بالفيديو .. المؤرخ القشعمي يروي لـ"سبق" حكايات من التاريخ والأحداث الوطنية ووقائع من حياة الملك عبد العزيز

قال: أول صيدلي في الرياض كان شعاره: "أنا أشق ولا أعرف أخيط".. وصيدليته صندوق حديدي

- "الجدري" حصد أرواح الكثير من أهل قرى نجد.. والجوع جعلهم يأكلون عظام الجمال اليابسة

- معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الدول كانوا بمثابة سفراء للوطن في الخارج

- هذه حكاية "غالية البقمية" التي لبست ثوب زوجها وقادت الجيوش ضد "الأتراك" وحقيقة الجن الذي حارب معها

- "موضي البسام" لقبت بـ"أم المساكين" استضافت في عنيزة المصابين من جيش الصباح والإمام الفيصل بعد وقعة الصريف 1318هـ

- فزت بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ بعد أن نشرت حلقات عن الصحافة السعودية وروادها

- المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً خاصة في الفترة الأخيرة

- لست "مقاولاً" للسير الذاتية.. وأحب أن أكتب عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير

- لا أحمل إلا الشهادات الثلاث: شهادات "الميلاد، ولا إله إلا الله، والمدرسة الابتدائية؛ وهذه تكفي"

- الطباعة الحديثة ووسائل الاتصال الإلكترونية والسفر خارج المملكة أحدثت تحولات إيجابية في أفكار وسلوكيات المواطنين

- أعجبت بعبد الكريم الجهيمان ودوره "التنويري".. ولقب "مؤرخ الصحافة السعودية" شجعني على الكتابة

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي (تصوير وفيديو: فايز الزيادي): يعد محمد بن عبد الرزاق القشعمي، مؤرخاً، وباحثاً، وكاتباً سعودياً بارزاً أثرى الساحة الثقافية والإعلامية والمكتبة العربية بأكثر من 40 كتاباً ومؤلفاً، وكتب العديد من المقالات والدراسات المتخصصة، ووثق السير الذاتية، وتاريخ المملكة، وحياة الشخصيات التي خدمت الوطن، كما رصد تجربة الصحافة السعودية منذ بداية التأسيس بتحولاتها المختلفة.

و"القشعمي" الذي لم يبدأ الكتابة والنشر إلا في سن الخامسة والخمسين من عمره يروي لـ"سبق" ملامح من تجربته الحافلة بالعطاء، ويتحدث عن فوزه بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ، وسر ارتباطه بالأديب عبد الكريم الجهيمان، وأبرز صفات الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويسرد بعض وقائع الحياة الاجتماعية في قرى وبلدات وهجر المملكة سابقاً.

"القشعمي" صاحب تجربة عريضة، وحكايات متنوعة عن تاريخ المملكة وعطاءات رجالاته، والأحداث الوطنية المختلفة اكتفينا منه ببعضها لضيق وقته.

** كمؤرخ وباحث وكاتب له رحلة طويلة في التاريخ والأدب وكتابة السير، ولقبت براصد البدايات وموثق التحولات: ما الذي جذبك لهذا المجال؟

في الحقيقة أني بدأت متأخراً في الكتابة، قد يكون اهتمامي بالكتابة بدأ مبكراً، لكن تنقلي خارج الرياض لمدة 16 عامًا بمختلف مناطق المملكة من القصيم إلى الأحساء والدمام والخبر وحائل ثم العودة إلى الرياض مرة أخرى؛ حيث كنت مسؤولاً عن مكاتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم عدت إلى الرياض واستقريت في الشؤون الثقافية، والقسم الأدبي، وبدأت العمل في الأسابيع الثقافية، وجائزة الدولة التقديرية في الأدب، وأصبحت موجوداً في الأمانة العامة للجائزة، وبدأت تزداد وتوثق علاقتي مع الأدباء والمثقفين بحكم عملي الرسمي واتصالي بهم في الأسابيع الثقافية وجائزة الدولة. وقد بدأت الكتابة والنشر متأخراً عندما بلغت الخامسة والخمسين من عمري في عام 1420هـ؛ حيث إني تأثرت ببعض الأحداث والمناسبات التي دفعتني وحفزتني للكتابة، إلى جانب قربي من الكثير من الأدباء. وعندما وصفني الدكتور أحمد الضبيب، أمين عام جائزة الملك فيصل، والمدير السابق لجامعة الملك سعود، وقدمني لمجموعة من الضيوف في مركز الملك فيصل بأني: "مؤرخ الصحافة السعودية" منحني شعوراً بالفخر وحاولت أن أثبت وجودي، وبدأت الكتابة عن ذكريات الطفولة وسط تشجيع من عدد من الكتاب، ثم انطلقت في الكتابة حتى الآن.

** ما سر العلاقة الاستثنائية التي تربطك بالأديب والكاتب الراحل عبد الكريم الجهيمان؟

حبي لهذا الرجل وإعجابي بدوره التنويري: تعرفت على الأستاذ عبد الكريم الجهيمان قبل أربعين عاماً؛ حيث زارنا في رعاية الشباب ثم زرته في بيته وقابلته عند الشيخ حمد الجاسر؛ حيث ذهبت لإبلاغه بفوزه بجائزة الدولة في الأدب. وقد بدأت الكتابة عنه في الاحتفال بالجنادرية في أحد الأعوام؛ حيث طُلب مني أن أكتب مقالاً عنه بملف للجزيرة بهذه المناسبة وسط تشجيع من عدد من الأدباء، وبالفعل كتبت مقالاً ولقى ترحيباً كبيراً، حيث قال لي المسؤول عن القسم الثقافي بالجزيرة: إنه من أفضل ما كُتب بهذه المناسبة؛ وهو ما شجعني أكثر على الكتابة.

** فزت بجائزة الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية قبل أكثر من 12 عامًا، حدثنا عنها؟

بعد مزاولة الكتابة بشكل متواصل قمت بقراءة ومطالعة الكثير من الكتب، ونشرت العديد من الحلقات عن الصحافة السعودية وروادها بالمجلة العربية، وفزت بهذه الجائزة عن مجموعة من الحلقات التي نشرتها، وبعد ذلك نُشرت في كتاب، وحصلت على الجائزة من الملك سلمان عام 1427هـ؛ أي قبل 12 عامًا، وكانت هذه الجائزة حافزًا للمزيد العطاء الأدبي.

** بالنظر لدورك كراصد للمتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي؛ ما هي أبرز المتغيرات التي مر بها المجتمع؟

حقيقة أن المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً، خاصة في الفترة الأخيرة، وأبرز هذه المتغيرات على المستوى الثقافي: طرق وأساليب الطباعة والنشر القديمة؛ حيث كانت الجرائد والمجلات تنشر بدورية شهرية أو أسبوعية وكانت طرق الصف والطباعة بدائية، أما الآن فتغير كل ذلك وأحدث تحولاً كبيراً في المجتمع السعودي، وقد كانت المؤسسات الصحفية يعمل بها عدد قليل من الأشخاص، أما الآن فالمؤسسات اتسع حجم العمالة الوطنية بها من متخصصين وفنيين، هذا فضلاً عن وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة إلى جانب الطباعة بالوسائل الحديثة. أما على مستوى التحولات الاجتماعية؛ فالإنسان بطبعه وبحكم حركة التاريخ تتغير عاداته مع الأيام، وتصير هذه العادات الجديدة مألوفة؛ فهو يتأثر بمجتمعه والمجتمعات التي تحيط به إلى جانب الدور التنويري الذي بذلته وسائل الإعلام داخل وخارج المملكة، هذا فضلاَ عن السفر خارج المملكة سواء إلى الدول العربية أم الأوروبية، وهذا كله أحدث تحولات في أفكار وسلوكيات المواطنين في العديد من الموضوعات والقضايا؛ مثلًا قضية تعليم البنات، وقيادة السيارة، وعمل المرأة، والانفتاح الحضاري. ونتذكر أنه في عام 1960م بدأ فتح مدارس البنات وسط رفض البعض وترحيب البعض الآخر، والآن تغير الحال تماماً.

** قمت بالرد على بعض الناس قائلاً: "أنا لست مقاول سير ذاتية" ماذا كنت تقصد بهذه المقولة؟

اتصل بي أكثر من شخص وبدون ذكر أسماء، يطلبون أن أكتب عنهم سيرًا ذاتية، وقلت لهم: إني لا أكتب إلا عمن أحب سواء كنت أعرفه أم لا أعرفه، فإذا عرفت سيرته ودوره في المجتمع أكتب عنه مباشرة. وبالتالي لست مقاولاً للسير بل محباً لها.

** هل هذا ما دفعك لكتابة سير ذاتية عن سيدات لعبن أدواراً تاريخية في شبه الجزيرة العربية؟

نعم، وأذكر مثالاً على ذلك: السيدة "غالية البقمية" التي قادت الجيوش في شبه الجزيرة العربية في عهد محمد علي باشا خلال الدولة السعودية الأولى، والتي مات زوجها وأخفت موته، ولبست ملابسه وقررت أن تقود الجيوش للدفاع عن أرضها. وقد قال المؤرخون الفرنسيون عنها: إن الجن كان يحارب معها في هذه المعارك؛ لأنهم لم يصدقوا أن سيدة عربية من شبه الجزيرة كهذه تقود الجيوش وتهزم جيش محمد علي باشا. وكذلك أذكر السيدة موضي البسام التي عاشت في عنيزة ولقبت بـ"أم المساكين"، وهي التي استضافت الجرحى من جيش مبارك الصباح، والإمام عبد الرحمن الفيصل في وقعة الصريف عام 1318هـ ممن جاؤوا إلى عنيزة في بيتها، وبيوت أسرتها وفي المساجد، وعالجتهم وأمدتهم بالطعام والشراب حتى هدأت الأمور وانسحب جيش ابن رشيد، وبدأت هي تهربهم سراً إلى الكويت، كما كانت تنقذ المساكين أيام المجاعة وتقدم لهم الطعام، وكانت تساعد من هدمت بيوتهم بسبب السيول والأمطار، ورغم ذلك لم تذكر جهودها الكبيرة، وكان يجب أن يُنشأ مركز ثقافي أو مدرسة باسمها. كذلك من الشخصيات التي أحببتها وكتبت سيرها الذاتية: الطبيب "عبد الرحمن الرحيمي" الذي ذهب للبصرة، وتعلم الطب الشعبي، وافتتح في الرياض صيدلية بسيطة تحتوي على بعض الأدوية والوصفات، وقد عالج الملك عبد العزيز عندما اشتكى من آلام في المعدة، وقد كتبت عنه أيضاً. وكان من مقولاته الشهيرة: "أنا أعرف أشق ولا أعرف أخيط". وكان عنده صيدلية نسميها تجاوزاً بالصيدلية؛ فهي مجرد صندوق من حديد يوضع في وسط حفرة على قارعة الطريق أمام مسجد الجامع الكبير بالصفاة وسط الرياض، وبالقرب من حراج ابن قاسم الشهير؛ حيث يدفن الصندوق الحديدي بالطين إلى أعلاه، وبه دواء الكحة، وحبوب "دجنان"، وحبوب الرأس، وشراب "العشرق"، وزيت الخروع. وطبعاً "الفكس"، وأخيراً تم اكتشاف أو اختراع دواء مشابه له "أبو فاس". وكان عند إغلاق السوق مع أذان صلاة الظهر أو أذان صلاة المغرب يقفل الصندوق ويغطيه بـ"خيشة" حتى لا يعبث بالصندوق الأطفال أو يتعثر به أحد المارة أو تدوسه إحدى العربات أو السيارات حديثة العهد بالرياض. ويمكن اعتبارها أول صيدلية بالرياض رغم أن صيدلية "شبيب" وبعدها صيدلية "تمر" بشارع الوزير، من أقدم صيدليات الرياض.

** قلت إنك حملت ثلاث شهادات "الميلاد، لا إله إلا الله، الابتدائية"، ما الذي كنت تقصده بذلك؟

قلت ذلك من مبدأ "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه"، فقد دخلت المعهد العلمي، ودخلت السنة الأولى الثانوية، ولكني لم أكمل لظروف العمل والحياة. فقد عملت، وتركت الدراسة ومرت السنوات، وأنا لا أحمل إلا تلك الشهادات الثلاث، وأول من قال تلك العبارة هو الدكتور سعد البازعي ولست أنا.

** ألفت كتابًا مهمًّا بعنوان "معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الخارج"، حدثنا عن هذا الكتاب؟

حاولت من خلال هذا الكتاب الحديثَ عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير، ولم يتحدث عنهم أحد، وقد كان المعتمدون بمثابة سفراء للوطن في الخارج، فلم يكن هناك سفراء باستثناء إبراهيم المعمر الذي كان قنصلًا في العراق، وقد كان يعمل في مصر في البداية ثم أتى به الملك عبد العزيز ليعينه رئيساً للديوان الملكي، ثم اختلف مع بعض الأمراء، وقدم استقالته ثم عرض عليه أن يعمل قنصلًا في العراق، وذهب لهناك لحل المشاكل التي نشبت في قضايا بين السعودية والعراق، ولما عاد من العراق عين قائم قام جدة.

** من خلال الدراسات والكتب التي اطلعت عليها؛ ما هي أبرز الصفات الشخصية التي تمت بها الملك المؤسس عبد العزيز؟

الملك عبد العزيز –رحمه الله- كان يتمتع بذكاء فطري، ويعرف الرجل بمجرد أن يراه، و"يبخصه"، أي يعرف بواطنه، ويحكم عليه إنْ صالحاً أم لا، فقد كان سريع البديهة، وكان عندما يعجب بشخص معين يغير اسمه إلى اسم أفضل يعبر عن شخصيته، مثل مرافق له اسمه الوشمي غيره للنشمي؛ أي سريع البديهة، وقد رأى الملك عبد العزيز في إحدى المعارك رجلاً يحمل أحد المصابين يحاول إبعاده عن أرض المعركة فأطلق عليه اسم "صحابي". وكان المؤسس لديه نظرة ثاقبة تفرد بها عن غيره، كما كان شجاعاً، وأحاط به رجال ومساعدون أكفاء ومخلصون أعانوه على توحيد البلاد، وله العديد من الصفات الشخصية المتفردة التي لا شك ساعدته على توحيد البلاد؛ مما كان له بالغ الأثر في استتباب الأمن واستقرار الحياة في هذه البلاد.

** ما أبرز ذكرياتك عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؟

أذكر أني عندما كنت صغيراً ذهبت مع أبي قارئ القرآن "عبد الرزاق القشعمي"، وكان كفيفاً، للعزاء في وفاة الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، ودخلنا للبيت الذي كان فيه عزاء، وسلمنا على زوجته الأميرة حصة السديري أم الملك سلمان، التي كانت تبكي بحرارة، وسلم أبي عليها وجلس يقرأ القرآن الكريم. وكنت أذهب سابقاً مع أبي للقصر الملكي في الديرة بالرياض؛ حيث يذهب ليقرأ على أبناء الملك عبد العزيز القرآن الكريم ويؤمهم في الصلاة، وأحياناً كان أبي يذهب بمعية حاشية الأميرة حصة، رحمها الله، إلى مكة وقت العمرة والحج بطلبٍ منها، وكنت أذهب معه في بعض الأحيان. والملك سلمان، الأمير سابقاً، كان ولا يزال قريباً من الكتاب والمثقفين، وقد التقيت به في بعض المناسبات في رعاية الشباب، ورأيته أكثر من مرة، ولي معه العديد من الصور الفوتوغرافية، وكان دائماً يتحدث عن والدي بتقدير.

** ما أول كتاب اقتنيته؟

أذكر أنه في عام 1954م، وكان عمري وقتها 12 عامًا تقريبًا، كنت مع أبي في مكة، وكان يعطيني مالاً لأشتري ما أريده، وفي مرة من المرات كنت ذاهباً لأشتري طعاماً، وجدت كتاباً أعجبني عن أحكام الإسلام والحج، ولهذا ظللت أوفر قروشًا مما كان يعطيها لي أبي واشتريت هذا الكتاب.

** تحدثت عن وقائع الحياة الاجتماعية في المملكة سابقاً، ومما ذكرت مرض الجدري الذي أصيب به الكثير من الناس وماتوا، كما تحدثت عن أكل عظام الجمل "البخص"، حدثنا أكثر عن هذه الأمور؟

سابقاً في أرض نجد، وخاصة الزلفي كان الناس يقولون إن المرض والشفاء من الله، ولم يكونوا يهتمون بالعلاج من الأمراض المختلفة كالجدري، ورغم أن هذا المرض مات بسببه الكثير من الناس وشوه الآخرين إلا أنهم كانوا يخافون من التطعيم ويهربون منه، وكان أبي يحاول إقناع الناس بأن العلاج مهم، وأخذ التطعيم لا يتعارض مع الدين، لكنهم كانوا يرفضون، وكان الجدري يحصد أرواح الناس في مختلف القرى والبلدات، والهجر. ويمر سنويًّا يأخذ معه الكثير أو يفقد البقية بصرهم، إضافة لتشويههم، فيُفرش للمصابين أسبال بالية وتبعد عنهم الذباب، وتمرس المرأة التمر مع الماء، تنقطه في حلوقهم، وعند الغروب يأتي من يحملهم بفرشهم إلى الغرف ليبيتوا ليلهم في الداخل. أما بالنسبة لأكل عظام الجمل "البخص"؛ فكان ذلك بسبب أننا كنا نأكل اللحم في عيد الأضحى فقط، أما بقية شهور السنة كنا نأكل "البخص"، وكان الكبار يأكلون أولاً ثم يأكل الصغار. و"البخص" هو عظام الجمل اليابسة"، وكان الأطفال يلاحقون أمهاتهم وهن يسحبن "البخص" إلى البئر "القليب" لتربط بحبل طويل، وتدلى إلى أن تصل الماء فتبقى العظام فيه من الصباح وحتى صباح اليوم التالي، فيخرجونها ليتم تكسيرها إلى قطع متوسطة، وتوضع بالقدر الحجري الكبير، وتوقد على النار من الصباح إلى المساء ويبدأ الاحتفال بتقسيم العظام، وما علق بها من عصب، وأحيانًا تقسّم إلى قسمين بحيث يقدّم للرجال القسم الأكثر والذي يوجد به العصب الأفضل، وما بقي للأطفال، وعندما يتعرض أحد الجمال أو الغنم لمرض لا يبرأ منه مما يستدعي ذبحها وتوزيعها على البيوتات في القرية.

اليوم الوطني الـ88 اليوم الوطني السعودي
اعلان
بالفيديو .. المؤرخ القشعمي يروي لـ"سبق" حكايات من التاريخ والأحداث الوطنية ووقائع من حياة الملك عبد العزيز
سبق

- "الجدري" حصد أرواح الكثير من أهل قرى نجد.. والجوع جعلهم يأكلون عظام الجمال اليابسة

- معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الدول كانوا بمثابة سفراء للوطن في الخارج

- هذه حكاية "غالية البقمية" التي لبست ثوب زوجها وقادت الجيوش ضد "الأتراك" وحقيقة الجن الذي حارب معها

- "موضي البسام" لقبت بـ"أم المساكين" استضافت في عنيزة المصابين من جيش الصباح والإمام الفيصل بعد وقعة الصريف 1318هـ

- فزت بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ بعد أن نشرت حلقات عن الصحافة السعودية وروادها

- المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً خاصة في الفترة الأخيرة

- لست "مقاولاً" للسير الذاتية.. وأحب أن أكتب عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير

- لا أحمل إلا الشهادات الثلاث: شهادات "الميلاد، ولا إله إلا الله، والمدرسة الابتدائية؛ وهذه تكفي"

- الطباعة الحديثة ووسائل الاتصال الإلكترونية والسفر خارج المملكة أحدثت تحولات إيجابية في أفكار وسلوكيات المواطنين

- أعجبت بعبد الكريم الجهيمان ودوره "التنويري".. ولقب "مؤرخ الصحافة السعودية" شجعني على الكتابة

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي (تصوير وفيديو: فايز الزيادي): يعد محمد بن عبد الرزاق القشعمي، مؤرخاً، وباحثاً، وكاتباً سعودياً بارزاً أثرى الساحة الثقافية والإعلامية والمكتبة العربية بأكثر من 40 كتاباً ومؤلفاً، وكتب العديد من المقالات والدراسات المتخصصة، ووثق السير الذاتية، وتاريخ المملكة، وحياة الشخصيات التي خدمت الوطن، كما رصد تجربة الصحافة السعودية منذ بداية التأسيس بتحولاتها المختلفة.

و"القشعمي" الذي لم يبدأ الكتابة والنشر إلا في سن الخامسة والخمسين من عمره يروي لـ"سبق" ملامح من تجربته الحافلة بالعطاء، ويتحدث عن فوزه بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ، وسر ارتباطه بالأديب عبد الكريم الجهيمان، وأبرز صفات الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويسرد بعض وقائع الحياة الاجتماعية في قرى وبلدات وهجر المملكة سابقاً.

"القشعمي" صاحب تجربة عريضة، وحكايات متنوعة عن تاريخ المملكة وعطاءات رجالاته، والأحداث الوطنية المختلفة اكتفينا منه ببعضها لضيق وقته.

** كمؤرخ وباحث وكاتب له رحلة طويلة في التاريخ والأدب وكتابة السير، ولقبت براصد البدايات وموثق التحولات: ما الذي جذبك لهذا المجال؟

في الحقيقة أني بدأت متأخراً في الكتابة، قد يكون اهتمامي بالكتابة بدأ مبكراً، لكن تنقلي خارج الرياض لمدة 16 عامًا بمختلف مناطق المملكة من القصيم إلى الأحساء والدمام والخبر وحائل ثم العودة إلى الرياض مرة أخرى؛ حيث كنت مسؤولاً عن مكاتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم عدت إلى الرياض واستقريت في الشؤون الثقافية، والقسم الأدبي، وبدأت العمل في الأسابيع الثقافية، وجائزة الدولة التقديرية في الأدب، وأصبحت موجوداً في الأمانة العامة للجائزة، وبدأت تزداد وتوثق علاقتي مع الأدباء والمثقفين بحكم عملي الرسمي واتصالي بهم في الأسابيع الثقافية وجائزة الدولة. وقد بدأت الكتابة والنشر متأخراً عندما بلغت الخامسة والخمسين من عمري في عام 1420هـ؛ حيث إني تأثرت ببعض الأحداث والمناسبات التي دفعتني وحفزتني للكتابة، إلى جانب قربي من الكثير من الأدباء. وعندما وصفني الدكتور أحمد الضبيب، أمين عام جائزة الملك فيصل، والمدير السابق لجامعة الملك سعود، وقدمني لمجموعة من الضيوف في مركز الملك فيصل بأني: "مؤرخ الصحافة السعودية" منحني شعوراً بالفخر وحاولت أن أثبت وجودي، وبدأت الكتابة عن ذكريات الطفولة وسط تشجيع من عدد من الكتاب، ثم انطلقت في الكتابة حتى الآن.

** ما سر العلاقة الاستثنائية التي تربطك بالأديب والكاتب الراحل عبد الكريم الجهيمان؟

حبي لهذا الرجل وإعجابي بدوره التنويري: تعرفت على الأستاذ عبد الكريم الجهيمان قبل أربعين عاماً؛ حيث زارنا في رعاية الشباب ثم زرته في بيته وقابلته عند الشيخ حمد الجاسر؛ حيث ذهبت لإبلاغه بفوزه بجائزة الدولة في الأدب. وقد بدأت الكتابة عنه في الاحتفال بالجنادرية في أحد الأعوام؛ حيث طُلب مني أن أكتب مقالاً عنه بملف للجزيرة بهذه المناسبة وسط تشجيع من عدد من الأدباء، وبالفعل كتبت مقالاً ولقى ترحيباً كبيراً، حيث قال لي المسؤول عن القسم الثقافي بالجزيرة: إنه من أفضل ما كُتب بهذه المناسبة؛ وهو ما شجعني أكثر على الكتابة.

** فزت بجائزة الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية قبل أكثر من 12 عامًا، حدثنا عنها؟

بعد مزاولة الكتابة بشكل متواصل قمت بقراءة ومطالعة الكثير من الكتب، ونشرت العديد من الحلقات عن الصحافة السعودية وروادها بالمجلة العربية، وفزت بهذه الجائزة عن مجموعة من الحلقات التي نشرتها، وبعد ذلك نُشرت في كتاب، وحصلت على الجائزة من الملك سلمان عام 1427هـ؛ أي قبل 12 عامًا، وكانت هذه الجائزة حافزًا للمزيد العطاء الأدبي.

** بالنظر لدورك كراصد للمتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي؛ ما هي أبرز المتغيرات التي مر بها المجتمع؟

حقيقة أن المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً، خاصة في الفترة الأخيرة، وأبرز هذه المتغيرات على المستوى الثقافي: طرق وأساليب الطباعة والنشر القديمة؛ حيث كانت الجرائد والمجلات تنشر بدورية شهرية أو أسبوعية وكانت طرق الصف والطباعة بدائية، أما الآن فتغير كل ذلك وأحدث تحولاً كبيراً في المجتمع السعودي، وقد كانت المؤسسات الصحفية يعمل بها عدد قليل من الأشخاص، أما الآن فالمؤسسات اتسع حجم العمالة الوطنية بها من متخصصين وفنيين، هذا فضلاً عن وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة إلى جانب الطباعة بالوسائل الحديثة. أما على مستوى التحولات الاجتماعية؛ فالإنسان بطبعه وبحكم حركة التاريخ تتغير عاداته مع الأيام، وتصير هذه العادات الجديدة مألوفة؛ فهو يتأثر بمجتمعه والمجتمعات التي تحيط به إلى جانب الدور التنويري الذي بذلته وسائل الإعلام داخل وخارج المملكة، هذا فضلاَ عن السفر خارج المملكة سواء إلى الدول العربية أم الأوروبية، وهذا كله أحدث تحولات في أفكار وسلوكيات المواطنين في العديد من الموضوعات والقضايا؛ مثلًا قضية تعليم البنات، وقيادة السيارة، وعمل المرأة، والانفتاح الحضاري. ونتذكر أنه في عام 1960م بدأ فتح مدارس البنات وسط رفض البعض وترحيب البعض الآخر، والآن تغير الحال تماماً.

** قمت بالرد على بعض الناس قائلاً: "أنا لست مقاول سير ذاتية" ماذا كنت تقصد بهذه المقولة؟

اتصل بي أكثر من شخص وبدون ذكر أسماء، يطلبون أن أكتب عنهم سيرًا ذاتية، وقلت لهم: إني لا أكتب إلا عمن أحب سواء كنت أعرفه أم لا أعرفه، فإذا عرفت سيرته ودوره في المجتمع أكتب عنه مباشرة. وبالتالي لست مقاولاً للسير بل محباً لها.

** هل هذا ما دفعك لكتابة سير ذاتية عن سيدات لعبن أدواراً تاريخية في شبه الجزيرة العربية؟

نعم، وأذكر مثالاً على ذلك: السيدة "غالية البقمية" التي قادت الجيوش في شبه الجزيرة العربية في عهد محمد علي باشا خلال الدولة السعودية الأولى، والتي مات زوجها وأخفت موته، ولبست ملابسه وقررت أن تقود الجيوش للدفاع عن أرضها. وقد قال المؤرخون الفرنسيون عنها: إن الجن كان يحارب معها في هذه المعارك؛ لأنهم لم يصدقوا أن سيدة عربية من شبه الجزيرة كهذه تقود الجيوش وتهزم جيش محمد علي باشا. وكذلك أذكر السيدة موضي البسام التي عاشت في عنيزة ولقبت بـ"أم المساكين"، وهي التي استضافت الجرحى من جيش مبارك الصباح، والإمام عبد الرحمن الفيصل في وقعة الصريف عام 1318هـ ممن جاؤوا إلى عنيزة في بيتها، وبيوت أسرتها وفي المساجد، وعالجتهم وأمدتهم بالطعام والشراب حتى هدأت الأمور وانسحب جيش ابن رشيد، وبدأت هي تهربهم سراً إلى الكويت، كما كانت تنقذ المساكين أيام المجاعة وتقدم لهم الطعام، وكانت تساعد من هدمت بيوتهم بسبب السيول والأمطار، ورغم ذلك لم تذكر جهودها الكبيرة، وكان يجب أن يُنشأ مركز ثقافي أو مدرسة باسمها. كذلك من الشخصيات التي أحببتها وكتبت سيرها الذاتية: الطبيب "عبد الرحمن الرحيمي" الذي ذهب للبصرة، وتعلم الطب الشعبي، وافتتح في الرياض صيدلية بسيطة تحتوي على بعض الأدوية والوصفات، وقد عالج الملك عبد العزيز عندما اشتكى من آلام في المعدة، وقد كتبت عنه أيضاً. وكان من مقولاته الشهيرة: "أنا أعرف أشق ولا أعرف أخيط". وكان عنده صيدلية نسميها تجاوزاً بالصيدلية؛ فهي مجرد صندوق من حديد يوضع في وسط حفرة على قارعة الطريق أمام مسجد الجامع الكبير بالصفاة وسط الرياض، وبالقرب من حراج ابن قاسم الشهير؛ حيث يدفن الصندوق الحديدي بالطين إلى أعلاه، وبه دواء الكحة، وحبوب "دجنان"، وحبوب الرأس، وشراب "العشرق"، وزيت الخروع. وطبعاً "الفكس"، وأخيراً تم اكتشاف أو اختراع دواء مشابه له "أبو فاس". وكان عند إغلاق السوق مع أذان صلاة الظهر أو أذان صلاة المغرب يقفل الصندوق ويغطيه بـ"خيشة" حتى لا يعبث بالصندوق الأطفال أو يتعثر به أحد المارة أو تدوسه إحدى العربات أو السيارات حديثة العهد بالرياض. ويمكن اعتبارها أول صيدلية بالرياض رغم أن صيدلية "شبيب" وبعدها صيدلية "تمر" بشارع الوزير، من أقدم صيدليات الرياض.

** قلت إنك حملت ثلاث شهادات "الميلاد، لا إله إلا الله، الابتدائية"، ما الذي كنت تقصده بذلك؟

قلت ذلك من مبدأ "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه"، فقد دخلت المعهد العلمي، ودخلت السنة الأولى الثانوية، ولكني لم أكمل لظروف العمل والحياة. فقد عملت، وتركت الدراسة ومرت السنوات، وأنا لا أحمل إلا تلك الشهادات الثلاث، وأول من قال تلك العبارة هو الدكتور سعد البازعي ولست أنا.

** ألفت كتابًا مهمًّا بعنوان "معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الخارج"، حدثنا عن هذا الكتاب؟

حاولت من خلال هذا الكتاب الحديثَ عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير، ولم يتحدث عنهم أحد، وقد كان المعتمدون بمثابة سفراء للوطن في الخارج، فلم يكن هناك سفراء باستثناء إبراهيم المعمر الذي كان قنصلًا في العراق، وقد كان يعمل في مصر في البداية ثم أتى به الملك عبد العزيز ليعينه رئيساً للديوان الملكي، ثم اختلف مع بعض الأمراء، وقدم استقالته ثم عرض عليه أن يعمل قنصلًا في العراق، وذهب لهناك لحل المشاكل التي نشبت في قضايا بين السعودية والعراق، ولما عاد من العراق عين قائم قام جدة.

** من خلال الدراسات والكتب التي اطلعت عليها؛ ما هي أبرز الصفات الشخصية التي تمت بها الملك المؤسس عبد العزيز؟

الملك عبد العزيز –رحمه الله- كان يتمتع بذكاء فطري، ويعرف الرجل بمجرد أن يراه، و"يبخصه"، أي يعرف بواطنه، ويحكم عليه إنْ صالحاً أم لا، فقد كان سريع البديهة، وكان عندما يعجب بشخص معين يغير اسمه إلى اسم أفضل يعبر عن شخصيته، مثل مرافق له اسمه الوشمي غيره للنشمي؛ أي سريع البديهة، وقد رأى الملك عبد العزيز في إحدى المعارك رجلاً يحمل أحد المصابين يحاول إبعاده عن أرض المعركة فأطلق عليه اسم "صحابي". وكان المؤسس لديه نظرة ثاقبة تفرد بها عن غيره، كما كان شجاعاً، وأحاط به رجال ومساعدون أكفاء ومخلصون أعانوه على توحيد البلاد، وله العديد من الصفات الشخصية المتفردة التي لا شك ساعدته على توحيد البلاد؛ مما كان له بالغ الأثر في استتباب الأمن واستقرار الحياة في هذه البلاد.

** ما أبرز ذكرياتك عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؟

أذكر أني عندما كنت صغيراً ذهبت مع أبي قارئ القرآن "عبد الرزاق القشعمي"، وكان كفيفاً، للعزاء في وفاة الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، ودخلنا للبيت الذي كان فيه عزاء، وسلمنا على زوجته الأميرة حصة السديري أم الملك سلمان، التي كانت تبكي بحرارة، وسلم أبي عليها وجلس يقرأ القرآن الكريم. وكنت أذهب سابقاً مع أبي للقصر الملكي في الديرة بالرياض؛ حيث يذهب ليقرأ على أبناء الملك عبد العزيز القرآن الكريم ويؤمهم في الصلاة، وأحياناً كان أبي يذهب بمعية حاشية الأميرة حصة، رحمها الله، إلى مكة وقت العمرة والحج بطلبٍ منها، وكنت أذهب معه في بعض الأحيان. والملك سلمان، الأمير سابقاً، كان ولا يزال قريباً من الكتاب والمثقفين، وقد التقيت به في بعض المناسبات في رعاية الشباب، ورأيته أكثر من مرة، ولي معه العديد من الصور الفوتوغرافية، وكان دائماً يتحدث عن والدي بتقدير.

** ما أول كتاب اقتنيته؟

أذكر أنه في عام 1954م، وكان عمري وقتها 12 عامًا تقريبًا، كنت مع أبي في مكة، وكان يعطيني مالاً لأشتري ما أريده، وفي مرة من المرات كنت ذاهباً لأشتري طعاماً، وجدت كتاباً أعجبني عن أحكام الإسلام والحج، ولهذا ظللت أوفر قروشًا مما كان يعطيها لي أبي واشتريت هذا الكتاب.

** تحدثت عن وقائع الحياة الاجتماعية في المملكة سابقاً، ومما ذكرت مرض الجدري الذي أصيب به الكثير من الناس وماتوا، كما تحدثت عن أكل عظام الجمل "البخص"، حدثنا أكثر عن هذه الأمور؟

سابقاً في أرض نجد، وخاصة الزلفي كان الناس يقولون إن المرض والشفاء من الله، ولم يكونوا يهتمون بالعلاج من الأمراض المختلفة كالجدري، ورغم أن هذا المرض مات بسببه الكثير من الناس وشوه الآخرين إلا أنهم كانوا يخافون من التطعيم ويهربون منه، وكان أبي يحاول إقناع الناس بأن العلاج مهم، وأخذ التطعيم لا يتعارض مع الدين، لكنهم كانوا يرفضون، وكان الجدري يحصد أرواح الناس في مختلف القرى والبلدات، والهجر. ويمر سنويًّا يأخذ معه الكثير أو يفقد البقية بصرهم، إضافة لتشويههم، فيُفرش للمصابين أسبال بالية وتبعد عنهم الذباب، وتمرس المرأة التمر مع الماء، تنقطه في حلوقهم، وعند الغروب يأتي من يحملهم بفرشهم إلى الغرف ليبيتوا ليلهم في الداخل. أما بالنسبة لأكل عظام الجمل "البخص"؛ فكان ذلك بسبب أننا كنا نأكل اللحم في عيد الأضحى فقط، أما بقية شهور السنة كنا نأكل "البخص"، وكان الكبار يأكلون أولاً ثم يأكل الصغار. و"البخص" هو عظام الجمل اليابسة"، وكان الأطفال يلاحقون أمهاتهم وهن يسحبن "البخص" إلى البئر "القليب" لتربط بحبل طويل، وتدلى إلى أن تصل الماء فتبقى العظام فيه من الصباح وحتى صباح اليوم التالي، فيخرجونها ليتم تكسيرها إلى قطع متوسطة، وتوضع بالقدر الحجري الكبير، وتوقد على النار من الصباح إلى المساء ويبدأ الاحتفال بتقسيم العظام، وما علق بها من عصب، وأحيانًا تقسّم إلى قسمين بحيث يقدّم للرجال القسم الأكثر والذي يوجد به العصب الأفضل، وما بقي للأطفال، وعندما يتعرض أحد الجمال أو الغنم لمرض لا يبرأ منه مما يستدعي ذبحها وتوزيعها على البيوتات في القرية.

23 سبتمبر 2018 - 13 محرّم 1440
03:14 PM
اخر تعديل
21 يوليو 2019 - 18 ذو القعدة 1440
08:16 PM

بالفيديو .. المؤرخ القشعمي يروي لـ"سبق" حكايات من التاريخ والأحداث الوطنية ووقائع من حياة الملك عبد العزيز

قال: أول صيدلي في الرياض كان شعاره: "أنا أشق ولا أعرف أخيط".. وصيدليته صندوق حديدي

A A A
6
16,528

- "الجدري" حصد أرواح الكثير من أهل قرى نجد.. والجوع جعلهم يأكلون عظام الجمال اليابسة

- معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الدول كانوا بمثابة سفراء للوطن في الخارج

- هذه حكاية "غالية البقمية" التي لبست ثوب زوجها وقادت الجيوش ضد "الأتراك" وحقيقة الجن الذي حارب معها

- "موضي البسام" لقبت بـ"أم المساكين" استضافت في عنيزة المصابين من جيش الصباح والإمام الفيصل بعد وقعة الصريف 1318هـ

- فزت بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ بعد أن نشرت حلقات عن الصحافة السعودية وروادها

- المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً خاصة في الفترة الأخيرة

- لست "مقاولاً" للسير الذاتية.. وأحب أن أكتب عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير

- لا أحمل إلا الشهادات الثلاث: شهادات "الميلاد، ولا إله إلا الله، والمدرسة الابتدائية؛ وهذه تكفي"

- الطباعة الحديثة ووسائل الاتصال الإلكترونية والسفر خارج المملكة أحدثت تحولات إيجابية في أفكار وسلوكيات المواطنين

- أعجبت بعبد الكريم الجهيمان ودوره "التنويري".. ولقب "مؤرخ الصحافة السعودية" شجعني على الكتابة

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي (تصوير وفيديو: فايز الزيادي): يعد محمد بن عبد الرزاق القشعمي، مؤرخاً، وباحثاً، وكاتباً سعودياً بارزاً أثرى الساحة الثقافية والإعلامية والمكتبة العربية بأكثر من 40 كتاباً ومؤلفاً، وكتب العديد من المقالات والدراسات المتخصصة، ووثق السير الذاتية، وتاريخ المملكة، وحياة الشخصيات التي خدمت الوطن، كما رصد تجربة الصحافة السعودية منذ بداية التأسيس بتحولاتها المختلفة.

و"القشعمي" الذي لم يبدأ الكتابة والنشر إلا في سن الخامسة والخمسين من عمره يروي لـ"سبق" ملامح من تجربته الحافلة بالعطاء، ويتحدث عن فوزه بجائزة الملك سلمان عام 1427هـ، وسر ارتباطه بالأديب عبد الكريم الجهيمان، وأبرز صفات الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويسرد بعض وقائع الحياة الاجتماعية في قرى وبلدات وهجر المملكة سابقاً.

"القشعمي" صاحب تجربة عريضة، وحكايات متنوعة عن تاريخ المملكة وعطاءات رجالاته، والأحداث الوطنية المختلفة اكتفينا منه ببعضها لضيق وقته.

** كمؤرخ وباحث وكاتب له رحلة طويلة في التاريخ والأدب وكتابة السير، ولقبت براصد البدايات وموثق التحولات: ما الذي جذبك لهذا المجال؟

في الحقيقة أني بدأت متأخراً في الكتابة، قد يكون اهتمامي بالكتابة بدأ مبكراً، لكن تنقلي خارج الرياض لمدة 16 عامًا بمختلف مناطق المملكة من القصيم إلى الأحساء والدمام والخبر وحائل ثم العودة إلى الرياض مرة أخرى؛ حيث كنت مسؤولاً عن مكاتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم عدت إلى الرياض واستقريت في الشؤون الثقافية، والقسم الأدبي، وبدأت العمل في الأسابيع الثقافية، وجائزة الدولة التقديرية في الأدب، وأصبحت موجوداً في الأمانة العامة للجائزة، وبدأت تزداد وتوثق علاقتي مع الأدباء والمثقفين بحكم عملي الرسمي واتصالي بهم في الأسابيع الثقافية وجائزة الدولة. وقد بدأت الكتابة والنشر متأخراً عندما بلغت الخامسة والخمسين من عمري في عام 1420هـ؛ حيث إني تأثرت ببعض الأحداث والمناسبات التي دفعتني وحفزتني للكتابة، إلى جانب قربي من الكثير من الأدباء. وعندما وصفني الدكتور أحمد الضبيب، أمين عام جائزة الملك فيصل، والمدير السابق لجامعة الملك سعود، وقدمني لمجموعة من الضيوف في مركز الملك فيصل بأني: "مؤرخ الصحافة السعودية" منحني شعوراً بالفخر وحاولت أن أثبت وجودي، وبدأت الكتابة عن ذكريات الطفولة وسط تشجيع من عدد من الكتاب، ثم انطلقت في الكتابة حتى الآن.

** ما سر العلاقة الاستثنائية التي تربطك بالأديب والكاتب الراحل عبد الكريم الجهيمان؟

حبي لهذا الرجل وإعجابي بدوره التنويري: تعرفت على الأستاذ عبد الكريم الجهيمان قبل أربعين عاماً؛ حيث زارنا في رعاية الشباب ثم زرته في بيته وقابلته عند الشيخ حمد الجاسر؛ حيث ذهبت لإبلاغه بفوزه بجائزة الدولة في الأدب. وقد بدأت الكتابة عنه في الاحتفال بالجنادرية في أحد الأعوام؛ حيث طُلب مني أن أكتب مقالاً عنه بملف للجزيرة بهذه المناسبة وسط تشجيع من عدد من الأدباء، وبالفعل كتبت مقالاً ولقى ترحيباً كبيراً، حيث قال لي المسؤول عن القسم الثقافي بالجزيرة: إنه من أفضل ما كُتب بهذه المناسبة؛ وهو ما شجعني أكثر على الكتابة.

** فزت بجائزة الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية قبل أكثر من 12 عامًا، حدثنا عنها؟

بعد مزاولة الكتابة بشكل متواصل قمت بقراءة ومطالعة الكثير من الكتب، ونشرت العديد من الحلقات عن الصحافة السعودية وروادها بالمجلة العربية، وفزت بهذه الجائزة عن مجموعة من الحلقات التي نشرتها، وبعد ذلك نُشرت في كتاب، وحصلت على الجائزة من الملك سلمان عام 1427هـ؛ أي قبل 12 عامًا، وكانت هذه الجائزة حافزًا للمزيد العطاء الأدبي.

** بالنظر لدورك كراصد للمتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي؛ ما هي أبرز المتغيرات التي مر بها المجتمع؟

حقيقة أن المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي كثيرة جداً، خاصة في الفترة الأخيرة، وأبرز هذه المتغيرات على المستوى الثقافي: طرق وأساليب الطباعة والنشر القديمة؛ حيث كانت الجرائد والمجلات تنشر بدورية شهرية أو أسبوعية وكانت طرق الصف والطباعة بدائية، أما الآن فتغير كل ذلك وأحدث تحولاً كبيراً في المجتمع السعودي، وقد كانت المؤسسات الصحفية يعمل بها عدد قليل من الأشخاص، أما الآن فالمؤسسات اتسع حجم العمالة الوطنية بها من متخصصين وفنيين، هذا فضلاً عن وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة إلى جانب الطباعة بالوسائل الحديثة. أما على مستوى التحولات الاجتماعية؛ فالإنسان بطبعه وبحكم حركة التاريخ تتغير عاداته مع الأيام، وتصير هذه العادات الجديدة مألوفة؛ فهو يتأثر بمجتمعه والمجتمعات التي تحيط به إلى جانب الدور التنويري الذي بذلته وسائل الإعلام داخل وخارج المملكة، هذا فضلاَ عن السفر خارج المملكة سواء إلى الدول العربية أم الأوروبية، وهذا كله أحدث تحولات في أفكار وسلوكيات المواطنين في العديد من الموضوعات والقضايا؛ مثلًا قضية تعليم البنات، وقيادة السيارة، وعمل المرأة، والانفتاح الحضاري. ونتذكر أنه في عام 1960م بدأ فتح مدارس البنات وسط رفض البعض وترحيب البعض الآخر، والآن تغير الحال تماماً.

** قمت بالرد على بعض الناس قائلاً: "أنا لست مقاول سير ذاتية" ماذا كنت تقصد بهذه المقولة؟

اتصل بي أكثر من شخص وبدون ذكر أسماء، يطلبون أن أكتب عنهم سيرًا ذاتية، وقلت لهم: إني لا أكتب إلا عمن أحب سواء كنت أعرفه أم لا أعرفه، فإذا عرفت سيرته ودوره في المجتمع أكتب عنه مباشرة. وبالتالي لست مقاولاً للسير بل محباً لها.

** هل هذا ما دفعك لكتابة سير ذاتية عن سيدات لعبن أدواراً تاريخية في شبه الجزيرة العربية؟

نعم، وأذكر مثالاً على ذلك: السيدة "غالية البقمية" التي قادت الجيوش في شبه الجزيرة العربية في عهد محمد علي باشا خلال الدولة السعودية الأولى، والتي مات زوجها وأخفت موته، ولبست ملابسه وقررت أن تقود الجيوش للدفاع عن أرضها. وقد قال المؤرخون الفرنسيون عنها: إن الجن كان يحارب معها في هذه المعارك؛ لأنهم لم يصدقوا أن سيدة عربية من شبه الجزيرة كهذه تقود الجيوش وتهزم جيش محمد علي باشا. وكذلك أذكر السيدة موضي البسام التي عاشت في عنيزة ولقبت بـ"أم المساكين"، وهي التي استضافت الجرحى من جيش مبارك الصباح، والإمام عبد الرحمن الفيصل في وقعة الصريف عام 1318هـ ممن جاؤوا إلى عنيزة في بيتها، وبيوت أسرتها وفي المساجد، وعالجتهم وأمدتهم بالطعام والشراب حتى هدأت الأمور وانسحب جيش ابن رشيد، وبدأت هي تهربهم سراً إلى الكويت، كما كانت تنقذ المساكين أيام المجاعة وتقدم لهم الطعام، وكانت تساعد من هدمت بيوتهم بسبب السيول والأمطار، ورغم ذلك لم تذكر جهودها الكبيرة، وكان يجب أن يُنشأ مركز ثقافي أو مدرسة باسمها. كذلك من الشخصيات التي أحببتها وكتبت سيرها الذاتية: الطبيب "عبد الرحمن الرحيمي" الذي ذهب للبصرة، وتعلم الطب الشعبي، وافتتح في الرياض صيدلية بسيطة تحتوي على بعض الأدوية والوصفات، وقد عالج الملك عبد العزيز عندما اشتكى من آلام في المعدة، وقد كتبت عنه أيضاً. وكان من مقولاته الشهيرة: "أنا أعرف أشق ولا أعرف أخيط". وكان عنده صيدلية نسميها تجاوزاً بالصيدلية؛ فهي مجرد صندوق من حديد يوضع في وسط حفرة على قارعة الطريق أمام مسجد الجامع الكبير بالصفاة وسط الرياض، وبالقرب من حراج ابن قاسم الشهير؛ حيث يدفن الصندوق الحديدي بالطين إلى أعلاه، وبه دواء الكحة، وحبوب "دجنان"، وحبوب الرأس، وشراب "العشرق"، وزيت الخروع. وطبعاً "الفكس"، وأخيراً تم اكتشاف أو اختراع دواء مشابه له "أبو فاس". وكان عند إغلاق السوق مع أذان صلاة الظهر أو أذان صلاة المغرب يقفل الصندوق ويغطيه بـ"خيشة" حتى لا يعبث بالصندوق الأطفال أو يتعثر به أحد المارة أو تدوسه إحدى العربات أو السيارات حديثة العهد بالرياض. ويمكن اعتبارها أول صيدلية بالرياض رغم أن صيدلية "شبيب" وبعدها صيدلية "تمر" بشارع الوزير، من أقدم صيدليات الرياض.

** قلت إنك حملت ثلاث شهادات "الميلاد، لا إله إلا الله، الابتدائية"، ما الذي كنت تقصده بذلك؟

قلت ذلك من مبدأ "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه"، فقد دخلت المعهد العلمي، ودخلت السنة الأولى الثانوية، ولكني لم أكمل لظروف العمل والحياة. فقد عملت، وتركت الدراسة ومرت السنوات، وأنا لا أحمل إلا تلك الشهادات الثلاث، وأول من قال تلك العبارة هو الدكتور سعد البازعي ولست أنا.

** ألفت كتابًا مهمًّا بعنوان "معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الخارج"، حدثنا عن هذا الكتاب؟

حاولت من خلال هذا الكتاب الحديثَ عن الشخصيات التي قدمت للوطن الكثير، ولم يتحدث عنهم أحد، وقد كان المعتمدون بمثابة سفراء للوطن في الخارج، فلم يكن هناك سفراء باستثناء إبراهيم المعمر الذي كان قنصلًا في العراق، وقد كان يعمل في مصر في البداية ثم أتى به الملك عبد العزيز ليعينه رئيساً للديوان الملكي، ثم اختلف مع بعض الأمراء، وقدم استقالته ثم عرض عليه أن يعمل قنصلًا في العراق، وذهب لهناك لحل المشاكل التي نشبت في قضايا بين السعودية والعراق، ولما عاد من العراق عين قائم قام جدة.

** من خلال الدراسات والكتب التي اطلعت عليها؛ ما هي أبرز الصفات الشخصية التي تمت بها الملك المؤسس عبد العزيز؟

الملك عبد العزيز –رحمه الله- كان يتمتع بذكاء فطري، ويعرف الرجل بمجرد أن يراه، و"يبخصه"، أي يعرف بواطنه، ويحكم عليه إنْ صالحاً أم لا، فقد كان سريع البديهة، وكان عندما يعجب بشخص معين يغير اسمه إلى اسم أفضل يعبر عن شخصيته، مثل مرافق له اسمه الوشمي غيره للنشمي؛ أي سريع البديهة، وقد رأى الملك عبد العزيز في إحدى المعارك رجلاً يحمل أحد المصابين يحاول إبعاده عن أرض المعركة فأطلق عليه اسم "صحابي". وكان المؤسس لديه نظرة ثاقبة تفرد بها عن غيره، كما كان شجاعاً، وأحاط به رجال ومساعدون أكفاء ومخلصون أعانوه على توحيد البلاد، وله العديد من الصفات الشخصية المتفردة التي لا شك ساعدته على توحيد البلاد؛ مما كان له بالغ الأثر في استتباب الأمن واستقرار الحياة في هذه البلاد.

** ما أبرز ذكرياتك عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؟

أذكر أني عندما كنت صغيراً ذهبت مع أبي قارئ القرآن "عبد الرزاق القشعمي"، وكان كفيفاً، للعزاء في وفاة الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، ودخلنا للبيت الذي كان فيه عزاء، وسلمنا على زوجته الأميرة حصة السديري أم الملك سلمان، التي كانت تبكي بحرارة، وسلم أبي عليها وجلس يقرأ القرآن الكريم. وكنت أذهب سابقاً مع أبي للقصر الملكي في الديرة بالرياض؛ حيث يذهب ليقرأ على أبناء الملك عبد العزيز القرآن الكريم ويؤمهم في الصلاة، وأحياناً كان أبي يذهب بمعية حاشية الأميرة حصة، رحمها الله، إلى مكة وقت العمرة والحج بطلبٍ منها، وكنت أذهب معه في بعض الأحيان. والملك سلمان، الأمير سابقاً، كان ولا يزال قريباً من الكتاب والمثقفين، وقد التقيت به في بعض المناسبات في رعاية الشباب، ورأيته أكثر من مرة، ولي معه العديد من الصور الفوتوغرافية، وكان دائماً يتحدث عن والدي بتقدير.

** ما أول كتاب اقتنيته؟

أذكر أنه في عام 1954م، وكان عمري وقتها 12 عامًا تقريبًا، كنت مع أبي في مكة، وكان يعطيني مالاً لأشتري ما أريده، وفي مرة من المرات كنت ذاهباً لأشتري طعاماً، وجدت كتاباً أعجبني عن أحكام الإسلام والحج، ولهذا ظللت أوفر قروشًا مما كان يعطيها لي أبي واشتريت هذا الكتاب.

** تحدثت عن وقائع الحياة الاجتماعية في المملكة سابقاً، ومما ذكرت مرض الجدري الذي أصيب به الكثير من الناس وماتوا، كما تحدثت عن أكل عظام الجمل "البخص"، حدثنا أكثر عن هذه الأمور؟

سابقاً في أرض نجد، وخاصة الزلفي كان الناس يقولون إن المرض والشفاء من الله، ولم يكونوا يهتمون بالعلاج من الأمراض المختلفة كالجدري، ورغم أن هذا المرض مات بسببه الكثير من الناس وشوه الآخرين إلا أنهم كانوا يخافون من التطعيم ويهربون منه، وكان أبي يحاول إقناع الناس بأن العلاج مهم، وأخذ التطعيم لا يتعارض مع الدين، لكنهم كانوا يرفضون، وكان الجدري يحصد أرواح الناس في مختلف القرى والبلدات، والهجر. ويمر سنويًّا يأخذ معه الكثير أو يفقد البقية بصرهم، إضافة لتشويههم، فيُفرش للمصابين أسبال بالية وتبعد عنهم الذباب، وتمرس المرأة التمر مع الماء، تنقطه في حلوقهم، وعند الغروب يأتي من يحملهم بفرشهم إلى الغرف ليبيتوا ليلهم في الداخل. أما بالنسبة لأكل عظام الجمل "البخص"؛ فكان ذلك بسبب أننا كنا نأكل اللحم في عيد الأضحى فقط، أما بقية شهور السنة كنا نأكل "البخص"، وكان الكبار يأكلون أولاً ثم يأكل الصغار. و"البخص" هو عظام الجمل اليابسة"، وكان الأطفال يلاحقون أمهاتهم وهن يسحبن "البخص" إلى البئر "القليب" لتربط بحبل طويل، وتدلى إلى أن تصل الماء فتبقى العظام فيه من الصباح وحتى صباح اليوم التالي، فيخرجونها ليتم تكسيرها إلى قطع متوسطة، وتوضع بالقدر الحجري الكبير، وتوقد على النار من الصباح إلى المساء ويبدأ الاحتفال بتقسيم العظام، وما علق بها من عصب، وأحيانًا تقسّم إلى قسمين بحيث يقدّم للرجال القسم الأكثر والذي يوجد به العصب الأفضل، وما بقي للأطفال، وعندما يتعرض أحد الجمال أو الغنم لمرض لا يبرأ منه مما يستدعي ذبحها وتوزيعها على البيوتات في القرية.