١٨ سنة بدون تهيئة!

عندما نتحدث عن الاحتشام، فإن الأمر لم يعد كما في السابق؛ ارتداء النقاب من عدمه، أو حتى كشف الوجه من عدمه؛ بل صار الأمر الآن ستر الجسد من عدمه!

نعم ومع الأسف هذا واقع كثير من الفتيات في يومنا هذا؛ سواء كُنّ داخل حدود الوطن أم خارجها.

لا شيء يحزنني أكثر من رؤية شابة في مقتبل العمر أو حتى في منتصفه وربما قد تجاوزت ذلك المنتصف وما زال الوقت مبكراً في نظرها حتى تتخذ قرار الحجاب، وانتهاج منهج فضيلة (الحياء) الذي عده رسولنا عليه الصلاة والسلام شعبة من الإيمان.

السؤال الذي يُطرح هنا: لماذا يأخذ ذلك الأمر حيزاً كبيراً من تفكير الفتاة أصلاً؟!

لِمَ لا يكون مرحلةً طبيعية تصل لها عندما تبلغ كأي واجب ديني آخر؟! وشريعةً تُعظم لأنها بكل بساطة ممن خلق السموات والأرض ومن هو أعلم بطبيعة خلقه.

أعتقد أن الجواب هنا يخضع لعوامل عدة؛ أهمها -بعد توفيق الله- هو طريقة التربية.

‏إن التدريب على الاحتشام يبدأ منذ بدء التدريب على الصلاة في عمر ٧ سنوات، والتهيئة والتدرج تكون قبل ذلك منذ بداية الإدراك عند الطفلة؛ وذلك يعني ٣ سنوات عند بعض الأطفال؛ ‏فإذا تعودت الفتاة على الحشمة منذ نعومة أظافرها؛ سيكون ارتداء الحجاب بالنسبة لها أمراً منطقياً من صميم الدين لا نقاش فيه ولا جدال، ومرحلة تعرف أنها ستصل لها يوماً ما.

‏كما أن "التدرج" في التربية على الحشمة، عامل أساسي لتأصيلها في النفس بعد توفيق الله، ‏تماماً كما هو الأمر مع التدريب على الصلاة والصوم.

ومن الخطأ أن يُفرض الحجاب فجأة، كما فعل أحد الآباء عندما ترك ابنته ١٨ سنة بدون تهيئة، ثم فرضه فجأة؛ فكان رد الفعل المتوقع الرفض والصدمة.

عزيزي الأب

ابنتك ليست "ضغطة زر"، ولن تتقبل التغيير بعد ما نشأت وتعودت على غير ذلك.

كان ذلك الموقف هو ما دفعني لكتابة تلك التغريدة التي لاقت تفاعلاً كبيراً؛ مما دفعني لكتابة هذا المقال.

كما هو خطأ أيضاً أن يكون هناك مبالغة وتشدد في غير محلها؛ حتى لا يكون للفتاة ردة فعل سلبية عكسية؛ فلكل عمر ما يناسبه في التعويد على الستر.

‏أما "التهيئة"؛ فهي أن تجعل الفتاة أكثر استعداداً وتقبلاً؛ وذلك بأن نحدّثها ونحاورها كل فترة عما سيقابلها في كل مرحلة من عمرها، وما هو المتوقع منها حينذاك، وأن نربط الحشمة بالراحة والسعادة وليس العكس؛ فبعض الأمهات تكرر عند طفلتها: "البسي ووسعي صدرك قبل تكبرين".. وهنا تُعزز -من حيث لا تعلم- فكرة أن الحجاب والاحتشام تعب وشقاء ونكد؛ بينما الأحرى أن تؤصل وتعزز فضيلة الحياء وطعم السعادة والراحة النفسية بطاعة المولى بتلك العبادة؛ وذلك الالتزام الذي يقتضي الحشمة في الملبس والاحترام في التصرفات والإيماءات والحركات؛ لا سيما أمام الرجال.

فالحشمة ليست قِطَع قماش تُلف على الجسد فحسب؛ بل سلوكاً متكاملاً يزين الفتاة ويضفي عليها رقياً وجمالاً آخر.

وكم بات سلوكاً مفتقداً هذه الأيام مع انتشار القدوات السيئة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتنافس الفتيات من عمر مبكر جداً لتقليدهن بالغنج والعري والتبرج وسط غياب رقابة الأهل أو ضعف تأثيرهم أو استسلامهم.. فنجد التساهل في ارتداء الضيق والقصير دون مراعاة لخلق أو دين؛ كان بداية عند الصديقات، ثم أصبح أمام المحارم، ثم غير المحارم؛ حتى صار مستساغاً في السفر أمام الأجانب!

ذلك هو التدرج؛ ولكنه مع الأسف تدرج سلبي نحو لذة النفس، ولا يسمو بها لرضى خالقها.

في الطفولة المبكرة الغرس أسهل، وتشرّب المبادئ أسهل؛ بشرط أن يكون بحب وتفاهم وليس بالقسوة والشدة الزائدة؛ ‏بل بالأسلوب الطيب والترغيب والحزم والقدوة، ‏فالشدة الزائدة والنصح الرتيب لا يؤتي ثماره؛ بل على العكس قد تكون نتائجة عكسية!!

‏لذلك المهم التركيز على: ‏"كيف تنصح" وليس "كم تنصح"..

أما إذا وصلت الفتاة لعمر البلوغ والنضج دون تعويد؛ فسيكون الوقت متأخراً جداً! وهذا خطأ كبير يقع فيه بعض الأهالي، ويصعب عندهم إقناع الفتاة وإرغامها؛ لأنها منحت تلك الحرية لفترة طويلة ‏بحجة أنها صغيرة وأنها غير ملفتة ‏و"ما أحد بيطالعها"؛ ‏فتكبر وهي في نظر أهلها صغيرة؛ ‏حتى يستيقظوا من غفلتهم ويأمروها بالحشمة؛ فإذا الأوان قد فات ‏والحياء قد تلاشى! ‏وأصبح السفور عادة طبيعية عندها تشعر بالظلم عند منعها منه!

وهنا يبدأ الاعتراض والتذمر والتمرد!!

وهنا أنوّه بأن‏ الفتاة تتأثر بمظهر والدتها؛ فقط لو كانت معجبة بها.. ‏وإذا كانت علاقتهما إيجابية؛ حينئذ ستقلدها.

‏أما لو كان العكس؛ ‏فتاة غير معجبة بأمها وعلاقتهما متوترة؛ فلن تتأثر بها مهما بلغ مستوى تديّن الأم ومهما نصحتها.

‏لذلك نجد كثيراً من الأمهات المحتشمات لديهن فتيات يخالفنهن في المظهر؛ لذلك عزيزتي الأم، من المهم جداً أن تكون علاقتك إيجابية مع ابنتك حتى تكسبيها؛ ‏وذلك باحتواء مشاعرها، و‏الخروج معها، و‏مشاركة اهتماماتها، و‏تقبّل اختلافها عن جيلك، و‏الضحك معها، و‏احترامها، و‏الحوار معها، و‏عدم انتقادها، ‏وأن ترى فيك شخصية أم ناجحة تُعجب بها وتراها قدوة لها؛ ‏فأنت بذلك تقرّبين المسافات بينكما؛ وبالتالي يجد نصحك طريقاً لها.

ختاماً.. تذكروا هذه النقاط:

‏•التدرج:

(في طول الملابس ونوعيتها حسب العمر، ثم العباءة والحجاب).

‏• الترغيب:

(تشجيعها ومدح شكلها وحيائها والفخر بها، وتأصيل فكرة أن الحياء شعبة من الإيمان والحجاب والستر شريعة من الله وطريق لرضاه).

‏• الحزم:

(الحزم يعني خطاً أحمر في توقيت الحجاب، وعدم السماح لبعض الملابس غير اللائقة مطلقاً مهما كانت الفتاة صغيرة، وعدم التساهل في ارتدء الضيق والقصير أمام السائقين وحتى المحارم).

•التهيئة:

(البدء بالتعويد والتهيئة النفسية منذ بداية الإدراك لدى الطفلة، وكلما تأخر العمر صار الموضوع أصعب).

• القدوة الحسنة:

(قدوة أنت بحشمتك وإظهارك الرضى والقناعة التامة، والتعبد لله بذلك دون تسخط أو تأفف أو تقصير).

• العلاقة الإيجابية:

(حتى يكون تأثير الأم والأب أقوى من تأثير الصديقات والإعلام).

وأخيراً

• الدعاء دائماً بأن يرزقها الله الستر والحياء، وأن يزينه في عينها وقلبها.

والله الهادي إلى سواء السبيل

اعلان
١٨ سنة بدون تهيئة!
سبق

عندما نتحدث عن الاحتشام، فإن الأمر لم يعد كما في السابق؛ ارتداء النقاب من عدمه، أو حتى كشف الوجه من عدمه؛ بل صار الأمر الآن ستر الجسد من عدمه!

نعم ومع الأسف هذا واقع كثير من الفتيات في يومنا هذا؛ سواء كُنّ داخل حدود الوطن أم خارجها.

لا شيء يحزنني أكثر من رؤية شابة في مقتبل العمر أو حتى في منتصفه وربما قد تجاوزت ذلك المنتصف وما زال الوقت مبكراً في نظرها حتى تتخذ قرار الحجاب، وانتهاج منهج فضيلة (الحياء) الذي عده رسولنا عليه الصلاة والسلام شعبة من الإيمان.

السؤال الذي يُطرح هنا: لماذا يأخذ ذلك الأمر حيزاً كبيراً من تفكير الفتاة أصلاً؟!

لِمَ لا يكون مرحلةً طبيعية تصل لها عندما تبلغ كأي واجب ديني آخر؟! وشريعةً تُعظم لأنها بكل بساطة ممن خلق السموات والأرض ومن هو أعلم بطبيعة خلقه.

أعتقد أن الجواب هنا يخضع لعوامل عدة؛ أهمها -بعد توفيق الله- هو طريقة التربية.

‏إن التدريب على الاحتشام يبدأ منذ بدء التدريب على الصلاة في عمر ٧ سنوات، والتهيئة والتدرج تكون قبل ذلك منذ بداية الإدراك عند الطفلة؛ وذلك يعني ٣ سنوات عند بعض الأطفال؛ ‏فإذا تعودت الفتاة على الحشمة منذ نعومة أظافرها؛ سيكون ارتداء الحجاب بالنسبة لها أمراً منطقياً من صميم الدين لا نقاش فيه ولا جدال، ومرحلة تعرف أنها ستصل لها يوماً ما.

‏كما أن "التدرج" في التربية على الحشمة، عامل أساسي لتأصيلها في النفس بعد توفيق الله، ‏تماماً كما هو الأمر مع التدريب على الصلاة والصوم.

ومن الخطأ أن يُفرض الحجاب فجأة، كما فعل أحد الآباء عندما ترك ابنته ١٨ سنة بدون تهيئة، ثم فرضه فجأة؛ فكان رد الفعل المتوقع الرفض والصدمة.

عزيزي الأب

ابنتك ليست "ضغطة زر"، ولن تتقبل التغيير بعد ما نشأت وتعودت على غير ذلك.

كان ذلك الموقف هو ما دفعني لكتابة تلك التغريدة التي لاقت تفاعلاً كبيراً؛ مما دفعني لكتابة هذا المقال.

كما هو خطأ أيضاً أن يكون هناك مبالغة وتشدد في غير محلها؛ حتى لا يكون للفتاة ردة فعل سلبية عكسية؛ فلكل عمر ما يناسبه في التعويد على الستر.

‏أما "التهيئة"؛ فهي أن تجعل الفتاة أكثر استعداداً وتقبلاً؛ وذلك بأن نحدّثها ونحاورها كل فترة عما سيقابلها في كل مرحلة من عمرها، وما هو المتوقع منها حينذاك، وأن نربط الحشمة بالراحة والسعادة وليس العكس؛ فبعض الأمهات تكرر عند طفلتها: "البسي ووسعي صدرك قبل تكبرين".. وهنا تُعزز -من حيث لا تعلم- فكرة أن الحجاب والاحتشام تعب وشقاء ونكد؛ بينما الأحرى أن تؤصل وتعزز فضيلة الحياء وطعم السعادة والراحة النفسية بطاعة المولى بتلك العبادة؛ وذلك الالتزام الذي يقتضي الحشمة في الملبس والاحترام في التصرفات والإيماءات والحركات؛ لا سيما أمام الرجال.

فالحشمة ليست قِطَع قماش تُلف على الجسد فحسب؛ بل سلوكاً متكاملاً يزين الفتاة ويضفي عليها رقياً وجمالاً آخر.

وكم بات سلوكاً مفتقداً هذه الأيام مع انتشار القدوات السيئة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتنافس الفتيات من عمر مبكر جداً لتقليدهن بالغنج والعري والتبرج وسط غياب رقابة الأهل أو ضعف تأثيرهم أو استسلامهم.. فنجد التساهل في ارتداء الضيق والقصير دون مراعاة لخلق أو دين؛ كان بداية عند الصديقات، ثم أصبح أمام المحارم، ثم غير المحارم؛ حتى صار مستساغاً في السفر أمام الأجانب!

ذلك هو التدرج؛ ولكنه مع الأسف تدرج سلبي نحو لذة النفس، ولا يسمو بها لرضى خالقها.

في الطفولة المبكرة الغرس أسهل، وتشرّب المبادئ أسهل؛ بشرط أن يكون بحب وتفاهم وليس بالقسوة والشدة الزائدة؛ ‏بل بالأسلوب الطيب والترغيب والحزم والقدوة، ‏فالشدة الزائدة والنصح الرتيب لا يؤتي ثماره؛ بل على العكس قد تكون نتائجة عكسية!!

‏لذلك المهم التركيز على: ‏"كيف تنصح" وليس "كم تنصح"..

أما إذا وصلت الفتاة لعمر البلوغ والنضج دون تعويد؛ فسيكون الوقت متأخراً جداً! وهذا خطأ كبير يقع فيه بعض الأهالي، ويصعب عندهم إقناع الفتاة وإرغامها؛ لأنها منحت تلك الحرية لفترة طويلة ‏بحجة أنها صغيرة وأنها غير ملفتة ‏و"ما أحد بيطالعها"؛ ‏فتكبر وهي في نظر أهلها صغيرة؛ ‏حتى يستيقظوا من غفلتهم ويأمروها بالحشمة؛ فإذا الأوان قد فات ‏والحياء قد تلاشى! ‏وأصبح السفور عادة طبيعية عندها تشعر بالظلم عند منعها منه!

وهنا يبدأ الاعتراض والتذمر والتمرد!!

وهنا أنوّه بأن‏ الفتاة تتأثر بمظهر والدتها؛ فقط لو كانت معجبة بها.. ‏وإذا كانت علاقتهما إيجابية؛ حينئذ ستقلدها.

‏أما لو كان العكس؛ ‏فتاة غير معجبة بأمها وعلاقتهما متوترة؛ فلن تتأثر بها مهما بلغ مستوى تديّن الأم ومهما نصحتها.

‏لذلك نجد كثيراً من الأمهات المحتشمات لديهن فتيات يخالفنهن في المظهر؛ لذلك عزيزتي الأم، من المهم جداً أن تكون علاقتك إيجابية مع ابنتك حتى تكسبيها؛ ‏وذلك باحتواء مشاعرها، و‏الخروج معها، و‏مشاركة اهتماماتها، و‏تقبّل اختلافها عن جيلك، و‏الضحك معها، و‏احترامها، و‏الحوار معها، و‏عدم انتقادها، ‏وأن ترى فيك شخصية أم ناجحة تُعجب بها وتراها قدوة لها؛ ‏فأنت بذلك تقرّبين المسافات بينكما؛ وبالتالي يجد نصحك طريقاً لها.

ختاماً.. تذكروا هذه النقاط:

‏•التدرج:

(في طول الملابس ونوعيتها حسب العمر، ثم العباءة والحجاب).

‏• الترغيب:

(تشجيعها ومدح شكلها وحيائها والفخر بها، وتأصيل فكرة أن الحياء شعبة من الإيمان والحجاب والستر شريعة من الله وطريق لرضاه).

‏• الحزم:

(الحزم يعني خطاً أحمر في توقيت الحجاب، وعدم السماح لبعض الملابس غير اللائقة مطلقاً مهما كانت الفتاة صغيرة، وعدم التساهل في ارتدء الضيق والقصير أمام السائقين وحتى المحارم).

•التهيئة:

(البدء بالتعويد والتهيئة النفسية منذ بداية الإدراك لدى الطفلة، وكلما تأخر العمر صار الموضوع أصعب).

• القدوة الحسنة:

(قدوة أنت بحشمتك وإظهارك الرضى والقناعة التامة، والتعبد لله بذلك دون تسخط أو تأفف أو تقصير).

• العلاقة الإيجابية:

(حتى يكون تأثير الأم والأب أقوى من تأثير الصديقات والإعلام).

وأخيراً

• الدعاء دائماً بأن يرزقها الله الستر والحياء، وأن يزينه في عينها وقلبها.

والله الهادي إلى سواء السبيل

08 أغسطس 2018 - 26 ذو القعدة 1439
02:08 PM

١٨ سنة بدون تهيئة!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
3
1,671

عندما نتحدث عن الاحتشام، فإن الأمر لم يعد كما في السابق؛ ارتداء النقاب من عدمه، أو حتى كشف الوجه من عدمه؛ بل صار الأمر الآن ستر الجسد من عدمه!

نعم ومع الأسف هذا واقع كثير من الفتيات في يومنا هذا؛ سواء كُنّ داخل حدود الوطن أم خارجها.

لا شيء يحزنني أكثر من رؤية شابة في مقتبل العمر أو حتى في منتصفه وربما قد تجاوزت ذلك المنتصف وما زال الوقت مبكراً في نظرها حتى تتخذ قرار الحجاب، وانتهاج منهج فضيلة (الحياء) الذي عده رسولنا عليه الصلاة والسلام شعبة من الإيمان.

السؤال الذي يُطرح هنا: لماذا يأخذ ذلك الأمر حيزاً كبيراً من تفكير الفتاة أصلاً؟!

لِمَ لا يكون مرحلةً طبيعية تصل لها عندما تبلغ كأي واجب ديني آخر؟! وشريعةً تُعظم لأنها بكل بساطة ممن خلق السموات والأرض ومن هو أعلم بطبيعة خلقه.

أعتقد أن الجواب هنا يخضع لعوامل عدة؛ أهمها -بعد توفيق الله- هو طريقة التربية.

‏إن التدريب على الاحتشام يبدأ منذ بدء التدريب على الصلاة في عمر ٧ سنوات، والتهيئة والتدرج تكون قبل ذلك منذ بداية الإدراك عند الطفلة؛ وذلك يعني ٣ سنوات عند بعض الأطفال؛ ‏فإذا تعودت الفتاة على الحشمة منذ نعومة أظافرها؛ سيكون ارتداء الحجاب بالنسبة لها أمراً منطقياً من صميم الدين لا نقاش فيه ولا جدال، ومرحلة تعرف أنها ستصل لها يوماً ما.

‏كما أن "التدرج" في التربية على الحشمة، عامل أساسي لتأصيلها في النفس بعد توفيق الله، ‏تماماً كما هو الأمر مع التدريب على الصلاة والصوم.

ومن الخطأ أن يُفرض الحجاب فجأة، كما فعل أحد الآباء عندما ترك ابنته ١٨ سنة بدون تهيئة، ثم فرضه فجأة؛ فكان رد الفعل المتوقع الرفض والصدمة.

عزيزي الأب

ابنتك ليست "ضغطة زر"، ولن تتقبل التغيير بعد ما نشأت وتعودت على غير ذلك.

كان ذلك الموقف هو ما دفعني لكتابة تلك التغريدة التي لاقت تفاعلاً كبيراً؛ مما دفعني لكتابة هذا المقال.

كما هو خطأ أيضاً أن يكون هناك مبالغة وتشدد في غير محلها؛ حتى لا يكون للفتاة ردة فعل سلبية عكسية؛ فلكل عمر ما يناسبه في التعويد على الستر.

‏أما "التهيئة"؛ فهي أن تجعل الفتاة أكثر استعداداً وتقبلاً؛ وذلك بأن نحدّثها ونحاورها كل فترة عما سيقابلها في كل مرحلة من عمرها، وما هو المتوقع منها حينذاك، وأن نربط الحشمة بالراحة والسعادة وليس العكس؛ فبعض الأمهات تكرر عند طفلتها: "البسي ووسعي صدرك قبل تكبرين".. وهنا تُعزز -من حيث لا تعلم- فكرة أن الحجاب والاحتشام تعب وشقاء ونكد؛ بينما الأحرى أن تؤصل وتعزز فضيلة الحياء وطعم السعادة والراحة النفسية بطاعة المولى بتلك العبادة؛ وذلك الالتزام الذي يقتضي الحشمة في الملبس والاحترام في التصرفات والإيماءات والحركات؛ لا سيما أمام الرجال.

فالحشمة ليست قِطَع قماش تُلف على الجسد فحسب؛ بل سلوكاً متكاملاً يزين الفتاة ويضفي عليها رقياً وجمالاً آخر.

وكم بات سلوكاً مفتقداً هذه الأيام مع انتشار القدوات السيئة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتنافس الفتيات من عمر مبكر جداً لتقليدهن بالغنج والعري والتبرج وسط غياب رقابة الأهل أو ضعف تأثيرهم أو استسلامهم.. فنجد التساهل في ارتداء الضيق والقصير دون مراعاة لخلق أو دين؛ كان بداية عند الصديقات، ثم أصبح أمام المحارم، ثم غير المحارم؛ حتى صار مستساغاً في السفر أمام الأجانب!

ذلك هو التدرج؛ ولكنه مع الأسف تدرج سلبي نحو لذة النفس، ولا يسمو بها لرضى خالقها.

في الطفولة المبكرة الغرس أسهل، وتشرّب المبادئ أسهل؛ بشرط أن يكون بحب وتفاهم وليس بالقسوة والشدة الزائدة؛ ‏بل بالأسلوب الطيب والترغيب والحزم والقدوة، ‏فالشدة الزائدة والنصح الرتيب لا يؤتي ثماره؛ بل على العكس قد تكون نتائجة عكسية!!

‏لذلك المهم التركيز على: ‏"كيف تنصح" وليس "كم تنصح"..

أما إذا وصلت الفتاة لعمر البلوغ والنضج دون تعويد؛ فسيكون الوقت متأخراً جداً! وهذا خطأ كبير يقع فيه بعض الأهالي، ويصعب عندهم إقناع الفتاة وإرغامها؛ لأنها منحت تلك الحرية لفترة طويلة ‏بحجة أنها صغيرة وأنها غير ملفتة ‏و"ما أحد بيطالعها"؛ ‏فتكبر وهي في نظر أهلها صغيرة؛ ‏حتى يستيقظوا من غفلتهم ويأمروها بالحشمة؛ فإذا الأوان قد فات ‏والحياء قد تلاشى! ‏وأصبح السفور عادة طبيعية عندها تشعر بالظلم عند منعها منه!

وهنا يبدأ الاعتراض والتذمر والتمرد!!

وهنا أنوّه بأن‏ الفتاة تتأثر بمظهر والدتها؛ فقط لو كانت معجبة بها.. ‏وإذا كانت علاقتهما إيجابية؛ حينئذ ستقلدها.

‏أما لو كان العكس؛ ‏فتاة غير معجبة بأمها وعلاقتهما متوترة؛ فلن تتأثر بها مهما بلغ مستوى تديّن الأم ومهما نصحتها.

‏لذلك نجد كثيراً من الأمهات المحتشمات لديهن فتيات يخالفنهن في المظهر؛ لذلك عزيزتي الأم، من المهم جداً أن تكون علاقتك إيجابية مع ابنتك حتى تكسبيها؛ ‏وذلك باحتواء مشاعرها، و‏الخروج معها، و‏مشاركة اهتماماتها، و‏تقبّل اختلافها عن جيلك، و‏الضحك معها، و‏احترامها، و‏الحوار معها، و‏عدم انتقادها، ‏وأن ترى فيك شخصية أم ناجحة تُعجب بها وتراها قدوة لها؛ ‏فأنت بذلك تقرّبين المسافات بينكما؛ وبالتالي يجد نصحك طريقاً لها.

ختاماً.. تذكروا هذه النقاط:

‏•التدرج:

(في طول الملابس ونوعيتها حسب العمر، ثم العباءة والحجاب).

‏• الترغيب:

(تشجيعها ومدح شكلها وحيائها والفخر بها، وتأصيل فكرة أن الحياء شعبة من الإيمان والحجاب والستر شريعة من الله وطريق لرضاه).

‏• الحزم:

(الحزم يعني خطاً أحمر في توقيت الحجاب، وعدم السماح لبعض الملابس غير اللائقة مطلقاً مهما كانت الفتاة صغيرة، وعدم التساهل في ارتدء الضيق والقصير أمام السائقين وحتى المحارم).

•التهيئة:

(البدء بالتعويد والتهيئة النفسية منذ بداية الإدراك لدى الطفلة، وكلما تأخر العمر صار الموضوع أصعب).

• القدوة الحسنة:

(قدوة أنت بحشمتك وإظهارك الرضى والقناعة التامة، والتعبد لله بذلك دون تسخط أو تأفف أو تقصير).

• العلاقة الإيجابية:

(حتى يكون تأثير الأم والأب أقوى من تأثير الصديقات والإعلام).

وأخيراً

• الدعاء دائماً بأن يرزقها الله الستر والحياء، وأن يزينه في عينها وقلبها.

والله الهادي إلى سواء السبيل