"الحج على ظهور الإبل من جازان".. قصة ماض مرعب أمّنه توحيد البلاد

السلاح كان رفيقاً للدفاع عن النفس ضد حيوان مفترس أو قاطع طريق أو "تيه"

التأهب كان يسود "صفر" فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل.
رحلة الحج كان يقودها خبير نحو طريق آمن لا يعرضهم للفقد والضياع.
"المبشر".. يستقبل الحجاج على مسافات بعيدة ويعود ببشرى وسجادة ومنديل.
لا مفر من تناوب الحراسة والركوب في ليالي سفر قوامها 3 أشهر.
"تحبيل القعادة".. أبرز الأهازيج وأغربها.. والنساء تتلقف الأناشيد.
 
محمد المواسي- سبق- جازان: يحمل الكثير من أهالي جازان ذكريات مرعبة ومواقف عديدة سعيدة لرحلة الحج قبل توحيد المملكة العربية السعودية، بدأت بالتلبيات الحزينة وإعداد المأكولات وتجمع الأقارب في الوداع وفي الاستقبال، والأهازيج التي يرددها الرجال والنساء، بلهجة أهل جازان، حتى تنطلق رحلة وداع الحجاج على ظهور الإبل والحمير في لحظة يقف فيها أهالي القرية، الصغير منهم والكبير، ملتفين حولهم.
 
وذكريات الحجاج ومودعيهم ما زالت حاضرة تتذكر حوادث ومخاطر الطرق قديماً، راح ضحيتها الكثير على يد قطاع طرق وحيوانات مفترسة وتيه في الصحارى قبل أكثر من قرن.
 
المؤونة والسلاح
طقوس الوداع تختلف من محافظة لأخرى، وفي جازان كانت قديماً تبدأ من شهر رمضان المبارك، بتجهيز الحاج لمؤونته وسلاحه من أجل الدفاع عن نفسه في الطريق، لما كان يشهده الطريق إلى الحج من مخاطر قطاع الطرق وسواها قبل أن تتوحد المملكة العربية السعودية، ومن ثم تبدأ أهازيج الوداع المختلفة، والطقوس، حتى يضع الأهالي أيديهم على قلوبهم في توقيت عودة الحجاج في شهر صفر على الأقل، متفقدين وجوه العائدين، وكل يبحث عن قريبه، فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل نساء في موت فقيد.
 
طقوس الوداع وأهازيجه
 وعندما يعتزم أحد الحج إلى بيت الله الحرام يبدأ أقاربه وجيرانه وأصدقاؤه في التجمع في منزله قبل موعد السفر بعدة أسابيع، وكذا قبل أسبوع من السفر لينشدوا أهازيج شعبية جميلة من الشعر الشعبي والتراث الجازاني ويودعون قريبهم الحاج متمنين له العودة سالماً، ومنها للشاعر أحمد عمر مفتاح:
 
 ودّعَن بك يا ضلع جنبي اليمين
 يا بوعمر يا مكتمل يا رزين
 ودعت بك ودمع عيني يجول
 هلت دموعي مثل هل المطر
 راجعت عقلي يوم عقلي افتكر
 وقلت يهنا من جواره الرسول
 يوم الخميس الصبح جد الفراق
 لا تنظر إلا الدمع وإلا الضياق
 ندعي لهم بالعافية والقبول
 
وداع النساء مختلف
وحين مغادرة الحاج يرافقهم مجموعة من الأهالي لمسافة قريبة كتوديع لهم، والاطمئنان على تمام سيرهم، ثم يعودون، وللنساء طقوسهن في الحج؛ حيث تجتمع قريبات الحاج في منزله لتوديعه، ويرددن الأهازيج التي تتنوع من قرية لأخرى أو محافظة؛ وكان من أهازيج النساء التي يرددنها في صبيا:
 
ودعن بك مصطفاية
 حالية كالسكراية
 قط ما سوَّن حكاية
 خاطرك يا احمد حسن
 شانو دع بالعزيز
 ذهب صاخي من باريز
 من خيول عبدالعزيز
 خاطرك يا احمد حسن
 
الطريق إلى الحج
كان الطريق إلى الحج من منطقة جازان، صعباً وتحيط بسالكه المخاطر، قبيل توحيد البلاد من قبل الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وكان يقود رحلة الحجاج أحد الخبراء من أهالي القرية نحو طريق آمن لا يعرضهم للتيه، والتأخر عن موسم الحج.
 
ويتناوب الحجاج في ليالي السفر، الحراسة والركوب والنوم، بتنسيق بينهم، بعضهم ينام ويبقى آخرون للحراسة، حتى يستيقظ آخرون، وهكذا تستمر رحلة الحج، ما بين مشاق السفر لثلاثة أشهر أو أقل، حتى يصلوا ويؤدوا حجهم، ويعودوا.
 
قوافل العودة
وتدفع الأيام بعضها، وتقترب القوافل من الوصول إلى ديارها عائدين بعد طاعة أدوها، حتى يستنفر أهالي الحجاج جهودهم، لترتيب استقبال يليق بهم؛ حيث يستقبل الحجاج برفع الرايات فوق أسقف المنازل، بمختلف ألونها، هذه العادة التي ما زالت حتى وقت قريب يمارسها بعض أهالي القرى في منطقة جازان، وإعداد المنزل لاستقبالهم بكامل احتياجاته، لكثرة الزوار على الحاج بعد في منزله من أقاربه والسكان في محيطهم.
 
"المبشر" والحجاج
وللعودة طقوس في استقبال الحاج، غير التجهيزات التي يقوم بها ذوو الحجاج، فكان يكلف بعض الأهلي شخصاً يسمى المبشر، تكون وظيفته الذهاب لاستقبال الحجاج، لمسافة بعيدة، حيث كان المبشرون في بعض قرى مخلاف صبيا، يتوجهون نحو نقطة الالتقاء بالحجاج التي يعهدها المبشرون في الشقيق بمحافظة الدرب حالياً، ويستقبلون الحجاج ويطمئنون عليهم، ثم يسبقونهم للقرى من أجل تبشير ذويهم بعودتهم، بعضهم يعطيه سجادة والبعض منديلاً والبعض نظارة، والبعض ساعة ومسابح وأي شيء يخص الحاج، وعندما يصل حامل البشارة يخبر الجميع بالوصول وكل بيت تحضر منه النساء ومعهن الأعلام والرشوش، ويبقى أهالي المتأخرين على جمر الحيرة يترقبون نبأ العودة.
 
"تحبيل القعادة"
وكانت النساء يمارسن النشيد الذي يسمى نشيد التعجل، وعادة تسمى "تحبيل القعادة" في يوم مخصص لها، حيث تخصص القعادة "كرسياً يجلس عليه الحاج عند وصوله لمسكنه"، ويرددن أهزوجة خاصة بحسب ما تواتر عنهن، تقول الأهزوجة:
 
يوم تحبيل القعادة
 كانت أيام السعادة
 والجميع في سرور
 
وفي يوم الوصول إلى المنزل تحضر المنشدات وينشدن في البيت ليومين أو ثلاثة من العصر وحتى المساء احتفاء بعودة الحاج، كما جرت العادة في القرن قبل الماضي، وفي بعض المحافظات ليوم واحد فقط.
 
لا قتال
وكان للحجاج العائدين أهزوجة قد يجتمع كافة حجاج منطقة جازان في ترديدها:
 روحنا من أمسعدية
 لا بندق ولا جنبية
 
وتغيب تفسيرات هذه الأهزوجة عن الكثير هذا العصر، في الوقت الذي تشير فيه الأهزوجة إلى عدم القتال في الحج وأنه موسم للسلام، كما يفسره كبار السن.
 
الحج حاضراً
والآن.. ما إن يخرج الحجاج من منطقة جازان، وغيرها من مناطق ودول مجاورة، حتى توفر له المملكة العربية السعودية كافة وسائل السلامة، ونقل وسكن ومأكل ومشرب؛ وذلك لما وفرته وزارة الحج وما تقدمه وزارة الداخلية، بقيادة رأس الهرم رئيس لجنة الحج العليا، وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز من أمن وأمان، وإسهام في خدمة الحجيج لبيت الله، فأصبح لا مقارنة بين الحج في الماضي والحج الحالي لما شهده الحج من تيسير وتسهيل، وتطوير ضخم لخدمة ضيوف الرحمن. 

اعلان
"الحج على ظهور الإبل من جازان".. قصة ماض مرعب أمّنه توحيد البلاد
سبق
التأهب كان يسود "صفر" فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل.
رحلة الحج كان يقودها خبير نحو طريق آمن لا يعرضهم للفقد والضياع.
"المبشر".. يستقبل الحجاج على مسافات بعيدة ويعود ببشرى وسجادة ومنديل.
لا مفر من تناوب الحراسة والركوب في ليالي سفر قوامها 3 أشهر.
"تحبيل القعادة".. أبرز الأهازيج وأغربها.. والنساء تتلقف الأناشيد.
 
محمد المواسي- سبق- جازان: يحمل الكثير من أهالي جازان ذكريات مرعبة ومواقف عديدة سعيدة لرحلة الحج قبل توحيد المملكة العربية السعودية، بدأت بالتلبيات الحزينة وإعداد المأكولات وتجمع الأقارب في الوداع وفي الاستقبال، والأهازيج التي يرددها الرجال والنساء، بلهجة أهل جازان، حتى تنطلق رحلة وداع الحجاج على ظهور الإبل والحمير في لحظة يقف فيها أهالي القرية، الصغير منهم والكبير، ملتفين حولهم.
 
وذكريات الحجاج ومودعيهم ما زالت حاضرة تتذكر حوادث ومخاطر الطرق قديماً، راح ضحيتها الكثير على يد قطاع طرق وحيوانات مفترسة وتيه في الصحارى قبل أكثر من قرن.
 
المؤونة والسلاح
طقوس الوداع تختلف من محافظة لأخرى، وفي جازان كانت قديماً تبدأ من شهر رمضان المبارك، بتجهيز الحاج لمؤونته وسلاحه من أجل الدفاع عن نفسه في الطريق، لما كان يشهده الطريق إلى الحج من مخاطر قطاع الطرق وسواها قبل أن تتوحد المملكة العربية السعودية، ومن ثم تبدأ أهازيج الوداع المختلفة، والطقوس، حتى يضع الأهالي أيديهم على قلوبهم في توقيت عودة الحجاج في شهر صفر على الأقل، متفقدين وجوه العائدين، وكل يبحث عن قريبه، فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل نساء في موت فقيد.
 
طقوس الوداع وأهازيجه
 وعندما يعتزم أحد الحج إلى بيت الله الحرام يبدأ أقاربه وجيرانه وأصدقاؤه في التجمع في منزله قبل موعد السفر بعدة أسابيع، وكذا قبل أسبوع من السفر لينشدوا أهازيج شعبية جميلة من الشعر الشعبي والتراث الجازاني ويودعون قريبهم الحاج متمنين له العودة سالماً، ومنها للشاعر أحمد عمر مفتاح:
 
 ودّعَن بك يا ضلع جنبي اليمين
 يا بوعمر يا مكتمل يا رزين
 ودعت بك ودمع عيني يجول
 هلت دموعي مثل هل المطر
 راجعت عقلي يوم عقلي افتكر
 وقلت يهنا من جواره الرسول
 يوم الخميس الصبح جد الفراق
 لا تنظر إلا الدمع وإلا الضياق
 ندعي لهم بالعافية والقبول
 
وداع النساء مختلف
وحين مغادرة الحاج يرافقهم مجموعة من الأهالي لمسافة قريبة كتوديع لهم، والاطمئنان على تمام سيرهم، ثم يعودون، وللنساء طقوسهن في الحج؛ حيث تجتمع قريبات الحاج في منزله لتوديعه، ويرددن الأهازيج التي تتنوع من قرية لأخرى أو محافظة؛ وكان من أهازيج النساء التي يرددنها في صبيا:
 
ودعن بك مصطفاية
 حالية كالسكراية
 قط ما سوَّن حكاية
 خاطرك يا احمد حسن
 شانو دع بالعزيز
 ذهب صاخي من باريز
 من خيول عبدالعزيز
 خاطرك يا احمد حسن
 
الطريق إلى الحج
كان الطريق إلى الحج من منطقة جازان، صعباً وتحيط بسالكه المخاطر، قبيل توحيد البلاد من قبل الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وكان يقود رحلة الحجاج أحد الخبراء من أهالي القرية نحو طريق آمن لا يعرضهم للتيه، والتأخر عن موسم الحج.
 
ويتناوب الحجاج في ليالي السفر، الحراسة والركوب والنوم، بتنسيق بينهم، بعضهم ينام ويبقى آخرون للحراسة، حتى يستيقظ آخرون، وهكذا تستمر رحلة الحج، ما بين مشاق السفر لثلاثة أشهر أو أقل، حتى يصلوا ويؤدوا حجهم، ويعودوا.
 
قوافل العودة
وتدفع الأيام بعضها، وتقترب القوافل من الوصول إلى ديارها عائدين بعد طاعة أدوها، حتى يستنفر أهالي الحجاج جهودهم، لترتيب استقبال يليق بهم؛ حيث يستقبل الحجاج برفع الرايات فوق أسقف المنازل، بمختلف ألونها، هذه العادة التي ما زالت حتى وقت قريب يمارسها بعض أهالي القرى في منطقة جازان، وإعداد المنزل لاستقبالهم بكامل احتياجاته، لكثرة الزوار على الحاج بعد في منزله من أقاربه والسكان في محيطهم.
 
"المبشر" والحجاج
وللعودة طقوس في استقبال الحاج، غير التجهيزات التي يقوم بها ذوو الحجاج، فكان يكلف بعض الأهلي شخصاً يسمى المبشر، تكون وظيفته الذهاب لاستقبال الحجاج، لمسافة بعيدة، حيث كان المبشرون في بعض قرى مخلاف صبيا، يتوجهون نحو نقطة الالتقاء بالحجاج التي يعهدها المبشرون في الشقيق بمحافظة الدرب حالياً، ويستقبلون الحجاج ويطمئنون عليهم، ثم يسبقونهم للقرى من أجل تبشير ذويهم بعودتهم، بعضهم يعطيه سجادة والبعض منديلاً والبعض نظارة، والبعض ساعة ومسابح وأي شيء يخص الحاج، وعندما يصل حامل البشارة يخبر الجميع بالوصول وكل بيت تحضر منه النساء ومعهن الأعلام والرشوش، ويبقى أهالي المتأخرين على جمر الحيرة يترقبون نبأ العودة.
 
"تحبيل القعادة"
وكانت النساء يمارسن النشيد الذي يسمى نشيد التعجل، وعادة تسمى "تحبيل القعادة" في يوم مخصص لها، حيث تخصص القعادة "كرسياً يجلس عليه الحاج عند وصوله لمسكنه"، ويرددن أهزوجة خاصة بحسب ما تواتر عنهن، تقول الأهزوجة:
 
يوم تحبيل القعادة
 كانت أيام السعادة
 والجميع في سرور
 
وفي يوم الوصول إلى المنزل تحضر المنشدات وينشدن في البيت ليومين أو ثلاثة من العصر وحتى المساء احتفاء بعودة الحاج، كما جرت العادة في القرن قبل الماضي، وفي بعض المحافظات ليوم واحد فقط.
 
لا قتال
وكان للحجاج العائدين أهزوجة قد يجتمع كافة حجاج منطقة جازان في ترديدها:
 روحنا من أمسعدية
 لا بندق ولا جنبية
 
وتغيب تفسيرات هذه الأهزوجة عن الكثير هذا العصر، في الوقت الذي تشير فيه الأهزوجة إلى عدم القتال في الحج وأنه موسم للسلام، كما يفسره كبار السن.
 
الحج حاضراً
والآن.. ما إن يخرج الحجاج من منطقة جازان، وغيرها من مناطق ودول مجاورة، حتى توفر له المملكة العربية السعودية كافة وسائل السلامة، ونقل وسكن ومأكل ومشرب؛ وذلك لما وفرته وزارة الحج وما تقدمه وزارة الداخلية، بقيادة رأس الهرم رئيس لجنة الحج العليا، وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز من أمن وأمان، وإسهام في خدمة الحجيج لبيت الله، فأصبح لا مقارنة بين الحج في الماضي والحج الحالي لما شهده الحج من تيسير وتسهيل، وتطوير ضخم لخدمة ضيوف الرحمن. 
28 سبتمبر 2014 - 4 ذو الحجة 1435
02:25 PM

السلاح كان رفيقاً للدفاع عن النفس ضد حيوان مفترس أو قاطع طريق أو "تيه"

"الحج على ظهور الإبل من جازان".. قصة ماض مرعب أمّنه توحيد البلاد

A A A
0
14,114

التأهب كان يسود "صفر" فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل.
رحلة الحج كان يقودها خبير نحو طريق آمن لا يعرضهم للفقد والضياع.
"المبشر".. يستقبل الحجاج على مسافات بعيدة ويعود ببشرى وسجادة ومنديل.
لا مفر من تناوب الحراسة والركوب في ليالي سفر قوامها 3 أشهر.
"تحبيل القعادة".. أبرز الأهازيج وأغربها.. والنساء تتلقف الأناشيد.
 
محمد المواسي- سبق- جازان: يحمل الكثير من أهالي جازان ذكريات مرعبة ومواقف عديدة سعيدة لرحلة الحج قبل توحيد المملكة العربية السعودية، بدأت بالتلبيات الحزينة وإعداد المأكولات وتجمع الأقارب في الوداع وفي الاستقبال، والأهازيج التي يرددها الرجال والنساء، بلهجة أهل جازان، حتى تنطلق رحلة وداع الحجاج على ظهور الإبل والحمير في لحظة يقف فيها أهالي القرية، الصغير منهم والكبير، ملتفين حولهم.
 
وذكريات الحجاج ومودعيهم ما زالت حاضرة تتذكر حوادث ومخاطر الطرق قديماً، راح ضحيتها الكثير على يد قطاع طرق وحيوانات مفترسة وتيه في الصحارى قبل أكثر من قرن.
 
المؤونة والسلاح
طقوس الوداع تختلف من محافظة لأخرى، وفي جازان كانت قديماً تبدأ من شهر رمضان المبارك، بتجهيز الحاج لمؤونته وسلاحه من أجل الدفاع عن نفسه في الطريق، لما كان يشهده الطريق إلى الحج من مخاطر قطاع الطرق وسواها قبل أن تتوحد المملكة العربية السعودية، ومن ثم تبدأ أهازيج الوداع المختلفة، والطقوس، حتى يضع الأهالي أيديهم على قلوبهم في توقيت عودة الحجاج في شهر صفر على الأقل، متفقدين وجوه العائدين، وكل يبحث عن قريبه، فإما فرح واستقبال بهيج وإما صراخ وعويل نساء في موت فقيد.
 
طقوس الوداع وأهازيجه
 وعندما يعتزم أحد الحج إلى بيت الله الحرام يبدأ أقاربه وجيرانه وأصدقاؤه في التجمع في منزله قبل موعد السفر بعدة أسابيع، وكذا قبل أسبوع من السفر لينشدوا أهازيج شعبية جميلة من الشعر الشعبي والتراث الجازاني ويودعون قريبهم الحاج متمنين له العودة سالماً، ومنها للشاعر أحمد عمر مفتاح:
 
 ودّعَن بك يا ضلع جنبي اليمين
 يا بوعمر يا مكتمل يا رزين
 ودعت بك ودمع عيني يجول
 هلت دموعي مثل هل المطر
 راجعت عقلي يوم عقلي افتكر
 وقلت يهنا من جواره الرسول
 يوم الخميس الصبح جد الفراق
 لا تنظر إلا الدمع وإلا الضياق
 ندعي لهم بالعافية والقبول
 
وداع النساء مختلف
وحين مغادرة الحاج يرافقهم مجموعة من الأهالي لمسافة قريبة كتوديع لهم، والاطمئنان على تمام سيرهم، ثم يعودون، وللنساء طقوسهن في الحج؛ حيث تجتمع قريبات الحاج في منزله لتوديعه، ويرددن الأهازيج التي تتنوع من قرية لأخرى أو محافظة؛ وكان من أهازيج النساء التي يرددنها في صبيا:
 
ودعن بك مصطفاية
 حالية كالسكراية
 قط ما سوَّن حكاية
 خاطرك يا احمد حسن
 شانو دع بالعزيز
 ذهب صاخي من باريز
 من خيول عبدالعزيز
 خاطرك يا احمد حسن
 
الطريق إلى الحج
كان الطريق إلى الحج من منطقة جازان، صعباً وتحيط بسالكه المخاطر، قبيل توحيد البلاد من قبل الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وكان يقود رحلة الحجاج أحد الخبراء من أهالي القرية نحو طريق آمن لا يعرضهم للتيه، والتأخر عن موسم الحج.
 
ويتناوب الحجاج في ليالي السفر، الحراسة والركوب والنوم، بتنسيق بينهم، بعضهم ينام ويبقى آخرون للحراسة، حتى يستيقظ آخرون، وهكذا تستمر رحلة الحج، ما بين مشاق السفر لثلاثة أشهر أو أقل، حتى يصلوا ويؤدوا حجهم، ويعودوا.
 
قوافل العودة
وتدفع الأيام بعضها، وتقترب القوافل من الوصول إلى ديارها عائدين بعد طاعة أدوها، حتى يستنفر أهالي الحجاج جهودهم، لترتيب استقبال يليق بهم؛ حيث يستقبل الحجاج برفع الرايات فوق أسقف المنازل، بمختلف ألونها، هذه العادة التي ما زالت حتى وقت قريب يمارسها بعض أهالي القرى في منطقة جازان، وإعداد المنزل لاستقبالهم بكامل احتياجاته، لكثرة الزوار على الحاج بعد في منزله من أقاربه والسكان في محيطهم.
 
"المبشر" والحجاج
وللعودة طقوس في استقبال الحاج، غير التجهيزات التي يقوم بها ذوو الحجاج، فكان يكلف بعض الأهلي شخصاً يسمى المبشر، تكون وظيفته الذهاب لاستقبال الحجاج، لمسافة بعيدة، حيث كان المبشرون في بعض قرى مخلاف صبيا، يتوجهون نحو نقطة الالتقاء بالحجاج التي يعهدها المبشرون في الشقيق بمحافظة الدرب حالياً، ويستقبلون الحجاج ويطمئنون عليهم، ثم يسبقونهم للقرى من أجل تبشير ذويهم بعودتهم، بعضهم يعطيه سجادة والبعض منديلاً والبعض نظارة، والبعض ساعة ومسابح وأي شيء يخص الحاج، وعندما يصل حامل البشارة يخبر الجميع بالوصول وكل بيت تحضر منه النساء ومعهن الأعلام والرشوش، ويبقى أهالي المتأخرين على جمر الحيرة يترقبون نبأ العودة.
 
"تحبيل القعادة"
وكانت النساء يمارسن النشيد الذي يسمى نشيد التعجل، وعادة تسمى "تحبيل القعادة" في يوم مخصص لها، حيث تخصص القعادة "كرسياً يجلس عليه الحاج عند وصوله لمسكنه"، ويرددن أهزوجة خاصة بحسب ما تواتر عنهن، تقول الأهزوجة:
 
يوم تحبيل القعادة
 كانت أيام السعادة
 والجميع في سرور
 
وفي يوم الوصول إلى المنزل تحضر المنشدات وينشدن في البيت ليومين أو ثلاثة من العصر وحتى المساء احتفاء بعودة الحاج، كما جرت العادة في القرن قبل الماضي، وفي بعض المحافظات ليوم واحد فقط.
 
لا قتال
وكان للحجاج العائدين أهزوجة قد يجتمع كافة حجاج منطقة جازان في ترديدها:
 روحنا من أمسعدية
 لا بندق ولا جنبية
 
وتغيب تفسيرات هذه الأهزوجة عن الكثير هذا العصر، في الوقت الذي تشير فيه الأهزوجة إلى عدم القتال في الحج وأنه موسم للسلام، كما يفسره كبار السن.
 
الحج حاضراً
والآن.. ما إن يخرج الحجاج من منطقة جازان، وغيرها من مناطق ودول مجاورة، حتى توفر له المملكة العربية السعودية كافة وسائل السلامة، ونقل وسكن ومأكل ومشرب؛ وذلك لما وفرته وزارة الحج وما تقدمه وزارة الداخلية، بقيادة رأس الهرم رئيس لجنة الحج العليا، وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز من أمن وأمان، وإسهام في خدمة الحجيج لبيت الله، فأصبح لا مقارنة بين الحج في الماضي والحج الحالي لما شهده الحج من تيسير وتسهيل، وتطوير ضخم لخدمة ضيوف الرحمن.