لعنة الدكتوراه

لا تستغرب العنوان.. فلهذه الشهادة لعنات.. وليست لعنة واحدة وفقط.. ولا يساورني الشك بأن غالبية الحاصلين على هذه الشهادة قد عانوا على الأقل من واحدة من هذه اللعنات..

أما من تنظر إليهم بصفتهم زملاء مهنة من الأكاديميين.. فقد ينظر إليك بعضهم بتشكك؛ سواء بسبب التخصص، أو الجامعة التي تخرجت فيها، أو حتى في البلد الذي نلت الدرجة منه، وسبق أن ذكّرت كثيراً بالعنصرية الموجودة -على الأقل في المملكة- بين خريجي بريطانيا وأمريكا... وسبق لأحد عمداء الكليات السعودية أن سألني بعد أن عرف أنني خريج بريطانيا سؤالاً غريباً، فقد سألني بتعجب: "أنتم تدرسون؟".. لا يا طويل العمر، نروح نشرب قهوة بمكتبة الجامعة ونرجع، وبعد كم سنة يعطوننا الشهادة! ناهيك عن العيوب اللامنتهية من تغيير التخصص أو معدل البكالوريوس أو مدة الدراسة أو حتى طبيعة الرسالة.. فلا بأس في كل ذلك ما دام يقدح -في رأيهم- بشهادتك.. ومن يعمل في الجانب الأكاديمي في المملكة يدرك أن جزءاً لا يستهان به من منسوبي الجامعات لا يرون بقية الجامعات شيئاً، وكأنهم الجامعة الوحيدة التي تستحق الاحترام في المملكة.. إذاً الموضوع لا ينطبق عليك وحدك عزيزي "الدكتور".. ولن أتحدث عن أصحاب الشهادات "الكرتونية"، وعن أثرهم في النظرة لحملة الدكتوراه؛ فهم قلة أدنى من أبذل لأجلهم أكثر من سطر واحد..

وأما المديرون فنظرتهم أكثر تشككاً.. فقد تكون في نظرهم مجرد "دافور" لم تعايش الحياة العملية، ولا تعرف من الدنيا إلا الكتب.. وقد سبق لرجل أعمال أن قال لي إنه يفضل "أصحاب العقول" على حملة الشهادات الأكاديمية.. ولكنهم -أي المديرين- يدركون أنك قد تشكّل خطراً عليهم.. فأنت "دكتور".. وهم لن يوظفوا تحت إدارتهم "دكتوراً" يسرق الأنظار منهم.. حتى وإن لم تسرقها، فهذه وجهة نظر الكثير منهم، وقد سبق لأكثر من شخص رفض توظيفي لهذا السبب، حتى مع اقتراحي بأن يتم توظيفي بدرجة الماجستير.. فقد كان الرد ببساطة: "وإن كان! تبقى دكتور".. ولن أضيف في هذا النطاق أكثر من هذا المنطق الأعوج.

ولا تختلف كلتا المجموعتين كثيراً عن كثير من الناس الذين يفترضون منك تصرفاً معيناً بحكم أنك "دكتور"، ولا أشك أن كثيراً من حملة هذه الشهادة سمعوا التعبير: "هذا وأنت دكتور؟!"، حتى على سبيل المزاح.. وقد واجهت الكثير من الردود في وسائل التواصل من أناس" أسفوا" على حرف الدال قبل اسمي.. ولهذا التشكيك منهم بقية، وفكرت كثيراً في حذف هذا الحرف من قبل اسمي في وسائل التواصل؛ حتى يتسنى لي التعبير عن رأيي بحرية أكثر، إلا أنني دائماً ما أصرف النظر بعد أن أتذكّر الساعات الطوال الموحشة التي قضيتها في سنوات الدكتوراه.

وعلى الرغم من كرهي للحملة الشعوبية ضد غير السعوديين، إلا أنني واجهت الكثير من الأكاديميين غير السعوديين سواءً في المملكة أو في بريطانيا أيام الدراسة الذين يرون أن دراستي للدكتوراه، وبالتالي شهادتي هي ضربة حظ ساعدت فيها أسعار النفط ووفرة البعثات، وأنني لو كنت في بلد آخر لما حصلت عليها؛ لصعوبة المنافسة.. هي إذاً دكتوراه بترولية ليست كشهاداتهم التي حصلوا عليها بالجد والاجتهاد!

وحتى لا أكون ضحية للتهجم -وإن كنت لا آبه لذلك مؤخراً- فيجب التوضيح بأن هذه التصرفات لا تصدر من جميع الأكاديميين أو المديرين وأرباب العمل وغير السعوديين أو حتى سواد الناس، بل تصدر عن فئة واجهتهم أنا بشكل شخصي، وأقول ذلك من باب الإنصاف في حق البقية من غير هذه الفئات.

فيا عزيزي "الدكتور"، أو يا من تدرس الدكتوراه الآن.. لا بد أن تعلم أن هذه الشهادة لا تأتي وحدها، بل تأتي بلعناتها إضافة إلى امتيازاتها، ولا يجب أن تثنيك هذه اللعنات عن فخرك بحصولك على هذه الشهادة، وعن بذلك لسنوات شبابك للحصول عليها.. فيكفيك لتنسى هذه اللعنات أن يخاطبك والدك أو والدتك بـ"الدكتور" بكل فخر الدنيا، ومن تهيأ له أن يرى والديه أحدهما أو كلاهما وهو يفتخر به، فقد حاز من الدنيا الشيء الكثير.

اعلان
لعنة الدكتوراه
سبق

لا تستغرب العنوان.. فلهذه الشهادة لعنات.. وليست لعنة واحدة وفقط.. ولا يساورني الشك بأن غالبية الحاصلين على هذه الشهادة قد عانوا على الأقل من واحدة من هذه اللعنات..

أما من تنظر إليهم بصفتهم زملاء مهنة من الأكاديميين.. فقد ينظر إليك بعضهم بتشكك؛ سواء بسبب التخصص، أو الجامعة التي تخرجت فيها، أو حتى في البلد الذي نلت الدرجة منه، وسبق أن ذكّرت كثيراً بالعنصرية الموجودة -على الأقل في المملكة- بين خريجي بريطانيا وأمريكا... وسبق لأحد عمداء الكليات السعودية أن سألني بعد أن عرف أنني خريج بريطانيا سؤالاً غريباً، فقد سألني بتعجب: "أنتم تدرسون؟".. لا يا طويل العمر، نروح نشرب قهوة بمكتبة الجامعة ونرجع، وبعد كم سنة يعطوننا الشهادة! ناهيك عن العيوب اللامنتهية من تغيير التخصص أو معدل البكالوريوس أو مدة الدراسة أو حتى طبيعة الرسالة.. فلا بأس في كل ذلك ما دام يقدح -في رأيهم- بشهادتك.. ومن يعمل في الجانب الأكاديمي في المملكة يدرك أن جزءاً لا يستهان به من منسوبي الجامعات لا يرون بقية الجامعات شيئاً، وكأنهم الجامعة الوحيدة التي تستحق الاحترام في المملكة.. إذاً الموضوع لا ينطبق عليك وحدك عزيزي "الدكتور".. ولن أتحدث عن أصحاب الشهادات "الكرتونية"، وعن أثرهم في النظرة لحملة الدكتوراه؛ فهم قلة أدنى من أبذل لأجلهم أكثر من سطر واحد..

وأما المديرون فنظرتهم أكثر تشككاً.. فقد تكون في نظرهم مجرد "دافور" لم تعايش الحياة العملية، ولا تعرف من الدنيا إلا الكتب.. وقد سبق لرجل أعمال أن قال لي إنه يفضل "أصحاب العقول" على حملة الشهادات الأكاديمية.. ولكنهم -أي المديرين- يدركون أنك قد تشكّل خطراً عليهم.. فأنت "دكتور".. وهم لن يوظفوا تحت إدارتهم "دكتوراً" يسرق الأنظار منهم.. حتى وإن لم تسرقها، فهذه وجهة نظر الكثير منهم، وقد سبق لأكثر من شخص رفض توظيفي لهذا السبب، حتى مع اقتراحي بأن يتم توظيفي بدرجة الماجستير.. فقد كان الرد ببساطة: "وإن كان! تبقى دكتور".. ولن أضيف في هذا النطاق أكثر من هذا المنطق الأعوج.

ولا تختلف كلتا المجموعتين كثيراً عن كثير من الناس الذين يفترضون منك تصرفاً معيناً بحكم أنك "دكتور"، ولا أشك أن كثيراً من حملة هذه الشهادة سمعوا التعبير: "هذا وأنت دكتور؟!"، حتى على سبيل المزاح.. وقد واجهت الكثير من الردود في وسائل التواصل من أناس" أسفوا" على حرف الدال قبل اسمي.. ولهذا التشكيك منهم بقية، وفكرت كثيراً في حذف هذا الحرف من قبل اسمي في وسائل التواصل؛ حتى يتسنى لي التعبير عن رأيي بحرية أكثر، إلا أنني دائماً ما أصرف النظر بعد أن أتذكّر الساعات الطوال الموحشة التي قضيتها في سنوات الدكتوراه.

وعلى الرغم من كرهي للحملة الشعوبية ضد غير السعوديين، إلا أنني واجهت الكثير من الأكاديميين غير السعوديين سواءً في المملكة أو في بريطانيا أيام الدراسة الذين يرون أن دراستي للدكتوراه، وبالتالي شهادتي هي ضربة حظ ساعدت فيها أسعار النفط ووفرة البعثات، وأنني لو كنت في بلد آخر لما حصلت عليها؛ لصعوبة المنافسة.. هي إذاً دكتوراه بترولية ليست كشهاداتهم التي حصلوا عليها بالجد والاجتهاد!

وحتى لا أكون ضحية للتهجم -وإن كنت لا آبه لذلك مؤخراً- فيجب التوضيح بأن هذه التصرفات لا تصدر من جميع الأكاديميين أو المديرين وأرباب العمل وغير السعوديين أو حتى سواد الناس، بل تصدر عن فئة واجهتهم أنا بشكل شخصي، وأقول ذلك من باب الإنصاف في حق البقية من غير هذه الفئات.

فيا عزيزي "الدكتور"، أو يا من تدرس الدكتوراه الآن.. لا بد أن تعلم أن هذه الشهادة لا تأتي وحدها، بل تأتي بلعناتها إضافة إلى امتيازاتها، ولا يجب أن تثنيك هذه اللعنات عن فخرك بحصولك على هذه الشهادة، وعن بذلك لسنوات شبابك للحصول عليها.. فيكفيك لتنسى هذه اللعنات أن يخاطبك والدك أو والدتك بـ"الدكتور" بكل فخر الدنيا، ومن تهيأ له أن يرى والديه أحدهما أو كلاهما وهو يفتخر به، فقد حاز من الدنيا الشيء الكثير.

04 فبراير 2018 - 18 جمادى الأول 1439
11:33 AM

لعنة الدكتوراه

عبدالله الردادي - الرياض
A A A
12
46,098

لا تستغرب العنوان.. فلهذه الشهادة لعنات.. وليست لعنة واحدة وفقط.. ولا يساورني الشك بأن غالبية الحاصلين على هذه الشهادة قد عانوا على الأقل من واحدة من هذه اللعنات..

أما من تنظر إليهم بصفتهم زملاء مهنة من الأكاديميين.. فقد ينظر إليك بعضهم بتشكك؛ سواء بسبب التخصص، أو الجامعة التي تخرجت فيها، أو حتى في البلد الذي نلت الدرجة منه، وسبق أن ذكّرت كثيراً بالعنصرية الموجودة -على الأقل في المملكة- بين خريجي بريطانيا وأمريكا... وسبق لأحد عمداء الكليات السعودية أن سألني بعد أن عرف أنني خريج بريطانيا سؤالاً غريباً، فقد سألني بتعجب: "أنتم تدرسون؟".. لا يا طويل العمر، نروح نشرب قهوة بمكتبة الجامعة ونرجع، وبعد كم سنة يعطوننا الشهادة! ناهيك عن العيوب اللامنتهية من تغيير التخصص أو معدل البكالوريوس أو مدة الدراسة أو حتى طبيعة الرسالة.. فلا بأس في كل ذلك ما دام يقدح -في رأيهم- بشهادتك.. ومن يعمل في الجانب الأكاديمي في المملكة يدرك أن جزءاً لا يستهان به من منسوبي الجامعات لا يرون بقية الجامعات شيئاً، وكأنهم الجامعة الوحيدة التي تستحق الاحترام في المملكة.. إذاً الموضوع لا ينطبق عليك وحدك عزيزي "الدكتور".. ولن أتحدث عن أصحاب الشهادات "الكرتونية"، وعن أثرهم في النظرة لحملة الدكتوراه؛ فهم قلة أدنى من أبذل لأجلهم أكثر من سطر واحد..

وأما المديرون فنظرتهم أكثر تشككاً.. فقد تكون في نظرهم مجرد "دافور" لم تعايش الحياة العملية، ولا تعرف من الدنيا إلا الكتب.. وقد سبق لرجل أعمال أن قال لي إنه يفضل "أصحاب العقول" على حملة الشهادات الأكاديمية.. ولكنهم -أي المديرين- يدركون أنك قد تشكّل خطراً عليهم.. فأنت "دكتور".. وهم لن يوظفوا تحت إدارتهم "دكتوراً" يسرق الأنظار منهم.. حتى وإن لم تسرقها، فهذه وجهة نظر الكثير منهم، وقد سبق لأكثر من شخص رفض توظيفي لهذا السبب، حتى مع اقتراحي بأن يتم توظيفي بدرجة الماجستير.. فقد كان الرد ببساطة: "وإن كان! تبقى دكتور".. ولن أضيف في هذا النطاق أكثر من هذا المنطق الأعوج.

ولا تختلف كلتا المجموعتين كثيراً عن كثير من الناس الذين يفترضون منك تصرفاً معيناً بحكم أنك "دكتور"، ولا أشك أن كثيراً من حملة هذه الشهادة سمعوا التعبير: "هذا وأنت دكتور؟!"، حتى على سبيل المزاح.. وقد واجهت الكثير من الردود في وسائل التواصل من أناس" أسفوا" على حرف الدال قبل اسمي.. ولهذا التشكيك منهم بقية، وفكرت كثيراً في حذف هذا الحرف من قبل اسمي في وسائل التواصل؛ حتى يتسنى لي التعبير عن رأيي بحرية أكثر، إلا أنني دائماً ما أصرف النظر بعد أن أتذكّر الساعات الطوال الموحشة التي قضيتها في سنوات الدكتوراه.

وعلى الرغم من كرهي للحملة الشعوبية ضد غير السعوديين، إلا أنني واجهت الكثير من الأكاديميين غير السعوديين سواءً في المملكة أو في بريطانيا أيام الدراسة الذين يرون أن دراستي للدكتوراه، وبالتالي شهادتي هي ضربة حظ ساعدت فيها أسعار النفط ووفرة البعثات، وأنني لو كنت في بلد آخر لما حصلت عليها؛ لصعوبة المنافسة.. هي إذاً دكتوراه بترولية ليست كشهاداتهم التي حصلوا عليها بالجد والاجتهاد!

وحتى لا أكون ضحية للتهجم -وإن كنت لا آبه لذلك مؤخراً- فيجب التوضيح بأن هذه التصرفات لا تصدر من جميع الأكاديميين أو المديرين وأرباب العمل وغير السعوديين أو حتى سواد الناس، بل تصدر عن فئة واجهتهم أنا بشكل شخصي، وأقول ذلك من باب الإنصاف في حق البقية من غير هذه الفئات.

فيا عزيزي "الدكتور"، أو يا من تدرس الدكتوراه الآن.. لا بد أن تعلم أن هذه الشهادة لا تأتي وحدها، بل تأتي بلعناتها إضافة إلى امتيازاتها، ولا يجب أن تثنيك هذه اللعنات عن فخرك بحصولك على هذه الشهادة، وعن بذلك لسنوات شبابك للحصول عليها.. فيكفيك لتنسى هذه اللعنات أن يخاطبك والدك أو والدتك بـ"الدكتور" بكل فخر الدنيا، ومن تهيأ له أن يرى والديه أحدهما أو كلاهما وهو يفتخر به، فقد حاز من الدنيا الشيء الكثير.