إمام المسجد النبوي: أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله "برّ الوالدين"

قال: من أعظم العقوق التكبّر عليهما والاعتداء بالضرب أو الإهانة

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور علي بن عبدالرحمن الحذيفي, أهمية أداء العبد للحقوق الواجبة عليه, بدءاً بحق الله عليه بصرف العبادة لله وحده, وعدم الإشراك به, وكذلك الحرص على أداء حقوق الوالدين ببرهما والإحسان إليهما, وأداء جميع الحقوق إلى أصحابها.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: أداء الحقوق الواجبة على العبد نفعها في آخر الأمر يعود إلى المكلّف بالثواب في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" وقال تعالى": إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ".

وأضاف: التقصير في بعض الحقوق الواجبة على المكلّف, وتضييعها وتركها بالكلية يعود ضرره وعقوبته على الإنسان المضيّع للحقوق المشروعة في الدين, لأنه إن ضيّع حقوق رب العالمين فما ضرّ إلا نفسه في الدنيا والآخرة, فالله غنيٌ عن العالمين, مستشهدًا بقوله تعالى: "إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" وقوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ, وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".

وأردف: من يبخل فإنما يبخل عن نفسه لقوله جل وعلا: "وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

وقال "الحذيفي": حق الرب الذي يجب حفظه هو التوحيد، حيث وعد الله عليه أعظم الثواب, قال تعالى: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ, هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ"، فمن ضيّع حق الله عزّ وجل بالشرك به, واتخاذ وسائط يعبدهم ويدعوهم لكشف الضرّ والكربات وقضاء الحاجات ويتوكّل عليهم فقد خاب وخسر, وضلّ سعيه لا يقبل الله منه عدلاً ولا فدية, ويقال له ادخل النار مع الداخلين, إلا أن يتوب من الشرك, ففي الحديث: "يقال للرجل من أهل النار لو أن لك ما في الأرض هل تفتدي به من النار فيقول نعم, فيقال له قد أمرت بما هو أيسر من ذلك, ألا تشرك بالله شيئاً) رواه البخاري.

وأضاف: من سلمت له صلواته الخمس سلِم له يومه, ومن سلِمت له جمعته سلِم له أسبوعه, ومن سلِم له رمضان سلم له عامه, ومن أدى زكاة ماله حفظ الله له ماله, وبارك له فيه, ومن سلِم له حجه فقد سلِم له عمره, ومن حفظ التوحيد ضمن الله له الجنة.

وأردف: المكلّف إن ضيّع وترك حقوق الخلق الواجبة فقد حرم نفسه من الثواب في الدنيا والآخرة, وإن قصّر في بعضها فقد حرم من الخير بقدر ما نقص من القيام بحقوق الخلق, فالحياة تمضي بما يلقى الإنسان من شدة ورخاء وحرمان وعطاء, ولا تتوقف الحياة على نيل الإنسان حقوقه الواجبة له, فعند الله تجتمع الخصوم, فيعطي الله المظلوم حقّه ممن ظلمه وضيّع حقه, فعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم.

وقال "الحذيفي": أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله حقوق الوالدين, ولعظم حقهما قرن الله حقه بحقهما, فقال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".

وأضاف: عظّم الله حق الوالدين لأنه أوجدك وخلقك بهما, فالأم وجدت في مراحل الحمل أعظم المشقّات وأشرفت في الوضع على الهلاك, قال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا , حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا"، وفي الحديث روى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رغم أنفه, ثم رغم أنفه, ثم رغم أنفه, قيل من يا رسول الله, قال: من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة" رواه مسلم.

وأردف: برّ الوالدين بطاعتهما في غير معصية, وإنفاذ أمرهما ووصيتهما والرفق بهما, وإدخال السرور عليهما, والتوسعة عليهما في النفقة وبذل المال لهما, والشفقة والرحمة لهما, والحزن لحزنهما, وجلب الأنس لهما, وبرّ صديقهما, وصلة ودّهما, وصلة رحمهما, وكفّ جميع أنواع الأذى عنهما, والكفّ عما نهيا عنه في حياتهما, وكثرة الاستغفار لهما في الحياة وبعد الموت, والعقوق ضد ذلك كله, فكثرة العقوق من أشراط الساعة, وفي الحديث: (إن من أشراط الساعة أن يكون المطر قيضاً والولد غيظاً وأن يفيض الأشرار فيضاً, وأن يغيض الأخيار غيضاً).

وتابع: من أعظم العقوق للوالدين تحويلهما أو تحويل أحدهما إلى دار المسنين وإخراجهما من رعاية الولد والعياذ بالله، وهذه ليست من أخلاق الإسلام ولا من كرم الأخلاق, ومن أعظم العقوق التكبّر على الوالدين والاعتداء عليهما بالضرب أو الإهانة والشتم والحرمان, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق) رواه الطبراني .

وقال "الحذيفي": حقوق الوالدين مع ما في القيام بها من عظم الأجور والبركة فهي من مكارم الأخلاق, وأكرم الخصال التي يقوم بها من طابت سريرته, وكرم أصله, وزكت أخلاقه, وجزاء الإحسان الإحسان, والمعروف حقّه الرعاية والوفاء, والجميل يقابل بالجميل, لا ينكر المعروف والجميل إلا منحطّ الأخلاق, ساقط المروءة, خبيث السريرة, بدليل قوله تعالى: "وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

اعلان
إمام المسجد النبوي: أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله "برّ الوالدين"
سبق

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور علي بن عبدالرحمن الحذيفي, أهمية أداء العبد للحقوق الواجبة عليه, بدءاً بحق الله عليه بصرف العبادة لله وحده, وعدم الإشراك به, وكذلك الحرص على أداء حقوق الوالدين ببرهما والإحسان إليهما, وأداء جميع الحقوق إلى أصحابها.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: أداء الحقوق الواجبة على العبد نفعها في آخر الأمر يعود إلى المكلّف بالثواب في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" وقال تعالى": إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ".

وأضاف: التقصير في بعض الحقوق الواجبة على المكلّف, وتضييعها وتركها بالكلية يعود ضرره وعقوبته على الإنسان المضيّع للحقوق المشروعة في الدين, لأنه إن ضيّع حقوق رب العالمين فما ضرّ إلا نفسه في الدنيا والآخرة, فالله غنيٌ عن العالمين, مستشهدًا بقوله تعالى: "إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" وقوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ, وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".

وأردف: من يبخل فإنما يبخل عن نفسه لقوله جل وعلا: "وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

وقال "الحذيفي": حق الرب الذي يجب حفظه هو التوحيد، حيث وعد الله عليه أعظم الثواب, قال تعالى: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ, هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ"، فمن ضيّع حق الله عزّ وجل بالشرك به, واتخاذ وسائط يعبدهم ويدعوهم لكشف الضرّ والكربات وقضاء الحاجات ويتوكّل عليهم فقد خاب وخسر, وضلّ سعيه لا يقبل الله منه عدلاً ولا فدية, ويقال له ادخل النار مع الداخلين, إلا أن يتوب من الشرك, ففي الحديث: "يقال للرجل من أهل النار لو أن لك ما في الأرض هل تفتدي به من النار فيقول نعم, فيقال له قد أمرت بما هو أيسر من ذلك, ألا تشرك بالله شيئاً) رواه البخاري.

وأضاف: من سلمت له صلواته الخمس سلِم له يومه, ومن سلِمت له جمعته سلِم له أسبوعه, ومن سلِم له رمضان سلم له عامه, ومن أدى زكاة ماله حفظ الله له ماله, وبارك له فيه, ومن سلِم له حجه فقد سلِم له عمره, ومن حفظ التوحيد ضمن الله له الجنة.

وأردف: المكلّف إن ضيّع وترك حقوق الخلق الواجبة فقد حرم نفسه من الثواب في الدنيا والآخرة, وإن قصّر في بعضها فقد حرم من الخير بقدر ما نقص من القيام بحقوق الخلق, فالحياة تمضي بما يلقى الإنسان من شدة ورخاء وحرمان وعطاء, ولا تتوقف الحياة على نيل الإنسان حقوقه الواجبة له, فعند الله تجتمع الخصوم, فيعطي الله المظلوم حقّه ممن ظلمه وضيّع حقه, فعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم.

وقال "الحذيفي": أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله حقوق الوالدين, ولعظم حقهما قرن الله حقه بحقهما, فقال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".

وأضاف: عظّم الله حق الوالدين لأنه أوجدك وخلقك بهما, فالأم وجدت في مراحل الحمل أعظم المشقّات وأشرفت في الوضع على الهلاك, قال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا , حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا"، وفي الحديث روى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رغم أنفه, ثم رغم أنفه, ثم رغم أنفه, قيل من يا رسول الله, قال: من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة" رواه مسلم.

وأردف: برّ الوالدين بطاعتهما في غير معصية, وإنفاذ أمرهما ووصيتهما والرفق بهما, وإدخال السرور عليهما, والتوسعة عليهما في النفقة وبذل المال لهما, والشفقة والرحمة لهما, والحزن لحزنهما, وجلب الأنس لهما, وبرّ صديقهما, وصلة ودّهما, وصلة رحمهما, وكفّ جميع أنواع الأذى عنهما, والكفّ عما نهيا عنه في حياتهما, وكثرة الاستغفار لهما في الحياة وبعد الموت, والعقوق ضد ذلك كله, فكثرة العقوق من أشراط الساعة, وفي الحديث: (إن من أشراط الساعة أن يكون المطر قيضاً والولد غيظاً وأن يفيض الأشرار فيضاً, وأن يغيض الأخيار غيضاً).

وتابع: من أعظم العقوق للوالدين تحويلهما أو تحويل أحدهما إلى دار المسنين وإخراجهما من رعاية الولد والعياذ بالله، وهذه ليست من أخلاق الإسلام ولا من كرم الأخلاق, ومن أعظم العقوق التكبّر على الوالدين والاعتداء عليهما بالضرب أو الإهانة والشتم والحرمان, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق) رواه الطبراني .

وقال "الحذيفي": حقوق الوالدين مع ما في القيام بها من عظم الأجور والبركة فهي من مكارم الأخلاق, وأكرم الخصال التي يقوم بها من طابت سريرته, وكرم أصله, وزكت أخلاقه, وجزاء الإحسان الإحسان, والمعروف حقّه الرعاية والوفاء, والجميل يقابل بالجميل, لا ينكر المعروف والجميل إلا منحطّ الأخلاق, ساقط المروءة, خبيث السريرة, بدليل قوله تعالى: "وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

31 أغسطس 2018 - 20 ذو الحجة 1439
03:42 PM

إمام المسجد النبوي: أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله "برّ الوالدين"

قال: من أعظم العقوق التكبّر عليهما والاعتداء بالضرب أو الإهانة

A A A
3
6,435

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور علي بن عبدالرحمن الحذيفي, أهمية أداء العبد للحقوق الواجبة عليه, بدءاً بحق الله عليه بصرف العبادة لله وحده, وعدم الإشراك به, وكذلك الحرص على أداء حقوق الوالدين ببرهما والإحسان إليهما, وأداء جميع الحقوق إلى أصحابها.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: أداء الحقوق الواجبة على العبد نفعها في آخر الأمر يعود إلى المكلّف بالثواب في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" وقال تعالى": إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ".

وأضاف: التقصير في بعض الحقوق الواجبة على المكلّف, وتضييعها وتركها بالكلية يعود ضرره وعقوبته على الإنسان المضيّع للحقوق المشروعة في الدين, لأنه إن ضيّع حقوق رب العالمين فما ضرّ إلا نفسه في الدنيا والآخرة, فالله غنيٌ عن العالمين, مستشهدًا بقوله تعالى: "إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" وقوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ, وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".

وأردف: من يبخل فإنما يبخل عن نفسه لقوله جل وعلا: "وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

وقال "الحذيفي": حق الرب الذي يجب حفظه هو التوحيد، حيث وعد الله عليه أعظم الثواب, قال تعالى: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ, هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ"، فمن ضيّع حق الله عزّ وجل بالشرك به, واتخاذ وسائط يعبدهم ويدعوهم لكشف الضرّ والكربات وقضاء الحاجات ويتوكّل عليهم فقد خاب وخسر, وضلّ سعيه لا يقبل الله منه عدلاً ولا فدية, ويقال له ادخل النار مع الداخلين, إلا أن يتوب من الشرك, ففي الحديث: "يقال للرجل من أهل النار لو أن لك ما في الأرض هل تفتدي به من النار فيقول نعم, فيقال له قد أمرت بما هو أيسر من ذلك, ألا تشرك بالله شيئاً) رواه البخاري.

وأضاف: من سلمت له صلواته الخمس سلِم له يومه, ومن سلِمت له جمعته سلِم له أسبوعه, ومن سلِم له رمضان سلم له عامه, ومن أدى زكاة ماله حفظ الله له ماله, وبارك له فيه, ومن سلِم له حجه فقد سلِم له عمره, ومن حفظ التوحيد ضمن الله له الجنة.

وأردف: المكلّف إن ضيّع وترك حقوق الخلق الواجبة فقد حرم نفسه من الثواب في الدنيا والآخرة, وإن قصّر في بعضها فقد حرم من الخير بقدر ما نقص من القيام بحقوق الخلق, فالحياة تمضي بما يلقى الإنسان من شدة ورخاء وحرمان وعطاء, ولا تتوقف الحياة على نيل الإنسان حقوقه الواجبة له, فعند الله تجتمع الخصوم, فيعطي الله المظلوم حقّه ممن ظلمه وضيّع حقه, فعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم.

وقال "الحذيفي": أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله حقوق الوالدين, ولعظم حقهما قرن الله حقه بحقهما, فقال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".

وأضاف: عظّم الله حق الوالدين لأنه أوجدك وخلقك بهما, فالأم وجدت في مراحل الحمل أعظم المشقّات وأشرفت في الوضع على الهلاك, قال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا , حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا"، وفي الحديث روى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رغم أنفه, ثم رغم أنفه, ثم رغم أنفه, قيل من يا رسول الله, قال: من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة" رواه مسلم.

وأردف: برّ الوالدين بطاعتهما في غير معصية, وإنفاذ أمرهما ووصيتهما والرفق بهما, وإدخال السرور عليهما, والتوسعة عليهما في النفقة وبذل المال لهما, والشفقة والرحمة لهما, والحزن لحزنهما, وجلب الأنس لهما, وبرّ صديقهما, وصلة ودّهما, وصلة رحمهما, وكفّ جميع أنواع الأذى عنهما, والكفّ عما نهيا عنه في حياتهما, وكثرة الاستغفار لهما في الحياة وبعد الموت, والعقوق ضد ذلك كله, فكثرة العقوق من أشراط الساعة, وفي الحديث: (إن من أشراط الساعة أن يكون المطر قيضاً والولد غيظاً وأن يفيض الأشرار فيضاً, وأن يغيض الأخيار غيضاً).

وتابع: من أعظم العقوق للوالدين تحويلهما أو تحويل أحدهما إلى دار المسنين وإخراجهما من رعاية الولد والعياذ بالله، وهذه ليست من أخلاق الإسلام ولا من كرم الأخلاق, ومن أعظم العقوق التكبّر على الوالدين والاعتداء عليهما بالضرب أو الإهانة والشتم والحرمان, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق) رواه الطبراني .

وقال "الحذيفي": حقوق الوالدين مع ما في القيام بها من عظم الأجور والبركة فهي من مكارم الأخلاق, وأكرم الخصال التي يقوم بها من طابت سريرته, وكرم أصله, وزكت أخلاقه, وجزاء الإحسان الإحسان, والمعروف حقّه الرعاية والوفاء, والجميل يقابل بالجميل, لا ينكر المعروف والجميل إلا منحطّ الأخلاق, ساقط المروءة, خبيث السريرة, بدليل قوله تعالى: "وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".