصادية واجتماعية وغيرها. وأرى أن تُشكَّل هيئة استشارية مستقلة عن الوزارات والشركة الاستشارية الأجنبية؛ لتقييم وتذليل العقبات المحتملة في مرحلة تنفيذ الرؤية 2030.
 
** يرى كثير من الاقتصاديين أننا نمر حاليًا بمرحلة طبيعية من التقشف وترشيد الإنفاق على مستوى الدولة نتيجة تراجع أسعار النفط.. كيف تنظر لهذه المرحلة؟
من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة بنحو 60 % مما كانت عليه قبل عام ونصف العام. مفهوم "ربط أو شد الأحزمة" يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة؛ ما يحتِّم ويفرض على الجميع الاستغلال الأمثل، والأكثر كفاءة للموارد المالية المتاحة، والتكيف مع الظروف والتحديات الصعبة التي تواجه الوطن والمواطن، وتغيير الحكومة والمواطن السلوك الإنفاقي، وكفاءة استغلال المال العام المتاح، مع مراقبة ومراجعة وحوكمة دقيقة وفاعلة ونزيهة لتنفيذ المشاريع بمعايير جودة عالية، والحد من البذخ والتبذير. والصرف من غير رقابة حازمة أثناء الأزمات الاقتصادية مؤشرٌ على عدم وعي الحكومة.
 
** رغم الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار المالي تخرج بعض تقارير من وكالات ومؤسسات إعلامية دولية تشكك في متانة الاقتصاد السعودي.. كيف نفهم ذلك؟
بعض التقارير الإقليمية والدولية تهدف لزعزعة الثقة باقتصادنا الوطني القوي؛ لتهاجر الأموال السعودية. والاقتصاد السعودي قوي بشهادة دولية؛ إذ يعد سابع اقتصاد في العالم من حيث التأثير. ونعلم أن الاقتصاد السعودي ليس كما صرح مسؤول في صندوق النقد الدولي قبل شهور عدة بأنه على حافة الإفلاس. الحقائق الآتية تؤكد متانة الاقتصاد السعودي: (1) نملك أكبر احتياط نفطي في العالم.

(2) أن النفط سيبقى مصدرًا للطاقة. (3) المورد البشري السعودي شاب وواعد رغم ما يواجهه من اتهامات ليس لها أساس. ونحن بحاجة لوزراء ومسؤولين على مستوى عالٍ من الشفافية، والمعرفة بإدارة الأزمات، والتعامل الحسن مع مخاوف المواطنين. بلادنا في خير، ونحن بخير، لكن علينا نحن المواطنين حُسن التعامل مع مدخراتنا، وتصريف أمورنا المالية بحكمة وأولوية. وعلينا أن نحسن مستوى الإنتاجية بالتدريب، والتعليم المناسب لكل وظيفة، بل يجب أن يكون التحفيز المالي والمعنوي والتمكين الأساس في تطوير الإنتاجية. 

اعلان
خبير اقتصادي لـ"سبق": اقتصادنا قوي "السابع في العالم".. ونحتاج لوزراء على مستوى من الشفافية
سبق

- التستر التجاري يزيد البطالة ويضعف صرف الريال أمام العملات الأجنبية.. ولا بد من حلول عاجلة
- من الطبيعي أن تطبِّق الدول "البترولية" التقشُّف في المصاريف.. ومفهوم "ربط وشد الأحزمة" يعني رقابة أكثر على المال العام
- كفاءة استغلال المال العام ومراقبة نزاهة تنفيذ المشاريع تحدان من البذخ والتبذير وتدلان على وعي الدولة بالتحديات الاقتصادية
- تراجع دخل الموظفين الحكوميين أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية.. أما "الأجنبية" فتستغل التنظيم التجاري الجديد
- مؤسسة النقد "ليِّنة" وتتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية والفوائد.. وكأن البنوك عالم آخر لا يهمه شأن المواطن
- على السعوديين حاليًا الابتعاد عن مقولة "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" لأنها تحث على الإفراط في الإنفاق والتبذير
- الشركات الاستشارية الأجنبية غير واقعية وتعيش في "برج عاجي".. ولا بد من هيئة استشارية سعودية مستقلة عن الوزارات لتنفيذ الرؤية 2030
- زيادة البطالة وغلاء المعيشة يدفعان للقروض الشخصية.. ومعدل دخل السعودي متراجع في السنوات السبع الأخيرة

 
يقول الخبير الاقتصادي د. عبدالوهاب بن سعيد القحطاني، أستاذ الإدارة الاستراتيجية وتنمية الموارد البشرية بكلية الإدارة الصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن: "التستر التجاري مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة، وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم".


مؤكدًا في حواره مع "سبق" أن تراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد.


موضحًا أن رجال وسيدات الأعمال السعوديين يضطرون للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب، وأن الأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال.
وقال: "من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة. وإن مفهوم (ربط أو شد الأحزمة) يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة".


ويتناول الحوار عددًا من المحاور الاقتصادية المهمة، فإلى التفاصيل:
 
** يرى الكثير من المتخصصين أن الاقتصاد السعودي يعاني ظاهرة التستر التجاري، وتداعياته السلبية المختلفة.. هل هو بالفعل ظاهرة لدينا؟ وكيف يمكن معالجته؟
التستر التجاري في السعودية يُعَدُّ مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة.. وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم والضرائب على المتستر والمتستَّر عليه؛ ما يُضعف إيرادات الدولة؛ ولذلك من الأهمية عمل ما يجب لملاحقة المتستر والمتستَّر عليه؛ لخلق بيئة استثمارية عادلة ومنافسة وشفافة ومربحة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
 
** إلى أي مدى يعد المجتمع السعودي من أعلى المجتمعات في اقتراض القروض الاستهلاكية من البنوك؟
حاليًا لا أعتقد ذلك؛ فتراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد بعد انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية؛ ما يزيد من شح السيولة في الاقتصاد السعودي. وعمومًا، فتحت سابقًا البنوك السعودية أبواب الاقتراض على مستوى الأفراد والشركات التي تعثر بعضها عن السداد؛ وبالتالي زاد عدد المقترضين لأغراض عديدة، منها العقارية والاستهلاكية. والبنوك السعودية تطمع في تحقيق أرباح عالية من القروض الشخصية لتغطية الديون المفقودة. ومن البديهي أن يحكم العرض والطلب ارتفاع معدل الفائدة على القروض، وكذلك التوجه الاستراتيجي لإدارات البنوك في مجال الإقراض الشخصي.
 
** وما دور مؤسسة النقد في تنظيم هذا الأمر؟
مؤسسة النقد العربي السعودي ليِّنة؛ إذ كانت تتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية فيما يخص شروط القروض الشخصية، ومعدل الفائدة، وكأن البنوك عالم آخر، لا يهمه شأن المواطن.. وتساهلت المؤسسة في تنظيم الإقراض في البنوك السعودية؛ ما قد يؤدي إلى مشكلة مالية بسبب تعثر المقترضين عن السداد. ونسبة كبيرة من المواطنين بحاجة للاقتراض بسبب تراجع دخولهم، وتلاشي مدخراتهم، وزيادة كل من معدل البطالة وغلاء المعيشة؛ ما يدفعهم للقروض الشخصية؛ إذ تراجع معدل دخل الفرد في السعودية في السنوات الأخيرة.
 
** هل يعني ذلك الحاجة الملحَّة للادخار في إنفاق الأسر السعودية، وتقليل المصاريف؟
بلا شك، إن الميزانية للأسرة السعودية حاليًا تحتاج التخطيط للإيرادات والنفقات المختلفة كافة؛ فتجميد الترقيات الحكومية والبدلات والانتدابات يؤثر على الدخل الشهري للموظف الحكومي، ويُحدث تغيرات اقتصادية ومالية مفاجئة؛ تتطلب إعادة النظر فيها حسب تلك المتغيرات الطارئة.. ولا بد من توازن بين الإيرادات والمصروفات، خاصة لدى محدودي الدخل الذين يعتمدون على الراتب الشهري، والابتعاد عن مقولة شائعة بين بعض الناس، هي "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"؛ لأنها مقولة خاطئة؛ تحث المستهلكين على الإفراط في الإنفاق، والتبذير، وسوء إدارة المال.
 
** كيف ترى المطالبات بجذب الأموال السعودية المهاجرة للداخل؟ وكيف يمكن ذلك؟
هذا جانب مهم؛ فكثير من الدول الغربية الصناعية المتقدمة جذبت الأموال من دول عديدة نامية، ومنها السعودية، وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي استقطبت هذه الأموال؛ ولذلك لا بد من تشجيع عودة الاستثمارات والأموال السعودية المهاجرة؛ لأن السعودية الأولَى بها من غيرها من الدول، خاصة أن التحول 2020 والرؤية 2030 بحاجة لضخ الأموال في البنية التحتية وقطاع الأعمال.

والملاحظ أن بعض البنوك السعودية والخليجية تحاول جذب رؤوس الأموال من داخل وخارج السعودية بنسبة عائد عالية على الودائع، والاستثمارات الإسلامية مثل بنك الإنماء، وبنك الخليج؛ إذ تبلغ نسبة العائد الاستثماري فيهما ثلاثة أضعافها في البنوك الأمريكية التي يتأرجح بعضها بين التعثر والإفلاس. ويجب أن نرحب بالمستثمرين السعوديين وغيرهم للاستثمار في بلادنا وفق ضوابط تحمي مصالح جميع الأطراف. وأهم المحفزات لعودة الأموال المهاجرة سرعة وسهولة الإجراءات الحكومية، وتسهيل التصدير، وتأشيرات دخول الخبرات الأجنبية، وسهولة التأشيرة لرجال وسيدات الأعمال الذين يرغبون في الاستثمار في السعودية، وتذليل عوائق زيارات أصحاب الأعمال التي تشجعهم على الاستثمار في السعودية؛ لأنهم في حقيقة الأمر يتعاملون مع رجال وسيدات الأعمال السعوديين الذين يضطرون أحيانًا للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب. فالأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال؛ ما يعني أن عودة نسبة بسيطة منها ستحرِّك الاقتصاد السعودي.
 
** يعوَّل كثيرًا على المورد البشري السعودي بأنه الأساس في تنفيذ الرؤية 2030. ما هو السبيل إلى ذلك؟
من يتجاهل المورد البشري مخطئ؛ لأنه أساس نجاح أي خطة، سواء على مستوى الشركات أو الدول، وهو أهم عناصر النجاح إذا كان له دور واضح وذو قيمة، وكان الأجدر أن يكون أيضًا موجودًا بعلمه وخبرته في صياغة الرؤية ورسالتها وأهدافها وخططها وتقييم مخرجاتها.. الرؤية 2030 حلم كبير، يتحول إلى واقع على أيدي أبناء الوطن إن شاء الله، لكن علينا أن نستعين بالكفاءات السعودية في الرأي والاستشارة؛ لأنهم أعرف وأحرص على مصلحة بلادنا أكثر من المستشار الأجنبي.
 
** هناك من ينتقد الاعتماد أو الاستعانة بالشركات الاستشارية الأجنبية لتقديم النصائح والتوصيات الاقتصادية.. كيف ترى ذلك؟
 الشركات الاستشارية الأجنبية متمرسة في كتابة الخطط، وتسويقها، لكنها غير واقعية في تقييمها لمرحلة التنفيذ؛ لأنها تبني خططها الاستراتيجية والقصيرة في برج عاجي؛ وتظهر أخطاؤها في مرحلة التنفيذ. والاستهانة بخبرة الأخصائيين الوطنيين السعوديين في التخطيط الاستراتيجي واضحة عند الاعتماد الكلي على شركات استشارية أجنبية، لا تعرف ما تجب معرفته عنا في شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية، إما تجاهلاً منها، أو لضعف معرفي في جوانب اقتصادية واجتماعية وغيرها. وأرى أن تُشكَّل هيئة استشارية مستقلة عن الوزارات والشركة الاستشارية الأجنبية؛ لتقييم وتذليل العقبات المحتملة في مرحلة تنفيذ الرؤية 2030.
 
** يرى كثير من الاقتصاديين أننا نمر حاليًا بمرحلة طبيعية من التقشف وترشيد الإنفاق على مستوى الدولة نتيجة تراجع أسعار النفط.. كيف تنظر لهذه المرحلة؟
من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة بنحو 60 % مما كانت عليه قبل عام ونصف العام. مفهوم "ربط أو شد الأحزمة" يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة؛ ما يحتِّم ويفرض على الجميع الاستغلال الأمثل، والأكثر كفاءة للموارد المالية المتاحة، والتكيف مع الظروف والتحديات الصعبة التي تواجه الوطن والمواطن، وتغيير الحكومة والمواطن السلوك الإنفاقي، وكفاءة استغلال المال العام المتاح، مع مراقبة ومراجعة وحوكمة دقيقة وفاعلة ونزيهة لتنفيذ المشاريع بمعايير جودة عالية، والحد من البذخ والتبذير. والصرف من غير رقابة حازمة أثناء الأزمات الاقتصادية مؤشرٌ على عدم وعي الحكومة.
 
** رغم الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار المالي تخرج بعض تقارير من وكالات ومؤسسات إعلامية دولية تشكك في متانة الاقتصاد السعودي.. كيف نفهم ذلك؟
بعض التقارير الإقليمية والدولية تهدف لزعزعة الثقة باقتصادنا الوطني القوي؛ لتهاجر الأموال السعودية. والاقتصاد السعودي قوي بشهادة دولية؛ إذ يعد سابع اقتصاد في العالم من حيث التأثير. ونعلم أن الاقتصاد السعودي ليس كما صرح مسؤول في صندوق النقد الدولي قبل شهور عدة بأنه على حافة الإفلاس. الحقائق الآتية تؤكد متانة الاقتصاد السعودي: (1) نملك أكبر احتياط نفطي في العالم.

(2) أن النفط سيبقى مصدرًا للطاقة. (3) المورد البشري السعودي شاب وواعد رغم ما يواجهه من اتهامات ليس لها أساس. ونحن بحاجة لوزراء ومسؤولين على مستوى عالٍ من الشفافية، والمعرفة بإدارة الأزمات، والتعامل الحسن مع مخاوف المواطنين. بلادنا في خير، ونحن بخير، لكن علينا نحن المواطنين حُسن التعامل مع مدخراتنا، وتصريف أمورنا المالية بحكمة وأولوية. وعلينا أن نحسن مستوى الإنتاجية بالتدريب، والتعليم المناسب لكل وظيفة، بل يجب أن يكون التحفيز المالي والمعنوي والتمكين الأساس في تطوير الإنتاجية. 

19 إبريل 2017 - 22 رجب 1438
12:00 AM

خبير اقتصادي لـ"سبق": اقتصادنا قوي "السابع في العالم".. ونحتاج لوزراء على مستوى من الشفافية

قال: رجال وسيدات الأعمال يضطرون للسفر لدبي أو البحرين لعقد الصفقات.. وأموالنا المهاجرة تُقدَّر بتريليونَيْ ريال

A A A
77
41,335

- التستر التجاري يزيد البطالة ويضعف صرف الريال أمام العملات الأجنبية.. ولا بد من حلول عاجلة
- من الطبيعي أن تطبِّق الدول "البترولية" التقشُّف في المصاريف.. ومفهوم "ربط وشد الأحزمة" يعني رقابة أكثر على المال العام
- كفاءة استغلال المال العام ومراقبة نزاهة تنفيذ المشاريع تحدان من البذخ والتبذير وتدلان على وعي الدولة بالتحديات الاقتصادية
- تراجع دخل الموظفين الحكوميين أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية.. أما "الأجنبية" فتستغل التنظيم التجاري الجديد
- مؤسسة النقد "ليِّنة" وتتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية والفوائد.. وكأن البنوك عالم آخر لا يهمه شأن المواطن
- على السعوديين حاليًا الابتعاد عن مقولة "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" لأنها تحث على الإفراط في الإنفاق والتبذير
- الشركات الاستشارية الأجنبية غير واقعية وتعيش في "برج عاجي".. ولا بد من هيئة استشارية سعودية مستقلة عن الوزارات لتنفيذ الرؤية 2030
- زيادة البطالة وغلاء المعيشة يدفعان للقروض الشخصية.. ومعدل دخل السعودي متراجع في السنوات السبع الأخيرة

 
يقول الخبير الاقتصادي د. عبدالوهاب بن سعيد القحطاني، أستاذ الإدارة الاستراتيجية وتنمية الموارد البشرية بكلية الإدارة الصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن: "التستر التجاري مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة، وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم".


مؤكدًا في حواره مع "سبق" أن تراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد.


موضحًا أن رجال وسيدات الأعمال السعوديين يضطرون للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب، وأن الأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال.
وقال: "من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة. وإن مفهوم (ربط أو شد الأحزمة) يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة".


ويتناول الحوار عددًا من المحاور الاقتصادية المهمة، فإلى التفاصيل:
 
** يرى الكثير من المتخصصين أن الاقتصاد السعودي يعاني ظاهرة التستر التجاري، وتداعياته السلبية المختلفة.. هل هو بالفعل ظاهرة لدينا؟ وكيف يمكن معالجته؟
التستر التجاري في السعودية يُعَدُّ مشكلة اقتصادية؛ تتطلب حلولاً عاجلة.. وله سلبيات كثيرة، كزيادة البطالة بين المواطنين، وهجرة نسبة من إجمالي الناتج المحلي خارج السعودية، وضَعْف صرف الريال أمام العملات الأجنبية، والهروب من الرسوم والضرائب على المتستر والمتستَّر عليه؛ ما يُضعف إيرادات الدولة؛ ولذلك من الأهمية عمل ما يجب لملاحقة المتستر والمتستَّر عليه؛ لخلق بيئة استثمارية عادلة ومنافسة وشفافة ومربحة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
 
** إلى أي مدى يعد المجتمع السعودي من أعلى المجتمعات في اقتراض القروض الاستهلاكية من البنوك؟
حاليًا لا أعتقد ذلك؛ فتراجع دخول المقترضين، خاصة موظفي القطاع الحكومي، أدى لتراجع الاقتراض من البنوك المحلية. أما البنوك الأجنبية المرخصة للعمل في السعودية فإنها تستهدف الحسابات الكبيرة؛ لتستقطبها للاستثمار خارج السعودية مستغلة التنظيم التجاري الجديد بعد انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية؛ ما يزيد من شح السيولة في الاقتصاد السعودي. وعمومًا، فتحت سابقًا البنوك السعودية أبواب الاقتراض على مستوى الأفراد والشركات التي تعثر بعضها عن السداد؛ وبالتالي زاد عدد المقترضين لأغراض عديدة، منها العقارية والاستهلاكية. والبنوك السعودية تطمع في تحقيق أرباح عالية من القروض الشخصية لتغطية الديون المفقودة. ومن البديهي أن يحكم العرض والطلب ارتفاع معدل الفائدة على القروض، وكذلك التوجه الاستراتيجي لإدارات البنوك في مجال الإقراض الشخصي.
 
** وما دور مؤسسة النقد في تنظيم هذا الأمر؟
مؤسسة النقد العربي السعودي ليِّنة؛ إذ كانت تتغاضى عن مخالفات البنوك السعودية فيما يخص شروط القروض الشخصية، ومعدل الفائدة، وكأن البنوك عالم آخر، لا يهمه شأن المواطن.. وتساهلت المؤسسة في تنظيم الإقراض في البنوك السعودية؛ ما قد يؤدي إلى مشكلة مالية بسبب تعثر المقترضين عن السداد. ونسبة كبيرة من المواطنين بحاجة للاقتراض بسبب تراجع دخولهم، وتلاشي مدخراتهم، وزيادة كل من معدل البطالة وغلاء المعيشة؛ ما يدفعهم للقروض الشخصية؛ إذ تراجع معدل دخل الفرد في السعودية في السنوات الأخيرة.
 
** هل يعني ذلك الحاجة الملحَّة للادخار في إنفاق الأسر السعودية، وتقليل المصاريف؟
بلا شك، إن الميزانية للأسرة السعودية حاليًا تحتاج التخطيط للإيرادات والنفقات المختلفة كافة؛ فتجميد الترقيات الحكومية والبدلات والانتدابات يؤثر على الدخل الشهري للموظف الحكومي، ويُحدث تغيرات اقتصادية ومالية مفاجئة؛ تتطلب إعادة النظر فيها حسب تلك المتغيرات الطارئة.. ولا بد من توازن بين الإيرادات والمصروفات، خاصة لدى محدودي الدخل الذين يعتمدون على الراتب الشهري، والابتعاد عن مقولة شائعة بين بعض الناس، هي "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"؛ لأنها مقولة خاطئة؛ تحث المستهلكين على الإفراط في الإنفاق، والتبذير، وسوء إدارة المال.
 
** كيف ترى المطالبات بجذب الأموال السعودية المهاجرة للداخل؟ وكيف يمكن ذلك؟
هذا جانب مهم؛ فكثير من الدول الغربية الصناعية المتقدمة جذبت الأموال من دول عديدة نامية، ومنها السعودية، وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي استقطبت هذه الأموال؛ ولذلك لا بد من تشجيع عودة الاستثمارات والأموال السعودية المهاجرة؛ لأن السعودية الأولَى بها من غيرها من الدول، خاصة أن التحول 2020 والرؤية 2030 بحاجة لضخ الأموال في البنية التحتية وقطاع الأعمال.

والملاحظ أن بعض البنوك السعودية والخليجية تحاول جذب رؤوس الأموال من داخل وخارج السعودية بنسبة عائد عالية على الودائع، والاستثمارات الإسلامية مثل بنك الإنماء، وبنك الخليج؛ إذ تبلغ نسبة العائد الاستثماري فيهما ثلاثة أضعافها في البنوك الأمريكية التي يتأرجح بعضها بين التعثر والإفلاس. ويجب أن نرحب بالمستثمرين السعوديين وغيرهم للاستثمار في بلادنا وفق ضوابط تحمي مصالح جميع الأطراف. وأهم المحفزات لعودة الأموال المهاجرة سرعة وسهولة الإجراءات الحكومية، وتسهيل التصدير، وتأشيرات دخول الخبرات الأجنبية، وسهولة التأشيرة لرجال وسيدات الأعمال الذين يرغبون في الاستثمار في السعودية، وتذليل عوائق زيارات أصحاب الأعمال التي تشجعهم على الاستثمار في السعودية؛ لأنهم في حقيقة الأمر يتعاملون مع رجال وسيدات الأعمال السعوديين الذين يضطرون أحيانًا للسفر إلى دبي أو البحرين لتنفيذ الصفقات مع نظرائهم الأجانب. فالأموال السعودية الخاصة المهاجرة تقدَّر بأكثر من تريليونَيْ ريال؛ ما يعني أن عودة نسبة بسيطة منها ستحرِّك الاقتصاد السعودي.
 
** يعوَّل كثيرًا على المورد البشري السعودي بأنه الأساس في تنفيذ الرؤية 2030. ما هو السبيل إلى ذلك؟
من يتجاهل المورد البشري مخطئ؛ لأنه أساس نجاح أي خطة، سواء على مستوى الشركات أو الدول، وهو أهم عناصر النجاح إذا كان له دور واضح وذو قيمة، وكان الأجدر أن يكون أيضًا موجودًا بعلمه وخبرته في صياغة الرؤية ورسالتها وأهدافها وخططها وتقييم مخرجاتها.. الرؤية 2030 حلم كبير، يتحول إلى واقع على أيدي أبناء الوطن إن شاء الله، لكن علينا أن نستعين بالكفاءات السعودية في الرأي والاستشارة؛ لأنهم أعرف وأحرص على مصلحة بلادنا أكثر من المستشار الأجنبي.
 
** هناك من ينتقد الاعتماد أو الاستعانة بالشركات الاستشارية الأجنبية لتقديم النصائح والتوصيات الاقتصادية.. كيف ترى ذلك؟
 الشركات الاستشارية الأجنبية متمرسة في كتابة الخطط، وتسويقها، لكنها غير واقعية في تقييمها لمرحلة التنفيذ؛ لأنها تبني خططها الاستراتيجية والقصيرة في برج عاجي؛ وتظهر أخطاؤها في مرحلة التنفيذ. والاستهانة بخبرة الأخصائيين الوطنيين السعوديين في التخطيط الاستراتيجي واضحة عند الاعتماد الكلي على شركات استشارية أجنبية، لا تعرف ما تجب معرفته عنا في شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية، إما تجاهلاً منها، أو لضعف معرفي في جوانب اقتصادية واجتماعية وغيرها. وأرى أن تُشكَّل هيئة استشارية مستقلة عن الوزارات والشركة الاستشارية الأجنبية؛ لتقييم وتذليل العقبات المحتملة في مرحلة تنفيذ الرؤية 2030.
 
** يرى كثير من الاقتصاديين أننا نمر حاليًا بمرحلة طبيعية من التقشف وترشيد الإنفاق على مستوى الدولة نتيجة تراجع أسعار النفط.. كيف تنظر لهذه المرحلة؟
من الطبيعي عندما تواجه الدول تحديات اقتصادية صعبة، لا تساعدها على الإنفاق بالوتيرة نفسها كما كان في السابق، أن تلجأ إلى التقشف في عامة المصروفات بناء على إيراداتها المتاحة. وفي دول تعتمد على إيرادات البترول في ميزانيتها يكون التقشف أقسى؛ لأن إيراداتها تتراجع بنسبة كبيرة بنحو 60 % مما كانت عليه قبل عام ونصف العام. مفهوم "ربط أو شد الأحزمة" يعني التقشف والترشيد في المصاريف على مستوى الحكومة والفرد والأسرة؛ ما يحتِّم ويفرض على الجميع الاستغلال الأمثل، والأكثر كفاءة للموارد المالية المتاحة، والتكيف مع الظروف والتحديات الصعبة التي تواجه الوطن والمواطن، وتغيير الحكومة والمواطن السلوك الإنفاقي، وكفاءة استغلال المال العام المتاح، مع مراقبة ومراجعة وحوكمة دقيقة وفاعلة ونزيهة لتنفيذ المشاريع بمعايير جودة عالية، والحد من البذخ والتبذير. والصرف من غير رقابة حازمة أثناء الأزمات الاقتصادية مؤشرٌ على عدم وعي الحكومة.
 
** رغم الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار المالي تخرج بعض تقارير من وكالات ومؤسسات إعلامية دولية تشكك في متانة الاقتصاد السعودي.. كيف نفهم ذلك؟
بعض التقارير الإقليمية والدولية تهدف لزعزعة الثقة باقتصادنا الوطني القوي؛ لتهاجر الأموال السعودية. والاقتصاد السعودي قوي بشهادة دولية؛ إذ يعد سابع اقتصاد في العالم من حيث التأثير. ونعلم أن الاقتصاد السعودي ليس كما صرح مسؤول في صندوق النقد الدولي قبل شهور عدة بأنه على حافة الإفلاس. الحقائق الآتية تؤكد متانة الاقتصاد السعودي: (1) نملك أكبر احتياط نفطي في العالم.

(2) أن النفط سيبقى مصدرًا للطاقة. (3) المورد البشري السعودي شاب وواعد رغم ما يواجهه من اتهامات ليس لها أساس. ونحن بحاجة لوزراء ومسؤولين على مستوى عالٍ من الشفافية، والمعرفة بإدارة الأزمات، والتعامل الحسن مع مخاوف المواطنين. بلادنا في خير، ونحن بخير، لكن علينا نحن المواطنين حُسن التعامل مع مدخراتنا، وتصريف أمورنا المالية بحكمة وأولوية. وعلينا أن نحسن مستوى الإنتاجية بالتدريب، والتعليم المناسب لكل وظيفة، بل يجب أن يكون التحفيز المالي والمعنوي والتمكين الأساس في تطوير الإنتاجية.