خطيب الحرم المكي يستعرض أهمية "العقل" في التصور الإسلامي للحياة

أكد أنه مَناط التكليف ومحل الابتلاء وبه استنباط الأحكام الشرعية

أكد إمام وخطيب المسجد الحرام "الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد" أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على كثير ممن خلق، خلقه فأحسن خلقه، وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فِطْرَتَه، هيئة وفطرة تجمع بين الطين والنفخة، هيأ له من التسخير ما يقوم به في وظيفة الاستخلاف والتعمير، قال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

 

وأوضح "ابن حميد" في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام اليوم، أن من أهم مهمات الاستخلاف والتعمير إصلاح التفكير واستقامتَه، وضبطَ مساره في كل جوانب الحياة وميادينها منزلة الإنسان، وقوة تفكيره تظهر بقدر إعماله عقله، وحسن تصرفه، ومدى تحقيقه لما ينفعه في دنياه وآخرته؛ ذلك أن العقل هو أُسُّ الفضائل، وينبوع الآداب، وهو للدين أصل، وللدنيا عماد، وليس أفضل من أن يهب الله عبده عقلًا راجحًا، وتفكيرًا مستقيمًا.

 

وأضاف أن العقل قوة، وغريزة، اختص الله بها الإنسان، وفضله بها على سائر مخلوقاته؛ فالعقل قوة مدركة تقوم بوظائف عجيبة؛ من ربط الأسباب بمسبباتها، وإدراك الغائب من الشاهد، والكليات من الجزئيات، والبديهيات من النظريات، والمصالح من المفاسد، والمنافع من المضار، والمستحسن من المستقبح، وإدراك المقاصد وحسن العواقب، وهو نور من الله، يميز به الحق والباطل، والخطأ والصواب، في الأقوال والأفعال، والاعتقادات، والعلوم والمعارف.

 

وأردف الشيخ "ابن حميد" بأن لفظ العقل لم يرد في القرآن الكريم، وإنما جاءت مشتقاته ومرادفاته، كقوله عز شأنه : "وما عقلوه، "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل"، "وما يعقلها إلا العالمون"، "لعلكم تعقلون"، "أفلا تعقلون"، "أفلا يعقلون".

 

ولفت إلى أن القرآن الكريم ربط ربطًا واضحًا بين الأُذن وحاسة السمع، والعينِ وحاسة البصر، والرِّجلِ وقدرة المشي، واليد وقوة البطش، في مثل قوله عز شانه : "أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا"، أما العقل فلم يُربط بشيء بذلك، بل ورد باسم وظيفته المدركة، وليس باسمه أو آلته؛ وكأن في هذا دلالةَّ وإشارة إلى أن العقل يمثل مجموع جميع أدوات الإدراك من سمع وبصر وفؤاد وقلب وغير ذلك.

 

وتابع: "العقل مرتبط بالإنسان كله، ومنتظم لحواسه كلها، فهو ملكة وظيفية يرتبط وجودها وعملها بوجود أدواتها، وعلى قدر حسن توظيف الإنسان لهذه الأدوات يكون تعقُّله في الأمور، ونضجُه في الإدراك؛ مما يتبين معه ارتباطُ العقل بالأحداث، والتصرفات؛ فالنظر العقلي عمل حي متحرك، له أبعاده ومدلولاته التي ترتبط بالأشخاص، والأزمان، والأحداث، وكلِّ حركات الحياة والأحياء.

 

وبيّن أن الله سبحانه وتعالى قد جعل إعمال العقل، وحسن استخدامه بيد الإنسان فمن شاء فليتقدم، ومن شاء فليتأخر، ولا يكون ذلك إلا في التفكير، والتذكر، والاعتبار، والتدبر، والنظر، والتبصر، والعلم، والفقه".

 

وقال "ابن حميد": "العقل في الإسلام هو مناط التكليف، ومحل الابتلاء، وبه استنباط الأحكام الشرعية، وبيان مراد الشارع، وبه حسن التصرف في أمور الدين والدنيا؛ ذلك أن العقل مكلف تكليفًا صريحًا بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وإدراكِ العلاقات أسبابًا ومسبباتٍ، واكتسابِ العلوم، والنظرِ في المصالح والمفاسد والمنافع، والمضارّ، والعدل والظلم، كل ذلك من أجل أن يستفيد من التسخير للقيام بمهمة التعمير، وأنه من أجل ذلك كله فإن القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئان بالدلائل البرهانية، والأقيسة العقلية، والأمثال المضروبة، والجدال بالحسنى؛ حتى يتحرر العقل من تلبيسات الخرافة، وأساطير الأولين، وتخرصات الكهنة والمنجمين، والسحرة، والمشعوذين، والطيرة، والمتشائمين، والتقليد الأعمى لما عليه الآباء والأسلاف؛ لينطلق إلى آفاق رحبة واسعة من العقيدة الصافية، والعمل الصالح، والعطاء المنتج".

 

وأضاف: "من أعظم مخزون أمتنا الثقافي وقضاياها العليا؛ ارتباطُ العقل بالنقل، وترتيب العلاقة بين العقل والنقل، فإن فحول علماء الأمة وراسخيها، ويأتي في مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ قرروا وبرهنوا على موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فلا تعارض بين عقل صريح ونقل صحيح، فقضايا العقل الصريح خلق الله، وما جاء في النقل الصحيح شرع الله، فلا تناقض ولا تعارض بين خلق الله وشرع الله، فالحق لا يتناقض، بل إن الأمر كلما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فتتطابق الدلائل القرآنية مع البراهين العقلية، ويتصادق موجب الشرع والمنقول مع النظر المعقول، والمؤمن كلما كان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقربَ؛ كان إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان؛ أقربَ، وكلما كان عنهم أبعدَ كان عن ذلك كله أبعدَ".

 

وأردف إمام وخطيب المسجد الحرام أن العالم المعاصر بعلومه وفنونه ومكتشفاته ومخترعاته ما أصاب من خير ومنافع فمن إعمال العقل، وما أصاب من سوء ومفاسد فمن حرية العبث والهوى والبعد عما جاء به المرسلون من الحق والهدى، ولا يجوز الخلط بين الأمرين، وأن بني آدم بالعقل والعلم يرتقون إلى مصاف الملائكة الأطهار؛ كما قال عز شأنه: "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، وبالشهوات والضلالة يكونون أضل من الأنعام؛ كما في قوله سبحانه: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا".

 

وشدد على أن الإنسان مسؤول عن حفظه عقلَه، والله سائله عما استرعاه في عقله، وحسنِ استخدامه؛ شأنه في ذلك شأن كل النعم من عُمُرٍ وصحة ومال وبنين، وحفظ حواسه، وسلامة أجهزته، وأنه من أجل ذلك فإن ذا العقل السليم، والمنهج المستقيم، يربأ بنفسه عن الدنايا، وينأى عن المحقرات، ولا يميل مع الهوى، ولا يخضع للعادات، وما عليه الآباء، والأسلاف، ويتجنب العناد، والمكابرة، والمراء.

 

وتطرق الشيخ "ابن حميد" إلى مكانة العقل وكريم مقامه باعتباره آلة ووسيلة للفهم، له حدوده التي ليس له أن يتجاوزها، فإن خرج عن حدوده وقع في الضلال والانحراف؛ فالعقل بمجرده لا يصلح مرجعًا ولا ميزانًا، فعقول البشر متفاوتة في قوتها وضعفها، وإدراكها، واستيعابها، وإن من الخطأ أن يخلط من يخلط فيجعل عقله هو المرجع، فما يستنكره هواه ورأيه ورغباته يحسب أن العقل هو الذي استنكره وأباه، وما قَبِله فإن العقل عنده هو الذي قد قبله وارتضاه، وقد علم أن المنازل في العقول مختلفة، والحظوظ في الإدراك متفاوتة.

 

وقال: إن العقل البشري لا يدرك ما كان خارج الصور التي يحسها ويراها، والمدركات التي يعيشها، أما الغيب وما وراء المحسوس فلا يدركه العقل إلا بالخبر الصادق، وإبراهيم عليه السلام أراه الله ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، وأراه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه؛ ذلك أن حقائق الغيب لا تدرك إلا بالخبر الصحيح من الصادق المصدوق؛ فالعقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، دال على صدق الرسالة.

 

وأكد أن العقل شرط في معرفة العلوم وصلاحِ الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلًّا بنفسه، بل هو متصل بنور الكتاب والسنة؛ قال تعالى: "وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا"، فإذا انفرد العقل بنفسه لم يبصر، وإذا استقل بذاته عجز عن الإدراك الصحيح.

اعلان
خطيب الحرم المكي يستعرض أهمية "العقل" في التصور الإسلامي للحياة
سبق

أكد إمام وخطيب المسجد الحرام "الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد" أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على كثير ممن خلق، خلقه فأحسن خلقه، وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فِطْرَتَه، هيئة وفطرة تجمع بين الطين والنفخة، هيأ له من التسخير ما يقوم به في وظيفة الاستخلاف والتعمير، قال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

 

وأوضح "ابن حميد" في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام اليوم، أن من أهم مهمات الاستخلاف والتعمير إصلاح التفكير واستقامتَه، وضبطَ مساره في كل جوانب الحياة وميادينها منزلة الإنسان، وقوة تفكيره تظهر بقدر إعماله عقله، وحسن تصرفه، ومدى تحقيقه لما ينفعه في دنياه وآخرته؛ ذلك أن العقل هو أُسُّ الفضائل، وينبوع الآداب، وهو للدين أصل، وللدنيا عماد، وليس أفضل من أن يهب الله عبده عقلًا راجحًا، وتفكيرًا مستقيمًا.

 

وأضاف أن العقل قوة، وغريزة، اختص الله بها الإنسان، وفضله بها على سائر مخلوقاته؛ فالعقل قوة مدركة تقوم بوظائف عجيبة؛ من ربط الأسباب بمسبباتها، وإدراك الغائب من الشاهد، والكليات من الجزئيات، والبديهيات من النظريات، والمصالح من المفاسد، والمنافع من المضار، والمستحسن من المستقبح، وإدراك المقاصد وحسن العواقب، وهو نور من الله، يميز به الحق والباطل، والخطأ والصواب، في الأقوال والأفعال، والاعتقادات، والعلوم والمعارف.

 

وأردف الشيخ "ابن حميد" بأن لفظ العقل لم يرد في القرآن الكريم، وإنما جاءت مشتقاته ومرادفاته، كقوله عز شأنه : "وما عقلوه، "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل"، "وما يعقلها إلا العالمون"، "لعلكم تعقلون"، "أفلا تعقلون"، "أفلا يعقلون".

 

ولفت إلى أن القرآن الكريم ربط ربطًا واضحًا بين الأُذن وحاسة السمع، والعينِ وحاسة البصر، والرِّجلِ وقدرة المشي، واليد وقوة البطش، في مثل قوله عز شانه : "أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا"، أما العقل فلم يُربط بشيء بذلك، بل ورد باسم وظيفته المدركة، وليس باسمه أو آلته؛ وكأن في هذا دلالةَّ وإشارة إلى أن العقل يمثل مجموع جميع أدوات الإدراك من سمع وبصر وفؤاد وقلب وغير ذلك.

 

وتابع: "العقل مرتبط بالإنسان كله، ومنتظم لحواسه كلها، فهو ملكة وظيفية يرتبط وجودها وعملها بوجود أدواتها، وعلى قدر حسن توظيف الإنسان لهذه الأدوات يكون تعقُّله في الأمور، ونضجُه في الإدراك؛ مما يتبين معه ارتباطُ العقل بالأحداث، والتصرفات؛ فالنظر العقلي عمل حي متحرك، له أبعاده ومدلولاته التي ترتبط بالأشخاص، والأزمان، والأحداث، وكلِّ حركات الحياة والأحياء.

 

وبيّن أن الله سبحانه وتعالى قد جعل إعمال العقل، وحسن استخدامه بيد الإنسان فمن شاء فليتقدم، ومن شاء فليتأخر، ولا يكون ذلك إلا في التفكير، والتذكر، والاعتبار، والتدبر، والنظر، والتبصر، والعلم، والفقه".

 

وقال "ابن حميد": "العقل في الإسلام هو مناط التكليف، ومحل الابتلاء، وبه استنباط الأحكام الشرعية، وبيان مراد الشارع، وبه حسن التصرف في أمور الدين والدنيا؛ ذلك أن العقل مكلف تكليفًا صريحًا بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وإدراكِ العلاقات أسبابًا ومسبباتٍ، واكتسابِ العلوم، والنظرِ في المصالح والمفاسد والمنافع، والمضارّ، والعدل والظلم، كل ذلك من أجل أن يستفيد من التسخير للقيام بمهمة التعمير، وأنه من أجل ذلك كله فإن القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئان بالدلائل البرهانية، والأقيسة العقلية، والأمثال المضروبة، والجدال بالحسنى؛ حتى يتحرر العقل من تلبيسات الخرافة، وأساطير الأولين، وتخرصات الكهنة والمنجمين، والسحرة، والمشعوذين، والطيرة، والمتشائمين، والتقليد الأعمى لما عليه الآباء والأسلاف؛ لينطلق إلى آفاق رحبة واسعة من العقيدة الصافية، والعمل الصالح، والعطاء المنتج".

 

وأضاف: "من أعظم مخزون أمتنا الثقافي وقضاياها العليا؛ ارتباطُ العقل بالنقل، وترتيب العلاقة بين العقل والنقل، فإن فحول علماء الأمة وراسخيها، ويأتي في مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ قرروا وبرهنوا على موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فلا تعارض بين عقل صريح ونقل صحيح، فقضايا العقل الصريح خلق الله، وما جاء في النقل الصحيح شرع الله، فلا تناقض ولا تعارض بين خلق الله وشرع الله، فالحق لا يتناقض، بل إن الأمر كلما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فتتطابق الدلائل القرآنية مع البراهين العقلية، ويتصادق موجب الشرع والمنقول مع النظر المعقول، والمؤمن كلما كان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقربَ؛ كان إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان؛ أقربَ، وكلما كان عنهم أبعدَ كان عن ذلك كله أبعدَ".

 

وأردف إمام وخطيب المسجد الحرام أن العالم المعاصر بعلومه وفنونه ومكتشفاته ومخترعاته ما أصاب من خير ومنافع فمن إعمال العقل، وما أصاب من سوء ومفاسد فمن حرية العبث والهوى والبعد عما جاء به المرسلون من الحق والهدى، ولا يجوز الخلط بين الأمرين، وأن بني آدم بالعقل والعلم يرتقون إلى مصاف الملائكة الأطهار؛ كما قال عز شأنه: "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، وبالشهوات والضلالة يكونون أضل من الأنعام؛ كما في قوله سبحانه: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا".

 

وشدد على أن الإنسان مسؤول عن حفظه عقلَه، والله سائله عما استرعاه في عقله، وحسنِ استخدامه؛ شأنه في ذلك شأن كل النعم من عُمُرٍ وصحة ومال وبنين، وحفظ حواسه، وسلامة أجهزته، وأنه من أجل ذلك فإن ذا العقل السليم، والمنهج المستقيم، يربأ بنفسه عن الدنايا، وينأى عن المحقرات، ولا يميل مع الهوى، ولا يخضع للعادات، وما عليه الآباء، والأسلاف، ويتجنب العناد، والمكابرة، والمراء.

 

وتطرق الشيخ "ابن حميد" إلى مكانة العقل وكريم مقامه باعتباره آلة ووسيلة للفهم، له حدوده التي ليس له أن يتجاوزها، فإن خرج عن حدوده وقع في الضلال والانحراف؛ فالعقل بمجرده لا يصلح مرجعًا ولا ميزانًا، فعقول البشر متفاوتة في قوتها وضعفها، وإدراكها، واستيعابها، وإن من الخطأ أن يخلط من يخلط فيجعل عقله هو المرجع، فما يستنكره هواه ورأيه ورغباته يحسب أن العقل هو الذي استنكره وأباه، وما قَبِله فإن العقل عنده هو الذي قد قبله وارتضاه، وقد علم أن المنازل في العقول مختلفة، والحظوظ في الإدراك متفاوتة.

 

وقال: إن العقل البشري لا يدرك ما كان خارج الصور التي يحسها ويراها، والمدركات التي يعيشها، أما الغيب وما وراء المحسوس فلا يدركه العقل إلا بالخبر الصادق، وإبراهيم عليه السلام أراه الله ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، وأراه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه؛ ذلك أن حقائق الغيب لا تدرك إلا بالخبر الصحيح من الصادق المصدوق؛ فالعقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، دال على صدق الرسالة.

 

وأكد أن العقل شرط في معرفة العلوم وصلاحِ الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلًّا بنفسه، بل هو متصل بنور الكتاب والسنة؛ قال تعالى: "وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا"، فإذا انفرد العقل بنفسه لم يبصر، وإذا استقل بذاته عجز عن الإدراك الصحيح.

27 يناير 2017 - 29 ربيع الآخر 1438
04:53 PM

خطيب الحرم المكي يستعرض أهمية "العقل" في التصور الإسلامي للحياة

أكد أنه مَناط التكليف ومحل الابتلاء وبه استنباط الأحكام الشرعية

A A A
3
3,313

أكد إمام وخطيب المسجد الحرام "الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد" أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على كثير ممن خلق، خلقه فأحسن خلقه، وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فِطْرَتَه، هيئة وفطرة تجمع بين الطين والنفخة، هيأ له من التسخير ما يقوم به في وظيفة الاستخلاف والتعمير، قال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

 

وأوضح "ابن حميد" في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام اليوم، أن من أهم مهمات الاستخلاف والتعمير إصلاح التفكير واستقامتَه، وضبطَ مساره في كل جوانب الحياة وميادينها منزلة الإنسان، وقوة تفكيره تظهر بقدر إعماله عقله، وحسن تصرفه، ومدى تحقيقه لما ينفعه في دنياه وآخرته؛ ذلك أن العقل هو أُسُّ الفضائل، وينبوع الآداب، وهو للدين أصل، وللدنيا عماد، وليس أفضل من أن يهب الله عبده عقلًا راجحًا، وتفكيرًا مستقيمًا.

 

وأضاف أن العقل قوة، وغريزة، اختص الله بها الإنسان، وفضله بها على سائر مخلوقاته؛ فالعقل قوة مدركة تقوم بوظائف عجيبة؛ من ربط الأسباب بمسبباتها، وإدراك الغائب من الشاهد، والكليات من الجزئيات، والبديهيات من النظريات، والمصالح من المفاسد، والمنافع من المضار، والمستحسن من المستقبح، وإدراك المقاصد وحسن العواقب، وهو نور من الله، يميز به الحق والباطل، والخطأ والصواب، في الأقوال والأفعال، والاعتقادات، والعلوم والمعارف.

 

وأردف الشيخ "ابن حميد" بأن لفظ العقل لم يرد في القرآن الكريم، وإنما جاءت مشتقاته ومرادفاته، كقوله عز شأنه : "وما عقلوه، "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل"، "وما يعقلها إلا العالمون"، "لعلكم تعقلون"، "أفلا تعقلون"، "أفلا يعقلون".

 

ولفت إلى أن القرآن الكريم ربط ربطًا واضحًا بين الأُذن وحاسة السمع، والعينِ وحاسة البصر، والرِّجلِ وقدرة المشي، واليد وقوة البطش، في مثل قوله عز شانه : "أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا"، أما العقل فلم يُربط بشيء بذلك، بل ورد باسم وظيفته المدركة، وليس باسمه أو آلته؛ وكأن في هذا دلالةَّ وإشارة إلى أن العقل يمثل مجموع جميع أدوات الإدراك من سمع وبصر وفؤاد وقلب وغير ذلك.

 

وتابع: "العقل مرتبط بالإنسان كله، ومنتظم لحواسه كلها، فهو ملكة وظيفية يرتبط وجودها وعملها بوجود أدواتها، وعلى قدر حسن توظيف الإنسان لهذه الأدوات يكون تعقُّله في الأمور، ونضجُه في الإدراك؛ مما يتبين معه ارتباطُ العقل بالأحداث، والتصرفات؛ فالنظر العقلي عمل حي متحرك، له أبعاده ومدلولاته التي ترتبط بالأشخاص، والأزمان، والأحداث، وكلِّ حركات الحياة والأحياء.

 

وبيّن أن الله سبحانه وتعالى قد جعل إعمال العقل، وحسن استخدامه بيد الإنسان فمن شاء فليتقدم، ومن شاء فليتأخر، ولا يكون ذلك إلا في التفكير، والتذكر، والاعتبار، والتدبر، والنظر، والتبصر، والعلم، والفقه".

 

وقال "ابن حميد": "العقل في الإسلام هو مناط التكليف، ومحل الابتلاء، وبه استنباط الأحكام الشرعية، وبيان مراد الشارع، وبه حسن التصرف في أمور الدين والدنيا؛ ذلك أن العقل مكلف تكليفًا صريحًا بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وإدراكِ العلاقات أسبابًا ومسبباتٍ، واكتسابِ العلوم، والنظرِ في المصالح والمفاسد والمنافع، والمضارّ، والعدل والظلم، كل ذلك من أجل أن يستفيد من التسخير للقيام بمهمة التعمير، وأنه من أجل ذلك كله فإن القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئان بالدلائل البرهانية، والأقيسة العقلية، والأمثال المضروبة، والجدال بالحسنى؛ حتى يتحرر العقل من تلبيسات الخرافة، وأساطير الأولين، وتخرصات الكهنة والمنجمين، والسحرة، والمشعوذين، والطيرة، والمتشائمين، والتقليد الأعمى لما عليه الآباء والأسلاف؛ لينطلق إلى آفاق رحبة واسعة من العقيدة الصافية، والعمل الصالح، والعطاء المنتج".

 

وأضاف: "من أعظم مخزون أمتنا الثقافي وقضاياها العليا؛ ارتباطُ العقل بالنقل، وترتيب العلاقة بين العقل والنقل، فإن فحول علماء الأمة وراسخيها، ويأتي في مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ قرروا وبرهنوا على موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فلا تعارض بين عقل صريح ونقل صحيح، فقضايا العقل الصريح خلق الله، وما جاء في النقل الصحيح شرع الله، فلا تناقض ولا تعارض بين خلق الله وشرع الله، فالحق لا يتناقض، بل إن الأمر كلما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فتتطابق الدلائل القرآنية مع البراهين العقلية، ويتصادق موجب الشرع والمنقول مع النظر المعقول، والمؤمن كلما كان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقربَ؛ كان إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان؛ أقربَ، وكلما كان عنهم أبعدَ كان عن ذلك كله أبعدَ".

 

وأردف إمام وخطيب المسجد الحرام أن العالم المعاصر بعلومه وفنونه ومكتشفاته ومخترعاته ما أصاب من خير ومنافع فمن إعمال العقل، وما أصاب من سوء ومفاسد فمن حرية العبث والهوى والبعد عما جاء به المرسلون من الحق والهدى، ولا يجوز الخلط بين الأمرين، وأن بني آدم بالعقل والعلم يرتقون إلى مصاف الملائكة الأطهار؛ كما قال عز شأنه: "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، وبالشهوات والضلالة يكونون أضل من الأنعام؛ كما في قوله سبحانه: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا".

 

وشدد على أن الإنسان مسؤول عن حفظه عقلَه، والله سائله عما استرعاه في عقله، وحسنِ استخدامه؛ شأنه في ذلك شأن كل النعم من عُمُرٍ وصحة ومال وبنين، وحفظ حواسه، وسلامة أجهزته، وأنه من أجل ذلك فإن ذا العقل السليم، والمنهج المستقيم، يربأ بنفسه عن الدنايا، وينأى عن المحقرات، ولا يميل مع الهوى، ولا يخضع للعادات، وما عليه الآباء، والأسلاف، ويتجنب العناد، والمكابرة، والمراء.

 

وتطرق الشيخ "ابن حميد" إلى مكانة العقل وكريم مقامه باعتباره آلة ووسيلة للفهم، له حدوده التي ليس له أن يتجاوزها، فإن خرج عن حدوده وقع في الضلال والانحراف؛ فالعقل بمجرده لا يصلح مرجعًا ولا ميزانًا، فعقول البشر متفاوتة في قوتها وضعفها، وإدراكها، واستيعابها، وإن من الخطأ أن يخلط من يخلط فيجعل عقله هو المرجع، فما يستنكره هواه ورأيه ورغباته يحسب أن العقل هو الذي استنكره وأباه، وما قَبِله فإن العقل عنده هو الذي قد قبله وارتضاه، وقد علم أن المنازل في العقول مختلفة، والحظوظ في الإدراك متفاوتة.

 

وقال: إن العقل البشري لا يدرك ما كان خارج الصور التي يحسها ويراها، والمدركات التي يعيشها، أما الغيب وما وراء المحسوس فلا يدركه العقل إلا بالخبر الصادق، وإبراهيم عليه السلام أراه الله ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، وأراه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه؛ ذلك أن حقائق الغيب لا تدرك إلا بالخبر الصحيح من الصادق المصدوق؛ فالعقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، دال على صدق الرسالة.

 

وأكد أن العقل شرط في معرفة العلوم وصلاحِ الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلًّا بنفسه، بل هو متصل بنور الكتاب والسنة؛ قال تعالى: "وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا"، فإذا انفرد العقل بنفسه لم يبصر، وإذا استقل بذاته عجز عن الإدراك الصحيح.