مَنْ يضبط جودة المساكن؟

أبو محمد رجل شارف على الخمسين من عمره، ويعول زوجة وأربعة أطفال، ويحلم بأن يمتلك منزلاً في يوم ما؛ ولذلك فلقد ظل بعد تخرجه يكدح ويعمل ويجمع المال لمدة تزيد على العشرين عامًا؛ ليتمكن من تأمين مبلغ المنزل الذي يؤويه وأسرته، أو على الأقل تأمين الجـزء الأكبر من قيمة السكن، ويسـتكمل البـاقي عن طريق أقسـاط البنـك. بعد تأمين المطلوب توجَّه للبحث عن السكن المناسب، وكانت الخيارات كثيرة ومتعددة، وبأسعار متفاوتة، فيها التشطيب الجذاب والمغري، وفيها العادي. وبحكم أنه صبر هذه المدة الطويلة قال في قرارة نفسه "هذا بيت العمر؛ فسوف أضغط على نفسي قليلاً لتأمين أفضل موقع وتشطيب". وتم له ما أراد، واشترى المنزل، وانتقل مع أسرته بعد صبر طويل؛ ليهنأ في بيته الذي هو في حقيقة الأمر سكن عائلته، وتأمين لهم - بإذن الله - في مستقبل الأيام.
 
ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فالمنزل الذي يفترض فيه أن يؤمّن المقر والمستقر والراحة تحوَّل إلى عبء وهَمّ. يقول أبو محمد "إن المظاهر البراقة للمنازل من الخارج غالبًا تعكس رداءة الجودة؛ فنحن لا نشاهد إلا الظاهر، بينما الخافي يتلاعب فيه المقاول أو صاحب البناء، ولا أحد يحاسب أو يراقب، ولا أعلم جهة معينة تستطيع استرجاع حقوقك من صاحب المنزل بعد البيع".
 
قصة أبي محمد تنطبق على الكثير من المستهلكين الذين يدفعون ما يملكون لشراء المنزل، ويُفاجَؤون بأنه (مضروب)؛ جودة متدنية، ومواد رديئة، وربما تصل إلى مرحلة إعادة ترميمه بالكامل؛ لتستطيع السكن فيه؟! ولكن من يحمي هؤلاء المتضررين؟ حسب علمي، لا توجد حتى الآن جهة تستطيع من خلالها استرداد حقوقك بعد البيع؛ فلو تعرضت لمثل هذه العملية عليك ترديد المثل القائل (عليه العوض) و(الله يخلف).
 
هذا التلاعب في المباني يكلّف الاقتصاد مبالغ كبيرة مهدرة، يمكن تلافيها لو تم وضع ضوابط للبناء، وتطبيقها على جميع المباني السكنية، ومتابعة ذلك من خلال المراقبة المباشرة للبلديات، وربطها بفسح الماء والكهرباء؛ حتى يطمئن المواطن العادي عندما يدفع ما يملكه في المنزل بأنه حسب المواصفات والجودة المطلوبة. كما أن المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون مُلمًّا بنظام البناء والمقاولات ليحدد الخيار المناسب؛ فهذه مهمة البلديات والجهات الأخرى التي تراقب إنشاء وحدات سكنية بجودة عالية، تعيش طويلاً، ولكن لا حياة لمن تنادي.
 
قرأتُ بصيص أمل يتعلق بهذا الموضوع، هو أن وزارة الإسكان تتوعد مستثمري المباني السكنية بعقوبات وأنظمة صارمة، وهي بصدد ضبط ما يُعرف بـ(الوحدات السكنية التجارية)، التي يتم بناؤها من خلال بعض المقاولين غير المؤهلين، وتكون ذات جودة متدنية، مشيرة إلى أنها ستضع أنظمة صارمة، تضمن الالتزام باشتراطات فنية وتصميمية عالية الجودة؛ وذلك لتقليل الهدر في البناء، والمحافظة عليه لفترة أطول.
 
كلام جميل، وتحرُّك إيجابي من الوزارة بخصوص هذا الموضوع الذي يؤرق جميع المواطنين، كما أنه سيحد من انتشار مواد البناء المغشوشة، وسيعطي ارتياحًا عامًّا لراغبي شراء الفلل الجاهزة بأن وراءهم جهة متخصصة، تتابع وتراقب، وربما لا نسمع مستقبلاً كلمة (بناء تجاري) إذا تم التطبيق بحزم.. لكن متى يتم ذلك؟

اعلان
مَنْ يضبط جودة المساكن؟
سبق

أبو محمد رجل شارف على الخمسين من عمره، ويعول زوجة وأربعة أطفال، ويحلم بأن يمتلك منزلاً في يوم ما؛ ولذلك فلقد ظل بعد تخرجه يكدح ويعمل ويجمع المال لمدة تزيد على العشرين عامًا؛ ليتمكن من تأمين مبلغ المنزل الذي يؤويه وأسرته، أو على الأقل تأمين الجـزء الأكبر من قيمة السكن، ويسـتكمل البـاقي عن طريق أقسـاط البنـك. بعد تأمين المطلوب توجَّه للبحث عن السكن المناسب، وكانت الخيارات كثيرة ومتعددة، وبأسعار متفاوتة، فيها التشطيب الجذاب والمغري، وفيها العادي. وبحكم أنه صبر هذه المدة الطويلة قال في قرارة نفسه "هذا بيت العمر؛ فسوف أضغط على نفسي قليلاً لتأمين أفضل موقع وتشطيب". وتم له ما أراد، واشترى المنزل، وانتقل مع أسرته بعد صبر طويل؛ ليهنأ في بيته الذي هو في حقيقة الأمر سكن عائلته، وتأمين لهم - بإذن الله - في مستقبل الأيام.
 
ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فالمنزل الذي يفترض فيه أن يؤمّن المقر والمستقر والراحة تحوَّل إلى عبء وهَمّ. يقول أبو محمد "إن المظاهر البراقة للمنازل من الخارج غالبًا تعكس رداءة الجودة؛ فنحن لا نشاهد إلا الظاهر، بينما الخافي يتلاعب فيه المقاول أو صاحب البناء، ولا أحد يحاسب أو يراقب، ولا أعلم جهة معينة تستطيع استرجاع حقوقك من صاحب المنزل بعد البيع".
 
قصة أبي محمد تنطبق على الكثير من المستهلكين الذين يدفعون ما يملكون لشراء المنزل، ويُفاجَؤون بأنه (مضروب)؛ جودة متدنية، ومواد رديئة، وربما تصل إلى مرحلة إعادة ترميمه بالكامل؛ لتستطيع السكن فيه؟! ولكن من يحمي هؤلاء المتضررين؟ حسب علمي، لا توجد حتى الآن جهة تستطيع من خلالها استرداد حقوقك بعد البيع؛ فلو تعرضت لمثل هذه العملية عليك ترديد المثل القائل (عليه العوض) و(الله يخلف).
 
هذا التلاعب في المباني يكلّف الاقتصاد مبالغ كبيرة مهدرة، يمكن تلافيها لو تم وضع ضوابط للبناء، وتطبيقها على جميع المباني السكنية، ومتابعة ذلك من خلال المراقبة المباشرة للبلديات، وربطها بفسح الماء والكهرباء؛ حتى يطمئن المواطن العادي عندما يدفع ما يملكه في المنزل بأنه حسب المواصفات والجودة المطلوبة. كما أن المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون مُلمًّا بنظام البناء والمقاولات ليحدد الخيار المناسب؛ فهذه مهمة البلديات والجهات الأخرى التي تراقب إنشاء وحدات سكنية بجودة عالية، تعيش طويلاً، ولكن لا حياة لمن تنادي.
 
قرأتُ بصيص أمل يتعلق بهذا الموضوع، هو أن وزارة الإسكان تتوعد مستثمري المباني السكنية بعقوبات وأنظمة صارمة، وهي بصدد ضبط ما يُعرف بـ(الوحدات السكنية التجارية)، التي يتم بناؤها من خلال بعض المقاولين غير المؤهلين، وتكون ذات جودة متدنية، مشيرة إلى أنها ستضع أنظمة صارمة، تضمن الالتزام باشتراطات فنية وتصميمية عالية الجودة؛ وذلك لتقليل الهدر في البناء، والمحافظة عليه لفترة أطول.
 
كلام جميل، وتحرُّك إيجابي من الوزارة بخصوص هذا الموضوع الذي يؤرق جميع المواطنين، كما أنه سيحد من انتشار مواد البناء المغشوشة، وسيعطي ارتياحًا عامًّا لراغبي شراء الفلل الجاهزة بأن وراءهم جهة متخصصة، تتابع وتراقب، وربما لا نسمع مستقبلاً كلمة (بناء تجاري) إذا تم التطبيق بحزم.. لكن متى يتم ذلك؟

29 سبتمبر 2016 - 28 ذو الحجة 1437
12:14 AM

مَنْ يضبط جودة المساكن؟

A A A
6
1,739

أبو محمد رجل شارف على الخمسين من عمره، ويعول زوجة وأربعة أطفال، ويحلم بأن يمتلك منزلاً في يوم ما؛ ولذلك فلقد ظل بعد تخرجه يكدح ويعمل ويجمع المال لمدة تزيد على العشرين عامًا؛ ليتمكن من تأمين مبلغ المنزل الذي يؤويه وأسرته، أو على الأقل تأمين الجـزء الأكبر من قيمة السكن، ويسـتكمل البـاقي عن طريق أقسـاط البنـك. بعد تأمين المطلوب توجَّه للبحث عن السكن المناسب، وكانت الخيارات كثيرة ومتعددة، وبأسعار متفاوتة، فيها التشطيب الجذاب والمغري، وفيها العادي. وبحكم أنه صبر هذه المدة الطويلة قال في قرارة نفسه "هذا بيت العمر؛ فسوف أضغط على نفسي قليلاً لتأمين أفضل موقع وتشطيب". وتم له ما أراد، واشترى المنزل، وانتقل مع أسرته بعد صبر طويل؛ ليهنأ في بيته الذي هو في حقيقة الأمر سكن عائلته، وتأمين لهم - بإذن الله - في مستقبل الأيام.
 
ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فالمنزل الذي يفترض فيه أن يؤمّن المقر والمستقر والراحة تحوَّل إلى عبء وهَمّ. يقول أبو محمد "إن المظاهر البراقة للمنازل من الخارج غالبًا تعكس رداءة الجودة؛ فنحن لا نشاهد إلا الظاهر، بينما الخافي يتلاعب فيه المقاول أو صاحب البناء، ولا أحد يحاسب أو يراقب، ولا أعلم جهة معينة تستطيع استرجاع حقوقك من صاحب المنزل بعد البيع".
 
قصة أبي محمد تنطبق على الكثير من المستهلكين الذين يدفعون ما يملكون لشراء المنزل، ويُفاجَؤون بأنه (مضروب)؛ جودة متدنية، ومواد رديئة، وربما تصل إلى مرحلة إعادة ترميمه بالكامل؛ لتستطيع السكن فيه؟! ولكن من يحمي هؤلاء المتضررين؟ حسب علمي، لا توجد حتى الآن جهة تستطيع من خلالها استرداد حقوقك بعد البيع؛ فلو تعرضت لمثل هذه العملية عليك ترديد المثل القائل (عليه العوض) و(الله يخلف).
 
هذا التلاعب في المباني يكلّف الاقتصاد مبالغ كبيرة مهدرة، يمكن تلافيها لو تم وضع ضوابط للبناء، وتطبيقها على جميع المباني السكنية، ومتابعة ذلك من خلال المراقبة المباشرة للبلديات، وربطها بفسح الماء والكهرباء؛ حتى يطمئن المواطن العادي عندما يدفع ما يملكه في المنزل بأنه حسب المواصفات والجودة المطلوبة. كما أن المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون مُلمًّا بنظام البناء والمقاولات ليحدد الخيار المناسب؛ فهذه مهمة البلديات والجهات الأخرى التي تراقب إنشاء وحدات سكنية بجودة عالية، تعيش طويلاً، ولكن لا حياة لمن تنادي.
 
قرأتُ بصيص أمل يتعلق بهذا الموضوع، هو أن وزارة الإسكان تتوعد مستثمري المباني السكنية بعقوبات وأنظمة صارمة، وهي بصدد ضبط ما يُعرف بـ(الوحدات السكنية التجارية)، التي يتم بناؤها من خلال بعض المقاولين غير المؤهلين، وتكون ذات جودة متدنية، مشيرة إلى أنها ستضع أنظمة صارمة، تضمن الالتزام باشتراطات فنية وتصميمية عالية الجودة؛ وذلك لتقليل الهدر في البناء، والمحافظة عليه لفترة أطول.
 
كلام جميل، وتحرُّك إيجابي من الوزارة بخصوص هذا الموضوع الذي يؤرق جميع المواطنين، كما أنه سيحد من انتشار مواد البناء المغشوشة، وسيعطي ارتياحًا عامًّا لراغبي شراء الفلل الجاهزة بأن وراءهم جهة متخصصة، تتابع وتراقب، وربما لا نسمع مستقبلاً كلمة (بناء تجاري) إذا تم التطبيق بحزم.. لكن متى يتم ذلك؟