نموذج التعليم المرن في مواجهة الأزمات

بدأ فيروس كورونا المستجد في الصين في نهاية العام الميلادي الماضي، ثم ما لبث أن أصبح جائحةً عالمية أجبرت الملايين من البشر على البقاء في منازلهم في كل القارات، وقد تسبب ذلك في حدوث شلل في جميع مناحي الحياة. وقد قامت حكومتنا الرشيدة -وفقها الله- بجهودٍ جبارة ومتميزة بدأت منذ ظهور الحالات الأولية للإصابة بهذا الفيروس؛ لمواجهة خطر انتقاله إلى المملكة، وذلك بوضع كل الإجراءات الوقائية والاحترازية، وبإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومتابعة دؤوبة من سمو ولي العهد -حفظهما الله- مما أدى لتخفيف آثار هذه الجائحة على المواطنين والمقيمين في جميع المجالات: الصحية، الاقتصادية، التعليمية وغيرها. وقد كان من ضمن هذه الإجراءات الوقائية تعليق الدراسة في جميع مراحل التعليم؛ للمحافظة على سلامة المجتمع من خطر تفشي فيروس كورونا.

وقد تجاوبت وزارة التعليم مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها القيادة بشكل سريع، وذلك بالتحول إلى التعليم عن بُعد؛ لضمان استمرار العملية التعليمية. ففي التعليم العام قدّمت الوزارة عدة خيارات منها: قنوات عين التلفزيونية، بوابة عين الوطنية، بوابة المستقبل، ومنظومة التعليم الموحدة. أما في التعليم الجامعي والمهني فقد تم تفعيل أنظمة إدارة التعلم. ومما ساهم في سرعة التحول إلى التعليم عن بعد وتقليص الفاقد التعليمي هو توفر أدوات التعليم الإلكتروني والبنية التحتية المناسبة في مؤسسات التعليم المختلفة، والتي هي نتاج للعديد من المبادرات التي أطلقتها وزارة التعليم لدعم وتسريع برنامج التحول الرقمي ضمن رؤية السعودية 2030.

وقد صرح وزير التعليم مؤخراً بأن "التعليم عن بُعد بَعد كورونا سيكون خياراً استراتيجياً، وليس مجرد بديل في الحالات الاستثنائية". وهذا يؤكد أن الاعتماد بشكل كامل على استراتيجية التعليم المباشر التقليدية لم يعد يفي بالاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية، عوضاً عن عدم قدرته على مواجهة الأزمات والحالات الطارئة، ويؤسس أيضاً لمرحلة جديدة ومتطورة في مسيرة التعليم في المملكة. لكن تبني استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة لا بد أن يمر بمراحل متعددة تبدأ من التطبيق الموسع لاستراتيجيات التعليم المدمج أولاً وذلك لتهيئة الطلبة واكسابهم مهارات التعامل مع التقنية ومهارات التعلم الذاتي وإدارة الوقت، وكذلك تهيئة المعلمين والبيئة التعليمية ليكون لدى المؤسسات التعليمية القدرة على استخدام هذا النمط من التعليم وتحقيق نواتج التعليم المستهدفة بدون فاقد تعليمي. وأن يتم ذلك بالتكامل مع الاستراتيجيات التعليمية الأخرى ليشكل ما يسمى بنموذج التعليم المرن.

ويُعرّف نموذج التعليم المرن بأنه مجموعة من الاستراتيجيات التعليمية التي تتكامل مع بعضها لتلبية الاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية؛ بحيث يتم تطبيق استراتيجيات تعليمية متعددة تتناسب مع طبيعة المواد والمقررات التعليمية وتتلاءم مع مختلف الظروف، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف وماذا ومتى وأين يتعلم الطلبة؟ والتي تُحدد بناءً عليها خطوات ومكان وطريقة تقديم المحتوى التعليمي وأساليبه. كما لا يضمن تطبيق نموذج التعليم المرن استمرارية العملية التعليمية أثناء الأزمات فقط، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق نواتج التعلم المستهدفة؛ مما يعني عدم تأثر سير العملية التعليمية وجودة مخرجات التعليم. ويمكن القول بأن نموذج التعليم المرن هو نهج شامل يمكّن المؤسسات التعليمية لتصبح أكثر استجابة وذات صلة بالمتغيرات الحالية والمستقبلية والطارئة التي قد تحدث في أي وقت.

ويتكون نموذج التعليم المرن من الاستراتيجيات التعليمية التالية: التعليم المباشر، التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة، والتعليم عن بعد بالمراسلة. فكما نعلم بأن استراتيجية التعليم المباشر يتم فيها تقديم المحتوى التعليمي من خلال الدروس والمحاضرات وجهاً لوجه، ويسمى أيضاً التعليم التقليدي، بينما استراتيجية التعليم الإلكتروني تقدم المادة التعليمية عبر منظومة تعتمد على تقنية المعلومات والاتصالات التفاعلية مثل الإنترنت وأجهزة الحاسوب والقنوات التلفزيونية وغيرها. أما استراتيجية التعليم المدمج فيندمج فيها التعليم الإلكتروني بالتعليم التقليدي عن طريق توظيف أدوات التعليم الإلكتروني لإيصال جزءً من المحتوى التعليمي للطلبة؛ بحيث يلتقي المعلم مع الطلبة وجهاً لوجه داخل القاعة الدراسية في معظم الأحيان. بينما في استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة يتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً من خلال أدوات التعليم الإلكتروني خارج القاعات الدراسية ولا يوجد تواصل وجهاً لوجه بين المعلم والطلبة. أما في استراتيجية التعليم عن بعد بالمراسلة فيتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً عن طريق البريد العادي ولا يوجد تواصل مباشر بين المعلم والطلبة.

ويساعد نموذج التعليم المرن على الاستغلال الأمثل لليوم الدراسي والتركيز خلاله على الأنشطة والمهارات التي يكون من الأفضل تنفيذها داخل القاعات الدراسية بينما تنفذ الأنشطة الأخرى خارج وقت اليوم الدراسي، إضافة إلى أنه يمنح الطلبة القدرة على التعامل مع وسائل تعليمية وتقنية مختلفة قد لا يتعامل معها بنفس الطريقة من خلال التعليم التقليدي. كما أن التنوع في استراتيجيات التعليم يمّكن الطلبة من اكتساب مهارات التعلم الذاتي ومهارات التفكير الناقد والقياس والبحث العلمي ويشجع تفريد التعليم والتعليم المتمايز. كما أنه يتيح للمعلم تنويع وسائل التقويم ليتمكن من قياس نوتج التعلم المستهدفة من الجوانب المهارية والإدراكية العليا للطلبة بالإضافة إلى التحصيل العلمي. ويعزز نموذج التعليم المرن قدرة نظام التعليم لتلبية متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل لبناء مجتمع المعرفة بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030.

كما أن ممارسة الطلبة والمعلمين لاستراتيجيات تعليمية مختلفة ضمن نموذج التعليم المرن بشكل متكرر خلال العام الدراسي يمكنهم من المعرفة التامة بهذه الاستراتيجيات واكتساب المهارات اللازمة لتطبيقها مع وجود خطط بديلة لتبني الاستراتيجيات المناسبة وقت الأزمات يجعل التحول سريعاً وسلساً ولا يربك العملية التعليمية ويضمن تحقيق نواتج التعلم المستهدفة وكذلك يقلل من الفاقد التعليمي؛ حيث سوف يكون من السهل تقديم المحتوى التعليمي باستخدام إحدى استراتيجيات التعليم المرن الأخرى. كما تجدر الإشارة إلى أن تبني نموذج التعليم المرن في التعليم دون الجامعي سوف يسهل تطبيقه في التعليم الجامعي.

وبالنظر إلى نموذج التعليم المرن المقترح فإنه يحتوي على استراتيجيات تقليدية مثل التعليم المباشر والتي تستخدم بشكل موسع في التعليم العام والتعليم الجامعي في المملكة وكذلك استراتيجيات حديثة ومبتكرة مثل التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، والتعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة والتي بدأت تستخدم في المملكة مؤخراً وهناك ضرورة للتوسع في تطبيقها بطريقة مدروسة وتكاملية مع الاستراتيجيات الأخرى لتشكل نموذج التعليم المرن لتنويع طرق الوصول للمتعلم وتلبية احتياجاته المتنوعة في كل الأوقات والظروف. ومع ذلك فإن التغيير في استراتيجيات التعليم، ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يتم دفعة واحدة، بل يتطلب ذلك وجود خارطة طريق تحتوي على رؤية واضحة لتطبيق نموذج التعليم المرن وخطة استراتيجية تشمل جميع مراحل التعليم في المملكة مع وجود مؤشرات لقياس الأداء، وأن تتبنى جميع المؤسسات التعليمية رؤية التعليم المرن وينعكس ذلك في أهدافها الاستراتيجية.

وينبغي أن تشتمل خطة تطوير التعليم على إعادة دراسة اللوائح ذات الصلة وإجراء التعديلات اللازمة عليها لتتواءم مع نموذج التعليم المرن مثل لائحة الدراسة والاختبارات للمرحلة الجامعية ولائحة تقويم الطالب في التعليم العام. وكذلك إعادة تصميم المواد والمقررات الدراسية لتتناسب مع الاستراتيجيات التعليمية الحديثة وفقاً لمعايير الجودة العالمية "كوالتي ماترز" مما سوف يؤدي إلى توفر مصادر تعليمية مناسبة تساعد في الوصول إلى نواتج التعلم المستهدفة. ولا بد أن تحصل جميع البرامج والخطط الدراسية المطورة على الاعتمادات الأكاديمية الملائمة لطبيعتها لكي لا يواجه الخريجون عقبات في سوق العمل، أو عند رغبتهم في إكمال دراستهم داخل المملكة أو خارجها. كما أنه من الضروري دراسة تجربة التعليم أثناء الجائحة وقياس نواتج التعلم في التعليم العام والجامعي وأخذها في عين الاعتبار والاستفادة من مخرجاتها في مرحلة تطوير التعليم؛ حيث تمكنت وزارة التعليم في خلال هذه الفترة من تجاوز العديد من العقبات والتي كان من أبرزها مقاومة التغيير سواءً من قبل الطلبة أو المعلمين مما سوف يسرع في إنجاز عملية التطوير المنشودة.

فهد الحمداني
اعلان
نموذج التعليم المرن في مواجهة الأزمات
سبق

بدأ فيروس كورونا المستجد في الصين في نهاية العام الميلادي الماضي، ثم ما لبث أن أصبح جائحةً عالمية أجبرت الملايين من البشر على البقاء في منازلهم في كل القارات، وقد تسبب ذلك في حدوث شلل في جميع مناحي الحياة. وقد قامت حكومتنا الرشيدة -وفقها الله- بجهودٍ جبارة ومتميزة بدأت منذ ظهور الحالات الأولية للإصابة بهذا الفيروس؛ لمواجهة خطر انتقاله إلى المملكة، وذلك بوضع كل الإجراءات الوقائية والاحترازية، وبإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومتابعة دؤوبة من سمو ولي العهد -حفظهما الله- مما أدى لتخفيف آثار هذه الجائحة على المواطنين والمقيمين في جميع المجالات: الصحية، الاقتصادية، التعليمية وغيرها. وقد كان من ضمن هذه الإجراءات الوقائية تعليق الدراسة في جميع مراحل التعليم؛ للمحافظة على سلامة المجتمع من خطر تفشي فيروس كورونا.

وقد تجاوبت وزارة التعليم مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها القيادة بشكل سريع، وذلك بالتحول إلى التعليم عن بُعد؛ لضمان استمرار العملية التعليمية. ففي التعليم العام قدّمت الوزارة عدة خيارات منها: قنوات عين التلفزيونية، بوابة عين الوطنية، بوابة المستقبل، ومنظومة التعليم الموحدة. أما في التعليم الجامعي والمهني فقد تم تفعيل أنظمة إدارة التعلم. ومما ساهم في سرعة التحول إلى التعليم عن بعد وتقليص الفاقد التعليمي هو توفر أدوات التعليم الإلكتروني والبنية التحتية المناسبة في مؤسسات التعليم المختلفة، والتي هي نتاج للعديد من المبادرات التي أطلقتها وزارة التعليم لدعم وتسريع برنامج التحول الرقمي ضمن رؤية السعودية 2030.

وقد صرح وزير التعليم مؤخراً بأن "التعليم عن بُعد بَعد كورونا سيكون خياراً استراتيجياً، وليس مجرد بديل في الحالات الاستثنائية". وهذا يؤكد أن الاعتماد بشكل كامل على استراتيجية التعليم المباشر التقليدية لم يعد يفي بالاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية، عوضاً عن عدم قدرته على مواجهة الأزمات والحالات الطارئة، ويؤسس أيضاً لمرحلة جديدة ومتطورة في مسيرة التعليم في المملكة. لكن تبني استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة لا بد أن يمر بمراحل متعددة تبدأ من التطبيق الموسع لاستراتيجيات التعليم المدمج أولاً وذلك لتهيئة الطلبة واكسابهم مهارات التعامل مع التقنية ومهارات التعلم الذاتي وإدارة الوقت، وكذلك تهيئة المعلمين والبيئة التعليمية ليكون لدى المؤسسات التعليمية القدرة على استخدام هذا النمط من التعليم وتحقيق نواتج التعليم المستهدفة بدون فاقد تعليمي. وأن يتم ذلك بالتكامل مع الاستراتيجيات التعليمية الأخرى ليشكل ما يسمى بنموذج التعليم المرن.

ويُعرّف نموذج التعليم المرن بأنه مجموعة من الاستراتيجيات التعليمية التي تتكامل مع بعضها لتلبية الاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية؛ بحيث يتم تطبيق استراتيجيات تعليمية متعددة تتناسب مع طبيعة المواد والمقررات التعليمية وتتلاءم مع مختلف الظروف، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف وماذا ومتى وأين يتعلم الطلبة؟ والتي تُحدد بناءً عليها خطوات ومكان وطريقة تقديم المحتوى التعليمي وأساليبه. كما لا يضمن تطبيق نموذج التعليم المرن استمرارية العملية التعليمية أثناء الأزمات فقط، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق نواتج التعلم المستهدفة؛ مما يعني عدم تأثر سير العملية التعليمية وجودة مخرجات التعليم. ويمكن القول بأن نموذج التعليم المرن هو نهج شامل يمكّن المؤسسات التعليمية لتصبح أكثر استجابة وذات صلة بالمتغيرات الحالية والمستقبلية والطارئة التي قد تحدث في أي وقت.

ويتكون نموذج التعليم المرن من الاستراتيجيات التعليمية التالية: التعليم المباشر، التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة، والتعليم عن بعد بالمراسلة. فكما نعلم بأن استراتيجية التعليم المباشر يتم فيها تقديم المحتوى التعليمي من خلال الدروس والمحاضرات وجهاً لوجه، ويسمى أيضاً التعليم التقليدي، بينما استراتيجية التعليم الإلكتروني تقدم المادة التعليمية عبر منظومة تعتمد على تقنية المعلومات والاتصالات التفاعلية مثل الإنترنت وأجهزة الحاسوب والقنوات التلفزيونية وغيرها. أما استراتيجية التعليم المدمج فيندمج فيها التعليم الإلكتروني بالتعليم التقليدي عن طريق توظيف أدوات التعليم الإلكتروني لإيصال جزءً من المحتوى التعليمي للطلبة؛ بحيث يلتقي المعلم مع الطلبة وجهاً لوجه داخل القاعة الدراسية في معظم الأحيان. بينما في استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة يتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً من خلال أدوات التعليم الإلكتروني خارج القاعات الدراسية ولا يوجد تواصل وجهاً لوجه بين المعلم والطلبة. أما في استراتيجية التعليم عن بعد بالمراسلة فيتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً عن طريق البريد العادي ولا يوجد تواصل مباشر بين المعلم والطلبة.

ويساعد نموذج التعليم المرن على الاستغلال الأمثل لليوم الدراسي والتركيز خلاله على الأنشطة والمهارات التي يكون من الأفضل تنفيذها داخل القاعات الدراسية بينما تنفذ الأنشطة الأخرى خارج وقت اليوم الدراسي، إضافة إلى أنه يمنح الطلبة القدرة على التعامل مع وسائل تعليمية وتقنية مختلفة قد لا يتعامل معها بنفس الطريقة من خلال التعليم التقليدي. كما أن التنوع في استراتيجيات التعليم يمّكن الطلبة من اكتساب مهارات التعلم الذاتي ومهارات التفكير الناقد والقياس والبحث العلمي ويشجع تفريد التعليم والتعليم المتمايز. كما أنه يتيح للمعلم تنويع وسائل التقويم ليتمكن من قياس نوتج التعلم المستهدفة من الجوانب المهارية والإدراكية العليا للطلبة بالإضافة إلى التحصيل العلمي. ويعزز نموذج التعليم المرن قدرة نظام التعليم لتلبية متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل لبناء مجتمع المعرفة بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030.

كما أن ممارسة الطلبة والمعلمين لاستراتيجيات تعليمية مختلفة ضمن نموذج التعليم المرن بشكل متكرر خلال العام الدراسي يمكنهم من المعرفة التامة بهذه الاستراتيجيات واكتساب المهارات اللازمة لتطبيقها مع وجود خطط بديلة لتبني الاستراتيجيات المناسبة وقت الأزمات يجعل التحول سريعاً وسلساً ولا يربك العملية التعليمية ويضمن تحقيق نواتج التعلم المستهدفة وكذلك يقلل من الفاقد التعليمي؛ حيث سوف يكون من السهل تقديم المحتوى التعليمي باستخدام إحدى استراتيجيات التعليم المرن الأخرى. كما تجدر الإشارة إلى أن تبني نموذج التعليم المرن في التعليم دون الجامعي سوف يسهل تطبيقه في التعليم الجامعي.

وبالنظر إلى نموذج التعليم المرن المقترح فإنه يحتوي على استراتيجيات تقليدية مثل التعليم المباشر والتي تستخدم بشكل موسع في التعليم العام والتعليم الجامعي في المملكة وكذلك استراتيجيات حديثة ومبتكرة مثل التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، والتعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة والتي بدأت تستخدم في المملكة مؤخراً وهناك ضرورة للتوسع في تطبيقها بطريقة مدروسة وتكاملية مع الاستراتيجيات الأخرى لتشكل نموذج التعليم المرن لتنويع طرق الوصول للمتعلم وتلبية احتياجاته المتنوعة في كل الأوقات والظروف. ومع ذلك فإن التغيير في استراتيجيات التعليم، ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يتم دفعة واحدة، بل يتطلب ذلك وجود خارطة طريق تحتوي على رؤية واضحة لتطبيق نموذج التعليم المرن وخطة استراتيجية تشمل جميع مراحل التعليم في المملكة مع وجود مؤشرات لقياس الأداء، وأن تتبنى جميع المؤسسات التعليمية رؤية التعليم المرن وينعكس ذلك في أهدافها الاستراتيجية.

وينبغي أن تشتمل خطة تطوير التعليم على إعادة دراسة اللوائح ذات الصلة وإجراء التعديلات اللازمة عليها لتتواءم مع نموذج التعليم المرن مثل لائحة الدراسة والاختبارات للمرحلة الجامعية ولائحة تقويم الطالب في التعليم العام. وكذلك إعادة تصميم المواد والمقررات الدراسية لتتناسب مع الاستراتيجيات التعليمية الحديثة وفقاً لمعايير الجودة العالمية "كوالتي ماترز" مما سوف يؤدي إلى توفر مصادر تعليمية مناسبة تساعد في الوصول إلى نواتج التعلم المستهدفة. ولا بد أن تحصل جميع البرامج والخطط الدراسية المطورة على الاعتمادات الأكاديمية الملائمة لطبيعتها لكي لا يواجه الخريجون عقبات في سوق العمل، أو عند رغبتهم في إكمال دراستهم داخل المملكة أو خارجها. كما أنه من الضروري دراسة تجربة التعليم أثناء الجائحة وقياس نواتج التعلم في التعليم العام والجامعي وأخذها في عين الاعتبار والاستفادة من مخرجاتها في مرحلة تطوير التعليم؛ حيث تمكنت وزارة التعليم في خلال هذه الفترة من تجاوز العديد من العقبات والتي كان من أبرزها مقاومة التغيير سواءً من قبل الطلبة أو المعلمين مما سوف يسرع في إنجاز عملية التطوير المنشودة.

10 مايو 2020 - 17 رمضان 1441
05:26 PM
اخر تعديل
29 مايو 2020 - 6 شوّال 1441
11:35 PM

نموذج التعليم المرن في مواجهة الأزمات

فهد بن ردّه الحمداني - الرياض
A A A
1
1,110

بدأ فيروس كورونا المستجد في الصين في نهاية العام الميلادي الماضي، ثم ما لبث أن أصبح جائحةً عالمية أجبرت الملايين من البشر على البقاء في منازلهم في كل القارات، وقد تسبب ذلك في حدوث شلل في جميع مناحي الحياة. وقد قامت حكومتنا الرشيدة -وفقها الله- بجهودٍ جبارة ومتميزة بدأت منذ ظهور الحالات الأولية للإصابة بهذا الفيروس؛ لمواجهة خطر انتقاله إلى المملكة، وذلك بوضع كل الإجراءات الوقائية والاحترازية، وبإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومتابعة دؤوبة من سمو ولي العهد -حفظهما الله- مما أدى لتخفيف آثار هذه الجائحة على المواطنين والمقيمين في جميع المجالات: الصحية، الاقتصادية، التعليمية وغيرها. وقد كان من ضمن هذه الإجراءات الوقائية تعليق الدراسة في جميع مراحل التعليم؛ للمحافظة على سلامة المجتمع من خطر تفشي فيروس كورونا.

وقد تجاوبت وزارة التعليم مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها القيادة بشكل سريع، وذلك بالتحول إلى التعليم عن بُعد؛ لضمان استمرار العملية التعليمية. ففي التعليم العام قدّمت الوزارة عدة خيارات منها: قنوات عين التلفزيونية، بوابة عين الوطنية، بوابة المستقبل، ومنظومة التعليم الموحدة. أما في التعليم الجامعي والمهني فقد تم تفعيل أنظمة إدارة التعلم. ومما ساهم في سرعة التحول إلى التعليم عن بعد وتقليص الفاقد التعليمي هو توفر أدوات التعليم الإلكتروني والبنية التحتية المناسبة في مؤسسات التعليم المختلفة، والتي هي نتاج للعديد من المبادرات التي أطلقتها وزارة التعليم لدعم وتسريع برنامج التحول الرقمي ضمن رؤية السعودية 2030.

وقد صرح وزير التعليم مؤخراً بأن "التعليم عن بُعد بَعد كورونا سيكون خياراً استراتيجياً، وليس مجرد بديل في الحالات الاستثنائية". وهذا يؤكد أن الاعتماد بشكل كامل على استراتيجية التعليم المباشر التقليدية لم يعد يفي بالاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية، عوضاً عن عدم قدرته على مواجهة الأزمات والحالات الطارئة، ويؤسس أيضاً لمرحلة جديدة ومتطورة في مسيرة التعليم في المملكة. لكن تبني استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة لا بد أن يمر بمراحل متعددة تبدأ من التطبيق الموسع لاستراتيجيات التعليم المدمج أولاً وذلك لتهيئة الطلبة واكسابهم مهارات التعامل مع التقنية ومهارات التعلم الذاتي وإدارة الوقت، وكذلك تهيئة المعلمين والبيئة التعليمية ليكون لدى المؤسسات التعليمية القدرة على استخدام هذا النمط من التعليم وتحقيق نواتج التعليم المستهدفة بدون فاقد تعليمي. وأن يتم ذلك بالتكامل مع الاستراتيجيات التعليمية الأخرى ليشكل ما يسمى بنموذج التعليم المرن.

ويُعرّف نموذج التعليم المرن بأنه مجموعة من الاستراتيجيات التعليمية التي تتكامل مع بعضها لتلبية الاحتياجات التعليمية الحالية والمستقبلية؛ بحيث يتم تطبيق استراتيجيات تعليمية متعددة تتناسب مع طبيعة المواد والمقررات التعليمية وتتلاءم مع مختلف الظروف، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف وماذا ومتى وأين يتعلم الطلبة؟ والتي تُحدد بناءً عليها خطوات ومكان وطريقة تقديم المحتوى التعليمي وأساليبه. كما لا يضمن تطبيق نموذج التعليم المرن استمرارية العملية التعليمية أثناء الأزمات فقط، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق نواتج التعلم المستهدفة؛ مما يعني عدم تأثر سير العملية التعليمية وجودة مخرجات التعليم. ويمكن القول بأن نموذج التعليم المرن هو نهج شامل يمكّن المؤسسات التعليمية لتصبح أكثر استجابة وذات صلة بالمتغيرات الحالية والمستقبلية والطارئة التي قد تحدث في أي وقت.

ويتكون نموذج التعليم المرن من الاستراتيجيات التعليمية التالية: التعليم المباشر، التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة، والتعليم عن بعد بالمراسلة. فكما نعلم بأن استراتيجية التعليم المباشر يتم فيها تقديم المحتوى التعليمي من خلال الدروس والمحاضرات وجهاً لوجه، ويسمى أيضاً التعليم التقليدي، بينما استراتيجية التعليم الإلكتروني تقدم المادة التعليمية عبر منظومة تعتمد على تقنية المعلومات والاتصالات التفاعلية مثل الإنترنت وأجهزة الحاسوب والقنوات التلفزيونية وغيرها. أما استراتيجية التعليم المدمج فيندمج فيها التعليم الإلكتروني بالتعليم التقليدي عن طريق توظيف أدوات التعليم الإلكتروني لإيصال جزءً من المحتوى التعليمي للطلبة؛ بحيث يلتقي المعلم مع الطلبة وجهاً لوجه داخل القاعة الدراسية في معظم الأحيان. بينما في استراتيجية التعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة يتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً من خلال أدوات التعليم الإلكتروني خارج القاعات الدراسية ولا يوجد تواصل وجهاً لوجه بين المعلم والطلبة. أما في استراتيجية التعليم عن بعد بالمراسلة فيتم تقديم المحتوى التعليمي كاملاً عن طريق البريد العادي ولا يوجد تواصل مباشر بين المعلم والطلبة.

ويساعد نموذج التعليم المرن على الاستغلال الأمثل لليوم الدراسي والتركيز خلاله على الأنشطة والمهارات التي يكون من الأفضل تنفيذها داخل القاعات الدراسية بينما تنفذ الأنشطة الأخرى خارج وقت اليوم الدراسي، إضافة إلى أنه يمنح الطلبة القدرة على التعامل مع وسائل تعليمية وتقنية مختلفة قد لا يتعامل معها بنفس الطريقة من خلال التعليم التقليدي. كما أن التنوع في استراتيجيات التعليم يمّكن الطلبة من اكتساب مهارات التعلم الذاتي ومهارات التفكير الناقد والقياس والبحث العلمي ويشجع تفريد التعليم والتعليم المتمايز. كما أنه يتيح للمعلم تنويع وسائل التقويم ليتمكن من قياس نوتج التعلم المستهدفة من الجوانب المهارية والإدراكية العليا للطلبة بالإضافة إلى التحصيل العلمي. ويعزز نموذج التعليم المرن قدرة نظام التعليم لتلبية متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل لبناء مجتمع المعرفة بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030.

كما أن ممارسة الطلبة والمعلمين لاستراتيجيات تعليمية مختلفة ضمن نموذج التعليم المرن بشكل متكرر خلال العام الدراسي يمكنهم من المعرفة التامة بهذه الاستراتيجيات واكتساب المهارات اللازمة لتطبيقها مع وجود خطط بديلة لتبني الاستراتيجيات المناسبة وقت الأزمات يجعل التحول سريعاً وسلساً ولا يربك العملية التعليمية ويضمن تحقيق نواتج التعلم المستهدفة وكذلك يقلل من الفاقد التعليمي؛ حيث سوف يكون من السهل تقديم المحتوى التعليمي باستخدام إحدى استراتيجيات التعليم المرن الأخرى. كما تجدر الإشارة إلى أن تبني نموذج التعليم المرن في التعليم دون الجامعي سوف يسهل تطبيقه في التعليم الجامعي.

وبالنظر إلى نموذج التعليم المرن المقترح فإنه يحتوي على استراتيجيات تقليدية مثل التعليم المباشر والتي تستخدم بشكل موسع في التعليم العام والتعليم الجامعي في المملكة وكذلك استراتيجيات حديثة ومبتكرة مثل التعليم الإلكتروني، التعليم المدمج، والتعليم عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة والتي بدأت تستخدم في المملكة مؤخراً وهناك ضرورة للتوسع في تطبيقها بطريقة مدروسة وتكاملية مع الاستراتيجيات الأخرى لتشكل نموذج التعليم المرن لتنويع طرق الوصول للمتعلم وتلبية احتياجاته المتنوعة في كل الأوقات والظروف. ومع ذلك فإن التغيير في استراتيجيات التعليم، ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يتم دفعة واحدة، بل يتطلب ذلك وجود خارطة طريق تحتوي على رؤية واضحة لتطبيق نموذج التعليم المرن وخطة استراتيجية تشمل جميع مراحل التعليم في المملكة مع وجود مؤشرات لقياس الأداء، وأن تتبنى جميع المؤسسات التعليمية رؤية التعليم المرن وينعكس ذلك في أهدافها الاستراتيجية.

وينبغي أن تشتمل خطة تطوير التعليم على إعادة دراسة اللوائح ذات الصلة وإجراء التعديلات اللازمة عليها لتتواءم مع نموذج التعليم المرن مثل لائحة الدراسة والاختبارات للمرحلة الجامعية ولائحة تقويم الطالب في التعليم العام. وكذلك إعادة تصميم المواد والمقررات الدراسية لتتناسب مع الاستراتيجيات التعليمية الحديثة وفقاً لمعايير الجودة العالمية "كوالتي ماترز" مما سوف يؤدي إلى توفر مصادر تعليمية مناسبة تساعد في الوصول إلى نواتج التعلم المستهدفة. ولا بد أن تحصل جميع البرامج والخطط الدراسية المطورة على الاعتمادات الأكاديمية الملائمة لطبيعتها لكي لا يواجه الخريجون عقبات في سوق العمل، أو عند رغبتهم في إكمال دراستهم داخل المملكة أو خارجها. كما أنه من الضروري دراسة تجربة التعليم أثناء الجائحة وقياس نواتج التعلم في التعليم العام والجامعي وأخذها في عين الاعتبار والاستفادة من مخرجاتها في مرحلة تطوير التعليم؛ حيث تمكنت وزارة التعليم في خلال هذه الفترة من تجاوز العديد من العقبات والتي كان من أبرزها مقاومة التغيير سواءً من قبل الطلبة أو المعلمين مما سوف يسرع في إنجاز عملية التطوير المنشودة.