"ألبير" : نعم كنتُ نصرانيًّا.. وقفزت سور المسجد لهذا السبب؟

ما سرُّ المصاحف ووصية الـ50 عامًا؟ وكيف واجهت السيدة العجوز إجبارها على الإفطار؟

تصوير: فايز الزيادي: في واحدة من أجمل مدن ألبانيا (مدينة بوقراديس) عاصمة منطقة Pogradec على الحدود مع مقدونيا جنوب شرق ألبانيا، وتقع أيضًا على ضفاف بحيرة "أوهريد" التي تقع تحت حماية منظمة اليونسكو؛ لما لها من قيمة تاريخية وطبيعية.. هناك كنا على موعد مع قصة لا يمكن تجاوزها؛ لما يتمخض عنها من عظات وعِبر.

 

 في مطعم أنيق على ضفاف البحيرة التقينا الأخ "ألبير تاسلاري".. ابتسامة هادئة، والقليل من الحديث.

 

عن قصته يقول "ألبير": "كنت نصرانيًّا ملتزمًا كما يقال. تزوجت من شابة مسلمة، ولكن طبعًا ليست ملتزمة في المقابل. كنت أخشى في الحقيقة أن تؤثر علي؛ وفي سبيل ذلك حاولت أن أبقى قريبًا من تعاليم النصرانية، لدرجة أنني قررت الذهاب إلى إيطاليا للتعمق في ديني".

 

ويضيف: "فوجئت رغم إقبالي على العديد من الكنائس هناك بأن الالتزام أبعد ما يكون عمن فيها من طليان وغيرهم، حسبما رأيت. وكنت أشعر بالفراغ يزداد لدي، وليس العكس كما كنت أريد من سفري. بعدها قررت العودة إلى مدينتي، وأن أقوم بإحياء كنيسة مدينتنا، ورأيت أن ذلك أفضل".

 

مردفًا: "كنت رجلاً ميسورًا والحمد لله. اشتريت أرضًا، وبنيت هذا المطعم، والحمد لله كان هناك إقبال كبير بعكس ما واجهني وأنا أحاول إحياء كنيسة مدينتنا، لكنني استمررت على التردد عليها. وخلال تلك الفترة، ويومًا بعد يوم، كنت أشعر بأنني أزداد كرهًا لوضعي وضيقًا بنفسي".

 

وعن بداية التحول يقول: "الحقيقة، إن زوج أختي كان مسلمًا ملتزمًا. وبالرغم من أنني متعلم، وهو غير متعلم، إلا أنه كان يفحمني مع كل نقاش يحدث بيننا، وأجد أدلته لا قدرة لي للرد عليها. كنت أحضر مع أصدقائه الذين لفتوني بأخلاقهم العالية وتعاملهم المتسامح".

 

ويروي "ألبير" قصة طريفة مؤكدًا أنه لا يمكن نسيانها: "ذهبت بصحبة زوج أختي وأصدقائه إلى تيرانا العاصمة. توقفوا لأداء الصلاة، ولكن المسجد كان مغلقًا. فوجئت بهم يقفزون السور، ويدخلون للصلاة!.. بقيت وحدي، وشعرت باحتقار لنفسي؛ فقد دخلوا لشكر الله وأنا جالس في الطريق. في داخلي اندفع ما لم أستطع مقاومته. وجدت نفسي أقوم بالتصرف نفسه، ودخلت المسجد، وكان ردي على استفسارهم هو أداء الصلاة. والله كانت لحظة راحة عجيبة".

 

يروى "ألبير" أنه حتى ذلك الوقت لم يكن قد نطق الشهادتَيْن.. ويضيف: "بعد عودتي لمدينتنا دخلت في تحدٍّ كبير.. مرت عليَّ لحظات تردد.. لكني واصلت، وكانت أول صلاة جمعة هي انطلاقة نحو الحياة الحقيقية. الحمد لله الذي ثبتني. أنا الآن أعيش أجمل أيام حياتي".

 

-الكنز:
 بالجوار، وقريبًا من المكان، ثمة قصة أخرى، لها دلالاتها.. في منعطف أحد الشوارع كان باب أحد المنازل مفتوحًا. قيل لنا إنه كذلك؛ لأنهم اعتادوا على الزوار بشكل شبه دائم. أما السبب فهو أيضًا يستحق التقدير. 
 سيدة عجوز وزوجها يستقبلان الجميع بكل ترحاب.. رأينا عددًا من نسخ المصاحف القديمة التي تبدو فعلاً نادرة.

 

 تقول السيدة: "قبل 50 عامًا عندما قررت الحكومة الشيوعية إلغاء كل مظاهر التدين وهدم المساجد طبعًا كانت كارثة بالنسبة لنا نحن المسلمين. جاء الدور على مسجد مدينتنا، والإمام هو والد زوجي هذا. طلب حضوري، وقال لي: أنا أثق بك يا بنتي أكثر من أي شخص آخر.. سأترك بين يديك أمانة، يجب أن تحافظي عليها أكثر من أبنائك".

 

 تابعت الحديث فيما نحن نتأمل المصاحف (الأمانة): "سلَّمني عددًا من المصاحف، التي كانت وقتها نادرة جدًّا. اعتبرتُ ذلك أهم من حياتي، وكنت أقوم بتغيير مكانها بين فترة وأخرى خشية من مداهمات الشيوعيين، وأقوم بتنظيفها والعناية بها".

 

 مضيفة: "كنا نضع أحيانًا، وفي سبيل ذلك، البطانيات؛ لتحجب الرؤية عن النوافذ؛ فقد واجهنا الكثير منهم حتى أنهم كانوا يجبرون الصائمين على الإفطار، وكنت أضطر أحيانًا للاحتفاظ بالطعام في فمي لتفادي إجباري على الإفطار. أنا سعيدة جدًّا بأن الأمانة ما زالت كما هي، وأن الكثير من المسلمين يأتون لمشاهدتها، وأرحب بكل الزوار الذين يريدون ذلك، وهي تعتبر كنزًا بالنسبة لنا".

سبق في البلقان رمضان شهر رمضان
اعلان
"ألبير" : نعم كنتُ نصرانيًّا.. وقفزت سور المسجد لهذا السبب؟
سبق

تصوير: فايز الزيادي: في واحدة من أجمل مدن ألبانيا (مدينة بوقراديس) عاصمة منطقة Pogradec على الحدود مع مقدونيا جنوب شرق ألبانيا، وتقع أيضًا على ضفاف بحيرة "أوهريد" التي تقع تحت حماية منظمة اليونسكو؛ لما لها من قيمة تاريخية وطبيعية.. هناك كنا على موعد مع قصة لا يمكن تجاوزها؛ لما يتمخض عنها من عظات وعِبر.

 

 في مطعم أنيق على ضفاف البحيرة التقينا الأخ "ألبير تاسلاري".. ابتسامة هادئة، والقليل من الحديث.

 

عن قصته يقول "ألبير": "كنت نصرانيًّا ملتزمًا كما يقال. تزوجت من شابة مسلمة، ولكن طبعًا ليست ملتزمة في المقابل. كنت أخشى في الحقيقة أن تؤثر علي؛ وفي سبيل ذلك حاولت أن أبقى قريبًا من تعاليم النصرانية، لدرجة أنني قررت الذهاب إلى إيطاليا للتعمق في ديني".

 

ويضيف: "فوجئت رغم إقبالي على العديد من الكنائس هناك بأن الالتزام أبعد ما يكون عمن فيها من طليان وغيرهم، حسبما رأيت. وكنت أشعر بالفراغ يزداد لدي، وليس العكس كما كنت أريد من سفري. بعدها قررت العودة إلى مدينتي، وأن أقوم بإحياء كنيسة مدينتنا، ورأيت أن ذلك أفضل".

 

مردفًا: "كنت رجلاً ميسورًا والحمد لله. اشتريت أرضًا، وبنيت هذا المطعم، والحمد لله كان هناك إقبال كبير بعكس ما واجهني وأنا أحاول إحياء كنيسة مدينتنا، لكنني استمررت على التردد عليها. وخلال تلك الفترة، ويومًا بعد يوم، كنت أشعر بأنني أزداد كرهًا لوضعي وضيقًا بنفسي".

 

وعن بداية التحول يقول: "الحقيقة، إن زوج أختي كان مسلمًا ملتزمًا. وبالرغم من أنني متعلم، وهو غير متعلم، إلا أنه كان يفحمني مع كل نقاش يحدث بيننا، وأجد أدلته لا قدرة لي للرد عليها. كنت أحضر مع أصدقائه الذين لفتوني بأخلاقهم العالية وتعاملهم المتسامح".

 

ويروي "ألبير" قصة طريفة مؤكدًا أنه لا يمكن نسيانها: "ذهبت بصحبة زوج أختي وأصدقائه إلى تيرانا العاصمة. توقفوا لأداء الصلاة، ولكن المسجد كان مغلقًا. فوجئت بهم يقفزون السور، ويدخلون للصلاة!.. بقيت وحدي، وشعرت باحتقار لنفسي؛ فقد دخلوا لشكر الله وأنا جالس في الطريق. في داخلي اندفع ما لم أستطع مقاومته. وجدت نفسي أقوم بالتصرف نفسه، ودخلت المسجد، وكان ردي على استفسارهم هو أداء الصلاة. والله كانت لحظة راحة عجيبة".

 

يروى "ألبير" أنه حتى ذلك الوقت لم يكن قد نطق الشهادتَيْن.. ويضيف: "بعد عودتي لمدينتنا دخلت في تحدٍّ كبير.. مرت عليَّ لحظات تردد.. لكني واصلت، وكانت أول صلاة جمعة هي انطلاقة نحو الحياة الحقيقية. الحمد لله الذي ثبتني. أنا الآن أعيش أجمل أيام حياتي".

 

-الكنز:
 بالجوار، وقريبًا من المكان، ثمة قصة أخرى، لها دلالاتها.. في منعطف أحد الشوارع كان باب أحد المنازل مفتوحًا. قيل لنا إنه كذلك؛ لأنهم اعتادوا على الزوار بشكل شبه دائم. أما السبب فهو أيضًا يستحق التقدير. 
 سيدة عجوز وزوجها يستقبلان الجميع بكل ترحاب.. رأينا عددًا من نسخ المصاحف القديمة التي تبدو فعلاً نادرة.

 

 تقول السيدة: "قبل 50 عامًا عندما قررت الحكومة الشيوعية إلغاء كل مظاهر التدين وهدم المساجد طبعًا كانت كارثة بالنسبة لنا نحن المسلمين. جاء الدور على مسجد مدينتنا، والإمام هو والد زوجي هذا. طلب حضوري، وقال لي: أنا أثق بك يا بنتي أكثر من أي شخص آخر.. سأترك بين يديك أمانة، يجب أن تحافظي عليها أكثر من أبنائك".

 

 تابعت الحديث فيما نحن نتأمل المصاحف (الأمانة): "سلَّمني عددًا من المصاحف، التي كانت وقتها نادرة جدًّا. اعتبرتُ ذلك أهم من حياتي، وكنت أقوم بتغيير مكانها بين فترة وأخرى خشية من مداهمات الشيوعيين، وأقوم بتنظيفها والعناية بها".

 

 مضيفة: "كنا نضع أحيانًا، وفي سبيل ذلك، البطانيات؛ لتحجب الرؤية عن النوافذ؛ فقد واجهنا الكثير منهم حتى أنهم كانوا يجبرون الصائمين على الإفطار، وكنت أضطر أحيانًا للاحتفاظ بالطعام في فمي لتفادي إجباري على الإفطار. أنا سعيدة جدًّا بأن الأمانة ما زالت كما هي، وأن الكثير من المسلمين يأتون لمشاهدتها، وأرحب بكل الزوار الذين يريدون ذلك، وهي تعتبر كنزًا بالنسبة لنا".

28 يونيو 2016 - 23 رمضان 1437
02:00 AM
اخر تعديل
21 مارس 2017 - 22 جمادى الآخر 1438
06:23 AM

"ألبير" : نعم كنتُ نصرانيًّا.. وقفزت سور المسجد لهذا السبب؟

ما سرُّ المصاحف ووصية الـ50 عامًا؟ وكيف واجهت السيدة العجوز إجبارها على الإفطار؟

A A A
15
61,206

تصوير: فايز الزيادي: في واحدة من أجمل مدن ألبانيا (مدينة بوقراديس) عاصمة منطقة Pogradec على الحدود مع مقدونيا جنوب شرق ألبانيا، وتقع أيضًا على ضفاف بحيرة "أوهريد" التي تقع تحت حماية منظمة اليونسكو؛ لما لها من قيمة تاريخية وطبيعية.. هناك كنا على موعد مع قصة لا يمكن تجاوزها؛ لما يتمخض عنها من عظات وعِبر.

 

 في مطعم أنيق على ضفاف البحيرة التقينا الأخ "ألبير تاسلاري".. ابتسامة هادئة، والقليل من الحديث.

 

عن قصته يقول "ألبير": "كنت نصرانيًّا ملتزمًا كما يقال. تزوجت من شابة مسلمة، ولكن طبعًا ليست ملتزمة في المقابل. كنت أخشى في الحقيقة أن تؤثر علي؛ وفي سبيل ذلك حاولت أن أبقى قريبًا من تعاليم النصرانية، لدرجة أنني قررت الذهاب إلى إيطاليا للتعمق في ديني".

 

ويضيف: "فوجئت رغم إقبالي على العديد من الكنائس هناك بأن الالتزام أبعد ما يكون عمن فيها من طليان وغيرهم، حسبما رأيت. وكنت أشعر بالفراغ يزداد لدي، وليس العكس كما كنت أريد من سفري. بعدها قررت العودة إلى مدينتي، وأن أقوم بإحياء كنيسة مدينتنا، ورأيت أن ذلك أفضل".

 

مردفًا: "كنت رجلاً ميسورًا والحمد لله. اشتريت أرضًا، وبنيت هذا المطعم، والحمد لله كان هناك إقبال كبير بعكس ما واجهني وأنا أحاول إحياء كنيسة مدينتنا، لكنني استمررت على التردد عليها. وخلال تلك الفترة، ويومًا بعد يوم، كنت أشعر بأنني أزداد كرهًا لوضعي وضيقًا بنفسي".

 

وعن بداية التحول يقول: "الحقيقة، إن زوج أختي كان مسلمًا ملتزمًا. وبالرغم من أنني متعلم، وهو غير متعلم، إلا أنه كان يفحمني مع كل نقاش يحدث بيننا، وأجد أدلته لا قدرة لي للرد عليها. كنت أحضر مع أصدقائه الذين لفتوني بأخلاقهم العالية وتعاملهم المتسامح".

 

ويروي "ألبير" قصة طريفة مؤكدًا أنه لا يمكن نسيانها: "ذهبت بصحبة زوج أختي وأصدقائه إلى تيرانا العاصمة. توقفوا لأداء الصلاة، ولكن المسجد كان مغلقًا. فوجئت بهم يقفزون السور، ويدخلون للصلاة!.. بقيت وحدي، وشعرت باحتقار لنفسي؛ فقد دخلوا لشكر الله وأنا جالس في الطريق. في داخلي اندفع ما لم أستطع مقاومته. وجدت نفسي أقوم بالتصرف نفسه، ودخلت المسجد، وكان ردي على استفسارهم هو أداء الصلاة. والله كانت لحظة راحة عجيبة".

 

يروى "ألبير" أنه حتى ذلك الوقت لم يكن قد نطق الشهادتَيْن.. ويضيف: "بعد عودتي لمدينتنا دخلت في تحدٍّ كبير.. مرت عليَّ لحظات تردد.. لكني واصلت، وكانت أول صلاة جمعة هي انطلاقة نحو الحياة الحقيقية. الحمد لله الذي ثبتني. أنا الآن أعيش أجمل أيام حياتي".

 

-الكنز:
 بالجوار، وقريبًا من المكان، ثمة قصة أخرى، لها دلالاتها.. في منعطف أحد الشوارع كان باب أحد المنازل مفتوحًا. قيل لنا إنه كذلك؛ لأنهم اعتادوا على الزوار بشكل شبه دائم. أما السبب فهو أيضًا يستحق التقدير. 
 سيدة عجوز وزوجها يستقبلان الجميع بكل ترحاب.. رأينا عددًا من نسخ المصاحف القديمة التي تبدو فعلاً نادرة.

 

 تقول السيدة: "قبل 50 عامًا عندما قررت الحكومة الشيوعية إلغاء كل مظاهر التدين وهدم المساجد طبعًا كانت كارثة بالنسبة لنا نحن المسلمين. جاء الدور على مسجد مدينتنا، والإمام هو والد زوجي هذا. طلب حضوري، وقال لي: أنا أثق بك يا بنتي أكثر من أي شخص آخر.. سأترك بين يديك أمانة، يجب أن تحافظي عليها أكثر من أبنائك".

 

 تابعت الحديث فيما نحن نتأمل المصاحف (الأمانة): "سلَّمني عددًا من المصاحف، التي كانت وقتها نادرة جدًّا. اعتبرتُ ذلك أهم من حياتي، وكنت أقوم بتغيير مكانها بين فترة وأخرى خشية من مداهمات الشيوعيين، وأقوم بتنظيفها والعناية بها".

 

 مضيفة: "كنا نضع أحيانًا، وفي سبيل ذلك، البطانيات؛ لتحجب الرؤية عن النوافذ؛ فقد واجهنا الكثير منهم حتى أنهم كانوا يجبرون الصائمين على الإفطار، وكنت أضطر أحيانًا للاحتفاظ بالطعام في فمي لتفادي إجباري على الإفطار. أنا سعيدة جدًّا بأن الأمانة ما زالت كما هي، وأن الكثير من المسلمين يأتون لمشاهدتها، وأرحب بكل الزوار الذين يريدون ذلك، وهي تعتبر كنزًا بالنسبة لنا".