مشايخ ومستشارون لـ"سبق": نطالب الدولة بالقضاء على "تجار الدم" وسماسرة ملايين "الديات"

العفو يكون في سبيل الله.. أما المغالاة في طلب الأموال فهو استغلال وجشع وتكريس للعداوة بين الناس

- وسطاء "الديات" يتربّحون بجمع الملايين من التجار والأمراء والمحسنين ويتسببون في الاستهتار بالدماء المعصومة.

- "العتيبي": طلَبُ أولياء الدم المال مقابل العفو حق من حقوقهم.. والوسطاء رفعوا "الديات" بما يخالف الآداب الإسلامية.

- "الزبيدي": "تجار الدماء" يتكسبون الأموال من الديات وتسببوا في جرأة البعض على القتل.

- "الوهيبي": أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق ومحاسبة مستغلي المصائب.

- "المريخي": شيوخ قبائل ووجهاء المجتمع يعانون من "سعاة الدم".. والديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات.
 
خلود غنام- سبق- الرياض: المبالغة في الدية، ووصولها إلى عشرات الملايين من الريالات، ودخول من يسموْن بـ"تجار الدم" و"سعاة الدماء" في قضايا القتل، والعفو بين أهل المقتول والقاتل مقابل نسبة لهم من ملايين الدية؛ أصبح حديثاً يؤرق المجتمع، مع التنامي في المَبَالغ و"الديات" المرصودة لإعتاق الرقاب، والأرباح التي يحققها سماسرة الدماء.
 
سلطت "سبق" الضوء على ما يسمى بتجار الدم وسماسرة الديات، والتقت بعدد من المشايخ والمستشارين الذي طالبوا بتدخل الدولة للحد منها.
 
العفو عند المقدرة
أكد وكيل كلية المجتمع بمحافظة حريملاء د. نهار العتيبي لـ"سبق"، أنه يجوز لورثة القتيل أن يطلبوا من ولي الأمر القصاص ممن قتل قريبهم عمداً؛ لقـول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، ويجوز للورثة طلب الدية إذا كـان القتل خطأ، أو كـان عمداً، وعفا الورثة أو أحدهم وطلبوا الدية، كما أنه يجوز لهم العفو عن القاتل لوجه الله تعالى لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (من قُتل له قتيل فهو بخير ‏النظرين؛ ‏إما أن ‏يؤدى ‏أو ‏يقاد" وفي رواية: "إما أن يُفدى أو يقاد".
 
وأضاف: "لا شك أن العفو أفضل؛ وذلك لأن الدين الإسلامي الحنيف حث على العفو، والصفح واحتساب ذلك عند الله سبحانه وتعالى؛ فمن قتل له قتيل فقد وعده الله تبارك وتعالى بالأجر العظيم عندما يعفو، واختص سبحانه وتعالى ذلك الأجر؛ فجعله غير محدد؛ حيث قال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، وقال جل وعلا: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)".
 
وتابع: "لا يخفى على كل ذي عقل، مدى الألم الذي يتسبب به القاتل في نفوس الورثة عندما يقتل والدهم أو أخاهم أو والدتهم، أو أختهم أو غيرهم، والقتل جريمة شنيعة وفعلة قبيحة توجب سخط الله سبحانه وتعالى، وتجعل فاعلها تحت الوعيد الشديد، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، ولا شك أن طلب أولياء الدم مقابل العفو هو حق من حقوقهم في مقابل تنازلهم عن القاتل؛ لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا عفا ولي الدم من القصاص إلى الدية وجبت الدية مغلّظة من مال الجاني)، وهي مائة من الإبل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قَتَلَ مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حَقّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خِلفة.. وما صالحوا عليه فهو لهم؛ وذلك لتشديد العقل)".
 
"سماسرة الدم"
وأردف "العتيبي": "لكن الملاحظ هو ارتفاع ما يأخذه بعض الأشخاص بشكل لافت للنظر، وأصبح الناس يتناقلون فيما بينهم وجود سماسرة يتاجرون بدم المقتول، والحقيقة أن هذا مخالف للآداب الإسلامية، وأصبح بدلاً من كونه جبراً لقلوب أولياء الدم؛ طمعاً في لعاع الدنيا، ومتاجرة ينظر فيها كم من الملايين يدفع، والحقيقة أنني أنصح إخواني بالعفو إذا قدّر الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك؛ طلباً لما عند الله من الأجر العظيم؛ فالمقتول لن يعود إلى الدنيا والمال مهما بلغ؛ فلن يعوض عن ذلك المقتول، والله تعالى يقول: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، حفظني الله وإخواني المسلمين من كل سوء ومكروه، وأعاذنا من نزغات الشيطان ومن النفس الإمارة بالسوء إنه سميع مجيب".
 
المحافظة على الأرواح
وقال عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفِرَق والمذاهب د.إبراهيم الزبيدي لـ"سبق": "الأصل في القاتل عمداً أن يُقتص منه؛ لحكمة بَيّنها الله تعالى بقوله {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب}، والمقصود من القصاص هو المحافظة على الأرواح، والذي فَرَض القصاص شَرَع العفو؛ فقال سبحانه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل مَن أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تَحَلّى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحساناً إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم؛ وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم؛ لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} وقال سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله)؛ أي أن الله يأجره على ذلك؛ فالعفو إذن من الأعمال الصالحة، وإذا تأملنا الآية نجد أن الله ذكر مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم".
 
وأضاف: "مرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص؛ فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله، مرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، وأما الثالثة فمرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}؛ فالذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته؛ فالزيادة ظلم".
 
استغلال وجشع
وتابع "الزبيدي"، أما المغالاة في الأموال وطلب ما يزيد على الدية المشروعة؛ فهو استغلال وجشع وعدم رضى بما قدّر شرعاً من الديات، إضافة إلى أنه يدخل أولياء القاتل في عنت عظيم ومشقة كبيرة، وهذا خلاف مقاصد الشريعة الإسلامية، والمبالغة في عوض العفو عن القصاص هو في حقيقته إمعان وتكريس لإبقاء العداوة وقطع المعروف بين الناس؛ إذ لا قيمة لعفو ينجو به الجاني من القصاص فيما تهلك أسرته بسبب جمع المال، وإراقة ماء الوجه على أبواب المحسنين؛ من أجل توفير ما اشترطه أهل القتيل، وقد نشأ بسبب هذه المغالاة تجار الدماء الذين يتكسبون الأموال للتوسط للعفو، وبعث واسطتهم للتجار والأمراء والمحسنين لجمع الملايين المطلوبة للعفو، وهم قد حددوا نسبتهم من الأرباح قبل الشروع في العفو والإصلاح؛ مما سَبّب الجرأة على القتل والاستهتار بالدماء المعصومة".
 
ظاهرة دخيلة
فيما قال المستشار محمد الوهيبي لـ"سبق": "إن الديات أو ما يعتبر تجارة الأنفس أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة على المجتمع السعودي، وأصبحنا نسمع مبالغ خيالية مع الأسف؛ مستغلين بها الشريعة الإسلامية؛ فديننا أعطى الحق لأهل الدم في العفو أو المطالبة بالقصاص، وتكون هذه العروض خارج أروقة الجهات القضائية، وأصبحت أعرافاً، واختلقت لدينا مهنة جديدة وهي وسيط الدم مدفوع الأجر، الذي يتوسط ويتكفل بجمع تبرعات ومساعدات لأهل الدم، ويشترط لنفسه نسبة محددة".
 
وأضاف: "هؤلاء ليسوا إلا ضعاف نفوس؛ فديننا ينهى عن استغلال حوائج ومصائب المسلمين، وأصبحنا نسمع عن أن فلاناً عفى عن فلان؛ وذلك مقابل مبلغ وقدره كذا، وهذا لفظ خاطئ؛ حيث إن العفو هو الذي يكون بلا مقابل، وبالتالي اللفظ الصحيح هو تنازل وليس عفو، وعليه أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق خاصة للقيام بهذا العمل، ومحاسبة مستغلي هذه المصائب للحدّ من هذه الظاهرة بمجتمعاتنا؛ فديننا دين العفو والتسامح والتعاون، وليس دين الاستغلال والتجارة بالبشر".
 
مكاسب شخصية
وقال الشيخ مشعل المريخي -حفيد شيخ قبائل واصل من مطير- لـ"سبق": "بصراحة، نحن كشيوخ قبائل ووجهاء مجتمع نعاني من شيء اسمه "سعاة الدم"، وسعاة الدم هم سبب ارتفاع مبالغ الدية بشكل أساسي، والدية كفلها الشرع لأولياء الدم؛ لكن المبالغة في طلب مبالغ عالية تُثقل كاهل الناس، أعتقد أنها لا توافق الشرع، والملك -حفظه الله- عند تدخله لإعتاق الرقاب طَلَب ألا تتجاوز الدية 500.000 ريال؛ لكن تطبيق ذلك صعب عندما لا يكون التنازل لوجه الله".
 
وتابع: "نطلب -عبر "سبق"- مراعاة الله في عدم المبالغة في طلب الديات؛ فإما التنازل لوجه الله وطلب مبلغ معقول يضمن حياة كريمة لأهل المقتول، أو طلب تنفيذ الشرع حتى لا يكون هناك مجال لدخول سعاة الدم، وبصراحة شديدة صعب جداً مواجهة سعاة الدم؛ حيث إنهم يستغلون ظروف أهل القاتل، وأغلبهم أصحاب جاه ووجاهة، ويستغلونها لمكاسب شخصية، وأتمنى أن يطرح الموضوع ويناقش بشكل عاجل؛ حيث إن أغلب الديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات".

اعلان
مشايخ ومستشارون لـ"سبق": نطالب الدولة بالقضاء على "تجار الدم" وسماسرة ملايين "الديات"
سبق
- وسطاء "الديات" يتربّحون بجمع الملايين من التجار والأمراء والمحسنين ويتسببون في الاستهتار بالدماء المعصومة.

- "العتيبي": طلَبُ أولياء الدم المال مقابل العفو حق من حقوقهم.. والوسطاء رفعوا "الديات" بما يخالف الآداب الإسلامية.

- "الزبيدي": "تجار الدماء" يتكسبون الأموال من الديات وتسببوا في جرأة البعض على القتل.

- "الوهيبي": أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق ومحاسبة مستغلي المصائب.

- "المريخي": شيوخ قبائل ووجهاء المجتمع يعانون من "سعاة الدم".. والديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات.
 
خلود غنام- سبق- الرياض: المبالغة في الدية، ووصولها إلى عشرات الملايين من الريالات، ودخول من يسموْن بـ"تجار الدم" و"سعاة الدماء" في قضايا القتل، والعفو بين أهل المقتول والقاتل مقابل نسبة لهم من ملايين الدية؛ أصبح حديثاً يؤرق المجتمع، مع التنامي في المَبَالغ و"الديات" المرصودة لإعتاق الرقاب، والأرباح التي يحققها سماسرة الدماء.
 
سلطت "سبق" الضوء على ما يسمى بتجار الدم وسماسرة الديات، والتقت بعدد من المشايخ والمستشارين الذي طالبوا بتدخل الدولة للحد منها.
 
العفو عند المقدرة
أكد وكيل كلية المجتمع بمحافظة حريملاء د. نهار العتيبي لـ"سبق"، أنه يجوز لورثة القتيل أن يطلبوا من ولي الأمر القصاص ممن قتل قريبهم عمداً؛ لقـول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، ويجوز للورثة طلب الدية إذا كـان القتل خطأ، أو كـان عمداً، وعفا الورثة أو أحدهم وطلبوا الدية، كما أنه يجوز لهم العفو عن القاتل لوجه الله تعالى لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (من قُتل له قتيل فهو بخير ‏النظرين؛ ‏إما أن ‏يؤدى ‏أو ‏يقاد" وفي رواية: "إما أن يُفدى أو يقاد".
 
وأضاف: "لا شك أن العفو أفضل؛ وذلك لأن الدين الإسلامي الحنيف حث على العفو، والصفح واحتساب ذلك عند الله سبحانه وتعالى؛ فمن قتل له قتيل فقد وعده الله تبارك وتعالى بالأجر العظيم عندما يعفو، واختص سبحانه وتعالى ذلك الأجر؛ فجعله غير محدد؛ حيث قال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، وقال جل وعلا: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)".
 
وتابع: "لا يخفى على كل ذي عقل، مدى الألم الذي يتسبب به القاتل في نفوس الورثة عندما يقتل والدهم أو أخاهم أو والدتهم، أو أختهم أو غيرهم، والقتل جريمة شنيعة وفعلة قبيحة توجب سخط الله سبحانه وتعالى، وتجعل فاعلها تحت الوعيد الشديد، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، ولا شك أن طلب أولياء الدم مقابل العفو هو حق من حقوقهم في مقابل تنازلهم عن القاتل؛ لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا عفا ولي الدم من القصاص إلى الدية وجبت الدية مغلّظة من مال الجاني)، وهي مائة من الإبل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قَتَلَ مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حَقّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خِلفة.. وما صالحوا عليه فهو لهم؛ وذلك لتشديد العقل)".
 
"سماسرة الدم"
وأردف "العتيبي": "لكن الملاحظ هو ارتفاع ما يأخذه بعض الأشخاص بشكل لافت للنظر، وأصبح الناس يتناقلون فيما بينهم وجود سماسرة يتاجرون بدم المقتول، والحقيقة أن هذا مخالف للآداب الإسلامية، وأصبح بدلاً من كونه جبراً لقلوب أولياء الدم؛ طمعاً في لعاع الدنيا، ومتاجرة ينظر فيها كم من الملايين يدفع، والحقيقة أنني أنصح إخواني بالعفو إذا قدّر الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك؛ طلباً لما عند الله من الأجر العظيم؛ فالمقتول لن يعود إلى الدنيا والمال مهما بلغ؛ فلن يعوض عن ذلك المقتول، والله تعالى يقول: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، حفظني الله وإخواني المسلمين من كل سوء ومكروه، وأعاذنا من نزغات الشيطان ومن النفس الإمارة بالسوء إنه سميع مجيب".
 
المحافظة على الأرواح
وقال عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفِرَق والمذاهب د.إبراهيم الزبيدي لـ"سبق": "الأصل في القاتل عمداً أن يُقتص منه؛ لحكمة بَيّنها الله تعالى بقوله {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب}، والمقصود من القصاص هو المحافظة على الأرواح، والذي فَرَض القصاص شَرَع العفو؛ فقال سبحانه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل مَن أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تَحَلّى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحساناً إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم؛ وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم؛ لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} وقال سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله)؛ أي أن الله يأجره على ذلك؛ فالعفو إذن من الأعمال الصالحة، وإذا تأملنا الآية نجد أن الله ذكر مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم".
 
وأضاف: "مرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص؛ فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله، مرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، وأما الثالثة فمرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}؛ فالذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته؛ فالزيادة ظلم".
 
استغلال وجشع
وتابع "الزبيدي"، أما المغالاة في الأموال وطلب ما يزيد على الدية المشروعة؛ فهو استغلال وجشع وعدم رضى بما قدّر شرعاً من الديات، إضافة إلى أنه يدخل أولياء القاتل في عنت عظيم ومشقة كبيرة، وهذا خلاف مقاصد الشريعة الإسلامية، والمبالغة في عوض العفو عن القصاص هو في حقيقته إمعان وتكريس لإبقاء العداوة وقطع المعروف بين الناس؛ إذ لا قيمة لعفو ينجو به الجاني من القصاص فيما تهلك أسرته بسبب جمع المال، وإراقة ماء الوجه على أبواب المحسنين؛ من أجل توفير ما اشترطه أهل القتيل، وقد نشأ بسبب هذه المغالاة تجار الدماء الذين يتكسبون الأموال للتوسط للعفو، وبعث واسطتهم للتجار والأمراء والمحسنين لجمع الملايين المطلوبة للعفو، وهم قد حددوا نسبتهم من الأرباح قبل الشروع في العفو والإصلاح؛ مما سَبّب الجرأة على القتل والاستهتار بالدماء المعصومة".
 
ظاهرة دخيلة
فيما قال المستشار محمد الوهيبي لـ"سبق": "إن الديات أو ما يعتبر تجارة الأنفس أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة على المجتمع السعودي، وأصبحنا نسمع مبالغ خيالية مع الأسف؛ مستغلين بها الشريعة الإسلامية؛ فديننا أعطى الحق لأهل الدم في العفو أو المطالبة بالقصاص، وتكون هذه العروض خارج أروقة الجهات القضائية، وأصبحت أعرافاً، واختلقت لدينا مهنة جديدة وهي وسيط الدم مدفوع الأجر، الذي يتوسط ويتكفل بجمع تبرعات ومساعدات لأهل الدم، ويشترط لنفسه نسبة محددة".
 
وأضاف: "هؤلاء ليسوا إلا ضعاف نفوس؛ فديننا ينهى عن استغلال حوائج ومصائب المسلمين، وأصبحنا نسمع عن أن فلاناً عفى عن فلان؛ وذلك مقابل مبلغ وقدره كذا، وهذا لفظ خاطئ؛ حيث إن العفو هو الذي يكون بلا مقابل، وبالتالي اللفظ الصحيح هو تنازل وليس عفو، وعليه أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق خاصة للقيام بهذا العمل، ومحاسبة مستغلي هذه المصائب للحدّ من هذه الظاهرة بمجتمعاتنا؛ فديننا دين العفو والتسامح والتعاون، وليس دين الاستغلال والتجارة بالبشر".
 
مكاسب شخصية
وقال الشيخ مشعل المريخي -حفيد شيخ قبائل واصل من مطير- لـ"سبق": "بصراحة، نحن كشيوخ قبائل ووجهاء مجتمع نعاني من شيء اسمه "سعاة الدم"، وسعاة الدم هم سبب ارتفاع مبالغ الدية بشكل أساسي، والدية كفلها الشرع لأولياء الدم؛ لكن المبالغة في طلب مبالغ عالية تُثقل كاهل الناس، أعتقد أنها لا توافق الشرع، والملك -حفظه الله- عند تدخله لإعتاق الرقاب طَلَب ألا تتجاوز الدية 500.000 ريال؛ لكن تطبيق ذلك صعب عندما لا يكون التنازل لوجه الله".
 
وتابع: "نطلب -عبر "سبق"- مراعاة الله في عدم المبالغة في طلب الديات؛ فإما التنازل لوجه الله وطلب مبلغ معقول يضمن حياة كريمة لأهل المقتول، أو طلب تنفيذ الشرع حتى لا يكون هناك مجال لدخول سعاة الدم، وبصراحة شديدة صعب جداً مواجهة سعاة الدم؛ حيث إنهم يستغلون ظروف أهل القاتل، وأغلبهم أصحاب جاه ووجاهة، ويستغلونها لمكاسب شخصية، وأتمنى أن يطرح الموضوع ويناقش بشكل عاجل؛ حيث إن أغلب الديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات".
26 ديسمبر 2014 - 4 ربيع الأول 1436
05:00 PM

مشايخ ومستشارون لـ"سبق": نطالب الدولة بالقضاء على "تجار الدم" وسماسرة ملايين "الديات"

العفو يكون في سبيل الله.. أما المغالاة في طلب الأموال فهو استغلال وجشع وتكريس للعداوة بين الناس

A A A
0
201,701

- وسطاء "الديات" يتربّحون بجمع الملايين من التجار والأمراء والمحسنين ويتسببون في الاستهتار بالدماء المعصومة.

- "العتيبي": طلَبُ أولياء الدم المال مقابل العفو حق من حقوقهم.. والوسطاء رفعوا "الديات" بما يخالف الآداب الإسلامية.

- "الزبيدي": "تجار الدماء" يتكسبون الأموال من الديات وتسببوا في جرأة البعض على القتل.

- "الوهيبي": أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق ومحاسبة مستغلي المصائب.

- "المريخي": شيوخ قبائل ووجهاء المجتمع يعانون من "سعاة الدم".. والديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات.
 
خلود غنام- سبق- الرياض: المبالغة في الدية، ووصولها إلى عشرات الملايين من الريالات، ودخول من يسموْن بـ"تجار الدم" و"سعاة الدماء" في قضايا القتل، والعفو بين أهل المقتول والقاتل مقابل نسبة لهم من ملايين الدية؛ أصبح حديثاً يؤرق المجتمع، مع التنامي في المَبَالغ و"الديات" المرصودة لإعتاق الرقاب، والأرباح التي يحققها سماسرة الدماء.
 
سلطت "سبق" الضوء على ما يسمى بتجار الدم وسماسرة الديات، والتقت بعدد من المشايخ والمستشارين الذي طالبوا بتدخل الدولة للحد منها.
 
العفو عند المقدرة
أكد وكيل كلية المجتمع بمحافظة حريملاء د. نهار العتيبي لـ"سبق"، أنه يجوز لورثة القتيل أن يطلبوا من ولي الأمر القصاص ممن قتل قريبهم عمداً؛ لقـول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، ويجوز للورثة طلب الدية إذا كـان القتل خطأ، أو كـان عمداً، وعفا الورثة أو أحدهم وطلبوا الدية، كما أنه يجوز لهم العفو عن القاتل لوجه الله تعالى لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (من قُتل له قتيل فهو بخير ‏النظرين؛ ‏إما أن ‏يؤدى ‏أو ‏يقاد" وفي رواية: "إما أن يُفدى أو يقاد".
 
وأضاف: "لا شك أن العفو أفضل؛ وذلك لأن الدين الإسلامي الحنيف حث على العفو، والصفح واحتساب ذلك عند الله سبحانه وتعالى؛ فمن قتل له قتيل فقد وعده الله تبارك وتعالى بالأجر العظيم عندما يعفو، واختص سبحانه وتعالى ذلك الأجر؛ فجعله غير محدد؛ حيث قال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، وقال جل وعلا: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)".
 
وتابع: "لا يخفى على كل ذي عقل، مدى الألم الذي يتسبب به القاتل في نفوس الورثة عندما يقتل والدهم أو أخاهم أو والدتهم، أو أختهم أو غيرهم، والقتل جريمة شنيعة وفعلة قبيحة توجب سخط الله سبحانه وتعالى، وتجعل فاعلها تحت الوعيد الشديد، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، ولا شك أن طلب أولياء الدم مقابل العفو هو حق من حقوقهم في مقابل تنازلهم عن القاتل؛ لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا عفا ولي الدم من القصاص إلى الدية وجبت الدية مغلّظة من مال الجاني)، وهي مائة من الإبل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قَتَلَ مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حَقّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خِلفة.. وما صالحوا عليه فهو لهم؛ وذلك لتشديد العقل)".
 
"سماسرة الدم"
وأردف "العتيبي": "لكن الملاحظ هو ارتفاع ما يأخذه بعض الأشخاص بشكل لافت للنظر، وأصبح الناس يتناقلون فيما بينهم وجود سماسرة يتاجرون بدم المقتول، والحقيقة أن هذا مخالف للآداب الإسلامية، وأصبح بدلاً من كونه جبراً لقلوب أولياء الدم؛ طمعاً في لعاع الدنيا، ومتاجرة ينظر فيها كم من الملايين يدفع، والحقيقة أنني أنصح إخواني بالعفو إذا قدّر الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك؛ طلباً لما عند الله من الأجر العظيم؛ فالمقتول لن يعود إلى الدنيا والمال مهما بلغ؛ فلن يعوض عن ذلك المقتول، والله تعالى يقول: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، حفظني الله وإخواني المسلمين من كل سوء ومكروه، وأعاذنا من نزغات الشيطان ومن النفس الإمارة بالسوء إنه سميع مجيب".
 
المحافظة على الأرواح
وقال عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفِرَق والمذاهب د.إبراهيم الزبيدي لـ"سبق": "الأصل في القاتل عمداً أن يُقتص منه؛ لحكمة بَيّنها الله تعالى بقوله {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب}، والمقصود من القصاص هو المحافظة على الأرواح، والذي فَرَض القصاص شَرَع العفو؛ فقال سبحانه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل مَن أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تَحَلّى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحساناً إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم؛ وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم؛ لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} وقال سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله)؛ أي أن الله يأجره على ذلك؛ فالعفو إذن من الأعمال الصالحة، وإذا تأملنا الآية نجد أن الله ذكر مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم".
 
وأضاف: "مرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص؛ فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله، مرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، وأما الثالثة فمرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}؛ فالذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته؛ فالزيادة ظلم".
 
استغلال وجشع
وتابع "الزبيدي"، أما المغالاة في الأموال وطلب ما يزيد على الدية المشروعة؛ فهو استغلال وجشع وعدم رضى بما قدّر شرعاً من الديات، إضافة إلى أنه يدخل أولياء القاتل في عنت عظيم ومشقة كبيرة، وهذا خلاف مقاصد الشريعة الإسلامية، والمبالغة في عوض العفو عن القصاص هو في حقيقته إمعان وتكريس لإبقاء العداوة وقطع المعروف بين الناس؛ إذ لا قيمة لعفو ينجو به الجاني من القصاص فيما تهلك أسرته بسبب جمع المال، وإراقة ماء الوجه على أبواب المحسنين؛ من أجل توفير ما اشترطه أهل القتيل، وقد نشأ بسبب هذه المغالاة تجار الدماء الذين يتكسبون الأموال للتوسط للعفو، وبعث واسطتهم للتجار والأمراء والمحسنين لجمع الملايين المطلوبة للعفو، وهم قد حددوا نسبتهم من الأرباح قبل الشروع في العفو والإصلاح؛ مما سَبّب الجرأة على القتل والاستهتار بالدماء المعصومة".
 
ظاهرة دخيلة
فيما قال المستشار محمد الوهيبي لـ"سبق": "إن الديات أو ما يعتبر تجارة الأنفس أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة على المجتمع السعودي، وأصبحنا نسمع مبالغ خيالية مع الأسف؛ مستغلين بها الشريعة الإسلامية؛ فديننا أعطى الحق لأهل الدم في العفو أو المطالبة بالقصاص، وتكون هذه العروض خارج أروقة الجهات القضائية، وأصبحت أعرافاً، واختلقت لدينا مهنة جديدة وهي وسيط الدم مدفوع الأجر، الذي يتوسط ويتكفل بجمع تبرعات ومساعدات لأهل الدم، ويشترط لنفسه نسبة محددة".
 
وأضاف: "هؤلاء ليسوا إلا ضعاف نفوس؛ فديننا ينهى عن استغلال حوائج ومصائب المسلمين، وأصبحنا نسمع عن أن فلاناً عفى عن فلان؛ وذلك مقابل مبلغ وقدره كذا، وهذا لفظ خاطئ؛ حيث إن العفو هو الذي يكون بلا مقابل، وبالتالي اللفظ الصحيح هو تنازل وليس عفو، وعليه أوصي بتشكيل لجان في إمارات المناطق خاصة للقيام بهذا العمل، ومحاسبة مستغلي هذه المصائب للحدّ من هذه الظاهرة بمجتمعاتنا؛ فديننا دين العفو والتسامح والتعاون، وليس دين الاستغلال والتجارة بالبشر".
 
مكاسب شخصية
وقال الشيخ مشعل المريخي -حفيد شيخ قبائل واصل من مطير- لـ"سبق": "بصراحة، نحن كشيوخ قبائل ووجهاء مجتمع نعاني من شيء اسمه "سعاة الدم"، وسعاة الدم هم سبب ارتفاع مبالغ الدية بشكل أساسي، والدية كفلها الشرع لأولياء الدم؛ لكن المبالغة في طلب مبالغ عالية تُثقل كاهل الناس، أعتقد أنها لا توافق الشرع، والملك -حفظه الله- عند تدخله لإعتاق الرقاب طَلَب ألا تتجاوز الدية 500.000 ريال؛ لكن تطبيق ذلك صعب عندما لا يكون التنازل لوجه الله".
 
وتابع: "نطلب -عبر "سبق"- مراعاة الله في عدم المبالغة في طلب الديات؛ فإما التنازل لوجه الله وطلب مبلغ معقول يضمن حياة كريمة لأهل المقتول، أو طلب تنفيذ الشرع حتى لا يكون هناك مجال لدخول سعاة الدم، وبصراحة شديدة صعب جداً مواجهة سعاة الدم؛ حيث إنهم يستغلون ظروف أهل القاتل، وأغلبهم أصحاب جاه ووجاهة، ويستغلونها لمكاسب شخصية، وأتمنى أن يطرح الموضوع ويناقش بشكل عاجل؛ حيث إن أغلب الديات تتجاوز عشرات الملايين من الريالات".