كيف تتكامل الكيانات الحكومية المنعزلة؟

حسب رأي مهندس التحول في اسكتلندا، السير جون إلفيج، فإن أكبر عقبتين تواجهان الجهات الحكومية نحو تقديم خدمات أفضل للمواطنين هما تركيزها على التغيير التدريجي عوضًا عن التغيير الجذري، والأمر الآخر الأكثر أهمية هو عزلة الكيانات الحكومية وحركتها كجزر متباعدة عن بعضها، أو ما يسمى إداريًّا بظاهرة الصومعة (Silo)، وهو مصطلح قديم، لم يقلّ استخدامه طوال هذه العقود؛ لأن هذه الظاهرة ما زالت تعدُّ من أبرز التحديات التي تواجهها برامج التحول على مستوى الدول، وكذلك على مستوى المنظمات.

وهناك سبب منطقي - كما يقول السير جون - يجعل التكامل بين الأجهزة الحكومية ضرورة ملحة نظرًا للطبيعة الخاصة للتحديات المجتمعية، وكون أسبابها متعددة الأوجه في الغالب، وليست من مصدر واحد، ويحتاج حل هذه المشاكل إلى مشاركة إدارات ووزارات متعددة.

فلو نظرنا إلى ظاهرة البطالة كمثال فسنجد أن هناك أسبابًا كثيرة تؤدي إلى تفاقمها، منها أسباب اقتصادية (مثل درجة النمو الاقتصادي)، وتعليمية (كتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل)، وتشريعية (متعلقة بظروف وساعات العمل، ومعدلات تدفق الوافدين)، واجتماعية ثقافية (كأهمية ثقافة قيمة العمل في المجتمع)، وأسباب تنظيمية.. وغير ذلك. وليس السبب مقتصرًا على جهة بعينها، ينبغي أن تقوم بدورها بمعزل عن المنظومة.

التشخيص الصحيح للتحديات والمشاكل هو نصف الحل، ويأتي عبر النظر العميق للمشكلة من زوايا عدة؛ ولهذا فلا بد من أن تعمل الكيانات ذات العلاقة كشبكات مترابطة، لا أن تنعزل عن بعضها البعض؛ لتتمكن في نهاية المطاف من تقديم حلول متكاملة، تعالج أس وجذور هذه التحديات بشكل شمولي عبر رؤية حكومية موحدة. فالحلول المجتزأة تأتي نتيجة ضعف مشاركة المعلومات بين الجهات بشكل فاعل، وتؤدي إلى خفض كفاءة الخدمات والحلول المقدمة للأفراد بسبب هبوط المعنويات وثقافة الإنتاج داخل المنظمات، وهدر الموارد؛ وبالتالي تعرِّض إنجاز الأهداف الحكومية لمخاطر حقيقية.

ما حدث في اسكتلندا أنه تم تقسيم قادة الكيانات إلى فِرق، ومن ثم حثهم على دعم بعضهم للوصول إلى أهداف مشتركة، قاموا خلالها بتحديد الفجوات الأساسية بين الإدارات داخل الأجهزة الحكومية والقطاعات بشكل عام، ثم العودة لنشر هذه التجارب المشتركة في بيئات عملهم على مختلف المستويات الوظيفية. وبشكل أساسي، فإن مسؤولية كسر الحواجز بين الإدارات والجهات، والعمل على تجانسها وتكاملها، تقع على عاتق قادة الأجهزة الحكومية؛ إذ يجب أن يتم ذلك عبر تحضير وإعداد فرق العمل؛ لكي تنظر للعمل بعقلية تكاملية، تكفل جسر الهوة بين المنظمات.

هناك وسائل عدة يمكن تبنيها، وتعمل على تحفيز قيام جبهة إدارية موحدة لمعالجة قضايا الأجهزة والإدارات الحكومية بشمولية وتكامل، بدءًا من العمل على تغيير ثقافة قيادات الأجهزة الحكومية للنظر إلى منظماتهم بشكل جمعي مرتبط بأهداف المنظمات للتحول، وتحقق الرؤية بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم التأثير السلبي بالتجارب السابقة التي لم تنجح في التكامل. وينبغي النظر إلى المستقبل بروح جديدة متفائلة، وإيصال هذه الروح إلى جميع العاملين في مختلف مستوياتهم الوظيفية، وإيضاح الأثر الذي يمكن لكل فرد في المنظمة أن يقوم به. ويأتي الحث وتحفيز التواصل بين فِرق العمل كخطوة رئيسية، يتبعها التنفيذ وقياس النتائج.

أعتقد أنه لا بد لنا من أن تتحول قيادات الجهات الحكومية بالسعودية من العمل بشكل تقليدي وبأسلوب إداري "تنفيذي" إلى صرف الكثير من الوقت والجهد في تطوير الأعمال، والتكامل مع الكيانات الحكومية الأخرى، كما يقضي الرؤساء التنفيذيون في القطاع الخاص جل أوقاتهم في تطوير الأعمال وقيادة السوق الذي يعملون به.

اعلان
كيف تتكامل الكيانات الحكومية المنعزلة؟
سبق

حسب رأي مهندس التحول في اسكتلندا، السير جون إلفيج، فإن أكبر عقبتين تواجهان الجهات الحكومية نحو تقديم خدمات أفضل للمواطنين هما تركيزها على التغيير التدريجي عوضًا عن التغيير الجذري، والأمر الآخر الأكثر أهمية هو عزلة الكيانات الحكومية وحركتها كجزر متباعدة عن بعضها، أو ما يسمى إداريًّا بظاهرة الصومعة (Silo)، وهو مصطلح قديم، لم يقلّ استخدامه طوال هذه العقود؛ لأن هذه الظاهرة ما زالت تعدُّ من أبرز التحديات التي تواجهها برامج التحول على مستوى الدول، وكذلك على مستوى المنظمات.

وهناك سبب منطقي - كما يقول السير جون - يجعل التكامل بين الأجهزة الحكومية ضرورة ملحة نظرًا للطبيعة الخاصة للتحديات المجتمعية، وكون أسبابها متعددة الأوجه في الغالب، وليست من مصدر واحد، ويحتاج حل هذه المشاكل إلى مشاركة إدارات ووزارات متعددة.

فلو نظرنا إلى ظاهرة البطالة كمثال فسنجد أن هناك أسبابًا كثيرة تؤدي إلى تفاقمها، منها أسباب اقتصادية (مثل درجة النمو الاقتصادي)، وتعليمية (كتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل)، وتشريعية (متعلقة بظروف وساعات العمل، ومعدلات تدفق الوافدين)، واجتماعية ثقافية (كأهمية ثقافة قيمة العمل في المجتمع)، وأسباب تنظيمية.. وغير ذلك. وليس السبب مقتصرًا على جهة بعينها، ينبغي أن تقوم بدورها بمعزل عن المنظومة.

التشخيص الصحيح للتحديات والمشاكل هو نصف الحل، ويأتي عبر النظر العميق للمشكلة من زوايا عدة؛ ولهذا فلا بد من أن تعمل الكيانات ذات العلاقة كشبكات مترابطة، لا أن تنعزل عن بعضها البعض؛ لتتمكن في نهاية المطاف من تقديم حلول متكاملة، تعالج أس وجذور هذه التحديات بشكل شمولي عبر رؤية حكومية موحدة. فالحلول المجتزأة تأتي نتيجة ضعف مشاركة المعلومات بين الجهات بشكل فاعل، وتؤدي إلى خفض كفاءة الخدمات والحلول المقدمة للأفراد بسبب هبوط المعنويات وثقافة الإنتاج داخل المنظمات، وهدر الموارد؛ وبالتالي تعرِّض إنجاز الأهداف الحكومية لمخاطر حقيقية.

ما حدث في اسكتلندا أنه تم تقسيم قادة الكيانات إلى فِرق، ومن ثم حثهم على دعم بعضهم للوصول إلى أهداف مشتركة، قاموا خلالها بتحديد الفجوات الأساسية بين الإدارات داخل الأجهزة الحكومية والقطاعات بشكل عام، ثم العودة لنشر هذه التجارب المشتركة في بيئات عملهم على مختلف المستويات الوظيفية. وبشكل أساسي، فإن مسؤولية كسر الحواجز بين الإدارات والجهات، والعمل على تجانسها وتكاملها، تقع على عاتق قادة الأجهزة الحكومية؛ إذ يجب أن يتم ذلك عبر تحضير وإعداد فرق العمل؛ لكي تنظر للعمل بعقلية تكاملية، تكفل جسر الهوة بين المنظمات.

هناك وسائل عدة يمكن تبنيها، وتعمل على تحفيز قيام جبهة إدارية موحدة لمعالجة قضايا الأجهزة والإدارات الحكومية بشمولية وتكامل، بدءًا من العمل على تغيير ثقافة قيادات الأجهزة الحكومية للنظر إلى منظماتهم بشكل جمعي مرتبط بأهداف المنظمات للتحول، وتحقق الرؤية بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم التأثير السلبي بالتجارب السابقة التي لم تنجح في التكامل. وينبغي النظر إلى المستقبل بروح جديدة متفائلة، وإيصال هذه الروح إلى جميع العاملين في مختلف مستوياتهم الوظيفية، وإيضاح الأثر الذي يمكن لكل فرد في المنظمة أن يقوم به. ويأتي الحث وتحفيز التواصل بين فِرق العمل كخطوة رئيسية، يتبعها التنفيذ وقياس النتائج.

أعتقد أنه لا بد لنا من أن تتحول قيادات الجهات الحكومية بالسعودية من العمل بشكل تقليدي وبأسلوب إداري "تنفيذي" إلى صرف الكثير من الوقت والجهد في تطوير الأعمال، والتكامل مع الكيانات الحكومية الأخرى، كما يقضي الرؤساء التنفيذيون في القطاع الخاص جل أوقاتهم في تطوير الأعمال وقيادة السوق الذي يعملون به.

06 يوليو 2017 - 12 شوّال 1438
01:50 AM

كيف تتكامل الكيانات الحكومية المنعزلة؟

A A A
0
1,112

حسب رأي مهندس التحول في اسكتلندا، السير جون إلفيج، فإن أكبر عقبتين تواجهان الجهات الحكومية نحو تقديم خدمات أفضل للمواطنين هما تركيزها على التغيير التدريجي عوضًا عن التغيير الجذري، والأمر الآخر الأكثر أهمية هو عزلة الكيانات الحكومية وحركتها كجزر متباعدة عن بعضها، أو ما يسمى إداريًّا بظاهرة الصومعة (Silo)، وهو مصطلح قديم، لم يقلّ استخدامه طوال هذه العقود؛ لأن هذه الظاهرة ما زالت تعدُّ من أبرز التحديات التي تواجهها برامج التحول على مستوى الدول، وكذلك على مستوى المنظمات.

وهناك سبب منطقي - كما يقول السير جون - يجعل التكامل بين الأجهزة الحكومية ضرورة ملحة نظرًا للطبيعة الخاصة للتحديات المجتمعية، وكون أسبابها متعددة الأوجه في الغالب، وليست من مصدر واحد، ويحتاج حل هذه المشاكل إلى مشاركة إدارات ووزارات متعددة.

فلو نظرنا إلى ظاهرة البطالة كمثال فسنجد أن هناك أسبابًا كثيرة تؤدي إلى تفاقمها، منها أسباب اقتصادية (مثل درجة النمو الاقتصادي)، وتعليمية (كتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل)، وتشريعية (متعلقة بظروف وساعات العمل، ومعدلات تدفق الوافدين)، واجتماعية ثقافية (كأهمية ثقافة قيمة العمل في المجتمع)، وأسباب تنظيمية.. وغير ذلك. وليس السبب مقتصرًا على جهة بعينها، ينبغي أن تقوم بدورها بمعزل عن المنظومة.

التشخيص الصحيح للتحديات والمشاكل هو نصف الحل، ويأتي عبر النظر العميق للمشكلة من زوايا عدة؛ ولهذا فلا بد من أن تعمل الكيانات ذات العلاقة كشبكات مترابطة، لا أن تنعزل عن بعضها البعض؛ لتتمكن في نهاية المطاف من تقديم حلول متكاملة، تعالج أس وجذور هذه التحديات بشكل شمولي عبر رؤية حكومية موحدة. فالحلول المجتزأة تأتي نتيجة ضعف مشاركة المعلومات بين الجهات بشكل فاعل، وتؤدي إلى خفض كفاءة الخدمات والحلول المقدمة للأفراد بسبب هبوط المعنويات وثقافة الإنتاج داخل المنظمات، وهدر الموارد؛ وبالتالي تعرِّض إنجاز الأهداف الحكومية لمخاطر حقيقية.

ما حدث في اسكتلندا أنه تم تقسيم قادة الكيانات إلى فِرق، ومن ثم حثهم على دعم بعضهم للوصول إلى أهداف مشتركة، قاموا خلالها بتحديد الفجوات الأساسية بين الإدارات داخل الأجهزة الحكومية والقطاعات بشكل عام، ثم العودة لنشر هذه التجارب المشتركة في بيئات عملهم على مختلف المستويات الوظيفية. وبشكل أساسي، فإن مسؤولية كسر الحواجز بين الإدارات والجهات، والعمل على تجانسها وتكاملها، تقع على عاتق قادة الأجهزة الحكومية؛ إذ يجب أن يتم ذلك عبر تحضير وإعداد فرق العمل؛ لكي تنظر للعمل بعقلية تكاملية، تكفل جسر الهوة بين المنظمات.

هناك وسائل عدة يمكن تبنيها، وتعمل على تحفيز قيام جبهة إدارية موحدة لمعالجة قضايا الأجهزة والإدارات الحكومية بشمولية وتكامل، بدءًا من العمل على تغيير ثقافة قيادات الأجهزة الحكومية للنظر إلى منظماتهم بشكل جمعي مرتبط بأهداف المنظمات للتحول، وتحقق الرؤية بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم التأثير السلبي بالتجارب السابقة التي لم تنجح في التكامل. وينبغي النظر إلى المستقبل بروح جديدة متفائلة، وإيصال هذه الروح إلى جميع العاملين في مختلف مستوياتهم الوظيفية، وإيضاح الأثر الذي يمكن لكل فرد في المنظمة أن يقوم به. ويأتي الحث وتحفيز التواصل بين فِرق العمل كخطوة رئيسية، يتبعها التنفيذ وقياس النتائج.

أعتقد أنه لا بد لنا من أن تتحول قيادات الجهات الحكومية بالسعودية من العمل بشكل تقليدي وبأسلوب إداري "تنفيذي" إلى صرف الكثير من الوقت والجهد في تطوير الأعمال، والتكامل مع الكيانات الحكومية الأخرى، كما يقضي الرؤساء التنفيذيون في القطاع الخاص جل أوقاتهم في تطوير الأعمال وقيادة السوق الذي يعملون به.