الإعلام.. وسوء الفهم

بقدر ما أثارت المذيعة السعودية سارة دندراوي في قناة "العربية" الجدال، وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي بسبب حديثها عن تخفيض أسعار الخمور في قطر، وإقحام "بعض" الكويتيين في هذا الموضوع، بقدر ما كشفت عن خلل عربي أصيل وقديم في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام بسبب الشعور الدائم لدينا بأننا دائمًا وأبدًا واقعون تحت دائرة الاتهام.

الزميلة سارة مذيعة محترفة ومثقفة، وواثقة من نفسها إلى درجة تتجاوز المعتاد؛ بدليل تعاملها المباشر مع تفاعل الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال برنامجها "تفاعلكم"؛ وهو ما يؤكد كلامي بأنها مذيعة تعي تمامًا ما تقوله، وما تقصده؛ وبالتالي من الصعب أن تخطئ مثل هذا الخطأ الذي يعتقده الكثير من الكويتيين، ومعهم وزارة الخارجية الكويتية نفسها، التي ترى أن ما فعلته سارة تجاوُز يستوجب الاعتذار.

أنا لست هنا للدفاع عن سارة؛ فهي قادرة على ذلك، وببراعة، من خلال منبرها الإعلامي (العربية)، كما أنني لا أريد تأكيد عمق العلاقات بين السعودية والكويت؛ فهذا لا شك فيه، ولكن في هذا المقال أتحدث عن ظاهرة "سوء الفهم" التي انتشرت بيننا بشكل سخيف ومخيف.. هذه الظاهرة جالت في المكان، وتربعت فوق العلاقات الاجتماعية والدولية.. فعندما يتحدث أحد نعرفه ويعرفنا بكلام ما، يحمل انتقادات لاذعة، نعتقد أننا المعنيون بهذه الانتقادات، وإذا حاول المتحدث كشف بعض علامات الذين يعنيهم بحديثه، وهي علامات تبعدنا عن دائرة الانتقادات، نعتقد أنه "يلف ويدور"، وأنه بالفعل يقصدنا بانتقاداته.. وليس لهذا الأمر إلا تفسير واحد، هو أننا غير واثقين في أنفسنا بالقدر الكافي.

وسائل الإعلام الحديث تغيرت كثيرًا، وأدواته تعددت في عصرنا الحالي؛ فلم يكن الكلام المباشر والصريح هو السمة الغالبة فيه، بعدما انتشرت "التورية"، و"التلميح"، و"الإيعاز"، ووصل الأمر إلى "الهمز" و"اللمز" أحيانًا، وهي أدوات يقفز بها الإعلامي أو الناشط الاجتماعي أو المغرد فوق المحظورات القانونية أو الأخلاقية أو الأعراف والتقاليد؛ ليعبر عن رأيه. ونحن في أمتنا العربية لا نعتاد على هذه الأدوات، ولا نؤمن بها، إذا كان الأمر يخصنا، حيث الاحتمالات، ولا نصدق سوى هواجسنا بأننا محل اتهام من قِبل الطرف الآخر، ونطالبه بالاعتذار الفوري وغير المشروط على تلك الاتهامات، التي ربما لا أساس لها من الصحة، ولم نسأل أنفسها لماذا نشعر بأننا المعنيون بالاتهامات؟ هل لأننا غير واثقين في أنفسنا؟ أم لأننا نرتكب أخطاء حقيقية، ونشعر في قرارة أنفسها بأننا محل انتقاد؟

بالرجوع إلى سارة الدندراوي مرة أخرى أرى أنه كان من الحكمة من جانب وزارة الخارجية الكويتية التزام الصمت تجاه ما فعلت سارة، والافتراض ولو مؤقتًا أن المذيعة لا تقصد إهانة الكويتيين، ولا مانع من إجراء اتصالات داخلية للتأكد من نوايا المذيعة ومقصدها، ولكن بيان الوزارة عن حديث الدندراوي هو ما أشعل النار في الهشيم، وأجبر من لم يلتفت إلى الموضوع برمته على أن يدخل ويقرأ ويتابع هو وغيره من الملايين.

أعود مرة أخرى للتشديد على أهمية التعامل الذكي مع الإعلام، ومحاولة فهم طبيعة الجهة الإعلامية التي تستهدف خطابها، وكيف تخاطبها، ومتى وأين وبأي أسلوب؟ خاصة إذا كان الأمر على مستوى الدول والحكومات، مع الوضع في الاعتبار أن 80 % من المشكلات والأزمات بين الدول سببها "سوء فهم" صغير، وكَبُر شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح أزمة لا داعي لها بالمرة.

اعلان
الإعلام.. وسوء الفهم
سبق

بقدر ما أثارت المذيعة السعودية سارة دندراوي في قناة "العربية" الجدال، وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي بسبب حديثها عن تخفيض أسعار الخمور في قطر، وإقحام "بعض" الكويتيين في هذا الموضوع، بقدر ما كشفت عن خلل عربي أصيل وقديم في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام بسبب الشعور الدائم لدينا بأننا دائمًا وأبدًا واقعون تحت دائرة الاتهام.

الزميلة سارة مذيعة محترفة ومثقفة، وواثقة من نفسها إلى درجة تتجاوز المعتاد؛ بدليل تعاملها المباشر مع تفاعل الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال برنامجها "تفاعلكم"؛ وهو ما يؤكد كلامي بأنها مذيعة تعي تمامًا ما تقوله، وما تقصده؛ وبالتالي من الصعب أن تخطئ مثل هذا الخطأ الذي يعتقده الكثير من الكويتيين، ومعهم وزارة الخارجية الكويتية نفسها، التي ترى أن ما فعلته سارة تجاوُز يستوجب الاعتذار.

أنا لست هنا للدفاع عن سارة؛ فهي قادرة على ذلك، وببراعة، من خلال منبرها الإعلامي (العربية)، كما أنني لا أريد تأكيد عمق العلاقات بين السعودية والكويت؛ فهذا لا شك فيه، ولكن في هذا المقال أتحدث عن ظاهرة "سوء الفهم" التي انتشرت بيننا بشكل سخيف ومخيف.. هذه الظاهرة جالت في المكان، وتربعت فوق العلاقات الاجتماعية والدولية.. فعندما يتحدث أحد نعرفه ويعرفنا بكلام ما، يحمل انتقادات لاذعة، نعتقد أننا المعنيون بهذه الانتقادات، وإذا حاول المتحدث كشف بعض علامات الذين يعنيهم بحديثه، وهي علامات تبعدنا عن دائرة الانتقادات، نعتقد أنه "يلف ويدور"، وأنه بالفعل يقصدنا بانتقاداته.. وليس لهذا الأمر إلا تفسير واحد، هو أننا غير واثقين في أنفسنا بالقدر الكافي.

وسائل الإعلام الحديث تغيرت كثيرًا، وأدواته تعددت في عصرنا الحالي؛ فلم يكن الكلام المباشر والصريح هو السمة الغالبة فيه، بعدما انتشرت "التورية"، و"التلميح"، و"الإيعاز"، ووصل الأمر إلى "الهمز" و"اللمز" أحيانًا، وهي أدوات يقفز بها الإعلامي أو الناشط الاجتماعي أو المغرد فوق المحظورات القانونية أو الأخلاقية أو الأعراف والتقاليد؛ ليعبر عن رأيه. ونحن في أمتنا العربية لا نعتاد على هذه الأدوات، ولا نؤمن بها، إذا كان الأمر يخصنا، حيث الاحتمالات، ولا نصدق سوى هواجسنا بأننا محل اتهام من قِبل الطرف الآخر، ونطالبه بالاعتذار الفوري وغير المشروط على تلك الاتهامات، التي ربما لا أساس لها من الصحة، ولم نسأل أنفسها لماذا نشعر بأننا المعنيون بالاتهامات؟ هل لأننا غير واثقين في أنفسنا؟ أم لأننا نرتكب أخطاء حقيقية، ونشعر في قرارة أنفسها بأننا محل انتقاد؟

بالرجوع إلى سارة الدندراوي مرة أخرى أرى أنه كان من الحكمة من جانب وزارة الخارجية الكويتية التزام الصمت تجاه ما فعلت سارة، والافتراض ولو مؤقتًا أن المذيعة لا تقصد إهانة الكويتيين، ولا مانع من إجراء اتصالات داخلية للتأكد من نوايا المذيعة ومقصدها، ولكن بيان الوزارة عن حديث الدندراوي هو ما أشعل النار في الهشيم، وأجبر من لم يلتفت إلى الموضوع برمته على أن يدخل ويقرأ ويتابع هو وغيره من الملايين.

أعود مرة أخرى للتشديد على أهمية التعامل الذكي مع الإعلام، ومحاولة فهم طبيعة الجهة الإعلامية التي تستهدف خطابها، وكيف تخاطبها، ومتى وأين وبأي أسلوب؟ خاصة إذا كان الأمر على مستوى الدول والحكومات، مع الوضع في الاعتبار أن 80 % من المشكلات والأزمات بين الدول سببها "سوء فهم" صغير، وكَبُر شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح أزمة لا داعي لها بالمرة.

19 يوليو 2019 - 16 ذو القعدة 1440
08:16 PM
اخر تعديل
18 أغسطس 2019 - 17 ذو الحجة 1440
08:23 AM

الإعلام.. وسوء الفهم

ماجد البريكان - الرياض
A A A
0
886

بقدر ما أثارت المذيعة السعودية سارة دندراوي في قناة "العربية" الجدال، وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي بسبب حديثها عن تخفيض أسعار الخمور في قطر، وإقحام "بعض" الكويتيين في هذا الموضوع، بقدر ما كشفت عن خلل عربي أصيل وقديم في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام بسبب الشعور الدائم لدينا بأننا دائمًا وأبدًا واقعون تحت دائرة الاتهام.

الزميلة سارة مذيعة محترفة ومثقفة، وواثقة من نفسها إلى درجة تتجاوز المعتاد؛ بدليل تعاملها المباشر مع تفاعل الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال برنامجها "تفاعلكم"؛ وهو ما يؤكد كلامي بأنها مذيعة تعي تمامًا ما تقوله، وما تقصده؛ وبالتالي من الصعب أن تخطئ مثل هذا الخطأ الذي يعتقده الكثير من الكويتيين، ومعهم وزارة الخارجية الكويتية نفسها، التي ترى أن ما فعلته سارة تجاوُز يستوجب الاعتذار.

أنا لست هنا للدفاع عن سارة؛ فهي قادرة على ذلك، وببراعة، من خلال منبرها الإعلامي (العربية)، كما أنني لا أريد تأكيد عمق العلاقات بين السعودية والكويت؛ فهذا لا شك فيه، ولكن في هذا المقال أتحدث عن ظاهرة "سوء الفهم" التي انتشرت بيننا بشكل سخيف ومخيف.. هذه الظاهرة جالت في المكان، وتربعت فوق العلاقات الاجتماعية والدولية.. فعندما يتحدث أحد نعرفه ويعرفنا بكلام ما، يحمل انتقادات لاذعة، نعتقد أننا المعنيون بهذه الانتقادات، وإذا حاول المتحدث كشف بعض علامات الذين يعنيهم بحديثه، وهي علامات تبعدنا عن دائرة الانتقادات، نعتقد أنه "يلف ويدور"، وأنه بالفعل يقصدنا بانتقاداته.. وليس لهذا الأمر إلا تفسير واحد، هو أننا غير واثقين في أنفسنا بالقدر الكافي.

وسائل الإعلام الحديث تغيرت كثيرًا، وأدواته تعددت في عصرنا الحالي؛ فلم يكن الكلام المباشر والصريح هو السمة الغالبة فيه، بعدما انتشرت "التورية"، و"التلميح"، و"الإيعاز"، ووصل الأمر إلى "الهمز" و"اللمز" أحيانًا، وهي أدوات يقفز بها الإعلامي أو الناشط الاجتماعي أو المغرد فوق المحظورات القانونية أو الأخلاقية أو الأعراف والتقاليد؛ ليعبر عن رأيه. ونحن في أمتنا العربية لا نعتاد على هذه الأدوات، ولا نؤمن بها، إذا كان الأمر يخصنا، حيث الاحتمالات، ولا نصدق سوى هواجسنا بأننا محل اتهام من قِبل الطرف الآخر، ونطالبه بالاعتذار الفوري وغير المشروط على تلك الاتهامات، التي ربما لا أساس لها من الصحة، ولم نسأل أنفسها لماذا نشعر بأننا المعنيون بالاتهامات؟ هل لأننا غير واثقين في أنفسنا؟ أم لأننا نرتكب أخطاء حقيقية، ونشعر في قرارة أنفسها بأننا محل انتقاد؟

بالرجوع إلى سارة الدندراوي مرة أخرى أرى أنه كان من الحكمة من جانب وزارة الخارجية الكويتية التزام الصمت تجاه ما فعلت سارة، والافتراض ولو مؤقتًا أن المذيعة لا تقصد إهانة الكويتيين، ولا مانع من إجراء اتصالات داخلية للتأكد من نوايا المذيعة ومقصدها، ولكن بيان الوزارة عن حديث الدندراوي هو ما أشعل النار في الهشيم، وأجبر من لم يلتفت إلى الموضوع برمته على أن يدخل ويقرأ ويتابع هو وغيره من الملايين.

أعود مرة أخرى للتشديد على أهمية التعامل الذكي مع الإعلام، ومحاولة فهم طبيعة الجهة الإعلامية التي تستهدف خطابها، وكيف تخاطبها، ومتى وأين وبأي أسلوب؟ خاصة إذا كان الأمر على مستوى الدول والحكومات، مع الوضع في الاعتبار أن 80 % من المشكلات والأزمات بين الدول سببها "سوء فهم" صغير، وكَبُر شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح أزمة لا داعي لها بالمرة.