سلوكيات الطلبة "ممزقي الكتب"

بلغ الإنفاق على التعليم 200 مليار ريال سنويًّا، أي معدل مليون ريال على كل فصل يضم 30 طالبًا، ومع ذلك ما زال غالبية الطلبة يكرهون المدرسة والمعرفة والتعليم.. هذا عند النظر إلى المؤشرات الرئيسية لقياس ذلك، وأيضًا عند قياس سلوكيات الطلبة. ولا شك أن إعفاء قائد المدرسة مثل وضع الجبيرة على اليد اليمنى، بينما اليد المكسورة هي اليسرى!
 
بعد انتشار فيديو لطلبة مدرسة ابتدائية في تبوك خلال الأسبوع الماضي، أصدر معالي وزير التعليم قرارات عدة، شملت إعفاء قائد المدرسة من مهامه، واستكمال التحقيق في أسباب ضعف المتابعة من المشرفين في المدرسة، وتشكيل لجنة تربوية لدراسة سلوكيات تمزيق الكتب لدى الطلاب خلال فترة الاختبارات، ووضع حلول جذرية لها، ورفع توصياتها خلال أسبوعَيْن.
 
طبعًا، هذه ليست المرة الأولى لظهور هذه السلوكيات في السعودية؛ إذ سبق أن ظهرت في دول أخرى، منها بعض الدول المتقدمة. وتمزيق الكتب ليس السلوك الوحيد المأخوذ على الطلاب، بل إن هناك ملاحظات عدة على الطلبة من المشكلات المؤرقة، مثل غياب الطلبة في الأسبوع الميت، وهو الأسبوع الأول في الدراسة والأخير، والأسبوع الذي يسبق إجازة أثناء الدراسة، والأسبوع الذي يليها.
 
جميل أن تبحث عن الأسباب والحلول بعد ظهور أي مشكلة، ولكن اختصارًا للوقت، وتفاديًا لحدوث مشاكل أخرى مشابهة، أو تكرار المشكلة نفسها، علينا "مراجعة إذا ما كنا وفرنا مقومات البناء السليم".
 
هل التعيين لمديري التعليم ومديري الأقسام في الإدارات والمدارس يتم بناء على معايير سليمة؟ هل تم استيفاء حقوق المعلمين؟ وهل تم تطويرهم؟ وهل لدينا دراسات عن غياب أو ضعف الطموح لدى الطلبة؟ هل تخطينا مراحل الحفظ والملل إلى مراحل الإبداع والمرح والمهارات والطموح؟
 
لماذا يرى الطلبة أن التعليم ممل؟ ولماذا يفرحون للعطل والغياب؟
 
 يلاحَظ ضعف التعليم ومستوياته وطرق التدريس والمواد، وهذا ليس تقييمًا شخصيًّا، بل بقياس اختبارات القدرات والتحصيلي واختبارات تحديد المستويات الأخرى المحلية ونتائج مشاركاتنا بين الدول الأخرى، وغيرها الكثير.. والتعليم العالي ليس بأفضل حالاً.
 
كيف نزرع حب التعلم لدى الطلبة والطالبات للدراسة والمدارس؟ كيف نغير هذه الثقافات؟ أول جواب يكون "أسلوب التدريس" والثاني "المعلم". تطوير أسلوب التدريس ليس التحوُّل من الورقي إلى الرقمي، بل بتطوير المهارات، ومنها مهارة البحوث، ومهارات العمل الجماعي وتطوير الذات، واكتشاف المهارات، وغيرها الكثير كما عملت به الدول المتقدمة. أما لتطوير المعلم فيأتي أولاً استيفاء حقوقه، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير مهاراته العملية والشخصية، وغيرها الكثير.
 
لا ننسى أن المعلم من مخرجات التعليم، وأن التربية المنزلية (الأب والأم) من مخرجات التعليم أيضًا، وجميعهم أساس لتربية الطلبة، والأدوار متكاملة بين المنزل والمدرسة. طبعًا، البعض يلقي بالمسؤولية على المنزل في تربية الأبناء، وهذا ليس صحيحًا كليًّا، بل جزئيًّا. وكما ذكرنا، الأب والأم من مخرجات التعليم؛ فكلما حسنت حسن دورهما.
 
بعض سلوكيات الطلبة في المراحل الدراسية المتقدمة والمراحل الجامعية تكون مرتبطة بالطموح المستقبلي المرتبط بالازدهار التنموي. فعلى سبيل المثال: البطالة الحالية بين سن 20 سنة و25 سنة تخطت 650 ألفًا (أي أكثر من طلبة وطالبات ثالث ثانوي، ونصف طلبة ثاني ثانوي معًا). أليس هؤلاء إخوة لهؤلاء؟ أليس الاستياء واليأس عكس الطموح؟ ألا ينعكس ذلك على طموح طلبة الثانوية والمتوسطة، ومن ثم الابتدائية؟
 
المسألة ليست مصروفات فقط. مصروفات التعليم فاقت تريليون ريال خلال 6 سنوات، مع أن عدد الطلبة في جميع المراحل فقط 6 ملايين طالب وطالبة، أي قرابة 33 ألف ريال سنويًّا على كل طالب وطالبة.
 
تطوير ثقافة الطالب مرتبطة بالطموح، والطموح مرتبط بالازدهار التنموي للمملكة، وكذلك تطوير المعلم وطموحه مرتبطان بمستوى وثقافة الطلبة، والموضوع متشعب كثيرًا، ولكنه متعلق بالبيئة والازدهار التنموي بشكل كبير. قبل البحث عن الأسباب والحلول علينا البحث عن توفير المقومات الأساسية.
 
لا مفر من تطوير البناء التنموي المتكامل، الذي يبدأ من تحويل البلد بالكامل إلى بلد منتج بدلاً من بلد مستهلك ومستورد، وتوفير الوظائف المناسبة التي ترتقي للطموح والتطلعات. أما الحلول المفرقة والتفاعل مع فيديوهات انتشرت وأحرجت المسؤولين فهما مضيعة للوقت، ومساهمة في تفاقم المشكلة مستقبلاً. 
 

اعلان
سلوكيات الطلبة "ممزقي الكتب"
سبق

بلغ الإنفاق على التعليم 200 مليار ريال سنويًّا، أي معدل مليون ريال على كل فصل يضم 30 طالبًا، ومع ذلك ما زال غالبية الطلبة يكرهون المدرسة والمعرفة والتعليم.. هذا عند النظر إلى المؤشرات الرئيسية لقياس ذلك، وأيضًا عند قياس سلوكيات الطلبة. ولا شك أن إعفاء قائد المدرسة مثل وضع الجبيرة على اليد اليمنى، بينما اليد المكسورة هي اليسرى!
 
بعد انتشار فيديو لطلبة مدرسة ابتدائية في تبوك خلال الأسبوع الماضي، أصدر معالي وزير التعليم قرارات عدة، شملت إعفاء قائد المدرسة من مهامه، واستكمال التحقيق في أسباب ضعف المتابعة من المشرفين في المدرسة، وتشكيل لجنة تربوية لدراسة سلوكيات تمزيق الكتب لدى الطلاب خلال فترة الاختبارات، ووضع حلول جذرية لها، ورفع توصياتها خلال أسبوعَيْن.
 
طبعًا، هذه ليست المرة الأولى لظهور هذه السلوكيات في السعودية؛ إذ سبق أن ظهرت في دول أخرى، منها بعض الدول المتقدمة. وتمزيق الكتب ليس السلوك الوحيد المأخوذ على الطلاب، بل إن هناك ملاحظات عدة على الطلبة من المشكلات المؤرقة، مثل غياب الطلبة في الأسبوع الميت، وهو الأسبوع الأول في الدراسة والأخير، والأسبوع الذي يسبق إجازة أثناء الدراسة، والأسبوع الذي يليها.
 
جميل أن تبحث عن الأسباب والحلول بعد ظهور أي مشكلة، ولكن اختصارًا للوقت، وتفاديًا لحدوث مشاكل أخرى مشابهة، أو تكرار المشكلة نفسها، علينا "مراجعة إذا ما كنا وفرنا مقومات البناء السليم".
 
هل التعيين لمديري التعليم ومديري الأقسام في الإدارات والمدارس يتم بناء على معايير سليمة؟ هل تم استيفاء حقوق المعلمين؟ وهل تم تطويرهم؟ وهل لدينا دراسات عن غياب أو ضعف الطموح لدى الطلبة؟ هل تخطينا مراحل الحفظ والملل إلى مراحل الإبداع والمرح والمهارات والطموح؟
 
لماذا يرى الطلبة أن التعليم ممل؟ ولماذا يفرحون للعطل والغياب؟
 
 يلاحَظ ضعف التعليم ومستوياته وطرق التدريس والمواد، وهذا ليس تقييمًا شخصيًّا، بل بقياس اختبارات القدرات والتحصيلي واختبارات تحديد المستويات الأخرى المحلية ونتائج مشاركاتنا بين الدول الأخرى، وغيرها الكثير.. والتعليم العالي ليس بأفضل حالاً.
 
كيف نزرع حب التعلم لدى الطلبة والطالبات للدراسة والمدارس؟ كيف نغير هذه الثقافات؟ أول جواب يكون "أسلوب التدريس" والثاني "المعلم". تطوير أسلوب التدريس ليس التحوُّل من الورقي إلى الرقمي، بل بتطوير المهارات، ومنها مهارة البحوث، ومهارات العمل الجماعي وتطوير الذات، واكتشاف المهارات، وغيرها الكثير كما عملت به الدول المتقدمة. أما لتطوير المعلم فيأتي أولاً استيفاء حقوقه، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير مهاراته العملية والشخصية، وغيرها الكثير.
 
لا ننسى أن المعلم من مخرجات التعليم، وأن التربية المنزلية (الأب والأم) من مخرجات التعليم أيضًا، وجميعهم أساس لتربية الطلبة، والأدوار متكاملة بين المنزل والمدرسة. طبعًا، البعض يلقي بالمسؤولية على المنزل في تربية الأبناء، وهذا ليس صحيحًا كليًّا، بل جزئيًّا. وكما ذكرنا، الأب والأم من مخرجات التعليم؛ فكلما حسنت حسن دورهما.
 
بعض سلوكيات الطلبة في المراحل الدراسية المتقدمة والمراحل الجامعية تكون مرتبطة بالطموح المستقبلي المرتبط بالازدهار التنموي. فعلى سبيل المثال: البطالة الحالية بين سن 20 سنة و25 سنة تخطت 650 ألفًا (أي أكثر من طلبة وطالبات ثالث ثانوي، ونصف طلبة ثاني ثانوي معًا). أليس هؤلاء إخوة لهؤلاء؟ أليس الاستياء واليأس عكس الطموح؟ ألا ينعكس ذلك على طموح طلبة الثانوية والمتوسطة، ومن ثم الابتدائية؟
 
المسألة ليست مصروفات فقط. مصروفات التعليم فاقت تريليون ريال خلال 6 سنوات، مع أن عدد الطلبة في جميع المراحل فقط 6 ملايين طالب وطالبة، أي قرابة 33 ألف ريال سنويًّا على كل طالب وطالبة.
 
تطوير ثقافة الطالب مرتبطة بالطموح، والطموح مرتبط بالازدهار التنموي للمملكة، وكذلك تطوير المعلم وطموحه مرتبطان بمستوى وثقافة الطلبة، والموضوع متشعب كثيرًا، ولكنه متعلق بالبيئة والازدهار التنموي بشكل كبير. قبل البحث عن الأسباب والحلول علينا البحث عن توفير المقومات الأساسية.
 
لا مفر من تطوير البناء التنموي المتكامل، الذي يبدأ من تحويل البلد بالكامل إلى بلد منتج بدلاً من بلد مستهلك ومستورد، وتوفير الوظائف المناسبة التي ترتقي للطموح والتطلعات. أما الحلول المفرقة والتفاعل مع فيديوهات انتشرت وأحرجت المسؤولين فهما مضيعة للوقت، ومساهمة في تفاقم المشكلة مستقبلاً. 
 

15 مايو 2017 - 19 شعبان 1438
11:30 PM

سلوكيات الطلبة "ممزقي الكتب"

A A A
5
1,649

بلغ الإنفاق على التعليم 200 مليار ريال سنويًّا، أي معدل مليون ريال على كل فصل يضم 30 طالبًا، ومع ذلك ما زال غالبية الطلبة يكرهون المدرسة والمعرفة والتعليم.. هذا عند النظر إلى المؤشرات الرئيسية لقياس ذلك، وأيضًا عند قياس سلوكيات الطلبة. ولا شك أن إعفاء قائد المدرسة مثل وضع الجبيرة على اليد اليمنى، بينما اليد المكسورة هي اليسرى!
 
بعد انتشار فيديو لطلبة مدرسة ابتدائية في تبوك خلال الأسبوع الماضي، أصدر معالي وزير التعليم قرارات عدة، شملت إعفاء قائد المدرسة من مهامه، واستكمال التحقيق في أسباب ضعف المتابعة من المشرفين في المدرسة، وتشكيل لجنة تربوية لدراسة سلوكيات تمزيق الكتب لدى الطلاب خلال فترة الاختبارات، ووضع حلول جذرية لها، ورفع توصياتها خلال أسبوعَيْن.
 
طبعًا، هذه ليست المرة الأولى لظهور هذه السلوكيات في السعودية؛ إذ سبق أن ظهرت في دول أخرى، منها بعض الدول المتقدمة. وتمزيق الكتب ليس السلوك الوحيد المأخوذ على الطلاب، بل إن هناك ملاحظات عدة على الطلبة من المشكلات المؤرقة، مثل غياب الطلبة في الأسبوع الميت، وهو الأسبوع الأول في الدراسة والأخير، والأسبوع الذي يسبق إجازة أثناء الدراسة، والأسبوع الذي يليها.
 
جميل أن تبحث عن الأسباب والحلول بعد ظهور أي مشكلة، ولكن اختصارًا للوقت، وتفاديًا لحدوث مشاكل أخرى مشابهة، أو تكرار المشكلة نفسها، علينا "مراجعة إذا ما كنا وفرنا مقومات البناء السليم".
 
هل التعيين لمديري التعليم ومديري الأقسام في الإدارات والمدارس يتم بناء على معايير سليمة؟ هل تم استيفاء حقوق المعلمين؟ وهل تم تطويرهم؟ وهل لدينا دراسات عن غياب أو ضعف الطموح لدى الطلبة؟ هل تخطينا مراحل الحفظ والملل إلى مراحل الإبداع والمرح والمهارات والطموح؟
 
لماذا يرى الطلبة أن التعليم ممل؟ ولماذا يفرحون للعطل والغياب؟
 
 يلاحَظ ضعف التعليم ومستوياته وطرق التدريس والمواد، وهذا ليس تقييمًا شخصيًّا، بل بقياس اختبارات القدرات والتحصيلي واختبارات تحديد المستويات الأخرى المحلية ونتائج مشاركاتنا بين الدول الأخرى، وغيرها الكثير.. والتعليم العالي ليس بأفضل حالاً.
 
كيف نزرع حب التعلم لدى الطلبة والطالبات للدراسة والمدارس؟ كيف نغير هذه الثقافات؟ أول جواب يكون "أسلوب التدريس" والثاني "المعلم". تطوير أسلوب التدريس ليس التحوُّل من الورقي إلى الرقمي، بل بتطوير المهارات، ومنها مهارة البحوث، ومهارات العمل الجماعي وتطوير الذات، واكتشاف المهارات، وغيرها الكثير كما عملت به الدول المتقدمة. أما لتطوير المعلم فيأتي أولاً استيفاء حقوقه، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير مهاراته العملية والشخصية، وغيرها الكثير.
 
لا ننسى أن المعلم من مخرجات التعليم، وأن التربية المنزلية (الأب والأم) من مخرجات التعليم أيضًا، وجميعهم أساس لتربية الطلبة، والأدوار متكاملة بين المنزل والمدرسة. طبعًا، البعض يلقي بالمسؤولية على المنزل في تربية الأبناء، وهذا ليس صحيحًا كليًّا، بل جزئيًّا. وكما ذكرنا، الأب والأم من مخرجات التعليم؛ فكلما حسنت حسن دورهما.
 
بعض سلوكيات الطلبة في المراحل الدراسية المتقدمة والمراحل الجامعية تكون مرتبطة بالطموح المستقبلي المرتبط بالازدهار التنموي. فعلى سبيل المثال: البطالة الحالية بين سن 20 سنة و25 سنة تخطت 650 ألفًا (أي أكثر من طلبة وطالبات ثالث ثانوي، ونصف طلبة ثاني ثانوي معًا). أليس هؤلاء إخوة لهؤلاء؟ أليس الاستياء واليأس عكس الطموح؟ ألا ينعكس ذلك على طموح طلبة الثانوية والمتوسطة، ومن ثم الابتدائية؟
 
المسألة ليست مصروفات فقط. مصروفات التعليم فاقت تريليون ريال خلال 6 سنوات، مع أن عدد الطلبة في جميع المراحل فقط 6 ملايين طالب وطالبة، أي قرابة 33 ألف ريال سنويًّا على كل طالب وطالبة.
 
تطوير ثقافة الطالب مرتبطة بالطموح، والطموح مرتبط بالازدهار التنموي للمملكة، وكذلك تطوير المعلم وطموحه مرتبطان بمستوى وثقافة الطلبة، والموضوع متشعب كثيرًا، ولكنه متعلق بالبيئة والازدهار التنموي بشكل كبير. قبل البحث عن الأسباب والحلول علينا البحث عن توفير المقومات الأساسية.
 
لا مفر من تطوير البناء التنموي المتكامل، الذي يبدأ من تحويل البلد بالكامل إلى بلد منتج بدلاً من بلد مستهلك ومستورد، وتوفير الوظائف المناسبة التي ترتقي للطموح والتطلعات. أما الحلول المفرقة والتفاعل مع فيديوهات انتشرت وأحرجت المسؤولين فهما مضيعة للوقت، ومساهمة في تفاقم المشكلة مستقبلاً.