"طريق الحرير".. المملكة محطة رئيسية تؤمّن الطاقة لأكبر دولة مستوردة في العالم

اكتشفته الصين ويمر بـ65 دولة وعمره 3 آلاف عام قبل الميلاد

تشهد الصين نمواً في اقتصادها بمعدل 10% سنوياً، وهو معدل يكشف عن حركة إنتاج وعمل مستمرة على مدار الساعة؛ الأمر الذي جعل "بكين" أكبر دولة مستوردة للمواد الخام في العالم.

 

وتعتمد الصين على السعودية في تأمين الطاقة المطلوبة لحركة الإنتاج، ومن هنا حرص الرئيس الصيني "شي جين بينغ" عندما زار المملكة بداية هذا العام، أن يدعو الرياض إلى الانضمام إلى منظومة الدول الـ65 التي تمرّ على أراضيها طريق الحرير، والذي قررت الصين إحياءه مرة أخرى وتفعيله بشكل أفضل من ذي قبل.

 

وتنبع أهمية طريق الحرير من اسم المبادرة والمناطق التي يعمل على ربطها؛ باعتباره حزاماً اقتصادياً يوسع مجالات التبادل الاقتصادي والثقافي ما بين الصين والدول الأخرى. ويبدأ الطريق من روسيا مروراً بآسيا الوسطى، وانتهاء بغرب وجنوب آسيا.

 

وتدرك الصين أن النفط السعودي، سيكون السلعة رقم 1 في الأهمية بالنسبة لها؛ لتفعيل التبادل الاقتصادي بينها وبين دول "طريق الحرير". ولكون المملكة المخزن الأهم للنفط؛ فإن دورها سيكون محورياً في التوازنات الإقليمية؛ فضلاً عن موقعها الجغرافي، الذي يمر طريق الحرير البحري عبره، وبذلك تكون المملكة البوابة لنجاح وتقوية القيمة الاقتصادية للطريق البحري.

 

المنسوجات الحريرية

ويرجع تاريخ طريق الحرير إلى عام 3000 قبل الميلاد، وكان عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة، تسلكها السفن والقوافل؛ بهدف التجارة، وترجع تسميته إلى عام 1877م؛ حيث كان يربط بين الصين والجزء الجنوبي والغربي لآسيا الوسطى والهند. وسمي طريق الحرير بهذا الاسم؛ لأن الصين كانت أول دولة في العالم تزرع التوت وتربي ديدان "القز"، وتنتج المنسوجات الحريرية، وتنقلها لشعوب العالم، عبر هذا الطريق؛ لذا سمي "طريق الحرير"، نسبة إلى أشهر سلعة تنتجها الصين آنذاك.

 

 600 مليار دولار

وفي سبتمبر عام 2013، أعلن الرئيس الصيني مبادرة جديدة، تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، وفي أكتوبر الماضي دعا إلى إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة؛ لخلق طريق الحرير البحري؛ لتعزيز الربط الدولي ودعم حركة التجارة. ويمر الطريق بـ65 دولة من بينها السعودية؛ وافقت 50 منها حتى الآن. وتسعى الصين إلى تعظيم الاستفادة من الطريق في مضاعفة تجارتها مع الدول العربية من 240 مليار دولار إلى 600 مليار دولار، وتستهدف رفع رصيدها من الاستثمار غير المالي في الدول العربية من 10 مليارات دولار، إلى أكثر من 60 مليار دولار، بالإضافة إلى الوصول بحجم تجارتها مع إفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020.

 

تحالفات اقتصادية

ويبدأ طريق الحرير من الصين ويمر عبر تركستان وخراسان وكردستان وسوريا إلى مصر ودول شمال إفريقيا، مروراً بأوروبا. وسيحول الطريق السعودية لمركز استراتيجي واقتصادي مهم في منطقة الخليج، وسيفتح الطريق أمامها لشراكات وتحالفات اقتصادية مهمة، تجعلها دولة محورية وفاعلة في التجارة الدولية، ومعبراً لمرور حركة التجارة من التنين الصيني لمختلف دول العالم.

 

وكان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة؛ مثل الصينية، والحضارة المصرية، والهندية، والرومانية؛ حتى إنها أرست قواعد العصر الحديث.

 

الشام ومصر

يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين؛ حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمر الفرع الشمالي من منطقة بلغار- كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم، وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان، ووصولاً للبندقية. أما الفرع الجنوبي، فيمر من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا.

 

الأحجار الكريمة

ولم تقتصر الصادرات الصينية التي تمر على طريق الحرير قديماً، على المصنوعات الحريرية وحدها؛ وإنما تسربت معه بضائع كثيرة، ما لبث انتقالها من الصين وأقاصي آسيا، إلى أواسط آسيا وشمال إفريقيا ووسط أوروبا؛ أن اتخذ مسارات محددة، عرفت منذ الزمن القديم باسم طريق الحرير.

 

ولم يكن "الحرير" طريقاً واحداً؛ وإنما شبكة من الطرق الفرعية التي تصب في طرق أكبر، أو بالأحرى في طريقين كبيرين؛ أحدهما شمالي "صيفي" والآخر شتوي كانوا يسلكونه في زمن الشتاء. والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً، هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب؛ لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم، وقد انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظلت منتظمة لنحو 1500 سنة تالية، كان طريق الحرير خلالها معبراً ثقافياً واجتماعياً ذا أثر عميق في المناطق التي يمر بها.

 

ولم يتوقف شأن طريق الحرير على كونه سبيل تجارة بين الأمم والشعوب القديمة؛ وإنما تجاوز "الاقتصاد العالمي" إلى آفاق إنسانية أخرى؛ فانتقلت عبره الديانات فعرف العالم البوذية وعرفت آسيا الإسلام، وانتقل عبره البارود؛ فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة، وانتقل عبره الورق؛ فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية مع النشاط التدويني الواسع الذي سهل الورق أمره.

 

الثقافات الإنسانية

وانتقل الاقتصاد العالمي نقلة كبيرة مع اكتشاف التجار أن المسارات البحرية أكثر أمناً من الطرق البرية. وقد تزامن ذلك مع اشتعال الحروب المغولية - الإسلامية بقلب آسيا، وشيئاً فشيئاً، اندثرت معالم طريق الحرير وصارت البضائع والثقافات الإنسانية، تنتقل في مسارات بحرية منتظمة، تتجه عبر المحيط الهندي من حران آسيا الجنوبية، إلى شمال إفريقيا، مروراً من البحر الأحمر؛ لتستلم القوافل البرية البضائع من آخر نقطة في خليج السويس؛ لتنقلها إلى المراكب الراسية في ثغر دمياط وما حوله من موانئ في هذا الزمان.

 

وكان الحكام مماليك مصر يتقاضون رسوماً عالية مقابل هذه "الوصلة"؛ حتى إنهم كانوا مثلاً يحصلون على الفلفل الأسود وزنه ذهباً. وازدهرت مصر المملوكية حيناً من الدهر؛ حتى اكتُشف طريق رأس الرجاء الصالح؛ فصارت السفن تحف جنوب آسيا؛ لتمر بحواف إفريقيا، فترسو على موانئ شبه جزيرة أيبيريا. فازدهرت البرتغال وإسبانيا، وانطفأت مصر أواخر عصرها المملوكي وخلال عصرها العثماني. ولما افتتحت قناة السويس، واتصل المسار البحري الآتي من آسيا إلى أوروبا، تغير الحال، وانتظمت التجارة، واستولدت قناة السويس مدناً مصرية من الصحراء؛ فكانت السويس وكثيراً من نقاط أخرى موزعة على الحافة الغربية لمجرى القناة.

اعلان
"طريق الحرير".. المملكة محطة رئيسية تؤمّن الطاقة لأكبر دولة مستوردة في العالم
سبق

تشهد الصين نمواً في اقتصادها بمعدل 10% سنوياً، وهو معدل يكشف عن حركة إنتاج وعمل مستمرة على مدار الساعة؛ الأمر الذي جعل "بكين" أكبر دولة مستوردة للمواد الخام في العالم.

 

وتعتمد الصين على السعودية في تأمين الطاقة المطلوبة لحركة الإنتاج، ومن هنا حرص الرئيس الصيني "شي جين بينغ" عندما زار المملكة بداية هذا العام، أن يدعو الرياض إلى الانضمام إلى منظومة الدول الـ65 التي تمرّ على أراضيها طريق الحرير، والذي قررت الصين إحياءه مرة أخرى وتفعيله بشكل أفضل من ذي قبل.

 

وتنبع أهمية طريق الحرير من اسم المبادرة والمناطق التي يعمل على ربطها؛ باعتباره حزاماً اقتصادياً يوسع مجالات التبادل الاقتصادي والثقافي ما بين الصين والدول الأخرى. ويبدأ الطريق من روسيا مروراً بآسيا الوسطى، وانتهاء بغرب وجنوب آسيا.

 

وتدرك الصين أن النفط السعودي، سيكون السلعة رقم 1 في الأهمية بالنسبة لها؛ لتفعيل التبادل الاقتصادي بينها وبين دول "طريق الحرير". ولكون المملكة المخزن الأهم للنفط؛ فإن دورها سيكون محورياً في التوازنات الإقليمية؛ فضلاً عن موقعها الجغرافي، الذي يمر طريق الحرير البحري عبره، وبذلك تكون المملكة البوابة لنجاح وتقوية القيمة الاقتصادية للطريق البحري.

 

المنسوجات الحريرية

ويرجع تاريخ طريق الحرير إلى عام 3000 قبل الميلاد، وكان عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة، تسلكها السفن والقوافل؛ بهدف التجارة، وترجع تسميته إلى عام 1877م؛ حيث كان يربط بين الصين والجزء الجنوبي والغربي لآسيا الوسطى والهند. وسمي طريق الحرير بهذا الاسم؛ لأن الصين كانت أول دولة في العالم تزرع التوت وتربي ديدان "القز"، وتنتج المنسوجات الحريرية، وتنقلها لشعوب العالم، عبر هذا الطريق؛ لذا سمي "طريق الحرير"، نسبة إلى أشهر سلعة تنتجها الصين آنذاك.

 

 600 مليار دولار

وفي سبتمبر عام 2013، أعلن الرئيس الصيني مبادرة جديدة، تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، وفي أكتوبر الماضي دعا إلى إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة؛ لخلق طريق الحرير البحري؛ لتعزيز الربط الدولي ودعم حركة التجارة. ويمر الطريق بـ65 دولة من بينها السعودية؛ وافقت 50 منها حتى الآن. وتسعى الصين إلى تعظيم الاستفادة من الطريق في مضاعفة تجارتها مع الدول العربية من 240 مليار دولار إلى 600 مليار دولار، وتستهدف رفع رصيدها من الاستثمار غير المالي في الدول العربية من 10 مليارات دولار، إلى أكثر من 60 مليار دولار، بالإضافة إلى الوصول بحجم تجارتها مع إفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020.

 

تحالفات اقتصادية

ويبدأ طريق الحرير من الصين ويمر عبر تركستان وخراسان وكردستان وسوريا إلى مصر ودول شمال إفريقيا، مروراً بأوروبا. وسيحول الطريق السعودية لمركز استراتيجي واقتصادي مهم في منطقة الخليج، وسيفتح الطريق أمامها لشراكات وتحالفات اقتصادية مهمة، تجعلها دولة محورية وفاعلة في التجارة الدولية، ومعبراً لمرور حركة التجارة من التنين الصيني لمختلف دول العالم.

 

وكان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة؛ مثل الصينية، والحضارة المصرية، والهندية، والرومانية؛ حتى إنها أرست قواعد العصر الحديث.

 

الشام ومصر

يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين؛ حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمر الفرع الشمالي من منطقة بلغار- كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم، وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان، ووصولاً للبندقية. أما الفرع الجنوبي، فيمر من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا.

 

الأحجار الكريمة

ولم تقتصر الصادرات الصينية التي تمر على طريق الحرير قديماً، على المصنوعات الحريرية وحدها؛ وإنما تسربت معه بضائع كثيرة، ما لبث انتقالها من الصين وأقاصي آسيا، إلى أواسط آسيا وشمال إفريقيا ووسط أوروبا؛ أن اتخذ مسارات محددة، عرفت منذ الزمن القديم باسم طريق الحرير.

 

ولم يكن "الحرير" طريقاً واحداً؛ وإنما شبكة من الطرق الفرعية التي تصب في طرق أكبر، أو بالأحرى في طريقين كبيرين؛ أحدهما شمالي "صيفي" والآخر شتوي كانوا يسلكونه في زمن الشتاء. والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً، هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب؛ لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم، وقد انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظلت منتظمة لنحو 1500 سنة تالية، كان طريق الحرير خلالها معبراً ثقافياً واجتماعياً ذا أثر عميق في المناطق التي يمر بها.

 

ولم يتوقف شأن طريق الحرير على كونه سبيل تجارة بين الأمم والشعوب القديمة؛ وإنما تجاوز "الاقتصاد العالمي" إلى آفاق إنسانية أخرى؛ فانتقلت عبره الديانات فعرف العالم البوذية وعرفت آسيا الإسلام، وانتقل عبره البارود؛ فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة، وانتقل عبره الورق؛ فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية مع النشاط التدويني الواسع الذي سهل الورق أمره.

 

الثقافات الإنسانية

وانتقل الاقتصاد العالمي نقلة كبيرة مع اكتشاف التجار أن المسارات البحرية أكثر أمناً من الطرق البرية. وقد تزامن ذلك مع اشتعال الحروب المغولية - الإسلامية بقلب آسيا، وشيئاً فشيئاً، اندثرت معالم طريق الحرير وصارت البضائع والثقافات الإنسانية، تنتقل في مسارات بحرية منتظمة، تتجه عبر المحيط الهندي من حران آسيا الجنوبية، إلى شمال إفريقيا، مروراً من البحر الأحمر؛ لتستلم القوافل البرية البضائع من آخر نقطة في خليج السويس؛ لتنقلها إلى المراكب الراسية في ثغر دمياط وما حوله من موانئ في هذا الزمان.

 

وكان الحكام مماليك مصر يتقاضون رسوماً عالية مقابل هذه "الوصلة"؛ حتى إنهم كانوا مثلاً يحصلون على الفلفل الأسود وزنه ذهباً. وازدهرت مصر المملوكية حيناً من الدهر؛ حتى اكتُشف طريق رأس الرجاء الصالح؛ فصارت السفن تحف جنوب آسيا؛ لتمر بحواف إفريقيا، فترسو على موانئ شبه جزيرة أيبيريا. فازدهرت البرتغال وإسبانيا، وانطفأت مصر أواخر عصرها المملوكي وخلال عصرها العثماني. ولما افتتحت قناة السويس، واتصل المسار البحري الآتي من آسيا إلى أوروبا، تغير الحال، وانتظمت التجارة، واستولدت قناة السويس مدناً مصرية من الصحراء؛ فكانت السويس وكثيراً من نقاط أخرى موزعة على الحافة الغربية لمجرى القناة.

29 أغسطس 2016 - 26 ذو القعدة 1437
11:18 AM

اكتشفته الصين ويمر بـ65 دولة وعمره 3 آلاف عام قبل الميلاد

"طريق الحرير".. المملكة محطة رئيسية تؤمّن الطاقة لأكبر دولة مستوردة في العالم

A A A
3
17,601

تشهد الصين نمواً في اقتصادها بمعدل 10% سنوياً، وهو معدل يكشف عن حركة إنتاج وعمل مستمرة على مدار الساعة؛ الأمر الذي جعل "بكين" أكبر دولة مستوردة للمواد الخام في العالم.

 

وتعتمد الصين على السعودية في تأمين الطاقة المطلوبة لحركة الإنتاج، ومن هنا حرص الرئيس الصيني "شي جين بينغ" عندما زار المملكة بداية هذا العام، أن يدعو الرياض إلى الانضمام إلى منظومة الدول الـ65 التي تمرّ على أراضيها طريق الحرير، والذي قررت الصين إحياءه مرة أخرى وتفعيله بشكل أفضل من ذي قبل.

 

وتنبع أهمية طريق الحرير من اسم المبادرة والمناطق التي يعمل على ربطها؛ باعتباره حزاماً اقتصادياً يوسع مجالات التبادل الاقتصادي والثقافي ما بين الصين والدول الأخرى. ويبدأ الطريق من روسيا مروراً بآسيا الوسطى، وانتهاء بغرب وجنوب آسيا.

 

وتدرك الصين أن النفط السعودي، سيكون السلعة رقم 1 في الأهمية بالنسبة لها؛ لتفعيل التبادل الاقتصادي بينها وبين دول "طريق الحرير". ولكون المملكة المخزن الأهم للنفط؛ فإن دورها سيكون محورياً في التوازنات الإقليمية؛ فضلاً عن موقعها الجغرافي، الذي يمر طريق الحرير البحري عبره، وبذلك تكون المملكة البوابة لنجاح وتقوية القيمة الاقتصادية للطريق البحري.

 

المنسوجات الحريرية

ويرجع تاريخ طريق الحرير إلى عام 3000 قبل الميلاد، وكان عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة، تسلكها السفن والقوافل؛ بهدف التجارة، وترجع تسميته إلى عام 1877م؛ حيث كان يربط بين الصين والجزء الجنوبي والغربي لآسيا الوسطى والهند. وسمي طريق الحرير بهذا الاسم؛ لأن الصين كانت أول دولة في العالم تزرع التوت وتربي ديدان "القز"، وتنتج المنسوجات الحريرية، وتنقلها لشعوب العالم، عبر هذا الطريق؛ لذا سمي "طريق الحرير"، نسبة إلى أشهر سلعة تنتجها الصين آنذاك.

 

 600 مليار دولار

وفي سبتمبر عام 2013، أعلن الرئيس الصيني مبادرة جديدة، تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، وفي أكتوبر الماضي دعا إلى إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة؛ لخلق طريق الحرير البحري؛ لتعزيز الربط الدولي ودعم حركة التجارة. ويمر الطريق بـ65 دولة من بينها السعودية؛ وافقت 50 منها حتى الآن. وتسعى الصين إلى تعظيم الاستفادة من الطريق في مضاعفة تجارتها مع الدول العربية من 240 مليار دولار إلى 600 مليار دولار، وتستهدف رفع رصيدها من الاستثمار غير المالي في الدول العربية من 10 مليارات دولار، إلى أكثر من 60 مليار دولار، بالإضافة إلى الوصول بحجم تجارتها مع إفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020.

 

تحالفات اقتصادية

ويبدأ طريق الحرير من الصين ويمر عبر تركستان وخراسان وكردستان وسوريا إلى مصر ودول شمال إفريقيا، مروراً بأوروبا. وسيحول الطريق السعودية لمركز استراتيجي واقتصادي مهم في منطقة الخليج، وسيفتح الطريق أمامها لشراكات وتحالفات اقتصادية مهمة، تجعلها دولة محورية وفاعلة في التجارة الدولية، ومعبراً لمرور حركة التجارة من التنين الصيني لمختلف دول العالم.

 

وكان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة؛ مثل الصينية، والحضارة المصرية، والهندية، والرومانية؛ حتى إنها أرست قواعد العصر الحديث.

 

الشام ومصر

يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين؛ حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمر الفرع الشمالي من منطقة بلغار- كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم، وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان، ووصولاً للبندقية. أما الفرع الجنوبي، فيمر من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا.

 

الأحجار الكريمة

ولم تقتصر الصادرات الصينية التي تمر على طريق الحرير قديماً، على المصنوعات الحريرية وحدها؛ وإنما تسربت معه بضائع كثيرة، ما لبث انتقالها من الصين وأقاصي آسيا، إلى أواسط آسيا وشمال إفريقيا ووسط أوروبا؛ أن اتخذ مسارات محددة، عرفت منذ الزمن القديم باسم طريق الحرير.

 

ولم يكن "الحرير" طريقاً واحداً؛ وإنما شبكة من الطرق الفرعية التي تصب في طرق أكبر، أو بالأحرى في طريقين كبيرين؛ أحدهما شمالي "صيفي" والآخر شتوي كانوا يسلكونه في زمن الشتاء. والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً، هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب؛ لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم، وقد انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظلت منتظمة لنحو 1500 سنة تالية، كان طريق الحرير خلالها معبراً ثقافياً واجتماعياً ذا أثر عميق في المناطق التي يمر بها.

 

ولم يتوقف شأن طريق الحرير على كونه سبيل تجارة بين الأمم والشعوب القديمة؛ وإنما تجاوز "الاقتصاد العالمي" إلى آفاق إنسانية أخرى؛ فانتقلت عبره الديانات فعرف العالم البوذية وعرفت آسيا الإسلام، وانتقل عبره البارود؛ فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة، وانتقل عبره الورق؛ فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية مع النشاط التدويني الواسع الذي سهل الورق أمره.

 

الثقافات الإنسانية

وانتقل الاقتصاد العالمي نقلة كبيرة مع اكتشاف التجار أن المسارات البحرية أكثر أمناً من الطرق البرية. وقد تزامن ذلك مع اشتعال الحروب المغولية - الإسلامية بقلب آسيا، وشيئاً فشيئاً، اندثرت معالم طريق الحرير وصارت البضائع والثقافات الإنسانية، تنتقل في مسارات بحرية منتظمة، تتجه عبر المحيط الهندي من حران آسيا الجنوبية، إلى شمال إفريقيا، مروراً من البحر الأحمر؛ لتستلم القوافل البرية البضائع من آخر نقطة في خليج السويس؛ لتنقلها إلى المراكب الراسية في ثغر دمياط وما حوله من موانئ في هذا الزمان.

 

وكان الحكام مماليك مصر يتقاضون رسوماً عالية مقابل هذه "الوصلة"؛ حتى إنهم كانوا مثلاً يحصلون على الفلفل الأسود وزنه ذهباً. وازدهرت مصر المملوكية حيناً من الدهر؛ حتى اكتُشف طريق رأس الرجاء الصالح؛ فصارت السفن تحف جنوب آسيا؛ لتمر بحواف إفريقيا، فترسو على موانئ شبه جزيرة أيبيريا. فازدهرت البرتغال وإسبانيا، وانطفأت مصر أواخر عصرها المملوكي وخلال عصرها العثماني. ولما افتتحت قناة السويس، واتصل المسار البحري الآتي من آسيا إلى أوروبا، تغير الحال، وانتظمت التجارة، واستولدت قناة السويس مدناً مصرية من الصحراء؛ فكانت السويس وكثيراً من نقاط أخرى موزعة على الحافة الغربية لمجرى القناة.