"متسوِّل لا تكلمني"..!!

ما زلتُ أذكر وقوفي قبل 17 عامًا أمام شباك الطلبات الخارجية لأحد مطاعم الوجبات الشهيرة في مدينة الدمام بالقرب من إشارة مستشفى الدمام المركزي، وتحديدًا عند تقاطع شارع الملك خالد مع الشارع الثامن والعشرين المعروف بـ(المزارع)، وقبل أن أقرر نوعية الوجبة ذلك النهار سمعتُ طَرْقًا متسارعًا على زجاج السيارة (جهة باب الراكب)؛ فالتفتُّ على عجل، تغمرني مشاعر الرهبة ومفاجأة اللحظة، وإذا بالطارق شاب أقرب منه للطفل، يرتدي زيًّا رياضيًّا، يميل للنحافة، ومن عينيه قرأت آثار التعب؛ فتنفستُ الصعداء..!!

وقبل أن أسأله عن السبب الذي دعاه لهذا الفعل المربك لي أشار إلى بطنه مع إيماءات بأن الجوع قد بلغ منه مبلغًا؛ فطلبت من العامل أن يعطيه أي وجبة يختارها، لكنه قاطع محادثتي مع المحاسب، ونظر إليَّ وقال لي "أريدها نقودًا"؛ فعرفت أنه لم يكن جائعًا بالفعل، وإنما ظروف المكان والزمان، وربما سحناتي وملامحي التي توحي بسهولة الاستغلال، جعلته يستخدمها كمقدمة من باب التسوُّل..!!

استرجعتُ هذا المشهد وقصص المتسولين التي سبق ونشر الإعلام بعضًا منها، وأن من بينهم مَن تم الإمساك به واكتشاف وجود الملايين في حسابه من هذه المهنة التي تدرُّ أرباحًا تدعو للتشجيع والحماس في المواصلة؛ فهذه المهنة لها عالمها الخاص ومحترفوها، سواء في اختيار الأماكن الأكثر تأثيرًا للبذل والعطاء، كدور العبادة والمحطات على الطرق السريعة، أو الأوقات المتزامنة مع أول أسبوع لنزول الرواتب وأمام بوابات البنوك ومواقع الصرافات..!!


إنني حتى اللحظة لا أصدِّق أن ثمة متسولاً قد استفاد فعليًّا من هذه المهنة؛ لأنه يقضي وقته وجهده وفكره وهو يمتهنها دونما أن تعود عليه بالنفع أو فائدة تُذكر سوى التعب، وضياع السنين، وعدم المتعة بصعوبة الحياة ولذة العمل الشريف، فضلاً عن أن منهم - أي المتسولين - تديره عصابات، ويستغلونه في الميدان، ولا يحصل منهم إلا على قيمة الوجبة (حق عشاه)؛ وبالتالي لا يجد سوى الفتات منهم مقارنة بالساعات الطوال التي يقضيها في التسوُّل يجوب الطرقات، ويستجدى المارة..!!

ما بين وقوفي عند إشارة مستشفى الدمام المركزي ونشر هذا المقال يمكنني القول إن ظاهرة المتسولين قد بدأت في التلاشي والاختفاء بشكل كبير؛ ولعل السبب يعود لوعي المجتمع، فضلاً عن تأثير الإعلام الجديد (السوشيال ميديا) بأنواعه كافة، الذي – على ما يبدو - ساهم بقوة ببث الخوف في نفوسهم، وجعلهم يخشون من هذه التقنية الجديدة من خلال رصد تحركاتهم، وكشف ألاعيبهم للحد الذي لن تجدي معها أو تؤثر فيها توسلاتهم على نحو (متسوِّل لا تكلمني)..!!

اعلان
"متسوِّل لا تكلمني"..!!
سبق

ما زلتُ أذكر وقوفي قبل 17 عامًا أمام شباك الطلبات الخارجية لأحد مطاعم الوجبات الشهيرة في مدينة الدمام بالقرب من إشارة مستشفى الدمام المركزي، وتحديدًا عند تقاطع شارع الملك خالد مع الشارع الثامن والعشرين المعروف بـ(المزارع)، وقبل أن أقرر نوعية الوجبة ذلك النهار سمعتُ طَرْقًا متسارعًا على زجاج السيارة (جهة باب الراكب)؛ فالتفتُّ على عجل، تغمرني مشاعر الرهبة ومفاجأة اللحظة، وإذا بالطارق شاب أقرب منه للطفل، يرتدي زيًّا رياضيًّا، يميل للنحافة، ومن عينيه قرأت آثار التعب؛ فتنفستُ الصعداء..!!

وقبل أن أسأله عن السبب الذي دعاه لهذا الفعل المربك لي أشار إلى بطنه مع إيماءات بأن الجوع قد بلغ منه مبلغًا؛ فطلبت من العامل أن يعطيه أي وجبة يختارها، لكنه قاطع محادثتي مع المحاسب، ونظر إليَّ وقال لي "أريدها نقودًا"؛ فعرفت أنه لم يكن جائعًا بالفعل، وإنما ظروف المكان والزمان، وربما سحناتي وملامحي التي توحي بسهولة الاستغلال، جعلته يستخدمها كمقدمة من باب التسوُّل..!!

استرجعتُ هذا المشهد وقصص المتسولين التي سبق ونشر الإعلام بعضًا منها، وأن من بينهم مَن تم الإمساك به واكتشاف وجود الملايين في حسابه من هذه المهنة التي تدرُّ أرباحًا تدعو للتشجيع والحماس في المواصلة؛ فهذه المهنة لها عالمها الخاص ومحترفوها، سواء في اختيار الأماكن الأكثر تأثيرًا للبذل والعطاء، كدور العبادة والمحطات على الطرق السريعة، أو الأوقات المتزامنة مع أول أسبوع لنزول الرواتب وأمام بوابات البنوك ومواقع الصرافات..!!


إنني حتى اللحظة لا أصدِّق أن ثمة متسولاً قد استفاد فعليًّا من هذه المهنة؛ لأنه يقضي وقته وجهده وفكره وهو يمتهنها دونما أن تعود عليه بالنفع أو فائدة تُذكر سوى التعب، وضياع السنين، وعدم المتعة بصعوبة الحياة ولذة العمل الشريف، فضلاً عن أن منهم - أي المتسولين - تديره عصابات، ويستغلونه في الميدان، ولا يحصل منهم إلا على قيمة الوجبة (حق عشاه)؛ وبالتالي لا يجد سوى الفتات منهم مقارنة بالساعات الطوال التي يقضيها في التسوُّل يجوب الطرقات، ويستجدى المارة..!!

ما بين وقوفي عند إشارة مستشفى الدمام المركزي ونشر هذا المقال يمكنني القول إن ظاهرة المتسولين قد بدأت في التلاشي والاختفاء بشكل كبير؛ ولعل السبب يعود لوعي المجتمع، فضلاً عن تأثير الإعلام الجديد (السوشيال ميديا) بأنواعه كافة، الذي – على ما يبدو - ساهم بقوة ببث الخوف في نفوسهم، وجعلهم يخشون من هذه التقنية الجديدة من خلال رصد تحركاتهم، وكشف ألاعيبهم للحد الذي لن تجدي معها أو تؤثر فيها توسلاتهم على نحو (متسوِّل لا تكلمني)..!!

05 سبتمبر 2017 - 14 ذو الحجة 1438
08:37 PM

"متسوِّل لا تكلمني"..!!

A A A
1
2,733

ما زلتُ أذكر وقوفي قبل 17 عامًا أمام شباك الطلبات الخارجية لأحد مطاعم الوجبات الشهيرة في مدينة الدمام بالقرب من إشارة مستشفى الدمام المركزي، وتحديدًا عند تقاطع شارع الملك خالد مع الشارع الثامن والعشرين المعروف بـ(المزارع)، وقبل أن أقرر نوعية الوجبة ذلك النهار سمعتُ طَرْقًا متسارعًا على زجاج السيارة (جهة باب الراكب)؛ فالتفتُّ على عجل، تغمرني مشاعر الرهبة ومفاجأة اللحظة، وإذا بالطارق شاب أقرب منه للطفل، يرتدي زيًّا رياضيًّا، يميل للنحافة، ومن عينيه قرأت آثار التعب؛ فتنفستُ الصعداء..!!

وقبل أن أسأله عن السبب الذي دعاه لهذا الفعل المربك لي أشار إلى بطنه مع إيماءات بأن الجوع قد بلغ منه مبلغًا؛ فطلبت من العامل أن يعطيه أي وجبة يختارها، لكنه قاطع محادثتي مع المحاسب، ونظر إليَّ وقال لي "أريدها نقودًا"؛ فعرفت أنه لم يكن جائعًا بالفعل، وإنما ظروف المكان والزمان، وربما سحناتي وملامحي التي توحي بسهولة الاستغلال، جعلته يستخدمها كمقدمة من باب التسوُّل..!!

استرجعتُ هذا المشهد وقصص المتسولين التي سبق ونشر الإعلام بعضًا منها، وأن من بينهم مَن تم الإمساك به واكتشاف وجود الملايين في حسابه من هذه المهنة التي تدرُّ أرباحًا تدعو للتشجيع والحماس في المواصلة؛ فهذه المهنة لها عالمها الخاص ومحترفوها، سواء في اختيار الأماكن الأكثر تأثيرًا للبذل والعطاء، كدور العبادة والمحطات على الطرق السريعة، أو الأوقات المتزامنة مع أول أسبوع لنزول الرواتب وأمام بوابات البنوك ومواقع الصرافات..!!


إنني حتى اللحظة لا أصدِّق أن ثمة متسولاً قد استفاد فعليًّا من هذه المهنة؛ لأنه يقضي وقته وجهده وفكره وهو يمتهنها دونما أن تعود عليه بالنفع أو فائدة تُذكر سوى التعب، وضياع السنين، وعدم المتعة بصعوبة الحياة ولذة العمل الشريف، فضلاً عن أن منهم - أي المتسولين - تديره عصابات، ويستغلونه في الميدان، ولا يحصل منهم إلا على قيمة الوجبة (حق عشاه)؛ وبالتالي لا يجد سوى الفتات منهم مقارنة بالساعات الطوال التي يقضيها في التسوُّل يجوب الطرقات، ويستجدى المارة..!!

ما بين وقوفي عند إشارة مستشفى الدمام المركزي ونشر هذا المقال يمكنني القول إن ظاهرة المتسولين قد بدأت في التلاشي والاختفاء بشكل كبير؛ ولعل السبب يعود لوعي المجتمع، فضلاً عن تأثير الإعلام الجديد (السوشيال ميديا) بأنواعه كافة، الذي – على ما يبدو - ساهم بقوة ببث الخوف في نفوسهم، وجعلهم يخشون من هذه التقنية الجديدة من خلال رصد تحركاتهم، وكشف ألاعيبهم للحد الذي لن تجدي معها أو تؤثر فيها توسلاتهم على نحو (متسوِّل لا تكلمني)..!!