#رسالة_رمضانية 5.. الشيخ المصلح: وجود غير المسلم على موائد تفطير الصائمين لا يزهّد فيها

معلقاً على مطالب إيقاف مشاريع تفطير الصائمين

عدّ الشيخ د. خالد المصلح أستاذ الفقة المشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم، أنه مِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر، وذلك إثر السجال الذي يدور في بعض المجالس ووسائل التواصل الإجتماعي حول ضرورة تحويل مبالغ الإنفاق على مشاريع تفطير الصائمين إلى الأسر المحتاجة وأنه أولى.

وقال فضيلته في حديثه لزاوية رسالة رمضانية إنه غير خافٍ ما يدور من نقاشٍ حول موائد تفطير الصائمين، وسجالٍ بين مشجِّع عليها مرغِّب فيها، وبين مزهِّد فيها مرغِّب عنها، وكلا الفريقين يُبدي حُجَّته فيما ذهب إليه مِن ترغيبٍ أو تزهيدٍ.

وأضاف أن هناك عدة وقفات مع هذا النقاش عسى أن تساعد في توضيح الرؤية:

وأول هذه الوقفات أنَّ إطعام الطعام مِن صالح الأعمال ومِن صفات الأبرار، فقد ذَكَرَه الله مِن خصال الأبرار في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»(). فإطعام الطعام مِن خير الأعمال بعد الواجبات والفرائض.

وقال المصلح في ثاني هذه الوقفات إنَّ في إطعام الطعام في رمضان مزيدَ فضلٍ على إطعامه في سائر الزمان؛ فهو مِن خصال الجود الذي اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمومًا وفي رمضان خصوصًا؛ حيث كان يخصه صلى الله عليه وسلم بمزيد جود؛ كما قال ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»؛ ولذلك كان السلف يعتنون به حتى كان الزهري إذا دخل رمضان قال: «فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام»؛ وهذا يشمل الإطعام في الفطور والسحور وغير ذلك.

وثالث هذه الوقفات هو من ما جاء في فضيلة تفطير الصوام من أحاديث خاصة؛ منها ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من حديث ثبوته، إلا أن فضيلة تفطير الصوام مما لا خلاف فيها بين أهل العلم كما نقل النووي رحمه الله. ففضيلة تفطير الصائم مستفادة من عموم فضائل إطعام الطعام، ومن خصوص ما ورد في فضل تفطير الصائم.

ثم رابع هذه الوقفات أن تفطير الصائم باب من أبواب البر والخير، وقد اكتنفته عدة أمور ينبغي مراعاتها لتجنيب هذه العبادة ما يشوِّش عليها أو ينقص أجرها؛

وأشار الشيخ المصلح إلى أن أول هذه الأمور التي اكتنفت تفطير الصائمين هو ضرورة تجنُّب الإسراف في هذه الموائد؛ فإنَّ الإسراف منهي عنه حتى في العمل الصالح، ففي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ». فيجب تجنب الإسراف والزيادة في هذه الموائد عما تدعو إليه الحاجة؛ كأنْ يبقى من الطعام ما يكون مآله سلات المهملات والزبل أو الإضاعة والعبث.

والثاني: تجنُّب المباهاة في موائد إفطار الصائمين، والمكاثرة فيها، والتعاظم، والمفاخرة والمغالبة؛ فإن ذلك ينافي الإخلاص الذي هو شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فـ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»()، وتفطير الصائمين من جملة الأعمال، فإنْ كان الباعث عليه ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإنْ كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة والمفاخرة فصاحبه متعرِّض لمقت الله وعقابه.

وثالث هذه الأمور وجوب مراعاة التعليمات المنظِّمة لإقامة هذه الموائد، والصادرة عن الجهات ذات الاختصاص، سواء في أماكن إقامتها أو جمع التبرعات لها أو غير ذلك،؛ فإنَّ مخالفة ذلك مخالفة لما أمر الله تعالى به من طاعة أولي الأمر في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء: 59]، وتترتب عليها مفاسد وأضرار.

ونبه والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم في رابعها ألى ضرورة أن يتحرى القائمون على مشاريع تفطير الصائمين بأن لا يتقبلوا من التبرعات أكثر مما يحتاجون، بل يقتصرون على القَدْر الذي تحتاجه هذه المشاريع فعليًّا؛ فإن توفُّر هذه المبالغ عرضةٌ لضياعها أو صَرْفها في غير ما بُذلت فيه؛ فإنَّ هذا المال لإطعام الصائمين في رمضان في عام محدد، فينبغي أنْ يُراعَى ذلك، فما زاد ينبغي أن لا يُصرف في غير ما جُمع له، وأن لا يجمع من المال إلا بقدر الحاجة. ويحسن بالقائمين على مثل هذه المشاريع أن يفسحوا المجال لجيران المسجد ومن له رغبة في المشاركة في الإطعام أو التنظيم فإن ذلك مما يشيع روح الإنفاق والتعاون والتآلف بين جماعة المسجد ورواد هذه الموائد.

وقال أيضا أن خامس هذه الأمور مراعاة حرمة المساجد إذا كانت هذه الموائد تقام في أفنيتها أو حولها؛ وذلك أن الواجب صيانة المساجد عن كل ما يؤذي من الأعمال والروائح ونحو ذلك مما قد ينتج عن هذه الموائد، فينبغي أن يحرص المنظمون لهذه الموائد على تلافي ذلك.

وأكد استاذ الفقه بأنه إذا روعيت هذه التنبيهات؛ فإن هذه الموائد من الخير الذي ينبغي أن يشجَّع عليه.

وأردف الدكتور خالد المصلح بأن ما يذكره بعض الإخوة من أنَّ هناك أسرًا محتاجة، وقد تكون أشدَّ حاجةً مِن الذين يستفيدون من موائد تفطير الصوام فهي أولى بهذا الإنفاق. فيقال لهم: ما ذكرتموه صحيح، فهناك من الأسر من هو أشد حاجة، وجدير بنا أن نتنادى لسدِّ حاجاتهم دون أنْ نُزهِّد في هذا العمل الصالح، فالله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فمِن الناس مَن فُتح له في باب الصلاة، ولم يُفتح له في باب الصوم، ومنهم مَن فُتح له في باب الصدقة ولم يفتح له في باب الصوم، والجميع على خير وبِرٍّ. فمِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر. أمَّا ما يُذكر مِن أنَّ بعض المستفيدين من هذه الموائد قد لا يصلي أو لا يصوم أو ليس بمسلم؛ فإن ذلك لا يزهِّد فيها؛ ففي «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. كما أنه يقال لمن بَذَل هذه الأموال: لك ما نويت من الخير والأجر، ولو كان المنتفع غير المقصود، يدل لذلك ما في صحيح البخاري من حديث معن بن يزيد قال: "كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ»".

اعلان
#رسالة_رمضانية 5.. الشيخ المصلح: وجود غير المسلم على موائد تفطير الصائمين لا يزهّد فيها
سبق

عدّ الشيخ د. خالد المصلح أستاذ الفقة المشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم، أنه مِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر، وذلك إثر السجال الذي يدور في بعض المجالس ووسائل التواصل الإجتماعي حول ضرورة تحويل مبالغ الإنفاق على مشاريع تفطير الصائمين إلى الأسر المحتاجة وأنه أولى.

وقال فضيلته في حديثه لزاوية رسالة رمضانية إنه غير خافٍ ما يدور من نقاشٍ حول موائد تفطير الصائمين، وسجالٍ بين مشجِّع عليها مرغِّب فيها، وبين مزهِّد فيها مرغِّب عنها، وكلا الفريقين يُبدي حُجَّته فيما ذهب إليه مِن ترغيبٍ أو تزهيدٍ.

وأضاف أن هناك عدة وقفات مع هذا النقاش عسى أن تساعد في توضيح الرؤية:

وأول هذه الوقفات أنَّ إطعام الطعام مِن صالح الأعمال ومِن صفات الأبرار، فقد ذَكَرَه الله مِن خصال الأبرار في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»(). فإطعام الطعام مِن خير الأعمال بعد الواجبات والفرائض.

وقال المصلح في ثاني هذه الوقفات إنَّ في إطعام الطعام في رمضان مزيدَ فضلٍ على إطعامه في سائر الزمان؛ فهو مِن خصال الجود الذي اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمومًا وفي رمضان خصوصًا؛ حيث كان يخصه صلى الله عليه وسلم بمزيد جود؛ كما قال ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»؛ ولذلك كان السلف يعتنون به حتى كان الزهري إذا دخل رمضان قال: «فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام»؛ وهذا يشمل الإطعام في الفطور والسحور وغير ذلك.

وثالث هذه الوقفات هو من ما جاء في فضيلة تفطير الصوام من أحاديث خاصة؛ منها ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من حديث ثبوته، إلا أن فضيلة تفطير الصوام مما لا خلاف فيها بين أهل العلم كما نقل النووي رحمه الله. ففضيلة تفطير الصائم مستفادة من عموم فضائل إطعام الطعام، ومن خصوص ما ورد في فضل تفطير الصائم.

ثم رابع هذه الوقفات أن تفطير الصائم باب من أبواب البر والخير، وقد اكتنفته عدة أمور ينبغي مراعاتها لتجنيب هذه العبادة ما يشوِّش عليها أو ينقص أجرها؛

وأشار الشيخ المصلح إلى أن أول هذه الأمور التي اكتنفت تفطير الصائمين هو ضرورة تجنُّب الإسراف في هذه الموائد؛ فإنَّ الإسراف منهي عنه حتى في العمل الصالح، ففي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ». فيجب تجنب الإسراف والزيادة في هذه الموائد عما تدعو إليه الحاجة؛ كأنْ يبقى من الطعام ما يكون مآله سلات المهملات والزبل أو الإضاعة والعبث.

والثاني: تجنُّب المباهاة في موائد إفطار الصائمين، والمكاثرة فيها، والتعاظم، والمفاخرة والمغالبة؛ فإن ذلك ينافي الإخلاص الذي هو شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فـ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»()، وتفطير الصائمين من جملة الأعمال، فإنْ كان الباعث عليه ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإنْ كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة والمفاخرة فصاحبه متعرِّض لمقت الله وعقابه.

وثالث هذه الأمور وجوب مراعاة التعليمات المنظِّمة لإقامة هذه الموائد، والصادرة عن الجهات ذات الاختصاص، سواء في أماكن إقامتها أو جمع التبرعات لها أو غير ذلك،؛ فإنَّ مخالفة ذلك مخالفة لما أمر الله تعالى به من طاعة أولي الأمر في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء: 59]، وتترتب عليها مفاسد وأضرار.

ونبه والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم في رابعها ألى ضرورة أن يتحرى القائمون على مشاريع تفطير الصائمين بأن لا يتقبلوا من التبرعات أكثر مما يحتاجون، بل يقتصرون على القَدْر الذي تحتاجه هذه المشاريع فعليًّا؛ فإن توفُّر هذه المبالغ عرضةٌ لضياعها أو صَرْفها في غير ما بُذلت فيه؛ فإنَّ هذا المال لإطعام الصائمين في رمضان في عام محدد، فينبغي أنْ يُراعَى ذلك، فما زاد ينبغي أن لا يُصرف في غير ما جُمع له، وأن لا يجمع من المال إلا بقدر الحاجة. ويحسن بالقائمين على مثل هذه المشاريع أن يفسحوا المجال لجيران المسجد ومن له رغبة في المشاركة في الإطعام أو التنظيم فإن ذلك مما يشيع روح الإنفاق والتعاون والتآلف بين جماعة المسجد ورواد هذه الموائد.

وقال أيضا أن خامس هذه الأمور مراعاة حرمة المساجد إذا كانت هذه الموائد تقام في أفنيتها أو حولها؛ وذلك أن الواجب صيانة المساجد عن كل ما يؤذي من الأعمال والروائح ونحو ذلك مما قد ينتج عن هذه الموائد، فينبغي أن يحرص المنظمون لهذه الموائد على تلافي ذلك.

وأكد استاذ الفقه بأنه إذا روعيت هذه التنبيهات؛ فإن هذه الموائد من الخير الذي ينبغي أن يشجَّع عليه.

وأردف الدكتور خالد المصلح بأن ما يذكره بعض الإخوة من أنَّ هناك أسرًا محتاجة، وقد تكون أشدَّ حاجةً مِن الذين يستفيدون من موائد تفطير الصوام فهي أولى بهذا الإنفاق. فيقال لهم: ما ذكرتموه صحيح، فهناك من الأسر من هو أشد حاجة، وجدير بنا أن نتنادى لسدِّ حاجاتهم دون أنْ نُزهِّد في هذا العمل الصالح، فالله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فمِن الناس مَن فُتح له في باب الصلاة، ولم يُفتح له في باب الصوم، ومنهم مَن فُتح له في باب الصدقة ولم يفتح له في باب الصوم، والجميع على خير وبِرٍّ. فمِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر. أمَّا ما يُذكر مِن أنَّ بعض المستفيدين من هذه الموائد قد لا يصلي أو لا يصوم أو ليس بمسلم؛ فإن ذلك لا يزهِّد فيها؛ ففي «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. كما أنه يقال لمن بَذَل هذه الأموال: لك ما نويت من الخير والأجر، ولو كان المنتفع غير المقصود، يدل لذلك ما في صحيح البخاري من حديث معن بن يزيد قال: "كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ»".

31 مايو 2017 - 5 رمضان 1438
06:08 PM

#رسالة_رمضانية 5.. الشيخ المصلح: وجود غير المسلم على موائد تفطير الصائمين لا يزهّد فيها

معلقاً على مطالب إيقاف مشاريع تفطير الصائمين

A A A
5
25,895

عدّ الشيخ د. خالد المصلح أستاذ الفقة المشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم، أنه مِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر، وذلك إثر السجال الذي يدور في بعض المجالس ووسائل التواصل الإجتماعي حول ضرورة تحويل مبالغ الإنفاق على مشاريع تفطير الصائمين إلى الأسر المحتاجة وأنه أولى.

وقال فضيلته في حديثه لزاوية رسالة رمضانية إنه غير خافٍ ما يدور من نقاشٍ حول موائد تفطير الصائمين، وسجالٍ بين مشجِّع عليها مرغِّب فيها، وبين مزهِّد فيها مرغِّب عنها، وكلا الفريقين يُبدي حُجَّته فيما ذهب إليه مِن ترغيبٍ أو تزهيدٍ.

وأضاف أن هناك عدة وقفات مع هذا النقاش عسى أن تساعد في توضيح الرؤية:

وأول هذه الوقفات أنَّ إطعام الطعام مِن صالح الأعمال ومِن صفات الأبرار، فقد ذَكَرَه الله مِن خصال الأبرار في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»(). فإطعام الطعام مِن خير الأعمال بعد الواجبات والفرائض.

وقال المصلح في ثاني هذه الوقفات إنَّ في إطعام الطعام في رمضان مزيدَ فضلٍ على إطعامه في سائر الزمان؛ فهو مِن خصال الجود الذي اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمومًا وفي رمضان خصوصًا؛ حيث كان يخصه صلى الله عليه وسلم بمزيد جود؛ كما قال ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»؛ ولذلك كان السلف يعتنون به حتى كان الزهري إذا دخل رمضان قال: «فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام»؛ وهذا يشمل الإطعام في الفطور والسحور وغير ذلك.

وثالث هذه الوقفات هو من ما جاء في فضيلة تفطير الصوام من أحاديث خاصة؛ منها ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من حديث ثبوته، إلا أن فضيلة تفطير الصوام مما لا خلاف فيها بين أهل العلم كما نقل النووي رحمه الله. ففضيلة تفطير الصائم مستفادة من عموم فضائل إطعام الطعام، ومن خصوص ما ورد في فضل تفطير الصائم.

ثم رابع هذه الوقفات أن تفطير الصائم باب من أبواب البر والخير، وقد اكتنفته عدة أمور ينبغي مراعاتها لتجنيب هذه العبادة ما يشوِّش عليها أو ينقص أجرها؛

وأشار الشيخ المصلح إلى أن أول هذه الأمور التي اكتنفت تفطير الصائمين هو ضرورة تجنُّب الإسراف في هذه الموائد؛ فإنَّ الإسراف منهي عنه حتى في العمل الصالح، ففي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ». فيجب تجنب الإسراف والزيادة في هذه الموائد عما تدعو إليه الحاجة؛ كأنْ يبقى من الطعام ما يكون مآله سلات المهملات والزبل أو الإضاعة والعبث.

والثاني: تجنُّب المباهاة في موائد إفطار الصائمين، والمكاثرة فيها، والتعاظم، والمفاخرة والمغالبة؛ فإن ذلك ينافي الإخلاص الذي هو شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فـ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»()، وتفطير الصائمين من جملة الأعمال، فإنْ كان الباعث عليه ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإنْ كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة والمفاخرة فصاحبه متعرِّض لمقت الله وعقابه.

وثالث هذه الأمور وجوب مراعاة التعليمات المنظِّمة لإقامة هذه الموائد، والصادرة عن الجهات ذات الاختصاص، سواء في أماكن إقامتها أو جمع التبرعات لها أو غير ذلك،؛ فإنَّ مخالفة ذلك مخالفة لما أمر الله تعالى به من طاعة أولي الأمر في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء: 59]، وتترتب عليها مفاسد وأضرار.

ونبه والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم في رابعها ألى ضرورة أن يتحرى القائمون على مشاريع تفطير الصائمين بأن لا يتقبلوا من التبرعات أكثر مما يحتاجون، بل يقتصرون على القَدْر الذي تحتاجه هذه المشاريع فعليًّا؛ فإن توفُّر هذه المبالغ عرضةٌ لضياعها أو صَرْفها في غير ما بُذلت فيه؛ فإنَّ هذا المال لإطعام الصائمين في رمضان في عام محدد، فينبغي أنْ يُراعَى ذلك، فما زاد ينبغي أن لا يُصرف في غير ما جُمع له، وأن لا يجمع من المال إلا بقدر الحاجة. ويحسن بالقائمين على مثل هذه المشاريع أن يفسحوا المجال لجيران المسجد ومن له رغبة في المشاركة في الإطعام أو التنظيم فإن ذلك مما يشيع روح الإنفاق والتعاون والتآلف بين جماعة المسجد ورواد هذه الموائد.

وقال أيضا أن خامس هذه الأمور مراعاة حرمة المساجد إذا كانت هذه الموائد تقام في أفنيتها أو حولها؛ وذلك أن الواجب صيانة المساجد عن كل ما يؤذي من الأعمال والروائح ونحو ذلك مما قد ينتج عن هذه الموائد، فينبغي أن يحرص المنظمون لهذه الموائد على تلافي ذلك.

وأكد استاذ الفقه بأنه إذا روعيت هذه التنبيهات؛ فإن هذه الموائد من الخير الذي ينبغي أن يشجَّع عليه.

وأردف الدكتور خالد المصلح بأن ما يذكره بعض الإخوة من أنَّ هناك أسرًا محتاجة، وقد تكون أشدَّ حاجةً مِن الذين يستفيدون من موائد تفطير الصوام فهي أولى بهذا الإنفاق. فيقال لهم: ما ذكرتموه صحيح، فهناك من الأسر من هو أشد حاجة، وجدير بنا أن نتنادى لسدِّ حاجاتهم دون أنْ نُزهِّد في هذا العمل الصالح، فالله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فمِن الناس مَن فُتح له في باب الصلاة، ولم يُفتح له في باب الصوم، ومنهم مَن فُتح له في باب الصدقة ولم يفتح له في باب الصوم، والجميع على خير وبِرٍّ. فمِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر. أمَّا ما يُذكر مِن أنَّ بعض المستفيدين من هذه الموائد قد لا يصلي أو لا يصوم أو ليس بمسلم؛ فإن ذلك لا يزهِّد فيها؛ ففي «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. كما أنه يقال لمن بَذَل هذه الأموال: لك ما نويت من الخير والأجر، ولو كان المنتفع غير المقصود، يدل لذلك ما في صحيح البخاري من حديث معن بن يزيد قال: "كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ»".