خطيب الحرم المكي: الدعاء سلاح لا ينبو ومن الوسائل العظيمة لحلاوة الإيمان

قال: الحازم من يرفع نفسه إلى معالي الأمور.. ويروضها حتى تألف جلائل المطالب

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد المسلمين بتقوى الله فمن ظن بربه خيرًا فلن يخيب ما ظنه ، ومن شكر نعمه زاده من فضله، ومن توكل عليه كفاه وهو حسبه، ومن كان الله معه ذل أعداؤه، ومن تخلى الله عنه لم ينفعه أقرباؤه ولا أصدقاؤه .

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: يا عبدالله أفعل ما يسرك من الخير ، فالأيام تذهب ولا تعود، واعلم أن صانعي المعروف يعيشون في خير لم يسألوه ، ويسلموا من شر لم يتقوه، ويرفع لهم دعاء لم يسمعوه وحسبك حفظك الله ألا يراك الله إلا على ثغر ، أو باحثًا عن ثغر فالدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب .

وأضاف: إن في النفوس ركونا إلى السهل والهينِّ ، ونفوراً عن المكلِّف والشاق ، والحازم يرفع نفسه إلى معالي الأمور، ويروضها حتى تألف جلائل المطالب، و تطمح إلى أعالي الذرى، حتى إذا ما عرفت العزة نفرت من الذل، وإذا ذاقت لذة الروح استصغرت لذة الجسد، والفكر لا يحد، واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تُشْغل بالعظائم شُغِلت بالصغائر ، وإن لم تستعمل في الخير انصرفت إلى الشر.

وأردف "بن حميد": سبحان من أشهد بعض عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوْحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم بطلبها، والمسابقة إليها .

وبيّن أن معنى حلاوة الإيمان هي استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .

وقال: حلاوة الإيمان ولذة العبادة هي راحة النفس، وسعادة القلب، وانشراح الصدر عند القيام بالمطلوبات الشرعية من كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي حلاوة تختلف من شخص إلى شخص ، ومن حال إلى حال، ومن قوة وضعف، وإقبال وإدبار، فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين، ذلك أن حلاوة الإيمان هي مفتاح الثبات على طاعة الله، ولذة العبادة سر الصمود أمام الفتن .

وأضاف خطيب الحرم المكي: القلب إذا خالطته بشاشة الإيمان، وامتلأت البصيرة بنور الوحي ظهرت فيه هذه الحلاوة، وبرزت فيه هذه السعادة .

وأشار إلى أن لذات الدنيا مصحوبة بالمنغصات والمكدرات، ولذة العمل الصالح خالصة لا ملل فيها بل كلما زاد من العمل الصالح زادت اللذة والسعادة ولذة الدنيا قد تُفَوِّت على العبد لذة الآخرة، ولذة العمل الصالح مدركة في الدنيا والآخرة .

وركز "بن حميد" على أن من أهم الأسباب الجالبة لهذه الحلاوة تزكية النفس وتطهيرها، فمن شرب من إناء متسخ فلن يجد الحلاوة التي ينشدها، ولو أنه نظفه وطهره ، ثم سكب فيه الماء فسوف يجد الحلاوة الكاملة، والعذوبة التامة، وكذلك القلب الذي تلبس بقاذورات المعاصي وأدران الخطايا ، وأوساخ الشهوات لا يجد حلاوة الإيمان إلا عندما يطهر وينظف.

ولفت إلى أن التزكية تكون بإقامة العبد فرائض الله باطنًا وظاهرًا ، ولزومِ السنة ، مستعينا بالله ، متبرئًا من حوله وقوته ، وأول ذلك توحيد الله عز وجل ، والإخلاص له ، وصدق التوكل عليه ، والاعتماد عليه ، والاستعانة به ، مع محبته ودوام ذكره ، والسكون إليه ، والطمأنينة إليه ، وإفراده بالحب والخوف ، والرجاء والتوكل ، بحيث يكون سبحانه هو المستولي على هموم العبد ، وعزماته ، وإراداته ، وإنما تقر عين العبد بربه على حسب قربه من ربه عز وجل ، فمن قرت عينه بالله قرت منه كل عين ، ومن لم تقر عينه تقطعت نفسه عليه حسرات ، ومن تعلق قلبه بربه ، وجد لذةً في طاعته وامتثال أوامره ، لا تدانيها لذة .

وقال خطيب الحرم المكي: من التزكية أن يجاهد العبد نفسه في التوبة من الذنوب ، ويكثر التوبة والاستغفار ، متبرئا من حوله وقوته ، سائلاً ربه الإيمان والتوفيق والتسديد فإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ، ولا يحصل حلاوة الإيمان فليكثر التوبة والاستغفار ، ويلازم الاجتهاد بحسب الإمكان، وبقدر الجهد الطاقة والعبد كلما ازداد عبودية لله وافتقاراً ازداد لنفسه ازدراء واحتقاراً ، وتعلَّق قلبه بربه وحده سبحانه ، ولهذا خاف من خاف من الصالحين النفاق على نفسه .

وأضاف أن من الوسائل العظيمة الجالبة للذة والحلاوة الدعاء فهو السلاح الذي لا ينبو ، وقد جاء في الحديث : (وأسالك نعيمًا لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع)، وليكثر العبد من قراءة القرآن بالتدبر ، والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، ومداومة ذكر الله ، وإيثار محابه على محاب النفس عند غلبة الهوى ، ومشاهدة بره ، وإحسانه ، وإكرامه ، وإنعامه ، واغتنام وقت السحر ، ووقت النزول الإلهي ، ومجالسة الأخيار والصالحين وليستحضر العبد الناصح لنفسه أن ما يقوم به من أنواع العبادات من صلاة ، وصيام ، وصدقة ، وصلة رحم ، وبر ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وطلب للعلم ، وإحسان إلى الناس ، ومصاحبة الأخيار ، وحضور حلق العلم ، ومجالس الذكر ، إنما هي طاعات يبتغي بها مرضاةَ الله سبحانه ، ويستشعر أن هذه العبادات يحبها الله ويرضى عنها ، وهي التي تقربه من ربه سبحانه .

وأردف: كلما ذاق العبد حلاوة العبادة كان انجذابه لها آكد والعباد في ذلك يتفاوتون ، فهذا يجد نفسه في الصلاة ، وآخر في الصيام ، وثالث في الصدقة ، ورابع في طلب العلم وتحصيله ، وبذله ، وآخر في قيام الليل ، وذلك في الذكر والتبتل ، والتضرع والدعاء ، وعبد في صلة الرحم والبر ، والإحسان إلى الفقراء ، ورعاية الأيتام وكفالتهم .

وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أن من أعظم ما يستجلب به حلاوة الإيمان ولذة العبادة العناية التامة بأعمال القلوب ، وبخاصة المحبة والرضا ، ومن علامات الحب ، ودلائل صدقه الاقتراب من المحبوب ، بل اللذة والحلاوة في الاقتراب ، فالمحب راحته ، وقرة عينه في الصلاة ، والغافل ، والمعرض ليس له نصيب من ذلك ومن أحب الله وجد اللذة في طاعته ، وشعر بالحلاوة مع مناجاته ، وتنزلت عليه الطمأنينة والاتصال به ، فالمحبة العظيمة تورث شوقًا عظيمًا ، وأعظم لذة في الدنيا أن تشتاق لله كما أن أعظم لذة في الآخرة النظر لله سبحانه وتعالى.

وبيّن أن من لوازم المحبة الرضا بالمحبوب والرضا عنه ، فذلك من أعظم مقامات الإيمان الذي بتحقيقه تحصل الحلاوة واللذة ، والمحبة والرضا أعلى مراتب الإيمان ويصل العبد إلى مقام الرضا إذا التزم ما فيه رضى ربه ومولاه ، قال بعض السلف : (الرضا باب الله الأعظم وهو مستراح العابدين) .

وأوضح "بن حميد" أن من آثار حلاوة الإيمان ولذة العبادة الثبات على دين الله فلا يزال العبد في أداء العبادات ، والإكثارِ من الأعمال الصالحات حتى تصير لذته في هذا الاجتهاد ، حتى تراه يشعر بالحسرة في ضياع شيء من وقته ، وفتوره في العبادة ومن الآثار كذلك: الرغبة في المزيد من الطاعة فتصير الصلاة قرة عينه ، والصيام متعته ، والذكر أنيسه ، والقرآن العظيم جليسه ، ومن أعظم آثار هذه الحلاوة :أن يحييه الله الحياة الطيبة فيكون من أطيب الناس عيشًا ، وأشرحهم صدراً ، وأقواهم قلبًا ، وأسَرهِّم نفسًا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه .

وكيف لا تكون المثابرة ، ولا يكون الثبات ، وقد علم الجادون المثابرون أن هذا هو نهجُ محمد صلى الله عليه وسلم : فقد كان عمله ديمة ، وكان إذا فعل شيئا أثبته .

وقال: إذا كانت هذه هي حلاوة الإيمان ، وهذه أسباب تحصيلها ، وآثارها فاعلموا أن من موانع حصولها المعاصي والذنوب ، فإن المعاصي حجاب غليظ يمنع إدارك حلاوة الإيمان ، ولذة العبادة ، لما تورثه من قسوة وغلظة ، وجفاء ، حتى قال بعض السلف : (ما ضرب الله عبداً بعقوبة أعظم من قسوة القلب) فرب شخص أطلق بصره فحرم نور البصيرة ، أو أطلق لسانه فحرم صفاء القلب ، أو آثر شبهة في مطعم فأظلم صدره ، وحرم قيام الليل ولذة المناجاة، وذكر ابن القيم: أن من عقوبة الذنب محو لذة الذكر ، والقراءة ، والدعاء ، والمناجاة، وقد قال أهل العلم: إن أهل المعاصي والذنوب لا يجدون حلاوة العبادة ، ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، فالعبادة ليست قرة أعينهم ، ولا سرور قلوبهم ، ولا غذاء أرواحهم وحياتهم .

وأوصى المسلمين بتقوى الله وأن يعلموا أن الغموم والهموم، والأحزان والضيق، قد تكون عقوبات عاجلة، والإقبال إلى الله، والإنابة إليه، والرضي به، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته، هي ثواب عاجل ، وجنة معجلة ، وعيش كريم ، لا يدانيه عيش ، وترك المعاصي والذنوب فيها حياة القلوب، فإذا حييت القلوب ذاق العبد حلاوة الإيمان ولذة العبادة .

واختتم بالقول: فراقبوا الله في جميع أعمالكم، وأخلصوا له، فمتى تحققت المراقبة حصل الأنس، فيالذة عيش المستأنسين، ويالخسارة المستوحشين .

اعلان
خطيب الحرم المكي: الدعاء سلاح لا ينبو ومن الوسائل العظيمة لحلاوة الإيمان
سبق

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد المسلمين بتقوى الله فمن ظن بربه خيرًا فلن يخيب ما ظنه ، ومن شكر نعمه زاده من فضله، ومن توكل عليه كفاه وهو حسبه، ومن كان الله معه ذل أعداؤه، ومن تخلى الله عنه لم ينفعه أقرباؤه ولا أصدقاؤه .

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: يا عبدالله أفعل ما يسرك من الخير ، فالأيام تذهب ولا تعود، واعلم أن صانعي المعروف يعيشون في خير لم يسألوه ، ويسلموا من شر لم يتقوه، ويرفع لهم دعاء لم يسمعوه وحسبك حفظك الله ألا يراك الله إلا على ثغر ، أو باحثًا عن ثغر فالدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب .

وأضاف: إن في النفوس ركونا إلى السهل والهينِّ ، ونفوراً عن المكلِّف والشاق ، والحازم يرفع نفسه إلى معالي الأمور، ويروضها حتى تألف جلائل المطالب، و تطمح إلى أعالي الذرى، حتى إذا ما عرفت العزة نفرت من الذل، وإذا ذاقت لذة الروح استصغرت لذة الجسد، والفكر لا يحد، واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تُشْغل بالعظائم شُغِلت بالصغائر ، وإن لم تستعمل في الخير انصرفت إلى الشر.

وأردف "بن حميد": سبحان من أشهد بعض عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوْحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم بطلبها، والمسابقة إليها .

وبيّن أن معنى حلاوة الإيمان هي استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .

وقال: حلاوة الإيمان ولذة العبادة هي راحة النفس، وسعادة القلب، وانشراح الصدر عند القيام بالمطلوبات الشرعية من كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي حلاوة تختلف من شخص إلى شخص ، ومن حال إلى حال، ومن قوة وضعف، وإقبال وإدبار، فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين، ذلك أن حلاوة الإيمان هي مفتاح الثبات على طاعة الله، ولذة العبادة سر الصمود أمام الفتن .

وأضاف خطيب الحرم المكي: القلب إذا خالطته بشاشة الإيمان، وامتلأت البصيرة بنور الوحي ظهرت فيه هذه الحلاوة، وبرزت فيه هذه السعادة .

وأشار إلى أن لذات الدنيا مصحوبة بالمنغصات والمكدرات، ولذة العمل الصالح خالصة لا ملل فيها بل كلما زاد من العمل الصالح زادت اللذة والسعادة ولذة الدنيا قد تُفَوِّت على العبد لذة الآخرة، ولذة العمل الصالح مدركة في الدنيا والآخرة .

وركز "بن حميد" على أن من أهم الأسباب الجالبة لهذه الحلاوة تزكية النفس وتطهيرها، فمن شرب من إناء متسخ فلن يجد الحلاوة التي ينشدها، ولو أنه نظفه وطهره ، ثم سكب فيه الماء فسوف يجد الحلاوة الكاملة، والعذوبة التامة، وكذلك القلب الذي تلبس بقاذورات المعاصي وأدران الخطايا ، وأوساخ الشهوات لا يجد حلاوة الإيمان إلا عندما يطهر وينظف.

ولفت إلى أن التزكية تكون بإقامة العبد فرائض الله باطنًا وظاهرًا ، ولزومِ السنة ، مستعينا بالله ، متبرئًا من حوله وقوته ، وأول ذلك توحيد الله عز وجل ، والإخلاص له ، وصدق التوكل عليه ، والاعتماد عليه ، والاستعانة به ، مع محبته ودوام ذكره ، والسكون إليه ، والطمأنينة إليه ، وإفراده بالحب والخوف ، والرجاء والتوكل ، بحيث يكون سبحانه هو المستولي على هموم العبد ، وعزماته ، وإراداته ، وإنما تقر عين العبد بربه على حسب قربه من ربه عز وجل ، فمن قرت عينه بالله قرت منه كل عين ، ومن لم تقر عينه تقطعت نفسه عليه حسرات ، ومن تعلق قلبه بربه ، وجد لذةً في طاعته وامتثال أوامره ، لا تدانيها لذة .

وقال خطيب الحرم المكي: من التزكية أن يجاهد العبد نفسه في التوبة من الذنوب ، ويكثر التوبة والاستغفار ، متبرئا من حوله وقوته ، سائلاً ربه الإيمان والتوفيق والتسديد فإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ، ولا يحصل حلاوة الإيمان فليكثر التوبة والاستغفار ، ويلازم الاجتهاد بحسب الإمكان، وبقدر الجهد الطاقة والعبد كلما ازداد عبودية لله وافتقاراً ازداد لنفسه ازدراء واحتقاراً ، وتعلَّق قلبه بربه وحده سبحانه ، ولهذا خاف من خاف من الصالحين النفاق على نفسه .

وأضاف أن من الوسائل العظيمة الجالبة للذة والحلاوة الدعاء فهو السلاح الذي لا ينبو ، وقد جاء في الحديث : (وأسالك نعيمًا لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع)، وليكثر العبد من قراءة القرآن بالتدبر ، والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، ومداومة ذكر الله ، وإيثار محابه على محاب النفس عند غلبة الهوى ، ومشاهدة بره ، وإحسانه ، وإكرامه ، وإنعامه ، واغتنام وقت السحر ، ووقت النزول الإلهي ، ومجالسة الأخيار والصالحين وليستحضر العبد الناصح لنفسه أن ما يقوم به من أنواع العبادات من صلاة ، وصيام ، وصدقة ، وصلة رحم ، وبر ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وطلب للعلم ، وإحسان إلى الناس ، ومصاحبة الأخيار ، وحضور حلق العلم ، ومجالس الذكر ، إنما هي طاعات يبتغي بها مرضاةَ الله سبحانه ، ويستشعر أن هذه العبادات يحبها الله ويرضى عنها ، وهي التي تقربه من ربه سبحانه .

وأردف: كلما ذاق العبد حلاوة العبادة كان انجذابه لها آكد والعباد في ذلك يتفاوتون ، فهذا يجد نفسه في الصلاة ، وآخر في الصيام ، وثالث في الصدقة ، ورابع في طلب العلم وتحصيله ، وبذله ، وآخر في قيام الليل ، وذلك في الذكر والتبتل ، والتضرع والدعاء ، وعبد في صلة الرحم والبر ، والإحسان إلى الفقراء ، ورعاية الأيتام وكفالتهم .

وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أن من أعظم ما يستجلب به حلاوة الإيمان ولذة العبادة العناية التامة بأعمال القلوب ، وبخاصة المحبة والرضا ، ومن علامات الحب ، ودلائل صدقه الاقتراب من المحبوب ، بل اللذة والحلاوة في الاقتراب ، فالمحب راحته ، وقرة عينه في الصلاة ، والغافل ، والمعرض ليس له نصيب من ذلك ومن أحب الله وجد اللذة في طاعته ، وشعر بالحلاوة مع مناجاته ، وتنزلت عليه الطمأنينة والاتصال به ، فالمحبة العظيمة تورث شوقًا عظيمًا ، وأعظم لذة في الدنيا أن تشتاق لله كما أن أعظم لذة في الآخرة النظر لله سبحانه وتعالى.

وبيّن أن من لوازم المحبة الرضا بالمحبوب والرضا عنه ، فذلك من أعظم مقامات الإيمان الذي بتحقيقه تحصل الحلاوة واللذة ، والمحبة والرضا أعلى مراتب الإيمان ويصل العبد إلى مقام الرضا إذا التزم ما فيه رضى ربه ومولاه ، قال بعض السلف : (الرضا باب الله الأعظم وهو مستراح العابدين) .

وأوضح "بن حميد" أن من آثار حلاوة الإيمان ولذة العبادة الثبات على دين الله فلا يزال العبد في أداء العبادات ، والإكثارِ من الأعمال الصالحات حتى تصير لذته في هذا الاجتهاد ، حتى تراه يشعر بالحسرة في ضياع شيء من وقته ، وفتوره في العبادة ومن الآثار كذلك: الرغبة في المزيد من الطاعة فتصير الصلاة قرة عينه ، والصيام متعته ، والذكر أنيسه ، والقرآن العظيم جليسه ، ومن أعظم آثار هذه الحلاوة :أن يحييه الله الحياة الطيبة فيكون من أطيب الناس عيشًا ، وأشرحهم صدراً ، وأقواهم قلبًا ، وأسَرهِّم نفسًا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه .

وكيف لا تكون المثابرة ، ولا يكون الثبات ، وقد علم الجادون المثابرون أن هذا هو نهجُ محمد صلى الله عليه وسلم : فقد كان عمله ديمة ، وكان إذا فعل شيئا أثبته .

وقال: إذا كانت هذه هي حلاوة الإيمان ، وهذه أسباب تحصيلها ، وآثارها فاعلموا أن من موانع حصولها المعاصي والذنوب ، فإن المعاصي حجاب غليظ يمنع إدارك حلاوة الإيمان ، ولذة العبادة ، لما تورثه من قسوة وغلظة ، وجفاء ، حتى قال بعض السلف : (ما ضرب الله عبداً بعقوبة أعظم من قسوة القلب) فرب شخص أطلق بصره فحرم نور البصيرة ، أو أطلق لسانه فحرم صفاء القلب ، أو آثر شبهة في مطعم فأظلم صدره ، وحرم قيام الليل ولذة المناجاة، وذكر ابن القيم: أن من عقوبة الذنب محو لذة الذكر ، والقراءة ، والدعاء ، والمناجاة، وقد قال أهل العلم: إن أهل المعاصي والذنوب لا يجدون حلاوة العبادة ، ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، فالعبادة ليست قرة أعينهم ، ولا سرور قلوبهم ، ولا غذاء أرواحهم وحياتهم .

وأوصى المسلمين بتقوى الله وأن يعلموا أن الغموم والهموم، والأحزان والضيق، قد تكون عقوبات عاجلة، والإقبال إلى الله، والإنابة إليه، والرضي به، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته، هي ثواب عاجل ، وجنة معجلة ، وعيش كريم ، لا يدانيه عيش ، وترك المعاصي والذنوب فيها حياة القلوب، فإذا حييت القلوب ذاق العبد حلاوة الإيمان ولذة العبادة .

واختتم بالقول: فراقبوا الله في جميع أعمالكم، وأخلصوا له، فمتى تحققت المراقبة حصل الأنس، فيالذة عيش المستأنسين، ويالخسارة المستوحشين .

14 يناير 2022 - 11 جمادى الآخر 1443
04:00 PM

خطيب الحرم المكي: الدعاء سلاح لا ينبو ومن الوسائل العظيمة لحلاوة الإيمان

قال: الحازم من يرفع نفسه إلى معالي الأمور.. ويروضها حتى تألف جلائل المطالب

A A A
1
2,090

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد المسلمين بتقوى الله فمن ظن بربه خيرًا فلن يخيب ما ظنه ، ومن شكر نعمه زاده من فضله، ومن توكل عليه كفاه وهو حسبه، ومن كان الله معه ذل أعداؤه، ومن تخلى الله عنه لم ينفعه أقرباؤه ولا أصدقاؤه .

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: يا عبدالله أفعل ما يسرك من الخير ، فالأيام تذهب ولا تعود، واعلم أن صانعي المعروف يعيشون في خير لم يسألوه ، ويسلموا من شر لم يتقوه، ويرفع لهم دعاء لم يسمعوه وحسبك حفظك الله ألا يراك الله إلا على ثغر ، أو باحثًا عن ثغر فالدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب .

وأضاف: إن في النفوس ركونا إلى السهل والهينِّ ، ونفوراً عن المكلِّف والشاق ، والحازم يرفع نفسه إلى معالي الأمور، ويروضها حتى تألف جلائل المطالب، و تطمح إلى أعالي الذرى، حتى إذا ما عرفت العزة نفرت من الذل، وإذا ذاقت لذة الروح استصغرت لذة الجسد، والفكر لا يحد، واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تُشْغل بالعظائم شُغِلت بالصغائر ، وإن لم تستعمل في الخير انصرفت إلى الشر.

وأردف "بن حميد": سبحان من أشهد بعض عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوْحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم بطلبها، والمسابقة إليها .

وبيّن أن معنى حلاوة الإيمان هي استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .

وقال: حلاوة الإيمان ولذة العبادة هي راحة النفس، وسعادة القلب، وانشراح الصدر عند القيام بالمطلوبات الشرعية من كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي حلاوة تختلف من شخص إلى شخص ، ومن حال إلى حال، ومن قوة وضعف، وإقبال وإدبار، فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين، ذلك أن حلاوة الإيمان هي مفتاح الثبات على طاعة الله، ولذة العبادة سر الصمود أمام الفتن .

وأضاف خطيب الحرم المكي: القلب إذا خالطته بشاشة الإيمان، وامتلأت البصيرة بنور الوحي ظهرت فيه هذه الحلاوة، وبرزت فيه هذه السعادة .

وأشار إلى أن لذات الدنيا مصحوبة بالمنغصات والمكدرات، ولذة العمل الصالح خالصة لا ملل فيها بل كلما زاد من العمل الصالح زادت اللذة والسعادة ولذة الدنيا قد تُفَوِّت على العبد لذة الآخرة، ولذة العمل الصالح مدركة في الدنيا والآخرة .

وركز "بن حميد" على أن من أهم الأسباب الجالبة لهذه الحلاوة تزكية النفس وتطهيرها، فمن شرب من إناء متسخ فلن يجد الحلاوة التي ينشدها، ولو أنه نظفه وطهره ، ثم سكب فيه الماء فسوف يجد الحلاوة الكاملة، والعذوبة التامة، وكذلك القلب الذي تلبس بقاذورات المعاصي وأدران الخطايا ، وأوساخ الشهوات لا يجد حلاوة الإيمان إلا عندما يطهر وينظف.

ولفت إلى أن التزكية تكون بإقامة العبد فرائض الله باطنًا وظاهرًا ، ولزومِ السنة ، مستعينا بالله ، متبرئًا من حوله وقوته ، وأول ذلك توحيد الله عز وجل ، والإخلاص له ، وصدق التوكل عليه ، والاعتماد عليه ، والاستعانة به ، مع محبته ودوام ذكره ، والسكون إليه ، والطمأنينة إليه ، وإفراده بالحب والخوف ، والرجاء والتوكل ، بحيث يكون سبحانه هو المستولي على هموم العبد ، وعزماته ، وإراداته ، وإنما تقر عين العبد بربه على حسب قربه من ربه عز وجل ، فمن قرت عينه بالله قرت منه كل عين ، ومن لم تقر عينه تقطعت نفسه عليه حسرات ، ومن تعلق قلبه بربه ، وجد لذةً في طاعته وامتثال أوامره ، لا تدانيها لذة .

وقال خطيب الحرم المكي: من التزكية أن يجاهد العبد نفسه في التوبة من الذنوب ، ويكثر التوبة والاستغفار ، متبرئا من حوله وقوته ، سائلاً ربه الإيمان والتوفيق والتسديد فإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ، ولا يحصل حلاوة الإيمان فليكثر التوبة والاستغفار ، ويلازم الاجتهاد بحسب الإمكان، وبقدر الجهد الطاقة والعبد كلما ازداد عبودية لله وافتقاراً ازداد لنفسه ازدراء واحتقاراً ، وتعلَّق قلبه بربه وحده سبحانه ، ولهذا خاف من خاف من الصالحين النفاق على نفسه .

وأضاف أن من الوسائل العظيمة الجالبة للذة والحلاوة الدعاء فهو السلاح الذي لا ينبو ، وقد جاء في الحديث : (وأسالك نعيمًا لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع)، وليكثر العبد من قراءة القرآن بالتدبر ، والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، ومداومة ذكر الله ، وإيثار محابه على محاب النفس عند غلبة الهوى ، ومشاهدة بره ، وإحسانه ، وإكرامه ، وإنعامه ، واغتنام وقت السحر ، ووقت النزول الإلهي ، ومجالسة الأخيار والصالحين وليستحضر العبد الناصح لنفسه أن ما يقوم به من أنواع العبادات من صلاة ، وصيام ، وصدقة ، وصلة رحم ، وبر ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وطلب للعلم ، وإحسان إلى الناس ، ومصاحبة الأخيار ، وحضور حلق العلم ، ومجالس الذكر ، إنما هي طاعات يبتغي بها مرضاةَ الله سبحانه ، ويستشعر أن هذه العبادات يحبها الله ويرضى عنها ، وهي التي تقربه من ربه سبحانه .

وأردف: كلما ذاق العبد حلاوة العبادة كان انجذابه لها آكد والعباد في ذلك يتفاوتون ، فهذا يجد نفسه في الصلاة ، وآخر في الصيام ، وثالث في الصدقة ، ورابع في طلب العلم وتحصيله ، وبذله ، وآخر في قيام الليل ، وذلك في الذكر والتبتل ، والتضرع والدعاء ، وعبد في صلة الرحم والبر ، والإحسان إلى الفقراء ، ورعاية الأيتام وكفالتهم .

وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أن من أعظم ما يستجلب به حلاوة الإيمان ولذة العبادة العناية التامة بأعمال القلوب ، وبخاصة المحبة والرضا ، ومن علامات الحب ، ودلائل صدقه الاقتراب من المحبوب ، بل اللذة والحلاوة في الاقتراب ، فالمحب راحته ، وقرة عينه في الصلاة ، والغافل ، والمعرض ليس له نصيب من ذلك ومن أحب الله وجد اللذة في طاعته ، وشعر بالحلاوة مع مناجاته ، وتنزلت عليه الطمأنينة والاتصال به ، فالمحبة العظيمة تورث شوقًا عظيمًا ، وأعظم لذة في الدنيا أن تشتاق لله كما أن أعظم لذة في الآخرة النظر لله سبحانه وتعالى.

وبيّن أن من لوازم المحبة الرضا بالمحبوب والرضا عنه ، فذلك من أعظم مقامات الإيمان الذي بتحقيقه تحصل الحلاوة واللذة ، والمحبة والرضا أعلى مراتب الإيمان ويصل العبد إلى مقام الرضا إذا التزم ما فيه رضى ربه ومولاه ، قال بعض السلف : (الرضا باب الله الأعظم وهو مستراح العابدين) .

وأوضح "بن حميد" أن من آثار حلاوة الإيمان ولذة العبادة الثبات على دين الله فلا يزال العبد في أداء العبادات ، والإكثارِ من الأعمال الصالحات حتى تصير لذته في هذا الاجتهاد ، حتى تراه يشعر بالحسرة في ضياع شيء من وقته ، وفتوره في العبادة ومن الآثار كذلك: الرغبة في المزيد من الطاعة فتصير الصلاة قرة عينه ، والصيام متعته ، والذكر أنيسه ، والقرآن العظيم جليسه ، ومن أعظم آثار هذه الحلاوة :أن يحييه الله الحياة الطيبة فيكون من أطيب الناس عيشًا ، وأشرحهم صدراً ، وأقواهم قلبًا ، وأسَرهِّم نفسًا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه .

وكيف لا تكون المثابرة ، ولا يكون الثبات ، وقد علم الجادون المثابرون أن هذا هو نهجُ محمد صلى الله عليه وسلم : فقد كان عمله ديمة ، وكان إذا فعل شيئا أثبته .

وقال: إذا كانت هذه هي حلاوة الإيمان ، وهذه أسباب تحصيلها ، وآثارها فاعلموا أن من موانع حصولها المعاصي والذنوب ، فإن المعاصي حجاب غليظ يمنع إدارك حلاوة الإيمان ، ولذة العبادة ، لما تورثه من قسوة وغلظة ، وجفاء ، حتى قال بعض السلف : (ما ضرب الله عبداً بعقوبة أعظم من قسوة القلب) فرب شخص أطلق بصره فحرم نور البصيرة ، أو أطلق لسانه فحرم صفاء القلب ، أو آثر شبهة في مطعم فأظلم صدره ، وحرم قيام الليل ولذة المناجاة، وذكر ابن القيم: أن من عقوبة الذنب محو لذة الذكر ، والقراءة ، والدعاء ، والمناجاة، وقد قال أهل العلم: إن أهل المعاصي والذنوب لا يجدون حلاوة العبادة ، ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، فالعبادة ليست قرة أعينهم ، ولا سرور قلوبهم ، ولا غذاء أرواحهم وحياتهم .

وأوصى المسلمين بتقوى الله وأن يعلموا أن الغموم والهموم، والأحزان والضيق، قد تكون عقوبات عاجلة، والإقبال إلى الله، والإنابة إليه، والرضي به، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته، هي ثواب عاجل ، وجنة معجلة ، وعيش كريم ، لا يدانيه عيش ، وترك المعاصي والذنوب فيها حياة القلوب، فإذا حييت القلوب ذاق العبد حلاوة الإيمان ولذة العبادة .

واختتم بالقول: فراقبوا الله في جميع أعمالكم، وأخلصوا له، فمتى تحققت المراقبة حصل الأنس، فيالذة عيش المستأنسين، ويالخسارة المستوحشين .