كيف نجح طبيب المصنع؟!

شركة سيارات عريقة لاحظت انخفاضًا في إنتاج أحد مصانعها لقطع الغيار. جربت كل الحلول، وعُيّن مختلف الخبراء، وقُسّمت أوقات العمل إلى فترتين، ولكن انخفاض الأجور لم يكن ليجبر العمال على إنتاج المزيد.

وذات يوم تقدَّم طبيب نفسي، يعمل مستشارًا للشركة، بطلب تعيينه مديرًا لهذا المصنع. مدير شركة السيارات ضحك، واعتقـد أنه يمزح؛ إذ كيف يمكن لطبيب إدارة مصنع لقطع غيار السيارات؟ ولكن الطبيب كان جادًّا، وأخبره بأنه يجري دراسة حول كيفية تحفيز الموظفين، وأن هذا المصنع مناسب لتجربته. لم يقتنع مدير الشركة، ولكنه وقّع معه عقد إدارة لمدة شهر، يرى بعدها نتائج تجربته. الطبيب أخذ العقد، ولم يذهب للعمل في اليوم التالي. بقي في منزله مسترخيًا يشاهد التلفزيون، وينظر لساعته بين الحين والآخر. وحين تأكد من انتهاء دوام العمال في الفترة الصباحية اتصل بمراقب العمال، وطلب منه لقاء أمام باب المصنع. وخلال نصف ساعة التقى الرجلان، فقال الطبيب: كم قطعة أنجز عمال الفترة الصباحية؟ قال مراقب العمال بصوت خجول: 28 قطعة للأسف. قال الطبيب: لا داعي للأسف فهذا الرقم رائع وممتاز، ويجب أن يراه الجميع؛ فأخرج من جيبه قطعة "طبشورة"، ورسم على باب المصنع دائرة كبيرة، كتب داخلها 28.

أعاد الطبشورة إلى جيبه، وقال لمراقب العمال: بعد قليل سيصل عمال الفترة المسائية، ويسألونك عن سر هذه الدائرة، فأرجو أن تخبرهم بالحقيقة. ثم أكمل قائلاً: أنا شخصيًّا انتهت مهمتي في هذا المصنع، وقررت منح نفسي إجازة لمدة شهر، وكل ما عليك فعله هو إخبار العمال دائمًا بالحقيقة.. بقي مراقب العمال مذهولاً وعاجزًا عن فهم هذا التصرف المجنون حتى وصل عمال الفترة المسائية. استرعت انتباههم الدائرة الكبيرة، فسألوا عنها مراقب العمال، فقال لهم الحقيقة: حضر المدير الجديد بعد انتهاء الدوام، وسأل عن إنتاج الفترة الصباحية، وأُعجب كثيرًا بعملهم لدرجة أنه كتب هذا الرقم على باب المصنع. أنا على ثقة بأنه أحمق لا يعرف شيئًا عن طريقة العمل، ولا تكاليف الإنتاج. ثم قال بصوت أقرب للهمس: ثم كيف يمنح نفسه إجازة وهو لم يداوم أصلاً أو حتى يدخل المصنع!؟ ذهب ليرتاح في حين دخل عمال الفترة المسائية في مناقشات حامية حول هذا الرقم، واعتبروه "علامة تحدٍّ".

دخلوا إلى عملهم بروح جديدة، وحين انتهت فترتهم المسائية مسحوا الرقم الموجود داخل الدائرة، وكتبوا 31. في اليوم التالي حضر عمال الفترة الصباحية وشاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه عمال الفترة المسائية قبل ذهابهم لبيوتهم. اعـتبروا الأمر تحديًا، ودخلوا المصنع بروح مختلفة، وحين انتهوا مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 34.

حين حضر عمال الفترة المسائية شاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه زملاؤكم عمال الفترة الصباحية على سبيل التحدي. دخلوا المصنع، وقد بدت على وجوههم علامات التحدي والإصرار، وحين انتهت فترتهم الصباحية مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 37.

بدأ مراقب العمال يفهم الفكرة، ويدرك عبقرية الطبيب، وأصبح يتصل به يوميًّا ليخبره عن الارتفاع المطرد لقطع الإنتاج.

الطبيب كان فعلاً في إجازة، وحضر بعد شهر لزيارة المصنع؛ ليكتشف كيف ارتفع الإنتاج من 28 قطعة إلى 118 قطعة.

نجحت تجربته في "التحفيز من خلال التحدي" دون أن يضطر لتوظيف المزيد من العمال، أو صرف المزيد من المكافآت، أو التهديد بنقل أحد إلى مكان بعيد خارج المدينة.

والآن ماذا نتعلم من هذه الحكاية؟ نتعلم ثلاثة أشياء رئيسية، هي:

أولاً: ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه، وما لا يمكن الحكم عليه -بالأرقام المجردة- لا يمكن تطويره أو زيادة إنتاجه.

ثانيًا: لا تحتاج لمعرفة أسرار المهنة لتنجح في أي مهمة، بل إلى فهم طريقة عمل البشر، قبل فهم طريقة عمل المكائن وأنظمة الإنتاج.

ثالثًا: هناك دائمًا أساليب تحفيز نفسية، وطرق إدارة ذكية، يجب أن تبتكرها بنفسك؛ للحصول على نتائج رائعة دون الحاجة لموظفين جدد أو ميزانية إضافية.

إن حاجة الممارس والمعلم ـ الموظف عمومًا- إلى أن يرى ثمرة عمله تزدهر أمام الجميع من خلال منهجية عادلة، لا يستأثر بها فئة دون الأخرى، حق أصيل لأفضل لرؤسائه فيه، كما أن نجاح قيادات المنشأة يكمن في اعتبار حقوق موظفيها واجبًا، وأنه ليس من المناسب أن تقف الجهة خصمًا في وجوه بعض موظفيها أمام القضاء!

عبدالغني الشيخ
اعلان
كيف نجح طبيب المصنع؟!
سبق

شركة سيارات عريقة لاحظت انخفاضًا في إنتاج أحد مصانعها لقطع الغيار. جربت كل الحلول، وعُيّن مختلف الخبراء، وقُسّمت أوقات العمل إلى فترتين، ولكن انخفاض الأجور لم يكن ليجبر العمال على إنتاج المزيد.

وذات يوم تقدَّم طبيب نفسي، يعمل مستشارًا للشركة، بطلب تعيينه مديرًا لهذا المصنع. مدير شركة السيارات ضحك، واعتقـد أنه يمزح؛ إذ كيف يمكن لطبيب إدارة مصنع لقطع غيار السيارات؟ ولكن الطبيب كان جادًّا، وأخبره بأنه يجري دراسة حول كيفية تحفيز الموظفين، وأن هذا المصنع مناسب لتجربته. لم يقتنع مدير الشركة، ولكنه وقّع معه عقد إدارة لمدة شهر، يرى بعدها نتائج تجربته. الطبيب أخذ العقد، ولم يذهب للعمل في اليوم التالي. بقي في منزله مسترخيًا يشاهد التلفزيون، وينظر لساعته بين الحين والآخر. وحين تأكد من انتهاء دوام العمال في الفترة الصباحية اتصل بمراقب العمال، وطلب منه لقاء أمام باب المصنع. وخلال نصف ساعة التقى الرجلان، فقال الطبيب: كم قطعة أنجز عمال الفترة الصباحية؟ قال مراقب العمال بصوت خجول: 28 قطعة للأسف. قال الطبيب: لا داعي للأسف فهذا الرقم رائع وممتاز، ويجب أن يراه الجميع؛ فأخرج من جيبه قطعة "طبشورة"، ورسم على باب المصنع دائرة كبيرة، كتب داخلها 28.

أعاد الطبشورة إلى جيبه، وقال لمراقب العمال: بعد قليل سيصل عمال الفترة المسائية، ويسألونك عن سر هذه الدائرة، فأرجو أن تخبرهم بالحقيقة. ثم أكمل قائلاً: أنا شخصيًّا انتهت مهمتي في هذا المصنع، وقررت منح نفسي إجازة لمدة شهر، وكل ما عليك فعله هو إخبار العمال دائمًا بالحقيقة.. بقي مراقب العمال مذهولاً وعاجزًا عن فهم هذا التصرف المجنون حتى وصل عمال الفترة المسائية. استرعت انتباههم الدائرة الكبيرة، فسألوا عنها مراقب العمال، فقال لهم الحقيقة: حضر المدير الجديد بعد انتهاء الدوام، وسأل عن إنتاج الفترة الصباحية، وأُعجب كثيرًا بعملهم لدرجة أنه كتب هذا الرقم على باب المصنع. أنا على ثقة بأنه أحمق لا يعرف شيئًا عن طريقة العمل، ولا تكاليف الإنتاج. ثم قال بصوت أقرب للهمس: ثم كيف يمنح نفسه إجازة وهو لم يداوم أصلاً أو حتى يدخل المصنع!؟ ذهب ليرتاح في حين دخل عمال الفترة المسائية في مناقشات حامية حول هذا الرقم، واعتبروه "علامة تحدٍّ".

دخلوا إلى عملهم بروح جديدة، وحين انتهت فترتهم المسائية مسحوا الرقم الموجود داخل الدائرة، وكتبوا 31. في اليوم التالي حضر عمال الفترة الصباحية وشاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه عمال الفترة المسائية قبل ذهابهم لبيوتهم. اعـتبروا الأمر تحديًا، ودخلوا المصنع بروح مختلفة، وحين انتهوا مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 34.

حين حضر عمال الفترة المسائية شاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه زملاؤكم عمال الفترة الصباحية على سبيل التحدي. دخلوا المصنع، وقد بدت على وجوههم علامات التحدي والإصرار، وحين انتهت فترتهم الصباحية مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 37.

بدأ مراقب العمال يفهم الفكرة، ويدرك عبقرية الطبيب، وأصبح يتصل به يوميًّا ليخبره عن الارتفاع المطرد لقطع الإنتاج.

الطبيب كان فعلاً في إجازة، وحضر بعد شهر لزيارة المصنع؛ ليكتشف كيف ارتفع الإنتاج من 28 قطعة إلى 118 قطعة.

نجحت تجربته في "التحفيز من خلال التحدي" دون أن يضطر لتوظيف المزيد من العمال، أو صرف المزيد من المكافآت، أو التهديد بنقل أحد إلى مكان بعيد خارج المدينة.

والآن ماذا نتعلم من هذه الحكاية؟ نتعلم ثلاثة أشياء رئيسية، هي:

أولاً: ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه، وما لا يمكن الحكم عليه -بالأرقام المجردة- لا يمكن تطويره أو زيادة إنتاجه.

ثانيًا: لا تحتاج لمعرفة أسرار المهنة لتنجح في أي مهمة، بل إلى فهم طريقة عمل البشر، قبل فهم طريقة عمل المكائن وأنظمة الإنتاج.

ثالثًا: هناك دائمًا أساليب تحفيز نفسية، وطرق إدارة ذكية، يجب أن تبتكرها بنفسك؛ للحصول على نتائج رائعة دون الحاجة لموظفين جدد أو ميزانية إضافية.

إن حاجة الممارس والمعلم ـ الموظف عمومًا- إلى أن يرى ثمرة عمله تزدهر أمام الجميع من خلال منهجية عادلة، لا يستأثر بها فئة دون الأخرى، حق أصيل لأفضل لرؤسائه فيه، كما أن نجاح قيادات المنشأة يكمن في اعتبار حقوق موظفيها واجبًا، وأنه ليس من المناسب أن تقف الجهة خصمًا في وجوه بعض موظفيها أمام القضاء!

15 إبريل 2021 - 3 رمضان 1442
12:23 AM
اخر تعديل
11 يونيو 2021 - 1 ذو القعدة 1442
12:17 PM

كيف نجح طبيب المصنع؟!

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
1
1,066

شركة سيارات عريقة لاحظت انخفاضًا في إنتاج أحد مصانعها لقطع الغيار. جربت كل الحلول، وعُيّن مختلف الخبراء، وقُسّمت أوقات العمل إلى فترتين، ولكن انخفاض الأجور لم يكن ليجبر العمال على إنتاج المزيد.

وذات يوم تقدَّم طبيب نفسي، يعمل مستشارًا للشركة، بطلب تعيينه مديرًا لهذا المصنع. مدير شركة السيارات ضحك، واعتقـد أنه يمزح؛ إذ كيف يمكن لطبيب إدارة مصنع لقطع غيار السيارات؟ ولكن الطبيب كان جادًّا، وأخبره بأنه يجري دراسة حول كيفية تحفيز الموظفين، وأن هذا المصنع مناسب لتجربته. لم يقتنع مدير الشركة، ولكنه وقّع معه عقد إدارة لمدة شهر، يرى بعدها نتائج تجربته. الطبيب أخذ العقد، ولم يذهب للعمل في اليوم التالي. بقي في منزله مسترخيًا يشاهد التلفزيون، وينظر لساعته بين الحين والآخر. وحين تأكد من انتهاء دوام العمال في الفترة الصباحية اتصل بمراقب العمال، وطلب منه لقاء أمام باب المصنع. وخلال نصف ساعة التقى الرجلان، فقال الطبيب: كم قطعة أنجز عمال الفترة الصباحية؟ قال مراقب العمال بصوت خجول: 28 قطعة للأسف. قال الطبيب: لا داعي للأسف فهذا الرقم رائع وممتاز، ويجب أن يراه الجميع؛ فأخرج من جيبه قطعة "طبشورة"، ورسم على باب المصنع دائرة كبيرة، كتب داخلها 28.

أعاد الطبشورة إلى جيبه، وقال لمراقب العمال: بعد قليل سيصل عمال الفترة المسائية، ويسألونك عن سر هذه الدائرة، فأرجو أن تخبرهم بالحقيقة. ثم أكمل قائلاً: أنا شخصيًّا انتهت مهمتي في هذا المصنع، وقررت منح نفسي إجازة لمدة شهر، وكل ما عليك فعله هو إخبار العمال دائمًا بالحقيقة.. بقي مراقب العمال مذهولاً وعاجزًا عن فهم هذا التصرف المجنون حتى وصل عمال الفترة المسائية. استرعت انتباههم الدائرة الكبيرة، فسألوا عنها مراقب العمال، فقال لهم الحقيقة: حضر المدير الجديد بعد انتهاء الدوام، وسأل عن إنتاج الفترة الصباحية، وأُعجب كثيرًا بعملهم لدرجة أنه كتب هذا الرقم على باب المصنع. أنا على ثقة بأنه أحمق لا يعرف شيئًا عن طريقة العمل، ولا تكاليف الإنتاج. ثم قال بصوت أقرب للهمس: ثم كيف يمنح نفسه إجازة وهو لم يداوم أصلاً أو حتى يدخل المصنع!؟ ذهب ليرتاح في حين دخل عمال الفترة المسائية في مناقشات حامية حول هذا الرقم، واعتبروه "علامة تحدٍّ".

دخلوا إلى عملهم بروح جديدة، وحين انتهت فترتهم المسائية مسحوا الرقم الموجود داخل الدائرة، وكتبوا 31. في اليوم التالي حضر عمال الفترة الصباحية وشاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه عمال الفترة المسائية قبل ذهابهم لبيوتهم. اعـتبروا الأمر تحديًا، ودخلوا المصنع بروح مختلفة، وحين انتهوا مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 34.

حين حضر عمال الفترة المسائية شاهدوا الرقم الجديد، فسألوا مراقب العمال، فقال: كتبه زملاؤكم عمال الفترة الصباحية على سبيل التحدي. دخلوا المصنع، وقد بدت على وجوههم علامات التحدي والإصرار، وحين انتهت فترتهم الصباحية مسحوا الرقم السابق، وكتبوا داخل الدائرة 37.

بدأ مراقب العمال يفهم الفكرة، ويدرك عبقرية الطبيب، وأصبح يتصل به يوميًّا ليخبره عن الارتفاع المطرد لقطع الإنتاج.

الطبيب كان فعلاً في إجازة، وحضر بعد شهر لزيارة المصنع؛ ليكتشف كيف ارتفع الإنتاج من 28 قطعة إلى 118 قطعة.

نجحت تجربته في "التحفيز من خلال التحدي" دون أن يضطر لتوظيف المزيد من العمال، أو صرف المزيد من المكافآت، أو التهديد بنقل أحد إلى مكان بعيد خارج المدينة.

والآن ماذا نتعلم من هذه الحكاية؟ نتعلم ثلاثة أشياء رئيسية، هي:

أولاً: ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه، وما لا يمكن الحكم عليه -بالأرقام المجردة- لا يمكن تطويره أو زيادة إنتاجه.

ثانيًا: لا تحتاج لمعرفة أسرار المهنة لتنجح في أي مهمة، بل إلى فهم طريقة عمل البشر، قبل فهم طريقة عمل المكائن وأنظمة الإنتاج.

ثالثًا: هناك دائمًا أساليب تحفيز نفسية، وطرق إدارة ذكية، يجب أن تبتكرها بنفسك؛ للحصول على نتائج رائعة دون الحاجة لموظفين جدد أو ميزانية إضافية.

إن حاجة الممارس والمعلم ـ الموظف عمومًا- إلى أن يرى ثمرة عمله تزدهر أمام الجميع من خلال منهجية عادلة، لا يستأثر بها فئة دون الأخرى، حق أصيل لأفضل لرؤسائه فيه، كما أن نجاح قيادات المنشأة يكمن في اعتبار حقوق موظفيها واجبًا، وأنه ليس من المناسب أن تقف الجهة خصمًا في وجوه بعض موظفيها أمام القضاء!