5 وقفات لخطيب جامع الراجحي تروي كيف بتر الأمن يد الإرهاب في جدة والرياض

وصف رجال الأمن فقال: "قومٌ إذا احمرَّ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسّيوف مقيلا"

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض، الدكتور حمزة بن سليمان الطيّار، خطبة اليوم الجمعة؛ للحديث عن الضربات الأمنية الاستباقية وآخرها عمليات الياسمين في الرياض والحرازات، والنسيم في جدة التي أسفرت عن هلاك 4 إرهابيين وضبط 16 آخرين.

 

وقال "الطيّار"، في ثنايا خطبته، مثنياً على جهود رجال الأمن: "حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم".

 

وحدّد، في الخطبة، خمس وقفات؛ الأولى: تحدث فيها عن النجاح الأمني في تحديد مواقع أوكار الفاسدين، فيما خصّص الوقفة الثانية؛ للحديث عن شجاعة وبسالة وإقدام رجال الأمن، فيما تطرق في الوقفة الثالثة عن ذلة الإرهابيين وجبنهم، وارتدائهم للأزياء النسائية.

 

الوقفة الرابعة خصّصها "الطيّار" عن إجرام الإرهابيين من خلال صُنع المتفجرات، فيما تحدّث في الوقفة الأخيرة عن الوطن وخدمتهم للإسلام.

 

وفيما يلي نص الخطبة التي عنونت بـ "الضربات الأمنية":

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الضربات الأمنية

فقد شاهدنا في الأيام الخالية من إنجازات رجال أمننا البواسل المتمثلة في ضربات أمنية موفقة، وإنجازات وطنية مسددة في حي الياسمين في الرياض، وحيَّي الحرازات والنسيم في محافظة جدة شاهدنا من ذلك ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر، ويملأ الجوانح بهجة، والبال طمأنينة، ويثير في قرارة النفس اغتباطاً بآلاء الله تعالى المنعم بعظام النعم، والمتفضل بشتى المنن، ويستوجب حمد الله تعالى الحميد، وشكره شكراً نرجو به حسن المزيد، ويبعث الأوفياء على التعبير عن وافر الامتنان وجزيل الشكران، لمن كانوا - بعد الله - السببَ في إنجاز هذه المهمات الجسيمة، ونجاح هذه العمليات العظيمة.

 

وهم رجال الأمن بجميع أطيافهم، وتنوع أقسامهم من المباحث العامة، وقوات الطوارئ الخاصة، والشرطة، والدوريات الأمنية، وغيرها، فقد حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم؛ ما خيبوا أملاً نيط بهم، ولا أخلفوا عهداً قطعوه على أنفسهم، فهنيئاً لهم بالبراءة من وصمة الغش، والتزين بحلية النصيحة وتحمُّل المسؤولية، فهم بهذا يكونون قد نصحوا لأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا من صميم الدين، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، رواه الإمام مسلم، ولي مع هذه النجاحات والإنجازات وقفات عدة، فأقول وبالله التوفيق:

 

الوقفة الأولى: الدقة في تحديد أوكار المجرمين، ومواقع المفسدين، ومخابئ المخربين، ومكامن المغرَّرين، مما يدل على ما يتمتع به رجال الأمن بجميع أذرعه من كفاءة عالية، ومهنية متناهية، أثمرت ثمارها المباركة، وآتت أكلها فتدلت لنا قطوفها اليانعة، وهذه الكفاءة، وتلك المهنية، ليست على لون واحد، بل هي متعددة الأوصاف، متنوعة الأصناف، متعاقبة المراحل، متفاوتة الدرجات، بدءاً من جمع المعلومات، ومروراً بتحليلها وتدقيقها، والتحقيق فيها، والرصد والمتابعة، وانتهاءً بالمنازلة الميدانية، والمواجهة القتالية.

 

فكل مرحلةٍ من هذه المراحل تتطلب جهوداً مضنيةً جبارة، وتستدعي فطنةً وقَّادةً، وتستلزم تركيزاً مجهداً، وعملاً مُتْعِبَاً، أعباء لا ينهض بها إلا مَن وفقه الله تعالى، ورزقه التحلي بالإخلاص في العمل، والتفاني في السعي إلى الهدف، والانطلاق من مبادئ سامية، والتمسك بقيم ثابتة، واستشعار عظم المسؤولية، وجسامة الواجب، وبما أن الأمن له أذرعٌ عديدة، وأقسامٌ كثيرة، إلا أن هذه الجهود، وتلك الإنجازات، وإن كان يشارك فيه الأغلبية من أولئك إلا أن نصيب الأسد في هذا الجهد، والغُنْمَ الأعظم في هذا الإنجاز، إنما هو لرجال المباحث العامة، فلهم السبق في تولي زمام هذه الأمور، فهم بحقٍّ أبو عُذْرِها، إذا نامت الأعين، وطاب طعم الرقاد، اكتحلوا بالسُّهاد، لا يترجَّلون عن صهوات عزائمهم الماضية، ولا يُغمدون سيوف آرائهم الصائبة، ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً.

 

الوقفة الثانية: الشجاعة، والبسالة، والإقدام: فمما نراه عياناً بياناً تلك الشجاعة التي يتحلى بها رجال أمننا، وما يبدو عليهم من رباطة الجأش، "قومٌ إذا احمرَّ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسّيوف مقيلا".

 

ضربوا أروع الأمثلة في البسالة والبطولة في أثناء منازلتهم الميدانية لهؤلاء المجرمين، ومواجهتهم القتالية لأؤلئك المفسدين، ليوثُ لا تُفْلِتُ الباغي إذا وثبت إليه، وصقورٌ لا يَكْمُنُ المفسد في ملجأ إلا انقضَّت عليه، أبطالٌ إذا قَصُرَ مدى الأسلحة وصلوه بخطاهم الثابتة، ورميتهم الصائبة، حالهم:

"إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ".

 

وإن لقطاتٍ محدودة من هذه البطولات تكفي لأن تبهر الناظر، وأن تثير حماس المشاهد، وأن تعكس صورةً مُشَرِّفَةً لمعنى الشجاعة، وأن تنقل مشهداً عظيماً لحقيقة البسالة، وأن ترسُم لوحةً مُشْرِقةً لمعنى الاقتحام والإقدام، ناهيكم عمّا لم تدركه عدسات المصورين، ولا فيديوهات المشاهدين من بطولات لا تُسْتَغْرَب، وبلاءات لا تُسْتبعد، بل هي الأصل في أبناء هذا المجتمع المعروف بالقيم والشهامة، والفضل والسماحة، والإقدام والشجاعة، فحالهم:

"فإذا الجدْبُ جاء كانوا غيوثا ... وإذا النَّقْعُ ثارَ ثاروا أسودا".

 

وقد تحمل رجال أمننا المسؤولية الأخلاقية تجاه أولئك العاقين من أبناء الوطن، فعرضوا عليهم الاستسلام وتجنيب أنفسهم الهلاك، لكن الشقاء أعمى أعينهم، وأصم آذانهم، فعاملهم أبطالنا كما قال القائل:

"ولمّا رأيتُ الوُدَّ لَيْسَ بنافِعي ... وإنْ كانَ يوماً ذا كَواكبَ مُظْلِما

صبرنا وكانَ الصَّبرُ منَّا سجيَّةً ... بأسيافِنا يقْطَعْنَ كفّاً ومِعْصَمَا

نفلِّقُ هاماً من رجالٍ أذلَّةٍ ... لدينا وهمْ كانوا أعقَّ وأظلَما

فلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بذلَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشيةِ الْمَوْتِ سُلَّما".

 

الخطبة الثانية

الوقفة الثالثة: ذلَّةُ الإرهابيين الأرذال، وهوان الطغام الأنذال، فقد أثبتت هذه الوقائع ما عندهم من الجبن والخور، وأن لا فرق بينهم وبين سائر العصابات الإجرامية التي تحاول أن تدرك بالختل والغدر والتخفي ما يدركه غيرهم بالمواجهة والصمود، وأقبح ما حصل من ذلك  إِقْدَامُ أَشباهِ الرجالِ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّزَيِّيْ بِزِيِّ النسوان، والتَّخَفِّي تَخَفِّيَ الفئران يحملهم على ذلك خوفٌ قطع قلوبهم، وهلعٌ قرَّح أكبادهم، وصدق القائل:

"وما عجبٌ أن النساء ترجَّلت ... ولكنَّ تأنيث الرجال عجيب".

 

ولا يخفى أن هذا الفعل وهو التشبه بالنساء ملعونٌ صاحبه، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»، وهذا دليل على أن هذه الفئة الضالة، والشرذمة المنحرفة زادت على سوئها وخبثها أنها لا تتورع عن أي فعل تفعله، ولا عن أي عمل تعمله، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، ويستبيحون كل حيلة، ويستسيغون كل تصرف مهما كان محرماً، ومهما كان مُجرَّماً، وما ظنكم بمَن انتكست فطرته، وتلوثت فكرته فاتخذ غايته سفك الدماء المحرمة، وترويع القلوب المطمئنة، وزعزعة الاستقرار في ربوع بلاد المسلمين، وتخريب الممتلكات، ولم يكتف بذلك بل أضاف إليه سلوك كل طريقة غير شرعية للتوصل إلى تلك الأهداف، يا لها من ظلمات متراكمة، وجنايات متراكبة.

 

الوقفة الرابعة: تمرغهم في أوحال الإجرام، وإيغالهم في مسالك الفساد، وإفلاسهم من مقومات الإنسانية، وخلو أفئدتهم من حب الخير لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإقفار جوانحهم من الأخوة الإيمانية، فلم يعتبروا النطق بكلمة الإخلاص وإقامة أركان الإسلام عصمة للدم والمال والعرض، فما تم ضبطه من قنابل يدوية، وعبوات وقوالب متفجرة، وأحزمة ناسفة، ورشاشات ومسدسات وطلقات حية، ناهيكم عن كل الأدوات التي تستخدم في تصنيع وتحضير المواد المتفجرة يدل دلالة واضحة على سوء قصدهم، وخبث طويتهم، ورداءة مسلكهم، فما الذي يريدونه من ذلك سوى القتل والفساد، والتخويف والإرهاب.

 

الوقفة الخامسة: إن بلادنا المباركة، ودارنا الغالية المملكة العربية السعودية محروسة بعين الله التي لا تنام، ومعتصمة بحبل الله كل الاعتصام، فمن نواها بسوء، أو أرادها بشر فمآله بإذن الله تعالى إلى الهلاك، أُسست يوم أُسست على أركان ثابتة من تحكيم الشريعة المحمدية، وتحرّي السنة النبوية، وظلت محضناً للديانة، وموئلاً للفضيلة والصيانة، خدمت الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا تغرب الشمس عن خريجي جامعاتها الشرعية، وطلبة علمائها الربانيين، استخدمت أموالها في إغاثة الشعوب، وأراضيها في استقبال الملهوف المنكوب، ووجاهتها في وأد المشكلات وإصلاح العيوب، وتعاملت بحكمة وحلم مع مَن عقُّوها من أبنائها، فتورّطوا في متاهات الإرهاب، ففتحت لهم أبواب المناصحة، وحرّضتهم على التوبة وتدارك أنفسهم، ولم تدخر وسعاً، ولم تألُ جهداً في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فلا حجة لمناهضها ولا لمَن يمكر لها مكر السوء، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).

اعلان
5 وقفات لخطيب جامع الراجحي تروي كيف بتر الأمن يد الإرهاب في جدة والرياض
سبق

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض، الدكتور حمزة بن سليمان الطيّار، خطبة اليوم الجمعة؛ للحديث عن الضربات الأمنية الاستباقية وآخرها عمليات الياسمين في الرياض والحرازات، والنسيم في جدة التي أسفرت عن هلاك 4 إرهابيين وضبط 16 آخرين.

 

وقال "الطيّار"، في ثنايا خطبته، مثنياً على جهود رجال الأمن: "حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم".

 

وحدّد، في الخطبة، خمس وقفات؛ الأولى: تحدث فيها عن النجاح الأمني في تحديد مواقع أوكار الفاسدين، فيما خصّص الوقفة الثانية؛ للحديث عن شجاعة وبسالة وإقدام رجال الأمن، فيما تطرق في الوقفة الثالثة عن ذلة الإرهابيين وجبنهم، وارتدائهم للأزياء النسائية.

 

الوقفة الرابعة خصّصها "الطيّار" عن إجرام الإرهابيين من خلال صُنع المتفجرات، فيما تحدّث في الوقفة الأخيرة عن الوطن وخدمتهم للإسلام.

 

وفيما يلي نص الخطبة التي عنونت بـ "الضربات الأمنية":

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الضربات الأمنية

فقد شاهدنا في الأيام الخالية من إنجازات رجال أمننا البواسل المتمثلة في ضربات أمنية موفقة، وإنجازات وطنية مسددة في حي الياسمين في الرياض، وحيَّي الحرازات والنسيم في محافظة جدة شاهدنا من ذلك ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر، ويملأ الجوانح بهجة، والبال طمأنينة، ويثير في قرارة النفس اغتباطاً بآلاء الله تعالى المنعم بعظام النعم، والمتفضل بشتى المنن، ويستوجب حمد الله تعالى الحميد، وشكره شكراً نرجو به حسن المزيد، ويبعث الأوفياء على التعبير عن وافر الامتنان وجزيل الشكران، لمن كانوا - بعد الله - السببَ في إنجاز هذه المهمات الجسيمة، ونجاح هذه العمليات العظيمة.

 

وهم رجال الأمن بجميع أطيافهم، وتنوع أقسامهم من المباحث العامة، وقوات الطوارئ الخاصة، والشرطة، والدوريات الأمنية، وغيرها، فقد حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم؛ ما خيبوا أملاً نيط بهم، ولا أخلفوا عهداً قطعوه على أنفسهم، فهنيئاً لهم بالبراءة من وصمة الغش، والتزين بحلية النصيحة وتحمُّل المسؤولية، فهم بهذا يكونون قد نصحوا لأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا من صميم الدين، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، رواه الإمام مسلم، ولي مع هذه النجاحات والإنجازات وقفات عدة، فأقول وبالله التوفيق:

 

الوقفة الأولى: الدقة في تحديد أوكار المجرمين، ومواقع المفسدين، ومخابئ المخربين، ومكامن المغرَّرين، مما يدل على ما يتمتع به رجال الأمن بجميع أذرعه من كفاءة عالية، ومهنية متناهية، أثمرت ثمارها المباركة، وآتت أكلها فتدلت لنا قطوفها اليانعة، وهذه الكفاءة، وتلك المهنية، ليست على لون واحد، بل هي متعددة الأوصاف، متنوعة الأصناف، متعاقبة المراحل، متفاوتة الدرجات، بدءاً من جمع المعلومات، ومروراً بتحليلها وتدقيقها، والتحقيق فيها، والرصد والمتابعة، وانتهاءً بالمنازلة الميدانية، والمواجهة القتالية.

 

فكل مرحلةٍ من هذه المراحل تتطلب جهوداً مضنيةً جبارة، وتستدعي فطنةً وقَّادةً، وتستلزم تركيزاً مجهداً، وعملاً مُتْعِبَاً، أعباء لا ينهض بها إلا مَن وفقه الله تعالى، ورزقه التحلي بالإخلاص في العمل، والتفاني في السعي إلى الهدف، والانطلاق من مبادئ سامية، والتمسك بقيم ثابتة، واستشعار عظم المسؤولية، وجسامة الواجب، وبما أن الأمن له أذرعٌ عديدة، وأقسامٌ كثيرة، إلا أن هذه الجهود، وتلك الإنجازات، وإن كان يشارك فيه الأغلبية من أولئك إلا أن نصيب الأسد في هذا الجهد، والغُنْمَ الأعظم في هذا الإنجاز، إنما هو لرجال المباحث العامة، فلهم السبق في تولي زمام هذه الأمور، فهم بحقٍّ أبو عُذْرِها، إذا نامت الأعين، وطاب طعم الرقاد، اكتحلوا بالسُّهاد، لا يترجَّلون عن صهوات عزائمهم الماضية، ولا يُغمدون سيوف آرائهم الصائبة، ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً.

 

الوقفة الثانية: الشجاعة، والبسالة، والإقدام: فمما نراه عياناً بياناً تلك الشجاعة التي يتحلى بها رجال أمننا، وما يبدو عليهم من رباطة الجأش، "قومٌ إذا احمرَّ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسّيوف مقيلا".

 

ضربوا أروع الأمثلة في البسالة والبطولة في أثناء منازلتهم الميدانية لهؤلاء المجرمين، ومواجهتهم القتالية لأؤلئك المفسدين، ليوثُ لا تُفْلِتُ الباغي إذا وثبت إليه، وصقورٌ لا يَكْمُنُ المفسد في ملجأ إلا انقضَّت عليه، أبطالٌ إذا قَصُرَ مدى الأسلحة وصلوه بخطاهم الثابتة، ورميتهم الصائبة، حالهم:

"إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ".

 

وإن لقطاتٍ محدودة من هذه البطولات تكفي لأن تبهر الناظر، وأن تثير حماس المشاهد، وأن تعكس صورةً مُشَرِّفَةً لمعنى الشجاعة، وأن تنقل مشهداً عظيماً لحقيقة البسالة، وأن ترسُم لوحةً مُشْرِقةً لمعنى الاقتحام والإقدام، ناهيكم عمّا لم تدركه عدسات المصورين، ولا فيديوهات المشاهدين من بطولات لا تُسْتَغْرَب، وبلاءات لا تُسْتبعد، بل هي الأصل في أبناء هذا المجتمع المعروف بالقيم والشهامة، والفضل والسماحة، والإقدام والشجاعة، فحالهم:

"فإذا الجدْبُ جاء كانوا غيوثا ... وإذا النَّقْعُ ثارَ ثاروا أسودا".

 

وقد تحمل رجال أمننا المسؤولية الأخلاقية تجاه أولئك العاقين من أبناء الوطن، فعرضوا عليهم الاستسلام وتجنيب أنفسهم الهلاك، لكن الشقاء أعمى أعينهم، وأصم آذانهم، فعاملهم أبطالنا كما قال القائل:

"ولمّا رأيتُ الوُدَّ لَيْسَ بنافِعي ... وإنْ كانَ يوماً ذا كَواكبَ مُظْلِما

صبرنا وكانَ الصَّبرُ منَّا سجيَّةً ... بأسيافِنا يقْطَعْنَ كفّاً ومِعْصَمَا

نفلِّقُ هاماً من رجالٍ أذلَّةٍ ... لدينا وهمْ كانوا أعقَّ وأظلَما

فلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بذلَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشيةِ الْمَوْتِ سُلَّما".

 

الخطبة الثانية

الوقفة الثالثة: ذلَّةُ الإرهابيين الأرذال، وهوان الطغام الأنذال، فقد أثبتت هذه الوقائع ما عندهم من الجبن والخور، وأن لا فرق بينهم وبين سائر العصابات الإجرامية التي تحاول أن تدرك بالختل والغدر والتخفي ما يدركه غيرهم بالمواجهة والصمود، وأقبح ما حصل من ذلك  إِقْدَامُ أَشباهِ الرجالِ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّزَيِّيْ بِزِيِّ النسوان، والتَّخَفِّي تَخَفِّيَ الفئران يحملهم على ذلك خوفٌ قطع قلوبهم، وهلعٌ قرَّح أكبادهم، وصدق القائل:

"وما عجبٌ أن النساء ترجَّلت ... ولكنَّ تأنيث الرجال عجيب".

 

ولا يخفى أن هذا الفعل وهو التشبه بالنساء ملعونٌ صاحبه، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»، وهذا دليل على أن هذه الفئة الضالة، والشرذمة المنحرفة زادت على سوئها وخبثها أنها لا تتورع عن أي فعل تفعله، ولا عن أي عمل تعمله، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، ويستبيحون كل حيلة، ويستسيغون كل تصرف مهما كان محرماً، ومهما كان مُجرَّماً، وما ظنكم بمَن انتكست فطرته، وتلوثت فكرته فاتخذ غايته سفك الدماء المحرمة، وترويع القلوب المطمئنة، وزعزعة الاستقرار في ربوع بلاد المسلمين، وتخريب الممتلكات، ولم يكتف بذلك بل أضاف إليه سلوك كل طريقة غير شرعية للتوصل إلى تلك الأهداف، يا لها من ظلمات متراكمة، وجنايات متراكبة.

 

الوقفة الرابعة: تمرغهم في أوحال الإجرام، وإيغالهم في مسالك الفساد، وإفلاسهم من مقومات الإنسانية، وخلو أفئدتهم من حب الخير لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإقفار جوانحهم من الأخوة الإيمانية، فلم يعتبروا النطق بكلمة الإخلاص وإقامة أركان الإسلام عصمة للدم والمال والعرض، فما تم ضبطه من قنابل يدوية، وعبوات وقوالب متفجرة، وأحزمة ناسفة، ورشاشات ومسدسات وطلقات حية، ناهيكم عن كل الأدوات التي تستخدم في تصنيع وتحضير المواد المتفجرة يدل دلالة واضحة على سوء قصدهم، وخبث طويتهم، ورداءة مسلكهم، فما الذي يريدونه من ذلك سوى القتل والفساد، والتخويف والإرهاب.

 

الوقفة الخامسة: إن بلادنا المباركة، ودارنا الغالية المملكة العربية السعودية محروسة بعين الله التي لا تنام، ومعتصمة بحبل الله كل الاعتصام، فمن نواها بسوء، أو أرادها بشر فمآله بإذن الله تعالى إلى الهلاك، أُسست يوم أُسست على أركان ثابتة من تحكيم الشريعة المحمدية، وتحرّي السنة النبوية، وظلت محضناً للديانة، وموئلاً للفضيلة والصيانة، خدمت الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا تغرب الشمس عن خريجي جامعاتها الشرعية، وطلبة علمائها الربانيين، استخدمت أموالها في إغاثة الشعوب، وأراضيها في استقبال الملهوف المنكوب، ووجاهتها في وأد المشكلات وإصلاح العيوب، وتعاملت بحكمة وحلم مع مَن عقُّوها من أبنائها، فتورّطوا في متاهات الإرهاب، ففتحت لهم أبواب المناصحة، وحرّضتهم على التوبة وتدارك أنفسهم، ولم تدخر وسعاً، ولم تألُ جهداً في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فلا حجة لمناهضها ولا لمَن يمكر لها مكر السوء، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).

27 يناير 2017 - 29 ربيع الآخر 1438
02:52 PM

5 وقفات لخطيب جامع الراجحي تروي كيف بتر الأمن يد الإرهاب في جدة والرياض

وصف رجال الأمن فقال: "قومٌ إذا احمرَّ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسّيوف مقيلا"

A A A
2
10,319

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض، الدكتور حمزة بن سليمان الطيّار، خطبة اليوم الجمعة؛ للحديث عن الضربات الأمنية الاستباقية وآخرها عمليات الياسمين في الرياض والحرازات، والنسيم في جدة التي أسفرت عن هلاك 4 إرهابيين وضبط 16 آخرين.

 

وقال "الطيّار"، في ثنايا خطبته، مثنياً على جهود رجال الأمن: "حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم".

 

وحدّد، في الخطبة، خمس وقفات؛ الأولى: تحدث فيها عن النجاح الأمني في تحديد مواقع أوكار الفاسدين، فيما خصّص الوقفة الثانية؛ للحديث عن شجاعة وبسالة وإقدام رجال الأمن، فيما تطرق في الوقفة الثالثة عن ذلة الإرهابيين وجبنهم، وارتدائهم للأزياء النسائية.

 

الوقفة الرابعة خصّصها "الطيّار" عن إجرام الإرهابيين من خلال صُنع المتفجرات، فيما تحدّث في الوقفة الأخيرة عن الوطن وخدمتهم للإسلام.

 

وفيما يلي نص الخطبة التي عنونت بـ "الضربات الأمنية":

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الضربات الأمنية

فقد شاهدنا في الأيام الخالية من إنجازات رجال أمننا البواسل المتمثلة في ضربات أمنية موفقة، وإنجازات وطنية مسددة في حي الياسمين في الرياض، وحيَّي الحرازات والنسيم في محافظة جدة شاهدنا من ذلك ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر، ويملأ الجوانح بهجة، والبال طمأنينة، ويثير في قرارة النفس اغتباطاً بآلاء الله تعالى المنعم بعظام النعم، والمتفضل بشتى المنن، ويستوجب حمد الله تعالى الحميد، وشكره شكراً نرجو به حسن المزيد، ويبعث الأوفياء على التعبير عن وافر الامتنان وجزيل الشكران، لمن كانوا - بعد الله - السببَ في إنجاز هذه المهمات الجسيمة، ونجاح هذه العمليات العظيمة.

 

وهم رجال الأمن بجميع أطيافهم، وتنوع أقسامهم من المباحث العامة، وقوات الطوارئ الخاصة، والشرطة، والدوريات الأمنية، وغيرها، فقد حققوا نجاحات لطمت وجه الإرهاب البغيض، ومرَّغت أنف الفساد المشين، فبيَّضوا وجه الحق، ورفعوا هامة العدل، وبتروا يد الظلم الممتدة في الخفاء لتعبث بأمن البلاد، وتُقِضَّ مضاجع العباد، فحقنوا بذلك الدماء المعصومة، وقاموا بواجبهم الشرعي، وكانوا عند حُسن ظن قيادتهم ومجتمعهم بهم؛ ما خيبوا أملاً نيط بهم، ولا أخلفوا عهداً قطعوه على أنفسهم، فهنيئاً لهم بالبراءة من وصمة الغش، والتزين بحلية النصيحة وتحمُّل المسؤولية، فهم بهذا يكونون قد نصحوا لأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا من صميم الدين، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، رواه الإمام مسلم، ولي مع هذه النجاحات والإنجازات وقفات عدة، فأقول وبالله التوفيق:

 

الوقفة الأولى: الدقة في تحديد أوكار المجرمين، ومواقع المفسدين، ومخابئ المخربين، ومكامن المغرَّرين، مما يدل على ما يتمتع به رجال الأمن بجميع أذرعه من كفاءة عالية، ومهنية متناهية، أثمرت ثمارها المباركة، وآتت أكلها فتدلت لنا قطوفها اليانعة، وهذه الكفاءة، وتلك المهنية، ليست على لون واحد، بل هي متعددة الأوصاف، متنوعة الأصناف، متعاقبة المراحل، متفاوتة الدرجات، بدءاً من جمع المعلومات، ومروراً بتحليلها وتدقيقها، والتحقيق فيها، والرصد والمتابعة، وانتهاءً بالمنازلة الميدانية، والمواجهة القتالية.

 

فكل مرحلةٍ من هذه المراحل تتطلب جهوداً مضنيةً جبارة، وتستدعي فطنةً وقَّادةً، وتستلزم تركيزاً مجهداً، وعملاً مُتْعِبَاً، أعباء لا ينهض بها إلا مَن وفقه الله تعالى، ورزقه التحلي بالإخلاص في العمل، والتفاني في السعي إلى الهدف، والانطلاق من مبادئ سامية، والتمسك بقيم ثابتة، واستشعار عظم المسؤولية، وجسامة الواجب، وبما أن الأمن له أذرعٌ عديدة، وأقسامٌ كثيرة، إلا أن هذه الجهود، وتلك الإنجازات، وإن كان يشارك فيه الأغلبية من أولئك إلا أن نصيب الأسد في هذا الجهد، والغُنْمَ الأعظم في هذا الإنجاز، إنما هو لرجال المباحث العامة، فلهم السبق في تولي زمام هذه الأمور، فهم بحقٍّ أبو عُذْرِها، إذا نامت الأعين، وطاب طعم الرقاد، اكتحلوا بالسُّهاد، لا يترجَّلون عن صهوات عزائمهم الماضية، ولا يُغمدون سيوف آرائهم الصائبة، ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً.

 

الوقفة الثانية: الشجاعة، والبسالة، والإقدام: فمما نراه عياناً بياناً تلك الشجاعة التي يتحلى بها رجال أمننا، وما يبدو عليهم من رباطة الجأش، "قومٌ إذا احمرَّ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسّيوف مقيلا".

 

ضربوا أروع الأمثلة في البسالة والبطولة في أثناء منازلتهم الميدانية لهؤلاء المجرمين، ومواجهتهم القتالية لأؤلئك المفسدين، ليوثُ لا تُفْلِتُ الباغي إذا وثبت إليه، وصقورٌ لا يَكْمُنُ المفسد في ملجأ إلا انقضَّت عليه، أبطالٌ إذا قَصُرَ مدى الأسلحة وصلوه بخطاهم الثابتة، ورميتهم الصائبة، حالهم:

"إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ".

 

وإن لقطاتٍ محدودة من هذه البطولات تكفي لأن تبهر الناظر، وأن تثير حماس المشاهد، وأن تعكس صورةً مُشَرِّفَةً لمعنى الشجاعة، وأن تنقل مشهداً عظيماً لحقيقة البسالة، وأن ترسُم لوحةً مُشْرِقةً لمعنى الاقتحام والإقدام، ناهيكم عمّا لم تدركه عدسات المصورين، ولا فيديوهات المشاهدين من بطولات لا تُسْتَغْرَب، وبلاءات لا تُسْتبعد، بل هي الأصل في أبناء هذا المجتمع المعروف بالقيم والشهامة، والفضل والسماحة، والإقدام والشجاعة، فحالهم:

"فإذا الجدْبُ جاء كانوا غيوثا ... وإذا النَّقْعُ ثارَ ثاروا أسودا".

 

وقد تحمل رجال أمننا المسؤولية الأخلاقية تجاه أولئك العاقين من أبناء الوطن، فعرضوا عليهم الاستسلام وتجنيب أنفسهم الهلاك، لكن الشقاء أعمى أعينهم، وأصم آذانهم، فعاملهم أبطالنا كما قال القائل:

"ولمّا رأيتُ الوُدَّ لَيْسَ بنافِعي ... وإنْ كانَ يوماً ذا كَواكبَ مُظْلِما

صبرنا وكانَ الصَّبرُ منَّا سجيَّةً ... بأسيافِنا يقْطَعْنَ كفّاً ومِعْصَمَا

نفلِّقُ هاماً من رجالٍ أذلَّةٍ ... لدينا وهمْ كانوا أعقَّ وأظلَما

فلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بذلَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشيةِ الْمَوْتِ سُلَّما".

 

الخطبة الثانية

الوقفة الثالثة: ذلَّةُ الإرهابيين الأرذال، وهوان الطغام الأنذال، فقد أثبتت هذه الوقائع ما عندهم من الجبن والخور، وأن لا فرق بينهم وبين سائر العصابات الإجرامية التي تحاول أن تدرك بالختل والغدر والتخفي ما يدركه غيرهم بالمواجهة والصمود، وأقبح ما حصل من ذلك  إِقْدَامُ أَشباهِ الرجالِ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّزَيِّيْ بِزِيِّ النسوان، والتَّخَفِّي تَخَفِّيَ الفئران يحملهم على ذلك خوفٌ قطع قلوبهم، وهلعٌ قرَّح أكبادهم، وصدق القائل:

"وما عجبٌ أن النساء ترجَّلت ... ولكنَّ تأنيث الرجال عجيب".

 

ولا يخفى أن هذا الفعل وهو التشبه بالنساء ملعونٌ صاحبه، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»، وهذا دليل على أن هذه الفئة الضالة، والشرذمة المنحرفة زادت على سوئها وخبثها أنها لا تتورع عن أي فعل تفعله، ولا عن أي عمل تعمله، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، ويستبيحون كل حيلة، ويستسيغون كل تصرف مهما كان محرماً، ومهما كان مُجرَّماً، وما ظنكم بمَن انتكست فطرته، وتلوثت فكرته فاتخذ غايته سفك الدماء المحرمة، وترويع القلوب المطمئنة، وزعزعة الاستقرار في ربوع بلاد المسلمين، وتخريب الممتلكات، ولم يكتف بذلك بل أضاف إليه سلوك كل طريقة غير شرعية للتوصل إلى تلك الأهداف، يا لها من ظلمات متراكمة، وجنايات متراكبة.

 

الوقفة الرابعة: تمرغهم في أوحال الإجرام، وإيغالهم في مسالك الفساد، وإفلاسهم من مقومات الإنسانية، وخلو أفئدتهم من حب الخير لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإقفار جوانحهم من الأخوة الإيمانية، فلم يعتبروا النطق بكلمة الإخلاص وإقامة أركان الإسلام عصمة للدم والمال والعرض، فما تم ضبطه من قنابل يدوية، وعبوات وقوالب متفجرة، وأحزمة ناسفة، ورشاشات ومسدسات وطلقات حية، ناهيكم عن كل الأدوات التي تستخدم في تصنيع وتحضير المواد المتفجرة يدل دلالة واضحة على سوء قصدهم، وخبث طويتهم، ورداءة مسلكهم، فما الذي يريدونه من ذلك سوى القتل والفساد، والتخويف والإرهاب.

 

الوقفة الخامسة: إن بلادنا المباركة، ودارنا الغالية المملكة العربية السعودية محروسة بعين الله التي لا تنام، ومعتصمة بحبل الله كل الاعتصام، فمن نواها بسوء، أو أرادها بشر فمآله بإذن الله تعالى إلى الهلاك، أُسست يوم أُسست على أركان ثابتة من تحكيم الشريعة المحمدية، وتحرّي السنة النبوية، وظلت محضناً للديانة، وموئلاً للفضيلة والصيانة، خدمت الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا تغرب الشمس عن خريجي جامعاتها الشرعية، وطلبة علمائها الربانيين، استخدمت أموالها في إغاثة الشعوب، وأراضيها في استقبال الملهوف المنكوب، ووجاهتها في وأد المشكلات وإصلاح العيوب، وتعاملت بحكمة وحلم مع مَن عقُّوها من أبنائها، فتورّطوا في متاهات الإرهاب، ففتحت لهم أبواب المناصحة، وحرّضتهم على التوبة وتدارك أنفسهم، ولم تدخر وسعاً، ولم تألُ جهداً في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فلا حجة لمناهضها ولا لمَن يمكر لها مكر السوء، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).