العمران ​لـ​"​سبق":​ لا بد من رفع رواتب الموظفين وزيادة أسعار الوقود ومنع التضخم​

قال: الثروات الموجودة في باطن الأرض مملوكة مناصفة بين الدولة والمواطنين

- خطط الملك عبدالله الإصلاحية والاحتياطيات الضخمة من الفوائض المالية المتراكمة أهم تخطيط اقتصادي منذ تأسيس السعودية

- خصخصة المشاريع وفرض ضرائب سيخففان الأعباء المالية على الحكومة ​وسيمكنان من تحقيق إيرادات كبيرة جداً​​

- العقاريون اليوم منقسمون ​و​الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل​

- مشاريع الإسكان حلولها في الأحياء الشعبية​ ​وسط المدن.. ومشكلة السكن أكبر من الوزارة

- الرقابة ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية.. والمنافسة ستنهض بخدمات القطاع الخاص​​

- على الدولة منع جشع التجار والحد من ارتفاع الأسعار ووقف منح الأراضي والقروض ​والتسهيلات الأخرى

- تجب إعادة النظر في استراتيجياتنا الصناعية والتجارية لخلق​فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً

- فتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية حدث تاريخي وسيجذب 200 مليون ريال

- من المخيف ​تزايد أعداد العمالة الأجنبية وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل​​

 
أجرى الحوار: شقران الرشيدي- سبق- الرياض- (تصوير: عبد الله المقبل): يقول ​الخبير ​الاقتصادي محمد بن فهد العمران، إن قرار مجلس الوزراء نهاية شهر رمضان ​الماضي بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة، ​و​سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تُقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي​. وأكد العمران في حواره مع "سبق"​ أن من يعارض "ضريبة التركة" يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية​. مشيراً إلى أهمية إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام،​ وليس الخاص؛ فتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً​. مؤكداً أهمية العمل على خصخصة المشاريع لتخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبنيها فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكنها من تحقيق إيرادات مالية كبيرة جداً​.
 
ويتناول الحوار العديد من المحاور الاقتصادية المهمة. فإلى تفاصيل الحوار:​
 
 
* بعض المحللين الاقتصاديين يرسمون ملامح غير إيجابية عن مستقبل سوق المال السعودية، والتحديات القادمة.. بحكم اطلاعك، ما أبرز توجهات سوق المال المحلية؟ وهل هي تسير في الاتجاه الصحيح؟
- كل محلل اقتصادي له الحق في إبداء وجهة نظره الخاصة؛ ومن الطبيعي ألا يتفق المحللون في وجهات نظرهم وتوقعاتهم. والمهم دائماً هو أن نسمع لوجهات النظر وتوقعاتهم المختلفة، ثم نتخذ القرار الاستثماري الذي نقتنع نحن به بناءً على هذه المعلومات، وبعيداً عن التحيز الشخصي؛ حتى نصل للقرار الصحيح. ويجب أن نضع في اعتبارنا دائماً أن علم الغيب بيد الله وحده، وما عدا فهي اجتهادات.
 
 بالنسبة لمستقبل سوق الأسهم السعودية، والتحديات التي ستواجهها، فلا شك أن قرار مجلس الوزراء الموقر نهاية شهر رمضان الكريم بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة؛ إذ سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي (نحو 9 % من القيمة السوقية الإجمالية حالياً) خلال العامين القادمين، سواء من مستثمرين سعوديين يحاولون اقتناص الفرص مسبقاً أو من مستثمرين عالميين (مؤسسات مالية وصناديق استثمارية وشركات تأمين)، يريدون أخذ مراكز تعكس قيمة السوق المالية السعودية بالنسبة لبقية الأسواق المالية العالمية دون النظر إلى مستويات التقييم.
 
وأضاف: بالتأكيد، فإن هذا سيدعم وبقوة من عمليات الشراء التي قد يتخللها بعض عمليات جني الأرباح، وتكون المحصلة النهائية اتجاهاً صاعداً للمؤشر - والله أعلم - حتى نصل إلى رفع تصنيف السوق السعودية إلى "سوق ناشئة"، الذي يمثل هدفاً استراتيجياً، سيحقق لنا التكامل مع بقية الأسواق المالية العالمية، وسيجبر الاقتصادات ورؤوس الأموال الكبرى حول العالم على الاهتمام، والحرص على استقرار ونمو اقتصاد السعودية - بإذن الله - بسبب المصالح المشتركة. وهنا تأتي أهمية الانفتاح مع بقية الأسواق المالية العالمية.
 
* تحدثت في أحد مقالاتك عن "ضريبة التركة" المطبَّقة في بعض الدول الأوروبية، وقلت إنها تحارب "اكتناز" المال لدى فئات معينة، وأنه مبدأ إسلامي.. وقد انتقدك البعض على ذلك.. هل أوضحت وجهة نظرك؟
- لا شك أن ديننا الإسلامي الحنيف حارب اكتناز الأموال بأشكاله كافة. ومع الأسف، بعض الدول الأوروبية طبقت هذا المبدأ الإسلامي من خلال محاربة الاكتناز في الأصول العقارية والأصول المصرفية، من خلال وضع قائمة طويلة ومعقدة من الضرائب، من ضمنها "ضريبة التركة"، ضمن ضوابط تضمن عدم اكتناز الأموال في هذه الأصول دون أن يستفيد منها الاقتصاد.
 
إذ تقوم بعض هذه الدول باقتطاع نسبة لا تقل عن 40 % من قيمة العقار السوقية عند وفاة مالك العقار، ونسبة لا تقل عن 30 % من قيمة الأرصدة في المصارف عند وفاة صاحب الحساب. وبسبب ذلك نجد من النادر أن يمتلك الأفراد هناك أكثر من عقار أو يحتفظوا بأرصدة كبيرة في حساباتهم المصرفية، لكنهم في المقابل نجدهم ملزمين بتوجيه رؤوس أموالهم في أنشطة اقتصادية حقيقية (كالصناعة أو الزراعة.. إلخ)، تخلق فرص عمل جديدة، وتساهم في نمو الاقتصاد، وتعطي عائداً جيداً للمستثمر.
 
وأوضح: وبالنسبة للانتقاد على مقالي فهو حق مشروع للجميع، وسبق أن رددت أنه من يعارضه فهو في حقيقة الأمر يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية، الذي تعاني ويلاته كثير من الدول الإسلامية - مع الأسف الشديد - نتيجة لعدم محاربتها له. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.
 
 
 
* رجال الأعمال السعوديون يحصلون على الأراضي بأسعار رمزية، وتُستورد معداتهم وأجهزتهم بإعفاءات ضريبية، ويستقدمون العمالة الأجنبية برواتب زهيدة، ويحصلون على القروض بدون فوائد من صندوق التنمية الصناعية.. فما فائدة الوطن والمواطن من ذلك؟
- أتفق معك تماماً يا أخي الكريم. فمن واجب الدولة دعم رجال الأعمال لدعم الاقتصاد، واستغلال الموارد الطبيعية، وخلق فرص العمل.. لكن في المقابل يجب أن يكون ذلك ضمن استفادة المواطن والوطن أولاً. وأعتقد أننا بعد نحو 40 عاماً من الدعم اللامحدود لرجال الأعمال السعوديين أصبحنا الآن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وليس الخاص؛ لتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً، وتقديم سلع وخدمات بأسعار معقولة بعيدة عن الممارسات الاحتكارية، مع استخدام اقتصادي للموارد الطبيعية التي هي في واقع الأمر ملكٌ للأجيال القادمة، بعيداً عن سوء الاستخدام.
 
ولفت: هنا يجب أن نضع في الاعتبار أن رجال الأعمال سيقومون بردود أفعال سلبية تجاه أي محاولات لإعادة النظر في الاستراتيجيات المطبقة حالياً. وأعتقد أنها ردود أفعال مكررة، ولن تجدي نفعاً؛ لأن الإنسان بطبعه قد يغلب مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، كما هو حاصل حالياً، بينما المرحلة الاقتصادية التي تعيشها السعودية الآن تتطلب تعديل الاستراتيجيات بعيداً عن المجاملات، بما يخدم الصالح العام، مهما كانت النتائج والتضحيات.
 
* تنادي بفكرة استثمار الأحياء الشعبية وسط المدن بحكم توافر الخدمات الأساسية لها.. فهل تطويرها سيسهم في تحقيق توازن اقتصادي واجتماعي؟
- في ظل عدم توافر الأراضي الكافية لإقامة مشاريع الإسكان التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين في المدن الرئيسية الكبرى، وفي ظل وجود أحياء شعبية وسط هذه المدن، أرى أن ندرس فكرة استثمار وتطوير الأحياء الشعبية في المدن الرئيسية بالسعودية؛ لنضرب عصفورين بحجر واحد. وقد تكون هذه الفكرة حلاً مثالياً حتى لو توافرت الأراضي. وأعتقد أننا عاجلاً أم آجلاً سنلجأ لهذا الخيار، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقع الاستراتيجي لهذه الأحياء داخل المدن، وتوافر الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصرف صحي.. وهي عوامل ستخفف من الضغط على التوسع من مشاريع البنية التحتية التي تتخذ الشكل الأفقي إلى ما لا نهاية، حتى أصبحت مدننا الرئيسية اليوم أكبر مساحة من مدن كبرى عالمياً؛ وهو يضغط على المواطن في التنقل اليومي، وعلى الدولة في إقامة الطرق وتوفير وسائل النقل العام..
 
* كيف يمكن النهوض بخدمات مؤسسات حكومية كالخطوط السعودية، والتأمينات الاجتماعية، ومصلحة التقاعد، وسابك.. إلخ بما يُرضي المستفيدين من خدماتها، ويعالج القصور، ويدعم الاقتصاد؟
- بالتأكيد، إن التخطيط والتنظيم والتوجيه والتدريب والتحفيز، وأخيراً الرقابة، كلها عوامل ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية. بينما في المقابل فتح المنافسة على مصراعيها ستنهض بخدمات القطاع الخاص. وأعتقد أن المؤسسات الحكومية شهدت تطوراً ملموساً في هذه العوامل خلال الأعوام الأخيرة، لكنها لم ترقَ بعد إلى المستوى المطلوب، الذي يُرضي المستفيدين من هذه الخدمات. وحتى نصل للمستوى المطلوب ينبغي إعطاء التوجيه والتدريب والتحفيز (وهي عوامل تعاني منها معظم المؤسسات الحكومية) اهتماماً أكبر، وتنفيذ الخطط الخمسية للدولة بالشكل المخطط له، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة، وربطها مباشرة ودورياً بولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم.
 
* منذ عام 2004م اعتبرت وزارة البترول والثروة المعدنية الثروات الموجودة في باطن الأرض مملوكة مناصفة بين الدولة والمواطنين؛ وأصبح لزاماً على أي شركة أن تطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام.. فهل هذا الأمر متاح لجميع المواطنين أم مجرد حبر على الورق؟
- هذا الأمر متاح للجميع، وتم تطبيقه فعلياً على أرض الواقع منذ 2004م؛ إذ إن جميع الاكتتابات العامة الأولية لأسهم الشركات التي تستفيد من ثروات طبيعية في باطن الأرض، كالبتروكيماويات والأسمنت وغيرهما، ملزمة نظاماً بطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام، ودون علاوة إصدار، أي بالقيمة الاسمية فقط للجمهور. وبهذه المناسبة، نشكر ولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم - ثم مقام وزارة البترول والثروة المعدنية على مثل هذه المبادرات التي تسهم في مشاركة المواطن للدولة في الثروات الطبيعية التي وهبها الله - عز وجل - لهذا البلد المبارك.
 
 
* يطالب الكثير من الاقتصاديين بفرض ضرائب بشكل أو بآخر على الشركات الكبيرة العاملة في السعودية، سواء المحلية أو الدولية.. كيف تنظر لهذا الأمر اقتصادياً؟
- بالنسبة للشركات الأجنبية، فالدولة تفرض ضرائب على دخلها بنسب معقولة، تتماشى مع دول العالم والدول المجاورة، لكنها لا تفرض ضرائب أخرى مثل ضريبة المكاسب الرأسمالية أو ضريبة الاقتطاع أو غيرها، وربما يتم تفعيل هذه الضرائب أو غيرها مستقبلاً، وهي حق مكتسب للدولة، لم تستغله حتى الآن كما هو حال بقية دول العالم؛ ربما بسبب الرغبة في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبسبب الإيرادات النفطية الضخمة التي تنعم بها بلادنا - ولله الحمد.
 
وأشار: أما بالنسبة للشركات المحلية، فكما ذكرت سابقاً، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجيتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وهذا بالطبع يشمل دراسة فرض ضرائب على الشركات المحلية بالشكل الذي يساهم في خدمة الوطن والمواطن بالدرجة الأولى مهما كانت التضحيات والنتائج.
 
* الكوارث والأزمات المالية التي تهز أسواق العالم المختلفة.. هل نحن بمأمن منها؟
- لا اعتقد أن هناك سوقاً مالية في العالم ستكون بمأمن من أي كوارث أو أزمات مالية مستقبلاً في ظل انفتاح الاقتصادات حول العالم على بعضها، وسهولة الاتصالات فيما بينها، حتى أصبح العالم (قرية صغيرة). والمهم هنا أن درجة تأثير هذه الكوارث والأزمات ستختلف من سوق إلى أخرى باختلاف الظروف المؤثرة وطبيعتها، سواء كان التأثير مباشراً أو غير مباشر. وأعتقد أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008م دحضت كثيراً من النظريات المتعلقة بإدارة المخاطر واستراتيجيات التحوط مع تحرك جميع الأسواق المالية والأصول الاستثمارية (أسهم وسندات وعقارات.. إلخ) ككتلة واحدة؛ ما أجبر المؤسسات المالية على إعادة النظر تجاه بعض المفاهيم الخاطئة حول إدارة المخاطر وأدوات التحوط.
 
* يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار السلع بسبب جشع التجار.. متى تنخفض إلى مستويات معقولة؟
- سؤال جميل ومهم. وهنا يجب أن أوضح أن أسعار السلع تاريخياً لا تنخفض، مع الأسف الشديد، لكن هناك دورات اقتصادية من المفترض أن تنتهي بتعويض المستهلك بارتفاع دخله، سواء كان ذلك بالنسبة نفسها، أو بنسبة أقل، أو بنسبة أكبر. والمؤكد أن الجميع لاحظ هذه الظاهرة السلبية لسنوات طويلة، وتضرر منها، لكنها واقع ملموس نعيشه بسبب انفتاح الاقتصاد، وتنوع مدخلاته. فعندما ترتفع تكلفة البناء فإن صاحب العمارة سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار الإيجار على المستأجر، وأيضاً عندما ترتفع أسعار الديزل أو الأعلاف فإن المزارع سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار المحصول الزراعي على المستهلك النهائي.. وهكذا دواليك، مع الأسف الشديد.
 
وأردف: لو عدنا بالزمن إلى 40 عاماً مثلاً لوجدنا أن أسعار السلع كانت أرخص عما هي عليه اليوم، لكن دخلنا كان أقل عما هو عليه اليوم أيضاً، إلا أن المهم أن هناك اختلافاً في نسب ارتفاع أسعار السلع بالمقارنة مع ارتفاع الدخل من شخص لآخر نتيجة لظروف مختلفة؛ وهذا ما يفسر تضرر البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أعلى من نسب ارتفاع الدخل)، واستفادة البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أقل من نسب ارتفاع الدخل). وفي رأيي، يجب أن نبتعد عن استغلال هذه الظروف لتحقيق مكاسب غير عادلة. بينما يتوجب على الدولة أن تضع التشريعات التنظيمية التي تشجع على تطبيق المنافسة الكاملة؛ لأنها هي فقط من سيوقف جشع التجار، وعندها ستجد الدولة نفسها ليست في حاجة لوجود أي مراقب؛ لأن آليات المنافسة الكاملة ستقوم بذلك الدور، وهو معمول به في معظم الدول المتقدمة.
 
* هل استراتيجية وزارة الإسكان قادرة على حل مشكلة السكن في المدن السعودية؟
- لا شك أن وزارة الإسكان تبذل جهوداً كبيرة وملموسة لحل مشكلة الإسكان، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أن مشكلة الإسكان في السعودية أكبر من قدرة وزارة الإسكان؛ فالإحصائيات تشير إلى أن نحو 60-70 % من المواطنين لا يملكون مساكن؛ ما يعني أنه بافتراض أن عدد المواطنين السعوديين بلغوا اليوم نحو 20 مليون نسمة، وأن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة نحو خمسة أفراد، فإن عدد المساكن اللازمة لحل مشكلة الإسكان بشكل كامل لا يقل عن 2.4 مليون مسكن. وفي المقابل، نجد أن استراتيجية الإسكان تتحدث عن ربع هذا الرقم؛ ما يؤكد لنا أن المشكلة أكبر من إمكانية الوزارة بمواردها الحالية.
 
وأوضح: أعتقد أن الحل يكمن في أن تركز وزارة الإسكان على مسؤولياتها الرئيسية، بوصفها جهة تنظيمية ورقابية للنشاط العقاري والإسكاني في السعودية، مع بعض المبادرات لإقامة المشاريع الإسكانية لذوي الدخل المحدود، بينما يتم إقرار تشريعات لفرض الرسوم والزكاة، وربما الضريبة على العقارات، بما يخدم خطط واستراتيجيات الإسكان في السعودية. وعندها سنجد أن آليات السوق ستصحح نفسها بنفسها لحل هذه المشكلة حلاً جذرياً دون أي تدخل مباشر من قِبل الحكومة، وهذا هو المعمول به في جميع الدول المتقدمة. وأعتقد أن فرض الرسوم أو الزكاة أو الضريبة على العقار في السعودية لعمل التوازن المطلوب سيكون مسألة وقت، وإلا فإن النتائج ستكون فادحة ومكلفة جداً.
 
* ظاهرة الشركات المتعثرة بعد الإدراج في السوق.. هل تضع الكثير من علامات الاستفهام؟
- نعم، تضع الكثير من علامات الاستفهام. لكن ليس كل الشركات حديثة الإدراج تعاني مشكلة التعثر بعد الإدراج؛ فهناك شركات جيدة قدّمت إضافة للسوق، وفي المقابل هناك شركات لم تقدم أي إضافة، وعانت مشكلة التعثر بعد الإدراج. وأعتقد أن الأخطاء التنظيمية والرقابية من قِبل المشرع، لكن في الوقت نفسه هناك أيضاً أخطاء وقع بها المستثمرون بحسن نية أو بتعمد. ولتفادي مثل هذه الشركات أعتقد أنه يتوجب على المستثمر أن يرفع من مستوى وعيه القانوني والاستثماري (لأنها أمواله ويجب أن يحرص عليها)، وأن يتحمل مسؤولية قراراته بشجاعة. ومن طبيعة الإنسان - مع الأسف - أنه يجير النجاح لنفسه، بينما يجير الفشل على غيره.
 
* رواتب موظفي الدولة في ثبات منذ سنوات في حين تضاعفت أسعار البضائع مرات عدة. كيف يمكن تحقيق التوازن؟
- أيضاً سؤال جميل ومهم يا أخي الكريم. وأعتقد أنه لتحقيق التوازن فإن الدولة مطالبة إما بتطبيق المنافسة الكاملة في جميع النشاطات التجارية داخل السعودية؛ لأن ذلك سيسهم حتماً في تحسين الأسعار والخدمات، أو رفع رواتب الموظفين بشكل معقول، لا يثقل كاهل الموازنة العامة، أو بكليهما معاً. وأعتقد أنه لتنفيذ ذلك ينبغي أن يتزامن ذلك مع تفعيل قوي وسريع لمشاريع الخصخصة بهدف تخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبني فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكّن الحكومة من تحقيق إيرادات كبيرة جداً؛ تساعدها في تحقيق التوازن المطلوب.
 
 
* مع بدء تطبيق وزارة العمل برنامج "ساند" وغيره من البرامج التي تسعى لتوفير فرص عمل للعمالة الوطنية.. هل تراها ذات جدوى في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة؟ وهل يكفي فقط الضغط على القطاع الخاص لخلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي؟
- لا شك أن برنامج ساند أحد البرامج التي تسعى من خلالها وزارة العمل، بالتعاون مع مؤسسات حكومية أو شبه حكومية، إلى خلق بيئة عمل جاذبة ومشجعة للشباب السعودي، إلى جانب برامج أخرى، مثل نطاقات وحافز وغيرهما. وأعتقد أن وزارة العمل ستواصل برامجها ومبادراتها التي تهدف إلى إعادة تنظيم سوق العمل، وخلق وظائف كماً ونوعاً للمواطنين. وربما سنشهد مستقبلاً حزمة أخرى من البرامج والمبادرات التي تصب في الاتجاه نفسه.
 
وبيّن: بالرغم من الأخطاء والانتقادات التي قد تكون واكبت تنفيذ هذه البرامج إلا أنها في النهاية ستؤدي حتماً للهدف المنشود. لكن التساؤلات المهمة هي: متى؟ وما التضحيات؟ وماذا عن تزايد أعداد العمالة الأجنبية، وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل المخيف؟ في رأيي، أعتقد أن هذه التساؤلات تشكّل أهم التحديات التي تواجه وزارة العمل حالياً ومستقبلاً، وإذا لم يلمس المواطن حلولاً لأهم مشكلة تهدد اقتصاديات المنطقة، المتمثلة في خلق فرص عمل جديدة، فسيستمر في التذمر، وهذا من حق المواطن إلى أن يجد حلولاً ملموسة ومقبولة.
 
* متى نرى بنوكنا ومؤسساتنا المصرفية تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية، وتساهم في تنمية المجتمع؟
مع الأسف، مؤسساتنا المصرفية منشآت تستهدف الربح أولاً وأخيراً، وهذه حقيقة يجب التعامل معها بواقعية؛ ولهذا السبب هي لا ولن تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية حتى لو تم الضغط عليها من قِبل الجهات المنظمة كمؤسسة النقد العربي السعودي. وبكل صراحة، إن إدارات المسؤولية الاجتماعية التي أنشأتها العديد من المصارف في السعودية أشبه بإدارات للعلاقات العامة دون أي أهداف وخطط جريئة لخدمة المجتمع أو البيئة. والحل الوحيد هو أن نعزز من ثقافة المسؤولية الاجتماعية بين أعضاء مجالس إدارات المصارف أولاً، التي لا تزال ضعيفة في ظل رغبتهم في الحصول على عوائد استثمار مجزية دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.
 
* تشير الدراسات إلى أن الطلب على النفط السعودي يتزايد بمعدلات متسارعة، قد تستنزفه في عقود قليلة. ما المطلوب حالياً لتدارك ذلك؟
- هذا صحيح، وهذه المشكلة ربما تكون أكبر مشكلة اقتصادية ستواجه اقتصاد السعودية خلال العشرين عاماً القادمة. ولهذا السبب تم تشكيل المركز السعودي لكفاءة الطاقة بإشراف مباشر من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي أعتبره أمير الاقتصاد. وبناءً عليه تم اختيار فريق العمل، وتم عمل خطط واستراتيجيات تهدف لترشيد الطاقة، والبدء فعلاً في تنفيذ هذه الخطط والاستراتيجيات كما لاحظ الجميع مؤخراً في حملة ترشيد المكيفات، التي تمثل واحدة من عشرات الحملات المزمع تنفيذها، التي ستستمر لأعوام قادمة حتى يتحقق الهدف بإذن الله. هنا يجب الإشارة إلى أن شهادتي مجروحة في نشاطات وإنجازات المركز بحكم كوني عضواً في اللجنة الاستشارية إلى جانب عدد من الزملاء الاقتصاديين.
 
* هل تؤيد رفع سعر الوقود محلياً؟
- نعم، أنا أؤيد رفع سعر الوقود محلياً، لكني لا أعتقد أن الوقت مناسب لتطبيقه الآن؛ إذ إن ذلك سيتسبب فوراً في ارتفاع التضخم (تكاليف المعيشة). كما أرى أن قرار رفع سعر الوقود يجب أن يكون ذكياً بربطه مثلاً برفع رواتب موظفي الدولة، كما سبقتنا في ذلك بعض الدول الخليجية، وإن كانت التأثيرات والظروف مختلفة.
 
* هل ما يحدث في السوق العقارية المحلية منطقي؟ وهل "تحجير" الأراضي البيضاء ودفع زكاتها كاف لخفض الأسعار؟
- بالتأكيد، إن ما يحدث في السوق العقارية غير منطقي؛ بدليل وجود ممارسات احتكارية، بدأت تظهر سلبياتها الآن، ووجود فجوة كبيرة بين متوسط أسعار المساكن ومتوسط القوة الشرائية للموطن السعودي، إلى جانب انعدام توازن القوى بين البائعين (من هوامير العقار) والمشترين (من صغار الأفراد)، وتكون النتيجة أن ما نشاهده الآن هو بالونة كبيرة، لا ندري متى ستنفجر؟ وربما تواصل هذه البالونة التمدد، لكننا جميعاً نعلم أنها ستنفجر إن عاجلاً أم آجلاً.
 
وأعتقد أن العقاريين اليوم منقسمون؛ فبعضهم يدرك جيداً أن الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل، والآخرون لا يزالون يتجاهلون ما يحدث من خطر، ويركزون على نظرتهم قصيرة المدى. وعلى أية حال، أعتقد أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً؛ وحتماً سنشهد تغيرات جوهرية في آليات عمل السوق العقارية في المستقبل القريب، ستسهم في تصحيح الوضع الخاطئ من جوانب مختلفة؛ لتعود السوق العقارية كنشاط اقتصادي مهم، يرتبط مباشرة بالمواطن، ويرفد بقية النشاطات الاقتصادية في السعودية.
 
* هل أصبح ترشيد الإنفاق في الموازنة المالية العامة للدولة ضرورة؟
- عندما ندقق في مكونات الإنفاق في الموازنة المالية العامة ونموها عاماً بعد عام، إلى جانب مكونات الإيرادات العامة ونموها هي الأخرى عاماً بعد عام، سندرك حينها أن هناك مخاطر كبيرة تحيط باستقرار الإيرادات العامة للدولة نتيجة لطبيعة اقتصاد السعودية، بوصفه اقتصاداً ريعياً، يعتمد بنسبة عالية على مبيعات النفط، بينما يتسم الإنفاق بالتزامات مالية كبيرة، لا يمكن تخفيضها بأي حال من الأحوال، على شكل رواتب لموظفي الدولة؛ لهذا السبب كان لزاماً علينا أن نتنبه إلى مثل هذه التحديات الاقتصادية، ونتحوط من أي سيناريوهات محتملة، قد تؤثر سلباً في الإيرادات لا قدر الله.
 
هنا يجب أن نشيد بمبادرة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله ورعاه - في خططه الإصلاحية لاقتصاد السعودية، مع تبنيه لتكوين احتياطيات ضخمة من الفوائض المالية المتراكمة منذ سنوات سابقة، التي ستمثل خط الدفاع في مواجهة أي احتمالات لسيناريوهات اقتصادية سيئة مستقبلاً بهدف دعم الموازنة، أو دعم سعر صرف الريال. وفي رأيي المتواضع، إن تكوين هذه الاحتياطيات المالية يشكّل أهم تخطيط اقتصادي قامت به السعودية منذ تأسيسها على يد المغفور له - بإذن الله - الملك عبدالعزيز، حتى يومنا هذا.

اعلان
العمران ​لـ​"​سبق":​ لا بد من رفع رواتب الموظفين وزيادة أسعار الوقود ومنع التضخم​
سبق
- خطط الملك عبدالله الإصلاحية والاحتياطيات الضخمة من الفوائض المالية المتراكمة أهم تخطيط اقتصادي منذ تأسيس السعودية

- خصخصة المشاريع وفرض ضرائب سيخففان الأعباء المالية على الحكومة ​وسيمكنان من تحقيق إيرادات كبيرة جداً​​

- العقاريون اليوم منقسمون ​و​الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل​

- مشاريع الإسكان حلولها في الأحياء الشعبية​ ​وسط المدن.. ومشكلة السكن أكبر من الوزارة

- الرقابة ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية.. والمنافسة ستنهض بخدمات القطاع الخاص​​

- على الدولة منع جشع التجار والحد من ارتفاع الأسعار ووقف منح الأراضي والقروض ​والتسهيلات الأخرى

- تجب إعادة النظر في استراتيجياتنا الصناعية والتجارية لخلق​فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً

- فتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية حدث تاريخي وسيجذب 200 مليون ريال

- من المخيف ​تزايد أعداد العمالة الأجنبية وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل​​

 
أجرى الحوار: شقران الرشيدي- سبق- الرياض- (تصوير: عبد الله المقبل): يقول ​الخبير ​الاقتصادي محمد بن فهد العمران، إن قرار مجلس الوزراء نهاية شهر رمضان ​الماضي بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة، ​و​سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تُقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي​. وأكد العمران في حواره مع "سبق"​ أن من يعارض "ضريبة التركة" يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية​. مشيراً إلى أهمية إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام،​ وليس الخاص؛ فتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً​. مؤكداً أهمية العمل على خصخصة المشاريع لتخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبنيها فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكنها من تحقيق إيرادات مالية كبيرة جداً​.
 
ويتناول الحوار العديد من المحاور الاقتصادية المهمة. فإلى تفاصيل الحوار:​
 
 
* بعض المحللين الاقتصاديين يرسمون ملامح غير إيجابية عن مستقبل سوق المال السعودية، والتحديات القادمة.. بحكم اطلاعك، ما أبرز توجهات سوق المال المحلية؟ وهل هي تسير في الاتجاه الصحيح؟
- كل محلل اقتصادي له الحق في إبداء وجهة نظره الخاصة؛ ومن الطبيعي ألا يتفق المحللون في وجهات نظرهم وتوقعاتهم. والمهم دائماً هو أن نسمع لوجهات النظر وتوقعاتهم المختلفة، ثم نتخذ القرار الاستثماري الذي نقتنع نحن به بناءً على هذه المعلومات، وبعيداً عن التحيز الشخصي؛ حتى نصل للقرار الصحيح. ويجب أن نضع في اعتبارنا دائماً أن علم الغيب بيد الله وحده، وما عدا فهي اجتهادات.
 
 بالنسبة لمستقبل سوق الأسهم السعودية، والتحديات التي ستواجهها، فلا شك أن قرار مجلس الوزراء الموقر نهاية شهر رمضان الكريم بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة؛ إذ سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي (نحو 9 % من القيمة السوقية الإجمالية حالياً) خلال العامين القادمين، سواء من مستثمرين سعوديين يحاولون اقتناص الفرص مسبقاً أو من مستثمرين عالميين (مؤسسات مالية وصناديق استثمارية وشركات تأمين)، يريدون أخذ مراكز تعكس قيمة السوق المالية السعودية بالنسبة لبقية الأسواق المالية العالمية دون النظر إلى مستويات التقييم.
 
وأضاف: بالتأكيد، فإن هذا سيدعم وبقوة من عمليات الشراء التي قد يتخللها بعض عمليات جني الأرباح، وتكون المحصلة النهائية اتجاهاً صاعداً للمؤشر - والله أعلم - حتى نصل إلى رفع تصنيف السوق السعودية إلى "سوق ناشئة"، الذي يمثل هدفاً استراتيجياً، سيحقق لنا التكامل مع بقية الأسواق المالية العالمية، وسيجبر الاقتصادات ورؤوس الأموال الكبرى حول العالم على الاهتمام، والحرص على استقرار ونمو اقتصاد السعودية - بإذن الله - بسبب المصالح المشتركة. وهنا تأتي أهمية الانفتاح مع بقية الأسواق المالية العالمية.
 
* تحدثت في أحد مقالاتك عن "ضريبة التركة" المطبَّقة في بعض الدول الأوروبية، وقلت إنها تحارب "اكتناز" المال لدى فئات معينة، وأنه مبدأ إسلامي.. وقد انتقدك البعض على ذلك.. هل أوضحت وجهة نظرك؟
- لا شك أن ديننا الإسلامي الحنيف حارب اكتناز الأموال بأشكاله كافة. ومع الأسف، بعض الدول الأوروبية طبقت هذا المبدأ الإسلامي من خلال محاربة الاكتناز في الأصول العقارية والأصول المصرفية، من خلال وضع قائمة طويلة ومعقدة من الضرائب، من ضمنها "ضريبة التركة"، ضمن ضوابط تضمن عدم اكتناز الأموال في هذه الأصول دون أن يستفيد منها الاقتصاد.
 
إذ تقوم بعض هذه الدول باقتطاع نسبة لا تقل عن 40 % من قيمة العقار السوقية عند وفاة مالك العقار، ونسبة لا تقل عن 30 % من قيمة الأرصدة في المصارف عند وفاة صاحب الحساب. وبسبب ذلك نجد من النادر أن يمتلك الأفراد هناك أكثر من عقار أو يحتفظوا بأرصدة كبيرة في حساباتهم المصرفية، لكنهم في المقابل نجدهم ملزمين بتوجيه رؤوس أموالهم في أنشطة اقتصادية حقيقية (كالصناعة أو الزراعة.. إلخ)، تخلق فرص عمل جديدة، وتساهم في نمو الاقتصاد، وتعطي عائداً جيداً للمستثمر.
 
وأوضح: وبالنسبة للانتقاد على مقالي فهو حق مشروع للجميع، وسبق أن رددت أنه من يعارضه فهو في حقيقة الأمر يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية، الذي تعاني ويلاته كثير من الدول الإسلامية - مع الأسف الشديد - نتيجة لعدم محاربتها له. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.
 
 
 
* رجال الأعمال السعوديون يحصلون على الأراضي بأسعار رمزية، وتُستورد معداتهم وأجهزتهم بإعفاءات ضريبية، ويستقدمون العمالة الأجنبية برواتب زهيدة، ويحصلون على القروض بدون فوائد من صندوق التنمية الصناعية.. فما فائدة الوطن والمواطن من ذلك؟
- أتفق معك تماماً يا أخي الكريم. فمن واجب الدولة دعم رجال الأعمال لدعم الاقتصاد، واستغلال الموارد الطبيعية، وخلق فرص العمل.. لكن في المقابل يجب أن يكون ذلك ضمن استفادة المواطن والوطن أولاً. وأعتقد أننا بعد نحو 40 عاماً من الدعم اللامحدود لرجال الأعمال السعوديين أصبحنا الآن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وليس الخاص؛ لتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً، وتقديم سلع وخدمات بأسعار معقولة بعيدة عن الممارسات الاحتكارية، مع استخدام اقتصادي للموارد الطبيعية التي هي في واقع الأمر ملكٌ للأجيال القادمة، بعيداً عن سوء الاستخدام.
 
ولفت: هنا يجب أن نضع في الاعتبار أن رجال الأعمال سيقومون بردود أفعال سلبية تجاه أي محاولات لإعادة النظر في الاستراتيجيات المطبقة حالياً. وأعتقد أنها ردود أفعال مكررة، ولن تجدي نفعاً؛ لأن الإنسان بطبعه قد يغلب مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، كما هو حاصل حالياً، بينما المرحلة الاقتصادية التي تعيشها السعودية الآن تتطلب تعديل الاستراتيجيات بعيداً عن المجاملات، بما يخدم الصالح العام، مهما كانت النتائج والتضحيات.
 
* تنادي بفكرة استثمار الأحياء الشعبية وسط المدن بحكم توافر الخدمات الأساسية لها.. فهل تطويرها سيسهم في تحقيق توازن اقتصادي واجتماعي؟
- في ظل عدم توافر الأراضي الكافية لإقامة مشاريع الإسكان التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين في المدن الرئيسية الكبرى، وفي ظل وجود أحياء شعبية وسط هذه المدن، أرى أن ندرس فكرة استثمار وتطوير الأحياء الشعبية في المدن الرئيسية بالسعودية؛ لنضرب عصفورين بحجر واحد. وقد تكون هذه الفكرة حلاً مثالياً حتى لو توافرت الأراضي. وأعتقد أننا عاجلاً أم آجلاً سنلجأ لهذا الخيار، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقع الاستراتيجي لهذه الأحياء داخل المدن، وتوافر الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصرف صحي.. وهي عوامل ستخفف من الضغط على التوسع من مشاريع البنية التحتية التي تتخذ الشكل الأفقي إلى ما لا نهاية، حتى أصبحت مدننا الرئيسية اليوم أكبر مساحة من مدن كبرى عالمياً؛ وهو يضغط على المواطن في التنقل اليومي، وعلى الدولة في إقامة الطرق وتوفير وسائل النقل العام..
 
* كيف يمكن النهوض بخدمات مؤسسات حكومية كالخطوط السعودية، والتأمينات الاجتماعية، ومصلحة التقاعد، وسابك.. إلخ بما يُرضي المستفيدين من خدماتها، ويعالج القصور، ويدعم الاقتصاد؟
- بالتأكيد، إن التخطيط والتنظيم والتوجيه والتدريب والتحفيز، وأخيراً الرقابة، كلها عوامل ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية. بينما في المقابل فتح المنافسة على مصراعيها ستنهض بخدمات القطاع الخاص. وأعتقد أن المؤسسات الحكومية شهدت تطوراً ملموساً في هذه العوامل خلال الأعوام الأخيرة، لكنها لم ترقَ بعد إلى المستوى المطلوب، الذي يُرضي المستفيدين من هذه الخدمات. وحتى نصل للمستوى المطلوب ينبغي إعطاء التوجيه والتدريب والتحفيز (وهي عوامل تعاني منها معظم المؤسسات الحكومية) اهتماماً أكبر، وتنفيذ الخطط الخمسية للدولة بالشكل المخطط له، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة، وربطها مباشرة ودورياً بولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم.
 
* منذ عام 2004م اعتبرت وزارة البترول والثروة المعدنية الثروات الموجودة في باطن الأرض مملوكة مناصفة بين الدولة والمواطنين؛ وأصبح لزاماً على أي شركة أن تطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام.. فهل هذا الأمر متاح لجميع المواطنين أم مجرد حبر على الورق؟
- هذا الأمر متاح للجميع، وتم تطبيقه فعلياً على أرض الواقع منذ 2004م؛ إذ إن جميع الاكتتابات العامة الأولية لأسهم الشركات التي تستفيد من ثروات طبيعية في باطن الأرض، كالبتروكيماويات والأسمنت وغيرهما، ملزمة نظاماً بطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام، ودون علاوة إصدار، أي بالقيمة الاسمية فقط للجمهور. وبهذه المناسبة، نشكر ولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم - ثم مقام وزارة البترول والثروة المعدنية على مثل هذه المبادرات التي تسهم في مشاركة المواطن للدولة في الثروات الطبيعية التي وهبها الله - عز وجل - لهذا البلد المبارك.
 
 
* يطالب الكثير من الاقتصاديين بفرض ضرائب بشكل أو بآخر على الشركات الكبيرة العاملة في السعودية، سواء المحلية أو الدولية.. كيف تنظر لهذا الأمر اقتصادياً؟
- بالنسبة للشركات الأجنبية، فالدولة تفرض ضرائب على دخلها بنسب معقولة، تتماشى مع دول العالم والدول المجاورة، لكنها لا تفرض ضرائب أخرى مثل ضريبة المكاسب الرأسمالية أو ضريبة الاقتطاع أو غيرها، وربما يتم تفعيل هذه الضرائب أو غيرها مستقبلاً، وهي حق مكتسب للدولة، لم تستغله حتى الآن كما هو حال بقية دول العالم؛ ربما بسبب الرغبة في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبسبب الإيرادات النفطية الضخمة التي تنعم بها بلادنا - ولله الحمد.
 
وأشار: أما بالنسبة للشركات المحلية، فكما ذكرت سابقاً، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجيتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وهذا بالطبع يشمل دراسة فرض ضرائب على الشركات المحلية بالشكل الذي يساهم في خدمة الوطن والمواطن بالدرجة الأولى مهما كانت التضحيات والنتائج.
 
* الكوارث والأزمات المالية التي تهز أسواق العالم المختلفة.. هل نحن بمأمن منها؟
- لا اعتقد أن هناك سوقاً مالية في العالم ستكون بمأمن من أي كوارث أو أزمات مالية مستقبلاً في ظل انفتاح الاقتصادات حول العالم على بعضها، وسهولة الاتصالات فيما بينها، حتى أصبح العالم (قرية صغيرة). والمهم هنا أن درجة تأثير هذه الكوارث والأزمات ستختلف من سوق إلى أخرى باختلاف الظروف المؤثرة وطبيعتها، سواء كان التأثير مباشراً أو غير مباشر. وأعتقد أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008م دحضت كثيراً من النظريات المتعلقة بإدارة المخاطر واستراتيجيات التحوط مع تحرك جميع الأسواق المالية والأصول الاستثمارية (أسهم وسندات وعقارات.. إلخ) ككتلة واحدة؛ ما أجبر المؤسسات المالية على إعادة النظر تجاه بعض المفاهيم الخاطئة حول إدارة المخاطر وأدوات التحوط.
 
* يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار السلع بسبب جشع التجار.. متى تنخفض إلى مستويات معقولة؟
- سؤال جميل ومهم. وهنا يجب أن أوضح أن أسعار السلع تاريخياً لا تنخفض، مع الأسف الشديد، لكن هناك دورات اقتصادية من المفترض أن تنتهي بتعويض المستهلك بارتفاع دخله، سواء كان ذلك بالنسبة نفسها، أو بنسبة أقل، أو بنسبة أكبر. والمؤكد أن الجميع لاحظ هذه الظاهرة السلبية لسنوات طويلة، وتضرر منها، لكنها واقع ملموس نعيشه بسبب انفتاح الاقتصاد، وتنوع مدخلاته. فعندما ترتفع تكلفة البناء فإن صاحب العمارة سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار الإيجار على المستأجر، وأيضاً عندما ترتفع أسعار الديزل أو الأعلاف فإن المزارع سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار المحصول الزراعي على المستهلك النهائي.. وهكذا دواليك، مع الأسف الشديد.
 
وأردف: لو عدنا بالزمن إلى 40 عاماً مثلاً لوجدنا أن أسعار السلع كانت أرخص عما هي عليه اليوم، لكن دخلنا كان أقل عما هو عليه اليوم أيضاً، إلا أن المهم أن هناك اختلافاً في نسب ارتفاع أسعار السلع بالمقارنة مع ارتفاع الدخل من شخص لآخر نتيجة لظروف مختلفة؛ وهذا ما يفسر تضرر البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أعلى من نسب ارتفاع الدخل)، واستفادة البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أقل من نسب ارتفاع الدخل). وفي رأيي، يجب أن نبتعد عن استغلال هذه الظروف لتحقيق مكاسب غير عادلة. بينما يتوجب على الدولة أن تضع التشريعات التنظيمية التي تشجع على تطبيق المنافسة الكاملة؛ لأنها هي فقط من سيوقف جشع التجار، وعندها ستجد الدولة نفسها ليست في حاجة لوجود أي مراقب؛ لأن آليات المنافسة الكاملة ستقوم بذلك الدور، وهو معمول به في معظم الدول المتقدمة.
 
* هل استراتيجية وزارة الإسكان قادرة على حل مشكلة السكن في المدن السعودية؟
- لا شك أن وزارة الإسكان تبذل جهوداً كبيرة وملموسة لحل مشكلة الإسكان، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أن مشكلة الإسكان في السعودية أكبر من قدرة وزارة الإسكان؛ فالإحصائيات تشير إلى أن نحو 60-70 % من المواطنين لا يملكون مساكن؛ ما يعني أنه بافتراض أن عدد المواطنين السعوديين بلغوا اليوم نحو 20 مليون نسمة، وأن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة نحو خمسة أفراد، فإن عدد المساكن اللازمة لحل مشكلة الإسكان بشكل كامل لا يقل عن 2.4 مليون مسكن. وفي المقابل، نجد أن استراتيجية الإسكان تتحدث عن ربع هذا الرقم؛ ما يؤكد لنا أن المشكلة أكبر من إمكانية الوزارة بمواردها الحالية.
 
وأوضح: أعتقد أن الحل يكمن في أن تركز وزارة الإسكان على مسؤولياتها الرئيسية، بوصفها جهة تنظيمية ورقابية للنشاط العقاري والإسكاني في السعودية، مع بعض المبادرات لإقامة المشاريع الإسكانية لذوي الدخل المحدود، بينما يتم إقرار تشريعات لفرض الرسوم والزكاة، وربما الضريبة على العقارات، بما يخدم خطط واستراتيجيات الإسكان في السعودية. وعندها سنجد أن آليات السوق ستصحح نفسها بنفسها لحل هذه المشكلة حلاً جذرياً دون أي تدخل مباشر من قِبل الحكومة، وهذا هو المعمول به في جميع الدول المتقدمة. وأعتقد أن فرض الرسوم أو الزكاة أو الضريبة على العقار في السعودية لعمل التوازن المطلوب سيكون مسألة وقت، وإلا فإن النتائج ستكون فادحة ومكلفة جداً.
 
* ظاهرة الشركات المتعثرة بعد الإدراج في السوق.. هل تضع الكثير من علامات الاستفهام؟
- نعم، تضع الكثير من علامات الاستفهام. لكن ليس كل الشركات حديثة الإدراج تعاني مشكلة التعثر بعد الإدراج؛ فهناك شركات جيدة قدّمت إضافة للسوق، وفي المقابل هناك شركات لم تقدم أي إضافة، وعانت مشكلة التعثر بعد الإدراج. وأعتقد أن الأخطاء التنظيمية والرقابية من قِبل المشرع، لكن في الوقت نفسه هناك أيضاً أخطاء وقع بها المستثمرون بحسن نية أو بتعمد. ولتفادي مثل هذه الشركات أعتقد أنه يتوجب على المستثمر أن يرفع من مستوى وعيه القانوني والاستثماري (لأنها أمواله ويجب أن يحرص عليها)، وأن يتحمل مسؤولية قراراته بشجاعة. ومن طبيعة الإنسان - مع الأسف - أنه يجير النجاح لنفسه، بينما يجير الفشل على غيره.
 
* رواتب موظفي الدولة في ثبات منذ سنوات في حين تضاعفت أسعار البضائع مرات عدة. كيف يمكن تحقيق التوازن؟
- أيضاً سؤال جميل ومهم يا أخي الكريم. وأعتقد أنه لتحقيق التوازن فإن الدولة مطالبة إما بتطبيق المنافسة الكاملة في جميع النشاطات التجارية داخل السعودية؛ لأن ذلك سيسهم حتماً في تحسين الأسعار والخدمات، أو رفع رواتب الموظفين بشكل معقول، لا يثقل كاهل الموازنة العامة، أو بكليهما معاً. وأعتقد أنه لتنفيذ ذلك ينبغي أن يتزامن ذلك مع تفعيل قوي وسريع لمشاريع الخصخصة بهدف تخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبني فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكّن الحكومة من تحقيق إيرادات كبيرة جداً؛ تساعدها في تحقيق التوازن المطلوب.
 
 
* مع بدء تطبيق وزارة العمل برنامج "ساند" وغيره من البرامج التي تسعى لتوفير فرص عمل للعمالة الوطنية.. هل تراها ذات جدوى في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة؟ وهل يكفي فقط الضغط على القطاع الخاص لخلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي؟
- لا شك أن برنامج ساند أحد البرامج التي تسعى من خلالها وزارة العمل، بالتعاون مع مؤسسات حكومية أو شبه حكومية، إلى خلق بيئة عمل جاذبة ومشجعة للشباب السعودي، إلى جانب برامج أخرى، مثل نطاقات وحافز وغيرهما. وأعتقد أن وزارة العمل ستواصل برامجها ومبادراتها التي تهدف إلى إعادة تنظيم سوق العمل، وخلق وظائف كماً ونوعاً للمواطنين. وربما سنشهد مستقبلاً حزمة أخرى من البرامج والمبادرات التي تصب في الاتجاه نفسه.
 
وبيّن: بالرغم من الأخطاء والانتقادات التي قد تكون واكبت تنفيذ هذه البرامج إلا أنها في النهاية ستؤدي حتماً للهدف المنشود. لكن التساؤلات المهمة هي: متى؟ وما التضحيات؟ وماذا عن تزايد أعداد العمالة الأجنبية، وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل المخيف؟ في رأيي، أعتقد أن هذه التساؤلات تشكّل أهم التحديات التي تواجه وزارة العمل حالياً ومستقبلاً، وإذا لم يلمس المواطن حلولاً لأهم مشكلة تهدد اقتصاديات المنطقة، المتمثلة في خلق فرص عمل جديدة، فسيستمر في التذمر، وهذا من حق المواطن إلى أن يجد حلولاً ملموسة ومقبولة.
 
* متى نرى بنوكنا ومؤسساتنا المصرفية تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية، وتساهم في تنمية المجتمع؟
مع الأسف، مؤسساتنا المصرفية منشآت تستهدف الربح أولاً وأخيراً، وهذه حقيقة يجب التعامل معها بواقعية؛ ولهذا السبب هي لا ولن تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية حتى لو تم الضغط عليها من قِبل الجهات المنظمة كمؤسسة النقد العربي السعودي. وبكل صراحة، إن إدارات المسؤولية الاجتماعية التي أنشأتها العديد من المصارف في السعودية أشبه بإدارات للعلاقات العامة دون أي أهداف وخطط جريئة لخدمة المجتمع أو البيئة. والحل الوحيد هو أن نعزز من ثقافة المسؤولية الاجتماعية بين أعضاء مجالس إدارات المصارف أولاً، التي لا تزال ضعيفة في ظل رغبتهم في الحصول على عوائد استثمار مجزية دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.
 
* تشير الدراسات إلى أن الطلب على النفط السعودي يتزايد بمعدلات متسارعة، قد تستنزفه في عقود قليلة. ما المطلوب حالياً لتدارك ذلك؟
- هذا صحيح، وهذه المشكلة ربما تكون أكبر مشكلة اقتصادية ستواجه اقتصاد السعودية خلال العشرين عاماً القادمة. ولهذا السبب تم تشكيل المركز السعودي لكفاءة الطاقة بإشراف مباشر من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي أعتبره أمير الاقتصاد. وبناءً عليه تم اختيار فريق العمل، وتم عمل خطط واستراتيجيات تهدف لترشيد الطاقة، والبدء فعلاً في تنفيذ هذه الخطط والاستراتيجيات كما لاحظ الجميع مؤخراً في حملة ترشيد المكيفات، التي تمثل واحدة من عشرات الحملات المزمع تنفيذها، التي ستستمر لأعوام قادمة حتى يتحقق الهدف بإذن الله. هنا يجب الإشارة إلى أن شهادتي مجروحة في نشاطات وإنجازات المركز بحكم كوني عضواً في اللجنة الاستشارية إلى جانب عدد من الزملاء الاقتصاديين.
 
* هل تؤيد رفع سعر الوقود محلياً؟
- نعم، أنا أؤيد رفع سعر الوقود محلياً، لكني لا أعتقد أن الوقت مناسب لتطبيقه الآن؛ إذ إن ذلك سيتسبب فوراً في ارتفاع التضخم (تكاليف المعيشة). كما أرى أن قرار رفع سعر الوقود يجب أن يكون ذكياً بربطه مثلاً برفع رواتب موظفي الدولة، كما سبقتنا في ذلك بعض الدول الخليجية، وإن كانت التأثيرات والظروف مختلفة.
 
* هل ما يحدث في السوق العقارية المحلية منطقي؟ وهل "تحجير" الأراضي البيضاء ودفع زكاتها كاف لخفض الأسعار؟
- بالتأكيد، إن ما يحدث في السوق العقارية غير منطقي؛ بدليل وجود ممارسات احتكارية، بدأت تظهر سلبياتها الآن، ووجود فجوة كبيرة بين متوسط أسعار المساكن ومتوسط القوة الشرائية للموطن السعودي، إلى جانب انعدام توازن القوى بين البائعين (من هوامير العقار) والمشترين (من صغار الأفراد)، وتكون النتيجة أن ما نشاهده الآن هو بالونة كبيرة، لا ندري متى ستنفجر؟ وربما تواصل هذه البالونة التمدد، لكننا جميعاً نعلم أنها ستنفجر إن عاجلاً أم آجلاً.
 
وأعتقد أن العقاريين اليوم منقسمون؛ فبعضهم يدرك جيداً أن الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل، والآخرون لا يزالون يتجاهلون ما يحدث من خطر، ويركزون على نظرتهم قصيرة المدى. وعلى أية حال، أعتقد أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً؛ وحتماً سنشهد تغيرات جوهرية في آليات عمل السوق العقارية في المستقبل القريب، ستسهم في تصحيح الوضع الخاطئ من جوانب مختلفة؛ لتعود السوق العقارية كنشاط اقتصادي مهم، يرتبط مباشرة بالمواطن، ويرفد بقية النشاطات الاقتصادية في السعودية.
 
* هل أصبح ترشيد الإنفاق في الموازنة المالية العامة للدولة ضرورة؟
- عندما ندقق في مكونات الإنفاق في الموازنة المالية العامة ونموها عاماً بعد عام، إلى جانب مكونات الإيرادات العامة ونموها هي الأخرى عاماً بعد عام، سندرك حينها أن هناك مخاطر كبيرة تحيط باستقرار الإيرادات العامة للدولة نتيجة لطبيعة اقتصاد السعودية، بوصفه اقتصاداً ريعياً، يعتمد بنسبة عالية على مبيعات النفط، بينما يتسم الإنفاق بالتزامات مالية كبيرة، لا يمكن تخفيضها بأي حال من الأحوال، على شكل رواتب لموظفي الدولة؛ لهذا السبب كان لزاماً علينا أن نتنبه إلى مثل هذه التحديات الاقتصادية، ونتحوط من أي سيناريوهات محتملة، قد تؤثر سلباً في الإيرادات لا قدر الله.
 
هنا يجب أن نشيد بمبادرة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله ورعاه - في خططه الإصلاحية لاقتصاد السعودية، مع تبنيه لتكوين احتياطيات ضخمة من الفوائض المالية المتراكمة منذ سنوات سابقة، التي ستمثل خط الدفاع في مواجهة أي احتمالات لسيناريوهات اقتصادية سيئة مستقبلاً بهدف دعم الموازنة، أو دعم سعر صرف الريال. وفي رأيي المتواضع، إن تكوين هذه الاحتياطيات المالية يشكّل أهم تخطيط اقتصادي قامت به السعودية منذ تأسيسها على يد المغفور له - بإذن الله - الملك عبدالعزيز، حتى يومنا هذا.
30 أغسطس 2014 - 4 ذو القعدة 1435
11:02 PM

قال: الثروات الموجودة في باطن الأرض مملوكة مناصفة بين الدولة والمواطنين

العمران ​لـ​"​سبق":​ لا بد من رفع رواتب الموظفين وزيادة أسعار الوقود ومنع التضخم​

A A A
0
300,804

- خطط الملك عبدالله الإصلاحية والاحتياطيات الضخمة من الفوائض المالية المتراكمة أهم تخطيط اقتصادي منذ تأسيس السعودية

- خصخصة المشاريع وفرض ضرائب سيخففان الأعباء المالية على الحكومة ​وسيمكنان من تحقيق إيرادات كبيرة جداً​​

- العقاريون اليوم منقسمون ​و​الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل​

- مشاريع الإسكان حلولها في الأحياء الشعبية​ ​وسط المدن.. ومشكلة السكن أكبر من الوزارة

- الرقابة ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية.. والمنافسة ستنهض بخدمات القطاع الخاص​​

- على الدولة منع جشع التجار والحد من ارتفاع الأسعار ووقف منح الأراضي والقروض ​والتسهيلات الأخرى

- تجب إعادة النظر في استراتيجياتنا الصناعية والتجارية لخلق​فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً

- فتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية حدث تاريخي وسيجذب 200 مليون ريال

- من المخيف ​تزايد أعداد العمالة الأجنبية وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل​​

 
أجرى الحوار: شقران الرشيدي- سبق- الرياض- (تصوير: عبد الله المقبل): يقول ​الخبير ​الاقتصادي محمد بن فهد العمران، إن قرار مجلس الوزراء نهاية شهر رمضان ​الماضي بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة، ​و​سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تُقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي​. وأكد العمران في حواره مع "سبق"​ أن من يعارض "ضريبة التركة" يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية​. مشيراً إلى أهمية إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام،​ وليس الخاص؛ فتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً​. مؤكداً أهمية العمل على خصخصة المشاريع لتخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبنيها فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكنها من تحقيق إيرادات مالية كبيرة جداً​.
 
ويتناول الحوار العديد من المحاور الاقتصادية المهمة. فإلى تفاصيل الحوار:​
 
 
* بعض المحللين الاقتصاديين يرسمون ملامح غير إيجابية عن مستقبل سوق المال السعودية، والتحديات القادمة.. بحكم اطلاعك، ما أبرز توجهات سوق المال المحلية؟ وهل هي تسير في الاتجاه الصحيح؟
- كل محلل اقتصادي له الحق في إبداء وجهة نظره الخاصة؛ ومن الطبيعي ألا يتفق المحللون في وجهات نظرهم وتوقعاتهم. والمهم دائماً هو أن نسمع لوجهات النظر وتوقعاتهم المختلفة، ثم نتخذ القرار الاستثماري الذي نقتنع نحن به بناءً على هذه المعلومات، وبعيداً عن التحيز الشخصي؛ حتى نصل للقرار الصحيح. ويجب أن نضع في اعتبارنا دائماً أن علم الغيب بيد الله وحده، وما عدا فهي اجتهادات.
 
 بالنسبة لمستقبل سوق الأسهم السعودية، والتحديات التي ستواجهها، فلا شك أن قرار مجلس الوزراء الموقر نهاية شهر رمضان الكريم بفتح السوق المالية السعودية أمام المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة حدث تاريخي بالمقاييس كافة؛ إذ سيجذب سيولة استثمارية ضخمة، تقدَّر بنحو 200 مليار ريال سعودي (نحو 9 % من القيمة السوقية الإجمالية حالياً) خلال العامين القادمين، سواء من مستثمرين سعوديين يحاولون اقتناص الفرص مسبقاً أو من مستثمرين عالميين (مؤسسات مالية وصناديق استثمارية وشركات تأمين)، يريدون أخذ مراكز تعكس قيمة السوق المالية السعودية بالنسبة لبقية الأسواق المالية العالمية دون النظر إلى مستويات التقييم.
 
وأضاف: بالتأكيد، فإن هذا سيدعم وبقوة من عمليات الشراء التي قد يتخللها بعض عمليات جني الأرباح، وتكون المحصلة النهائية اتجاهاً صاعداً للمؤشر - والله أعلم - حتى نصل إلى رفع تصنيف السوق السعودية إلى "سوق ناشئة"، الذي يمثل هدفاً استراتيجياً، سيحقق لنا التكامل مع بقية الأسواق المالية العالمية، وسيجبر الاقتصادات ورؤوس الأموال الكبرى حول العالم على الاهتمام، والحرص على استقرار ونمو اقتصاد السعودية - بإذن الله - بسبب المصالح المشتركة. وهنا تأتي أهمية الانفتاح مع بقية الأسواق المالية العالمية.
 
* تحدثت في أحد مقالاتك عن "ضريبة التركة" المطبَّقة في بعض الدول الأوروبية، وقلت إنها تحارب "اكتناز" المال لدى فئات معينة، وأنه مبدأ إسلامي.. وقد انتقدك البعض على ذلك.. هل أوضحت وجهة نظرك؟
- لا شك أن ديننا الإسلامي الحنيف حارب اكتناز الأموال بأشكاله كافة. ومع الأسف، بعض الدول الأوروبية طبقت هذا المبدأ الإسلامي من خلال محاربة الاكتناز في الأصول العقارية والأصول المصرفية، من خلال وضع قائمة طويلة ومعقدة من الضرائب، من ضمنها "ضريبة التركة"، ضمن ضوابط تضمن عدم اكتناز الأموال في هذه الأصول دون أن يستفيد منها الاقتصاد.
 
إذ تقوم بعض هذه الدول باقتطاع نسبة لا تقل عن 40 % من قيمة العقار السوقية عند وفاة مالك العقار، ونسبة لا تقل عن 30 % من قيمة الأرصدة في المصارف عند وفاة صاحب الحساب. وبسبب ذلك نجد من النادر أن يمتلك الأفراد هناك أكثر من عقار أو يحتفظوا بأرصدة كبيرة في حساباتهم المصرفية، لكنهم في المقابل نجدهم ملزمين بتوجيه رؤوس أموالهم في أنشطة اقتصادية حقيقية (كالصناعة أو الزراعة.. إلخ)، تخلق فرص عمل جديدة، وتساهم في نمو الاقتصاد، وتعطي عائداً جيداً للمستثمر.
 
وأوضح: وبالنسبة للانتقاد على مقالي فهو حق مشروع للجميع، وسبق أن رددت أنه من يعارضه فهو في حقيقة الأمر يعارض مبدأ الاكتناز المستقى من الشريعة الإسلامية، الذي تعاني ويلاته كثير من الدول الإسلامية - مع الأسف الشديد - نتيجة لعدم محاربتها له. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.
 
 
 
* رجال الأعمال السعوديون يحصلون على الأراضي بأسعار رمزية، وتُستورد معداتهم وأجهزتهم بإعفاءات ضريبية، ويستقدمون العمالة الأجنبية برواتب زهيدة، ويحصلون على القروض بدون فوائد من صندوق التنمية الصناعية.. فما فائدة الوطن والمواطن من ذلك؟
- أتفق معك تماماً يا أخي الكريم. فمن واجب الدولة دعم رجال الأعمال لدعم الاقتصاد، واستغلال الموارد الطبيعية، وخلق فرص العمل.. لكن في المقابل يجب أن يكون ذلك ضمن استفادة المواطن والوطن أولاً. وأعتقد أننا بعد نحو 40 عاماً من الدعم اللامحدود لرجال الأعمال السعوديين أصبحنا الآن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجياتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وليس الخاص؛ لتكون موجهة نحو خلق فرص عمل كريمة للمواطنين نوعاً وكماً، وتقديم سلع وخدمات بأسعار معقولة بعيدة عن الممارسات الاحتكارية، مع استخدام اقتصادي للموارد الطبيعية التي هي في واقع الأمر ملكٌ للأجيال القادمة، بعيداً عن سوء الاستخدام.
 
ولفت: هنا يجب أن نضع في الاعتبار أن رجال الأعمال سيقومون بردود أفعال سلبية تجاه أي محاولات لإعادة النظر في الاستراتيجيات المطبقة حالياً. وأعتقد أنها ردود أفعال مكررة، ولن تجدي نفعاً؛ لأن الإنسان بطبعه قد يغلب مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، كما هو حاصل حالياً، بينما المرحلة الاقتصادية التي تعيشها السعودية الآن تتطلب تعديل الاستراتيجيات بعيداً عن المجاملات، بما يخدم الصالح العام، مهما كانت النتائج والتضحيات.
 
* تنادي بفكرة استثمار الأحياء الشعبية وسط المدن بحكم توافر الخدمات الأساسية لها.. فهل تطويرها سيسهم في تحقيق توازن اقتصادي واجتماعي؟
- في ظل عدم توافر الأراضي الكافية لإقامة مشاريع الإسكان التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين في المدن الرئيسية الكبرى، وفي ظل وجود أحياء شعبية وسط هذه المدن، أرى أن ندرس فكرة استثمار وتطوير الأحياء الشعبية في المدن الرئيسية بالسعودية؛ لنضرب عصفورين بحجر واحد. وقد تكون هذه الفكرة حلاً مثالياً حتى لو توافرت الأراضي. وأعتقد أننا عاجلاً أم آجلاً سنلجأ لهذا الخيار، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقع الاستراتيجي لهذه الأحياء داخل المدن، وتوافر الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصرف صحي.. وهي عوامل ستخفف من الضغط على التوسع من مشاريع البنية التحتية التي تتخذ الشكل الأفقي إلى ما لا نهاية، حتى أصبحت مدننا الرئيسية اليوم أكبر مساحة من مدن كبرى عالمياً؛ وهو يضغط على المواطن في التنقل اليومي، وعلى الدولة في إقامة الطرق وتوفير وسائل النقل العام..
 
* كيف يمكن النهوض بخدمات مؤسسات حكومية كالخطوط السعودية، والتأمينات الاجتماعية، ومصلحة التقاعد، وسابك.. إلخ بما يُرضي المستفيدين من خدماتها، ويعالج القصور، ويدعم الاقتصاد؟
- بالتأكيد، إن التخطيط والتنظيم والتوجيه والتدريب والتحفيز، وأخيراً الرقابة، كلها عوامل ستنهض بالخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية. بينما في المقابل فتح المنافسة على مصراعيها ستنهض بخدمات القطاع الخاص. وأعتقد أن المؤسسات الحكومية شهدت تطوراً ملموساً في هذه العوامل خلال الأعوام الأخيرة، لكنها لم ترقَ بعد إلى المستوى المطلوب، الذي يُرضي المستفيدين من هذه الخدمات. وحتى نصل للمستوى المطلوب ينبغي إعطاء التوجيه والتدريب والتحفيز (وهي عوامل تعاني منها معظم المؤسسات الحكومية) اهتماماً أكبر، وتنفيذ الخطط الخمسية للدولة بالشكل المخطط له، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة، وربطها مباشرة ودورياً بولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم.
 
* منذ عام 2004م اعتبرت وزارة البترول والثروة المعدنية الثروات الموجودة في باطن الأرض مملوكة مناصفة بين الدولة والمواطنين؛ وأصبح لزاماً على أي شركة أن تطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام.. فهل هذا الأمر متاح لجميع المواطنين أم مجرد حبر على الورق؟
- هذا الأمر متاح للجميع، وتم تطبيقه فعلياً على أرض الواقع منذ 2004م؛ إذ إن جميع الاكتتابات العامة الأولية لأسهم الشركات التي تستفيد من ثروات طبيعية في باطن الأرض، كالبتروكيماويات والأسمنت وغيرهما، ملزمة نظاماً بطرح نصف أسهمها للاكتتاب العام، ودون علاوة إصدار، أي بالقيمة الاسمية فقط للجمهور. وبهذه المناسبة، نشكر ولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم - ثم مقام وزارة البترول والثروة المعدنية على مثل هذه المبادرات التي تسهم في مشاركة المواطن للدولة في الثروات الطبيعية التي وهبها الله - عز وجل - لهذا البلد المبارك.
 
 
* يطالب الكثير من الاقتصاديين بفرض ضرائب بشكل أو بآخر على الشركات الكبيرة العاملة في السعودية، سواء المحلية أو الدولية.. كيف تنظر لهذا الأمر اقتصادياً؟
- بالنسبة للشركات الأجنبية، فالدولة تفرض ضرائب على دخلها بنسب معقولة، تتماشى مع دول العالم والدول المجاورة، لكنها لا تفرض ضرائب أخرى مثل ضريبة المكاسب الرأسمالية أو ضريبة الاقتطاع أو غيرها، وربما يتم تفعيل هذه الضرائب أو غيرها مستقبلاً، وهي حق مكتسب للدولة، لم تستغله حتى الآن كما هو حال بقية دول العالم؛ ربما بسبب الرغبة في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبسبب الإيرادات النفطية الضخمة التي تنعم بها بلادنا - ولله الحمد.
 
وأشار: أما بالنسبة للشركات المحلية، فكما ذكرت سابقاً، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر تجاه استراتيجيتنا الصناعية والتجارية بما يخدم الصالح العام، وهذا بالطبع يشمل دراسة فرض ضرائب على الشركات المحلية بالشكل الذي يساهم في خدمة الوطن والمواطن بالدرجة الأولى مهما كانت التضحيات والنتائج.
 
* الكوارث والأزمات المالية التي تهز أسواق العالم المختلفة.. هل نحن بمأمن منها؟
- لا اعتقد أن هناك سوقاً مالية في العالم ستكون بمأمن من أي كوارث أو أزمات مالية مستقبلاً في ظل انفتاح الاقتصادات حول العالم على بعضها، وسهولة الاتصالات فيما بينها، حتى أصبح العالم (قرية صغيرة). والمهم هنا أن درجة تأثير هذه الكوارث والأزمات ستختلف من سوق إلى أخرى باختلاف الظروف المؤثرة وطبيعتها، سواء كان التأثير مباشراً أو غير مباشر. وأعتقد أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008م دحضت كثيراً من النظريات المتعلقة بإدارة المخاطر واستراتيجيات التحوط مع تحرك جميع الأسواق المالية والأصول الاستثمارية (أسهم وسندات وعقارات.. إلخ) ككتلة واحدة؛ ما أجبر المؤسسات المالية على إعادة النظر تجاه بعض المفاهيم الخاطئة حول إدارة المخاطر وأدوات التحوط.
 
* يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار السلع بسبب جشع التجار.. متى تنخفض إلى مستويات معقولة؟
- سؤال جميل ومهم. وهنا يجب أن أوضح أن أسعار السلع تاريخياً لا تنخفض، مع الأسف الشديد، لكن هناك دورات اقتصادية من المفترض أن تنتهي بتعويض المستهلك بارتفاع دخله، سواء كان ذلك بالنسبة نفسها، أو بنسبة أقل، أو بنسبة أكبر. والمؤكد أن الجميع لاحظ هذه الظاهرة السلبية لسنوات طويلة، وتضرر منها، لكنها واقع ملموس نعيشه بسبب انفتاح الاقتصاد، وتنوع مدخلاته. فعندما ترتفع تكلفة البناء فإن صاحب العمارة سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار الإيجار على المستأجر، وأيضاً عندما ترتفع أسعار الديزل أو الأعلاف فإن المزارع سيجد نفسه مضطراً إلى تعويض ارتفاع التكلفة عليه برفع أسعار المحصول الزراعي على المستهلك النهائي.. وهكذا دواليك، مع الأسف الشديد.
 
وأردف: لو عدنا بالزمن إلى 40 عاماً مثلاً لوجدنا أن أسعار السلع كانت أرخص عما هي عليه اليوم، لكن دخلنا كان أقل عما هو عليه اليوم أيضاً، إلا أن المهم أن هناك اختلافاً في نسب ارتفاع أسعار السلع بالمقارنة مع ارتفاع الدخل من شخص لآخر نتيجة لظروف مختلفة؛ وهذا ما يفسر تضرر البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أعلى من نسب ارتفاع الدخل)، واستفادة البعض (في حال ارتفاع أسعار السلع بنسب أقل من نسب ارتفاع الدخل). وفي رأيي، يجب أن نبتعد عن استغلال هذه الظروف لتحقيق مكاسب غير عادلة. بينما يتوجب على الدولة أن تضع التشريعات التنظيمية التي تشجع على تطبيق المنافسة الكاملة؛ لأنها هي فقط من سيوقف جشع التجار، وعندها ستجد الدولة نفسها ليست في حاجة لوجود أي مراقب؛ لأن آليات المنافسة الكاملة ستقوم بذلك الدور، وهو معمول به في معظم الدول المتقدمة.
 
* هل استراتيجية وزارة الإسكان قادرة على حل مشكلة السكن في المدن السعودية؟
- لا شك أن وزارة الإسكان تبذل جهوداً كبيرة وملموسة لحل مشكلة الإسكان، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أن مشكلة الإسكان في السعودية أكبر من قدرة وزارة الإسكان؛ فالإحصائيات تشير إلى أن نحو 60-70 % من المواطنين لا يملكون مساكن؛ ما يعني أنه بافتراض أن عدد المواطنين السعوديين بلغوا اليوم نحو 20 مليون نسمة، وأن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة نحو خمسة أفراد، فإن عدد المساكن اللازمة لحل مشكلة الإسكان بشكل كامل لا يقل عن 2.4 مليون مسكن. وفي المقابل، نجد أن استراتيجية الإسكان تتحدث عن ربع هذا الرقم؛ ما يؤكد لنا أن المشكلة أكبر من إمكانية الوزارة بمواردها الحالية.
 
وأوضح: أعتقد أن الحل يكمن في أن تركز وزارة الإسكان على مسؤولياتها الرئيسية، بوصفها جهة تنظيمية ورقابية للنشاط العقاري والإسكاني في السعودية، مع بعض المبادرات لإقامة المشاريع الإسكانية لذوي الدخل المحدود، بينما يتم إقرار تشريعات لفرض الرسوم والزكاة، وربما الضريبة على العقارات، بما يخدم خطط واستراتيجيات الإسكان في السعودية. وعندها سنجد أن آليات السوق ستصحح نفسها بنفسها لحل هذه المشكلة حلاً جذرياً دون أي تدخل مباشر من قِبل الحكومة، وهذا هو المعمول به في جميع الدول المتقدمة. وأعتقد أن فرض الرسوم أو الزكاة أو الضريبة على العقار في السعودية لعمل التوازن المطلوب سيكون مسألة وقت، وإلا فإن النتائج ستكون فادحة ومكلفة جداً.
 
* ظاهرة الشركات المتعثرة بعد الإدراج في السوق.. هل تضع الكثير من علامات الاستفهام؟
- نعم، تضع الكثير من علامات الاستفهام. لكن ليس كل الشركات حديثة الإدراج تعاني مشكلة التعثر بعد الإدراج؛ فهناك شركات جيدة قدّمت إضافة للسوق، وفي المقابل هناك شركات لم تقدم أي إضافة، وعانت مشكلة التعثر بعد الإدراج. وأعتقد أن الأخطاء التنظيمية والرقابية من قِبل المشرع، لكن في الوقت نفسه هناك أيضاً أخطاء وقع بها المستثمرون بحسن نية أو بتعمد. ولتفادي مثل هذه الشركات أعتقد أنه يتوجب على المستثمر أن يرفع من مستوى وعيه القانوني والاستثماري (لأنها أمواله ويجب أن يحرص عليها)، وأن يتحمل مسؤولية قراراته بشجاعة. ومن طبيعة الإنسان - مع الأسف - أنه يجير النجاح لنفسه، بينما يجير الفشل على غيره.
 
* رواتب موظفي الدولة في ثبات منذ سنوات في حين تضاعفت أسعار البضائع مرات عدة. كيف يمكن تحقيق التوازن؟
- أيضاً سؤال جميل ومهم يا أخي الكريم. وأعتقد أنه لتحقيق التوازن فإن الدولة مطالبة إما بتطبيق المنافسة الكاملة في جميع النشاطات التجارية داخل السعودية؛ لأن ذلك سيسهم حتماً في تحسين الأسعار والخدمات، أو رفع رواتب الموظفين بشكل معقول، لا يثقل كاهل الموازنة العامة، أو بكليهما معاً. وأعتقد أنه لتنفيذ ذلك ينبغي أن يتزامن ذلك مع تفعيل قوي وسريع لمشاريع الخصخصة بهدف تخفيف الأعباء المالية على الحكومة، إلى جانب تبني فرض الرسوم أو الضريبة على العقارات، الذي بالتأكيد سيمكّن الحكومة من تحقيق إيرادات كبيرة جداً؛ تساعدها في تحقيق التوازن المطلوب.
 
 
* مع بدء تطبيق وزارة العمل برنامج "ساند" وغيره من البرامج التي تسعى لتوفير فرص عمل للعمالة الوطنية.. هل تراها ذات جدوى في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة؟ وهل يكفي فقط الضغط على القطاع الخاص لخلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي؟
- لا شك أن برنامج ساند أحد البرامج التي تسعى من خلالها وزارة العمل، بالتعاون مع مؤسسات حكومية أو شبه حكومية، إلى خلق بيئة عمل جاذبة ومشجعة للشباب السعودي، إلى جانب برامج أخرى، مثل نطاقات وحافز وغيرهما. وأعتقد أن وزارة العمل ستواصل برامجها ومبادراتها التي تهدف إلى إعادة تنظيم سوق العمل، وخلق وظائف كماً ونوعاً للمواطنين. وربما سنشهد مستقبلاً حزمة أخرى من البرامج والمبادرات التي تصب في الاتجاه نفسه.
 
وبيّن: بالرغم من الأخطاء والانتقادات التي قد تكون واكبت تنفيذ هذه البرامج إلا أنها في النهاية ستؤدي حتماً للهدف المنشود. لكن التساؤلات المهمة هي: متى؟ وما التضحيات؟ وماذا عن تزايد أعداد العمالة الأجنبية، وتزايد تحويلاتها إلى بلدانها بهذا الشكل المخيف؟ في رأيي، أعتقد أن هذه التساؤلات تشكّل أهم التحديات التي تواجه وزارة العمل حالياً ومستقبلاً، وإذا لم يلمس المواطن حلولاً لأهم مشكلة تهدد اقتصاديات المنطقة، المتمثلة في خلق فرص عمل جديدة، فسيستمر في التذمر، وهذا من حق المواطن إلى أن يجد حلولاً ملموسة ومقبولة.
 
* متى نرى بنوكنا ومؤسساتنا المصرفية تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية، وتساهم في تنمية المجتمع؟
مع الأسف، مؤسساتنا المصرفية منشآت تستهدف الربح أولاً وأخيراً، وهذه حقيقة يجب التعامل معها بواقعية؛ ولهذا السبب هي لا ولن تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية حتى لو تم الضغط عليها من قِبل الجهات المنظمة كمؤسسة النقد العربي السعودي. وبكل صراحة، إن إدارات المسؤولية الاجتماعية التي أنشأتها العديد من المصارف في السعودية أشبه بإدارات للعلاقات العامة دون أي أهداف وخطط جريئة لخدمة المجتمع أو البيئة. والحل الوحيد هو أن نعزز من ثقافة المسؤولية الاجتماعية بين أعضاء مجالس إدارات المصارف أولاً، التي لا تزال ضعيفة في ظل رغبتهم في الحصول على عوائد استثمار مجزية دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.
 
* تشير الدراسات إلى أن الطلب على النفط السعودي يتزايد بمعدلات متسارعة، قد تستنزفه في عقود قليلة. ما المطلوب حالياً لتدارك ذلك؟
- هذا صحيح، وهذه المشكلة ربما تكون أكبر مشكلة اقتصادية ستواجه اقتصاد السعودية خلال العشرين عاماً القادمة. ولهذا السبب تم تشكيل المركز السعودي لكفاءة الطاقة بإشراف مباشر من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي أعتبره أمير الاقتصاد. وبناءً عليه تم اختيار فريق العمل، وتم عمل خطط واستراتيجيات تهدف لترشيد الطاقة، والبدء فعلاً في تنفيذ هذه الخطط والاستراتيجيات كما لاحظ الجميع مؤخراً في حملة ترشيد المكيفات، التي تمثل واحدة من عشرات الحملات المزمع تنفيذها، التي ستستمر لأعوام قادمة حتى يتحقق الهدف بإذن الله. هنا يجب الإشارة إلى أن شهادتي مجروحة في نشاطات وإنجازات المركز بحكم كوني عضواً في اللجنة الاستشارية إلى جانب عدد من الزملاء الاقتصاديين.
 
* هل تؤيد رفع سعر الوقود محلياً؟
- نعم، أنا أؤيد رفع سعر الوقود محلياً، لكني لا أعتقد أن الوقت مناسب لتطبيقه الآن؛ إذ إن ذلك سيتسبب فوراً في ارتفاع التضخم (تكاليف المعيشة). كما أرى أن قرار رفع سعر الوقود يجب أن يكون ذكياً بربطه مثلاً برفع رواتب موظفي الدولة، كما سبقتنا في ذلك بعض الدول الخليجية، وإن كانت التأثيرات والظروف مختلفة.
 
* هل ما يحدث في السوق العقارية المحلية منطقي؟ وهل "تحجير" الأراضي البيضاء ودفع زكاتها كاف لخفض الأسعار؟
- بالتأكيد، إن ما يحدث في السوق العقارية غير منطقي؛ بدليل وجود ممارسات احتكارية، بدأت تظهر سلبياتها الآن، ووجود فجوة كبيرة بين متوسط أسعار المساكن ومتوسط القوة الشرائية للموطن السعودي، إلى جانب انعدام توازن القوى بين البائعين (من هوامير العقار) والمشترين (من صغار الأفراد)، وتكون النتيجة أن ما نشاهده الآن هو بالونة كبيرة، لا ندري متى ستنفجر؟ وربما تواصل هذه البالونة التمدد، لكننا جميعاً نعلم أنها ستنفجر إن عاجلاً أم آجلاً.
 
وأعتقد أن العقاريين اليوم منقسمون؛ فبعضهم يدرك جيداً أن الممارسات الخاطئة تسببت في أزمة خطيرة للسوق العقارية على المدى الطويل، والآخرون لا يزالون يتجاهلون ما يحدث من خطر، ويركزون على نظرتهم قصيرة المدى. وعلى أية حال، أعتقد أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً؛ وحتماً سنشهد تغيرات جوهرية في آليات عمل السوق العقارية في المستقبل القريب، ستسهم في تصحيح الوضع الخاطئ من جوانب مختلفة؛ لتعود السوق العقارية كنشاط اقتصادي مهم، يرتبط مباشرة بالمواطن، ويرفد بقية النشاطات الاقتصادية في السعودية.
 
* هل أصبح ترشيد الإنفاق في الموازنة المالية العامة للدولة ضرورة؟
- عندما ندقق في مكونات الإنفاق في الموازنة المالية العامة ونموها عاماً بعد عام، إلى جانب مكونات الإيرادات العامة ونموها هي الأخرى عاماً بعد عام، سندرك حينها أن هناك مخاطر كبيرة تحيط باستقرار الإيرادات العامة للدولة نتيجة لطبيعة اقتصاد السعودية، بوصفه اقتصاداً ريعياً، يعتمد بنسبة عالية على مبيعات النفط، بينما يتسم الإنفاق بالتزامات مالية كبيرة، لا يمكن تخفيضها بأي حال من الأحوال، على شكل رواتب لموظفي الدولة؛ لهذا السبب كان لزاماً علينا أن نتنبه إلى مثل هذه التحديات الاقتصادية، ونتحوط من أي سيناريوهات محتملة، قد تؤثر سلباً في الإيرادات لا قدر الله.
 
هنا يجب أن نشيد بمبادرة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله ورعاه - في خططه الإصلاحية لاقتصاد السعودية، مع تبنيه لتكوين احتياطيات ضخمة من الفوائض المالية المتراكمة منذ سنوات سابقة، التي ستمثل خط الدفاع في مواجهة أي احتمالات لسيناريوهات اقتصادية سيئة مستقبلاً بهدف دعم الموازنة، أو دعم سعر صرف الريال. وفي رأيي المتواضع، إن تكوين هذه الاحتياطيات المالية يشكّل أهم تخطيط اقتصادي قامت به السعودية منذ تأسيسها على يد المغفور له - بإذن الله - الملك عبدالعزيز، حتى يومنا هذا.