مفارقات من داخل البيوت

مؤلم أن تعلم أن حالات الانحراف تتزايد بنِسَب كبيرة بين الأطفال والمراهقين. ومؤلم أكثر عندما تفاجئك إحصائية حديثة بأن بعض الشباب تخلى عن قِيَمه ومبادئه. ومصيبة كبرى عندما تعلم أن هناك من ارتدّ عن دينه، وتنكّر أيضاً لوطنه. ومن المحزن أن تجد الأسباب التي كان بالإمكان علاجها؛ ولكن التغاضي زادها وظن الكثيرون أنهم غير معنيين أو لن تصيب هذه المخاطر أبناءهم؛ جعَلها تستفحل وتستقوي برغم ضعفها.

 

عندما تجد مراهقة تهرب من منزل أهلها بدعوى الحرية، وشاباً يعيش حياة غير سوية، وانتشار ظواهر ومهددات أمنية كالتفحيط والسرقات والقضايا الأخلاقية؛ فاعلم أن هناك من فَرّط في الأمانة، وأن هناك مَن أهمل، وأن هناك مَن تخلى وتغاضى حتى جاءت هذه النتيجة النهائية.

 

إن أي تدخلات تربوية متأخرة ستفشل غالباً إذا كان التأسيس ضياعاً والتربية فراغاً والتعليم يقوم على الأوامر والانصياع.. ولقد رأيت حالات كثيرة وقعت في أخطاء كبيرة وضاع مستقبلها، وقد تَوَافقت قصصها على عدة عوامل ومسببات؛ منها ما هو معلوم للأسر، ومنها ما هو مجهول أو متغاضىً عنه.. وسأسرد عشر مفارقات تحدُث في بعض البيوت في مجتمعنا وتؤدي للكثير من السلبيات والانحرافات؛ وأولها: تهوين قيمة الصلاة في نفوس الأبناء؛ فالأب ليس مثالاً إيجابياً، والصلاة ليس مهمة عندهم، وتجد أن الوالدين ملتزمون بإيقاظ الأبناء لوقت المدرسة، مفرطون ومعتذرون لأبنائهم في وقت صلاة الفجر وهكذا، ثم يظنون أن أبناءهم سيكونون صالحين ملتزمين بدينهم في المستقبل.

 

وثاني المفارقات: غرس الهمة الضعيفة والتعلق السلبي وتشجيع الأبناء على تشجيع الأندية الرياضية والتعصب لها؛ فيصبح الطفل ويُمسي وليس له همّ إلا اللاعب فلان والنادي الفلاني، ثم تظن الأسرة أن ابنها أو ابنتها سيكونان من ذوي الهمة العالية في المستقبل.

 

أما ثالثها: فهو اهتمام الأسر بمتابعة أفضل القَصات لأبنائها الذكور، وتعليمهم أفضل الرقصات، وتربيتهم على الميوعة، والتفريط في اللباس المحتشم للبنات؛ فينشأون مشوّهي الفكر والمظهر، وتندثر عندهم القيم، وتتزايد حالات الشذوذ.

 

وقريب من هذه النتيجة التناقض الرابع في الاهتمام بتعليم الأطفال اللغة الإنجليزية قبل العربية والأدب الفرنسي قبل تحفيظه الفاتحة.. ومؤلم عندما تجد عائلة عربية في وطن عربي لا تستطيع التحدث مع أبنائها إلا بالإنجليزية، وتظن الأسرة أن في ذلك تثقيفاً له وتطويراً، وهي قد سلبته أهم ما يعتز به دينه ولغته.

 

وخامس التناقضات: التصرفات السلبية من الوالدين، وإظهار أسوأ تصرفاتهم أمام أبنائهم، ثم الظن بأن الأبناء لن يقلدوهم؛ فمن يدخن التبغ مثلاً سيقلّده أبناؤه حتى لو نصحهم عشرات المرات.

 

أما سادسها فهو المضحك المبكي: عندما يخاطب الآباء أبناءهم وينادونهم "يا حمار"، ويتمنون أن يصبحوا مبدعين في المستقبل، أو "يا غبي"، وينظرون لهم بأنهم أملهم وهكذا.

 

وقريب من هذا الأمر السابع: وهو أن يكون الضرب والعنف هو أسلوب العائلة التربوي.

 

وأقرب من ذلك وهو الأمر الثامن: بأن ينتشر الصراخ واللعان والتوبيخ في يوميات المنزل؛ حتى يصبح الغريب أن يمرّ اليوم بهدوء وبلا صراخ ولعان.

 

أما ما قبل الأخير: فهو إقصاء الأطفال والشباب اجتماعياً؛ فلا الأب يصطحب أبناءه لحضور الاجتماعات، ولا الأم ترضى أن تأخذ بناتها للمناسبات؛ فيقبعون في المنزل أو مع الأصدقاء.

 

أما التناقض العاشر: فهو أن يهمل الوالدان متابعة أبنائهم في استخداماتهم لمواقع التواصل؛ فينتشر الفساد في نفوسهم، وهم يظنون أن أبناءهم يلهون ويستمتعون. وربما يستيقظون بعد سنوات ليجدوا البنت هاربة، والابن إرهابياً، والصغير يحلم بأن يكون "مفحط" و"حرامي".

 

اعلم أن التوكل على الله ركن مهم في التربية؛ ولكن يجب أن نعلم أن عدم الأخذ بالأسباب ليس إهمالاً ولكنه إفساد.

اعلان
مفارقات من داخل البيوت
سبق

مؤلم أن تعلم أن حالات الانحراف تتزايد بنِسَب كبيرة بين الأطفال والمراهقين. ومؤلم أكثر عندما تفاجئك إحصائية حديثة بأن بعض الشباب تخلى عن قِيَمه ومبادئه. ومصيبة كبرى عندما تعلم أن هناك من ارتدّ عن دينه، وتنكّر أيضاً لوطنه. ومن المحزن أن تجد الأسباب التي كان بالإمكان علاجها؛ ولكن التغاضي زادها وظن الكثيرون أنهم غير معنيين أو لن تصيب هذه المخاطر أبناءهم؛ جعَلها تستفحل وتستقوي برغم ضعفها.

 

عندما تجد مراهقة تهرب من منزل أهلها بدعوى الحرية، وشاباً يعيش حياة غير سوية، وانتشار ظواهر ومهددات أمنية كالتفحيط والسرقات والقضايا الأخلاقية؛ فاعلم أن هناك من فَرّط في الأمانة، وأن هناك مَن أهمل، وأن هناك مَن تخلى وتغاضى حتى جاءت هذه النتيجة النهائية.

 

إن أي تدخلات تربوية متأخرة ستفشل غالباً إذا كان التأسيس ضياعاً والتربية فراغاً والتعليم يقوم على الأوامر والانصياع.. ولقد رأيت حالات كثيرة وقعت في أخطاء كبيرة وضاع مستقبلها، وقد تَوَافقت قصصها على عدة عوامل ومسببات؛ منها ما هو معلوم للأسر، ومنها ما هو مجهول أو متغاضىً عنه.. وسأسرد عشر مفارقات تحدُث في بعض البيوت في مجتمعنا وتؤدي للكثير من السلبيات والانحرافات؛ وأولها: تهوين قيمة الصلاة في نفوس الأبناء؛ فالأب ليس مثالاً إيجابياً، والصلاة ليس مهمة عندهم، وتجد أن الوالدين ملتزمون بإيقاظ الأبناء لوقت المدرسة، مفرطون ومعتذرون لأبنائهم في وقت صلاة الفجر وهكذا، ثم يظنون أن أبناءهم سيكونون صالحين ملتزمين بدينهم في المستقبل.

 

وثاني المفارقات: غرس الهمة الضعيفة والتعلق السلبي وتشجيع الأبناء على تشجيع الأندية الرياضية والتعصب لها؛ فيصبح الطفل ويُمسي وليس له همّ إلا اللاعب فلان والنادي الفلاني، ثم تظن الأسرة أن ابنها أو ابنتها سيكونان من ذوي الهمة العالية في المستقبل.

 

أما ثالثها: فهو اهتمام الأسر بمتابعة أفضل القَصات لأبنائها الذكور، وتعليمهم أفضل الرقصات، وتربيتهم على الميوعة، والتفريط في اللباس المحتشم للبنات؛ فينشأون مشوّهي الفكر والمظهر، وتندثر عندهم القيم، وتتزايد حالات الشذوذ.

 

وقريب من هذه النتيجة التناقض الرابع في الاهتمام بتعليم الأطفال اللغة الإنجليزية قبل العربية والأدب الفرنسي قبل تحفيظه الفاتحة.. ومؤلم عندما تجد عائلة عربية في وطن عربي لا تستطيع التحدث مع أبنائها إلا بالإنجليزية، وتظن الأسرة أن في ذلك تثقيفاً له وتطويراً، وهي قد سلبته أهم ما يعتز به دينه ولغته.

 

وخامس التناقضات: التصرفات السلبية من الوالدين، وإظهار أسوأ تصرفاتهم أمام أبنائهم، ثم الظن بأن الأبناء لن يقلدوهم؛ فمن يدخن التبغ مثلاً سيقلّده أبناؤه حتى لو نصحهم عشرات المرات.

 

أما سادسها فهو المضحك المبكي: عندما يخاطب الآباء أبناءهم وينادونهم "يا حمار"، ويتمنون أن يصبحوا مبدعين في المستقبل، أو "يا غبي"، وينظرون لهم بأنهم أملهم وهكذا.

 

وقريب من هذا الأمر السابع: وهو أن يكون الضرب والعنف هو أسلوب العائلة التربوي.

 

وأقرب من ذلك وهو الأمر الثامن: بأن ينتشر الصراخ واللعان والتوبيخ في يوميات المنزل؛ حتى يصبح الغريب أن يمرّ اليوم بهدوء وبلا صراخ ولعان.

 

أما ما قبل الأخير: فهو إقصاء الأطفال والشباب اجتماعياً؛ فلا الأب يصطحب أبناءه لحضور الاجتماعات، ولا الأم ترضى أن تأخذ بناتها للمناسبات؛ فيقبعون في المنزل أو مع الأصدقاء.

 

أما التناقض العاشر: فهو أن يهمل الوالدان متابعة أبنائهم في استخداماتهم لمواقع التواصل؛ فينتشر الفساد في نفوسهم، وهم يظنون أن أبناءهم يلهون ويستمتعون. وربما يستيقظون بعد سنوات ليجدوا البنت هاربة، والابن إرهابياً، والصغير يحلم بأن يكون "مفحط" و"حرامي".

 

اعلم أن التوكل على الله ركن مهم في التربية؛ ولكن يجب أن نعلم أن عدم الأخذ بالأسباب ليس إهمالاً ولكنه إفساد.

27 يناير 2017 - 29 ربيع الآخر 1438
02:53 PM

مفارقات من داخل البيوت

A A A
3
2,949

مؤلم أن تعلم أن حالات الانحراف تتزايد بنِسَب كبيرة بين الأطفال والمراهقين. ومؤلم أكثر عندما تفاجئك إحصائية حديثة بأن بعض الشباب تخلى عن قِيَمه ومبادئه. ومصيبة كبرى عندما تعلم أن هناك من ارتدّ عن دينه، وتنكّر أيضاً لوطنه. ومن المحزن أن تجد الأسباب التي كان بالإمكان علاجها؛ ولكن التغاضي زادها وظن الكثيرون أنهم غير معنيين أو لن تصيب هذه المخاطر أبناءهم؛ جعَلها تستفحل وتستقوي برغم ضعفها.

 

عندما تجد مراهقة تهرب من منزل أهلها بدعوى الحرية، وشاباً يعيش حياة غير سوية، وانتشار ظواهر ومهددات أمنية كالتفحيط والسرقات والقضايا الأخلاقية؛ فاعلم أن هناك من فَرّط في الأمانة، وأن هناك مَن أهمل، وأن هناك مَن تخلى وتغاضى حتى جاءت هذه النتيجة النهائية.

 

إن أي تدخلات تربوية متأخرة ستفشل غالباً إذا كان التأسيس ضياعاً والتربية فراغاً والتعليم يقوم على الأوامر والانصياع.. ولقد رأيت حالات كثيرة وقعت في أخطاء كبيرة وضاع مستقبلها، وقد تَوَافقت قصصها على عدة عوامل ومسببات؛ منها ما هو معلوم للأسر، ومنها ما هو مجهول أو متغاضىً عنه.. وسأسرد عشر مفارقات تحدُث في بعض البيوت في مجتمعنا وتؤدي للكثير من السلبيات والانحرافات؛ وأولها: تهوين قيمة الصلاة في نفوس الأبناء؛ فالأب ليس مثالاً إيجابياً، والصلاة ليس مهمة عندهم، وتجد أن الوالدين ملتزمون بإيقاظ الأبناء لوقت المدرسة، مفرطون ومعتذرون لأبنائهم في وقت صلاة الفجر وهكذا، ثم يظنون أن أبناءهم سيكونون صالحين ملتزمين بدينهم في المستقبل.

 

وثاني المفارقات: غرس الهمة الضعيفة والتعلق السلبي وتشجيع الأبناء على تشجيع الأندية الرياضية والتعصب لها؛ فيصبح الطفل ويُمسي وليس له همّ إلا اللاعب فلان والنادي الفلاني، ثم تظن الأسرة أن ابنها أو ابنتها سيكونان من ذوي الهمة العالية في المستقبل.

 

أما ثالثها: فهو اهتمام الأسر بمتابعة أفضل القَصات لأبنائها الذكور، وتعليمهم أفضل الرقصات، وتربيتهم على الميوعة، والتفريط في اللباس المحتشم للبنات؛ فينشأون مشوّهي الفكر والمظهر، وتندثر عندهم القيم، وتتزايد حالات الشذوذ.

 

وقريب من هذه النتيجة التناقض الرابع في الاهتمام بتعليم الأطفال اللغة الإنجليزية قبل العربية والأدب الفرنسي قبل تحفيظه الفاتحة.. ومؤلم عندما تجد عائلة عربية في وطن عربي لا تستطيع التحدث مع أبنائها إلا بالإنجليزية، وتظن الأسرة أن في ذلك تثقيفاً له وتطويراً، وهي قد سلبته أهم ما يعتز به دينه ولغته.

 

وخامس التناقضات: التصرفات السلبية من الوالدين، وإظهار أسوأ تصرفاتهم أمام أبنائهم، ثم الظن بأن الأبناء لن يقلدوهم؛ فمن يدخن التبغ مثلاً سيقلّده أبناؤه حتى لو نصحهم عشرات المرات.

 

أما سادسها فهو المضحك المبكي: عندما يخاطب الآباء أبناءهم وينادونهم "يا حمار"، ويتمنون أن يصبحوا مبدعين في المستقبل، أو "يا غبي"، وينظرون لهم بأنهم أملهم وهكذا.

 

وقريب من هذا الأمر السابع: وهو أن يكون الضرب والعنف هو أسلوب العائلة التربوي.

 

وأقرب من ذلك وهو الأمر الثامن: بأن ينتشر الصراخ واللعان والتوبيخ في يوميات المنزل؛ حتى يصبح الغريب أن يمرّ اليوم بهدوء وبلا صراخ ولعان.

 

أما ما قبل الأخير: فهو إقصاء الأطفال والشباب اجتماعياً؛ فلا الأب يصطحب أبناءه لحضور الاجتماعات، ولا الأم ترضى أن تأخذ بناتها للمناسبات؛ فيقبعون في المنزل أو مع الأصدقاء.

 

أما التناقض العاشر: فهو أن يهمل الوالدان متابعة أبنائهم في استخداماتهم لمواقع التواصل؛ فينتشر الفساد في نفوسهم، وهم يظنون أن أبناءهم يلهون ويستمتعون. وربما يستيقظون بعد سنوات ليجدوا البنت هاربة، والابن إرهابياً، والصغير يحلم بأن يكون "مفحط" و"حرامي".

 

اعلم أن التوكل على الله ركن مهم في التربية؛ ولكن يجب أن نعلم أن عدم الأخذ بالأسباب ليس إهمالاً ولكنه إفساد.