خشم الريال أم سلطة القانون

من لندن تابع البعض الأحداث الدراماتيكية التي حصلت من بعض من يُسمون مشاهير السوشال ميديا وما تسببت به من ردود أفعال وصل صداها للسلطات البريطانية وسفارة خادم الحرمين الشريفين بالمملكة المتحدة، والذين أدخلوا عبر مطار لندن ما تعتبره السلطات البريطانية ممنوعاً وإن كان شيئاً عادياً من وجهة نظرهم ثم أكملوا الحكاية بتجاوز أنظمة الفنادق جهلاً أو عمداً.

هذا مختصر الحكاية التي تبدو للوهلة الأولة سطحية جداً كسطحية بعض ما تنشره حسابات أغلب المشاهير ولكن دعوني أسلط الضوء على هذه الحادثة من عدة زوايا مختلفة قد تكون غابت عنا وعنهم أثناء دخولهم لبريطانيا.

أولاً وقبل كل شيء وفي موضوع بعيد عن تداعيات الحادثة أعتقد أن من أبجديات السفر أن تتعرف على ثقافة البلد الذي تزوره وأن المتعة في أي بلد تأتيه أن تجرب شيئاً جديداً ومختلفاً عن الذي ألفته واعتدت عليه بما في ذلك الأكل، لذا أعتقد أنك لن تكون مضطراً لإدخال أكلك معك إلى لندن فضلاً عن أن تكون مضطراً لإدخال طير مهاجر للاستمتاع بأكله على ضفاف نهر التايمز، والذي يعتبر مخالفة في النظام البريطاني.

كنت أرجو أن يشفع لهم جهلهم بأن ما قاموا به مخالفة لكنهم فعلوه بعلم وعمد وإصرار فهذه إساءة متعدية. إساءة لبلدك الذي يُفترض أنك تمثله أفضل تمثيل وتنقل صورة مشرفة عنه أمام سلطات ومجتمع البلد المضيف وإساءة للبلد الذي قدمت إليه ويجب أن تحترم قوانينه حتى وإن كانت لا تعجبك. وليس أدل على أن ما قمت به شيء مزعج إلا اضطرار السفارة للتدخل لحمايتك مع أنها في غنى عن الانشغال بأخطاء المستهترين.

أنا أعيش في بريطانيا منذ خمس سنوات للدراسة وحسب علمي أن الطبخ في الفنادق ممنوع وفي بعض الفنادق يسمح به في أماكن مخصصة وليس في الغرف وبرسوم إضافية.

المضحك المبكي في الموضوع أن تقول: كل شيء نستطيع فعله (بخشم الريال)، ما هذا المنطق الأعوج الأهوج الذي ينم عن ارستقراطية متعالية واستخفاف وازدراء للقوانين والأنظمة. هل تريد أن تقول للمجتمع الغربي أن هذا ما يحصل في بلدي فأنا أستطيع أن أخالف الأنظمة والقوانين بالمال؟. أم تريد أن يفهم مجتمعنا أنك تستطيع أن تخالف في أي مكان في العالم بالمال؟.

لا أناقش شخصك أياً كنت فلك احترامك وتقديرك كإنسان, لكن أناقش هذا المبدأ الغريب الذي يشكل صورة ذهنية غير جيدة عن المواطن السعودي. فلقد ذكرني بموقف حصل معي عام 2015 في بدايات تواجدي في بريطانيا عندما خرجنا مع مدرسنا إلى أحد المقاهي في مانشستر كجزء من أنشطة لا صفية تنفذ للطلاب وبفطرتنا الأصيلة دفع بعضنا قيمة القهوة عن الجميع، فقال المدرس في معرض الحديث عن هذا (أنتم تفعلون هذا لأن عندكم مالاً) هكذا نظر للموضوع نظرة مادية بحتة، وأغفل كل الجوانب الأخلاقية للموضوع. أرجو أن لا يكون مبدأ (خشم الريال) هو ما كرس هذه النظرة السلبية عنا.

نقطة أخرى لا تقل أهمية: الذين بلغوا عنكم السلطات البريطانية ليس بالضرورة أن يكون دافعهم الحسد كما تدعي بل هم استثمروا نقطة موجودة في النظام البريطاني والتي لو ركزت أثناء وصولك للمطار لسمعتها تتكرر كثيراً عبر سماعات التنبيه والتي تقول: أي شخص يلاحظ شيئاً غير طبيعي أو مخالفاً للأنظمة والقوانين عليه الإبلاغ. (ويذكرون عدداً من الوسائل التي يمكن الإبلاغ من خلالها). فإن كان حسداً كما تقول فهو وفق القانون وأنت من سمحت له بذلك.

مع فائق احترامي وتقديري لكل من اعتذر منكم عن هذا الخطأ واعترف به وعذري الكامل لكل من صمت عن التعليق فربما سكت لإحساسه بتأنيب الضمير.

وخلاصة القول: طالما تعتقدون أنكم مشاهير فتأكدوا أنكم قدوة لذلك عززوا في نفوس متابعيكم أن من حبنا لوطننا أن نحترم قوانين أي بلد نسافر إليه؛ لأننا نحن العين المهمة التي من خلالها يرون المملكة العربية السعودية، ولنعكس أجمل وأفضل الصور ولنحافظ على القلة من المشاهير الذين نعتقد أنهم يقدمون محتوى جيداً، وإن كنت أشك.

وختاماً إن اضطررنا لأكل القميري فليكن بعيداً عن العدسات ونترك خشم الريال في خير ونعيم.

زايد الزيادي
اعلان
خشم الريال أم سلطة القانون
سبق

من لندن تابع البعض الأحداث الدراماتيكية التي حصلت من بعض من يُسمون مشاهير السوشال ميديا وما تسببت به من ردود أفعال وصل صداها للسلطات البريطانية وسفارة خادم الحرمين الشريفين بالمملكة المتحدة، والذين أدخلوا عبر مطار لندن ما تعتبره السلطات البريطانية ممنوعاً وإن كان شيئاً عادياً من وجهة نظرهم ثم أكملوا الحكاية بتجاوز أنظمة الفنادق جهلاً أو عمداً.

هذا مختصر الحكاية التي تبدو للوهلة الأولة سطحية جداً كسطحية بعض ما تنشره حسابات أغلب المشاهير ولكن دعوني أسلط الضوء على هذه الحادثة من عدة زوايا مختلفة قد تكون غابت عنا وعنهم أثناء دخولهم لبريطانيا.

أولاً وقبل كل شيء وفي موضوع بعيد عن تداعيات الحادثة أعتقد أن من أبجديات السفر أن تتعرف على ثقافة البلد الذي تزوره وأن المتعة في أي بلد تأتيه أن تجرب شيئاً جديداً ومختلفاً عن الذي ألفته واعتدت عليه بما في ذلك الأكل، لذا أعتقد أنك لن تكون مضطراً لإدخال أكلك معك إلى لندن فضلاً عن أن تكون مضطراً لإدخال طير مهاجر للاستمتاع بأكله على ضفاف نهر التايمز، والذي يعتبر مخالفة في النظام البريطاني.

كنت أرجو أن يشفع لهم جهلهم بأن ما قاموا به مخالفة لكنهم فعلوه بعلم وعمد وإصرار فهذه إساءة متعدية. إساءة لبلدك الذي يُفترض أنك تمثله أفضل تمثيل وتنقل صورة مشرفة عنه أمام سلطات ومجتمع البلد المضيف وإساءة للبلد الذي قدمت إليه ويجب أن تحترم قوانينه حتى وإن كانت لا تعجبك. وليس أدل على أن ما قمت به شيء مزعج إلا اضطرار السفارة للتدخل لحمايتك مع أنها في غنى عن الانشغال بأخطاء المستهترين.

أنا أعيش في بريطانيا منذ خمس سنوات للدراسة وحسب علمي أن الطبخ في الفنادق ممنوع وفي بعض الفنادق يسمح به في أماكن مخصصة وليس في الغرف وبرسوم إضافية.

المضحك المبكي في الموضوع أن تقول: كل شيء نستطيع فعله (بخشم الريال)، ما هذا المنطق الأعوج الأهوج الذي ينم عن ارستقراطية متعالية واستخفاف وازدراء للقوانين والأنظمة. هل تريد أن تقول للمجتمع الغربي أن هذا ما يحصل في بلدي فأنا أستطيع أن أخالف الأنظمة والقوانين بالمال؟. أم تريد أن يفهم مجتمعنا أنك تستطيع أن تخالف في أي مكان في العالم بالمال؟.

لا أناقش شخصك أياً كنت فلك احترامك وتقديرك كإنسان, لكن أناقش هذا المبدأ الغريب الذي يشكل صورة ذهنية غير جيدة عن المواطن السعودي. فلقد ذكرني بموقف حصل معي عام 2015 في بدايات تواجدي في بريطانيا عندما خرجنا مع مدرسنا إلى أحد المقاهي في مانشستر كجزء من أنشطة لا صفية تنفذ للطلاب وبفطرتنا الأصيلة دفع بعضنا قيمة القهوة عن الجميع، فقال المدرس في معرض الحديث عن هذا (أنتم تفعلون هذا لأن عندكم مالاً) هكذا نظر للموضوع نظرة مادية بحتة، وأغفل كل الجوانب الأخلاقية للموضوع. أرجو أن لا يكون مبدأ (خشم الريال) هو ما كرس هذه النظرة السلبية عنا.

نقطة أخرى لا تقل أهمية: الذين بلغوا عنكم السلطات البريطانية ليس بالضرورة أن يكون دافعهم الحسد كما تدعي بل هم استثمروا نقطة موجودة في النظام البريطاني والتي لو ركزت أثناء وصولك للمطار لسمعتها تتكرر كثيراً عبر سماعات التنبيه والتي تقول: أي شخص يلاحظ شيئاً غير طبيعي أو مخالفاً للأنظمة والقوانين عليه الإبلاغ. (ويذكرون عدداً من الوسائل التي يمكن الإبلاغ من خلالها). فإن كان حسداً كما تقول فهو وفق القانون وأنت من سمحت له بذلك.

مع فائق احترامي وتقديري لكل من اعتذر منكم عن هذا الخطأ واعترف به وعذري الكامل لكل من صمت عن التعليق فربما سكت لإحساسه بتأنيب الضمير.

وخلاصة القول: طالما تعتقدون أنكم مشاهير فتأكدوا أنكم قدوة لذلك عززوا في نفوس متابعيكم أن من حبنا لوطننا أن نحترم قوانين أي بلد نسافر إليه؛ لأننا نحن العين المهمة التي من خلالها يرون المملكة العربية السعودية، ولنعكس أجمل وأفضل الصور ولنحافظ على القلة من المشاهير الذين نعتقد أنهم يقدمون محتوى جيداً، وإن كنت أشك.

وختاماً إن اضطررنا لأكل القميري فليكن بعيداً عن العدسات ونترك خشم الريال في خير ونعيم.

24 يناير 2020 - 29 جمادى الأول 1441
09:02 PM

خشم الريال أم سلطة القانون

زايد الزيادي - الرياض
A A A
3
4,654

من لندن تابع البعض الأحداث الدراماتيكية التي حصلت من بعض من يُسمون مشاهير السوشال ميديا وما تسببت به من ردود أفعال وصل صداها للسلطات البريطانية وسفارة خادم الحرمين الشريفين بالمملكة المتحدة، والذين أدخلوا عبر مطار لندن ما تعتبره السلطات البريطانية ممنوعاً وإن كان شيئاً عادياً من وجهة نظرهم ثم أكملوا الحكاية بتجاوز أنظمة الفنادق جهلاً أو عمداً.

هذا مختصر الحكاية التي تبدو للوهلة الأولة سطحية جداً كسطحية بعض ما تنشره حسابات أغلب المشاهير ولكن دعوني أسلط الضوء على هذه الحادثة من عدة زوايا مختلفة قد تكون غابت عنا وعنهم أثناء دخولهم لبريطانيا.

أولاً وقبل كل شيء وفي موضوع بعيد عن تداعيات الحادثة أعتقد أن من أبجديات السفر أن تتعرف على ثقافة البلد الذي تزوره وأن المتعة في أي بلد تأتيه أن تجرب شيئاً جديداً ومختلفاً عن الذي ألفته واعتدت عليه بما في ذلك الأكل، لذا أعتقد أنك لن تكون مضطراً لإدخال أكلك معك إلى لندن فضلاً عن أن تكون مضطراً لإدخال طير مهاجر للاستمتاع بأكله على ضفاف نهر التايمز، والذي يعتبر مخالفة في النظام البريطاني.

كنت أرجو أن يشفع لهم جهلهم بأن ما قاموا به مخالفة لكنهم فعلوه بعلم وعمد وإصرار فهذه إساءة متعدية. إساءة لبلدك الذي يُفترض أنك تمثله أفضل تمثيل وتنقل صورة مشرفة عنه أمام سلطات ومجتمع البلد المضيف وإساءة للبلد الذي قدمت إليه ويجب أن تحترم قوانينه حتى وإن كانت لا تعجبك. وليس أدل على أن ما قمت به شيء مزعج إلا اضطرار السفارة للتدخل لحمايتك مع أنها في غنى عن الانشغال بأخطاء المستهترين.

أنا أعيش في بريطانيا منذ خمس سنوات للدراسة وحسب علمي أن الطبخ في الفنادق ممنوع وفي بعض الفنادق يسمح به في أماكن مخصصة وليس في الغرف وبرسوم إضافية.

المضحك المبكي في الموضوع أن تقول: كل شيء نستطيع فعله (بخشم الريال)، ما هذا المنطق الأعوج الأهوج الذي ينم عن ارستقراطية متعالية واستخفاف وازدراء للقوانين والأنظمة. هل تريد أن تقول للمجتمع الغربي أن هذا ما يحصل في بلدي فأنا أستطيع أن أخالف الأنظمة والقوانين بالمال؟. أم تريد أن يفهم مجتمعنا أنك تستطيع أن تخالف في أي مكان في العالم بالمال؟.

لا أناقش شخصك أياً كنت فلك احترامك وتقديرك كإنسان, لكن أناقش هذا المبدأ الغريب الذي يشكل صورة ذهنية غير جيدة عن المواطن السعودي. فلقد ذكرني بموقف حصل معي عام 2015 في بدايات تواجدي في بريطانيا عندما خرجنا مع مدرسنا إلى أحد المقاهي في مانشستر كجزء من أنشطة لا صفية تنفذ للطلاب وبفطرتنا الأصيلة دفع بعضنا قيمة القهوة عن الجميع، فقال المدرس في معرض الحديث عن هذا (أنتم تفعلون هذا لأن عندكم مالاً) هكذا نظر للموضوع نظرة مادية بحتة، وأغفل كل الجوانب الأخلاقية للموضوع. أرجو أن لا يكون مبدأ (خشم الريال) هو ما كرس هذه النظرة السلبية عنا.

نقطة أخرى لا تقل أهمية: الذين بلغوا عنكم السلطات البريطانية ليس بالضرورة أن يكون دافعهم الحسد كما تدعي بل هم استثمروا نقطة موجودة في النظام البريطاني والتي لو ركزت أثناء وصولك للمطار لسمعتها تتكرر كثيراً عبر سماعات التنبيه والتي تقول: أي شخص يلاحظ شيئاً غير طبيعي أو مخالفاً للأنظمة والقوانين عليه الإبلاغ. (ويذكرون عدداً من الوسائل التي يمكن الإبلاغ من خلالها). فإن كان حسداً كما تقول فهو وفق القانون وأنت من سمحت له بذلك.

مع فائق احترامي وتقديري لكل من اعتذر منكم عن هذا الخطأ واعترف به وعذري الكامل لكل من صمت عن التعليق فربما سكت لإحساسه بتأنيب الضمير.

وخلاصة القول: طالما تعتقدون أنكم مشاهير فتأكدوا أنكم قدوة لذلك عززوا في نفوس متابعيكم أن من حبنا لوطننا أن نحترم قوانين أي بلد نسافر إليه؛ لأننا نحن العين المهمة التي من خلالها يرون المملكة العربية السعودية، ولنعكس أجمل وأفضل الصور ولنحافظ على القلة من المشاهير الذين نعتقد أنهم يقدمون محتوى جيداً، وإن كنت أشك.

وختاماً إن اضطررنا لأكل القميري فليكن بعيداً عن العدسات ونترك خشم الريال في خير ونعيم.