الهجرة إلى العالم الافتراضي

كانت للثورة الصناعية التي بدأت من القرن الثامن عشر في إنجلترا آثارها الإيجابية الكبيرة، التي نقلت حياة البشر من العمل اليدوي ومن مجتمعات زراعية إلى مجتمعات مدنية؛ إذ كان اختراع الآلة أحد أهم العوامل في التغير البشري على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فقد هاجر الناس من الأرياف، واتجهوا للمدن للعمل في المصانع التي تقدِّم لهم عائداً مادياً سريعاً أفضل من عملهم في الحقول.
 
بعد أن كان الدخل قليلاً بسبب أن العمل اليدوي أصبح أكبر مع استخدام الآلات، الذي نتج منه ازدياد الإنتاج، وزيادة في الدخل لأصحاب المصانع الذين سعوا للحصول على أكبر قدر من المال، بغض النظر عن أي اعتبارات إنسانية بحق العمال. 
 
كان لمثل هذا الأمر آثاره السلبية اجتماعياً؛ فقد أصبح أرباب العمل يطلبون من العمال العمل ساعات طوالاً، وصلت إلى ست عشرة ساعة يومياً بلا فترة راحة. كان أصحاب المصانع يتعاملون بقسوة مع العمال، وكأنهم عبيد ليس لهم حقوق. ولم تكن المصانع أماكن تتمتع بوسائل سلامة كافية؛ فنتج من ذلك إصابات عمل، إضافة إلى إعاقة ووفاة للبعض. حصلت البطالة؛ إذ قامت بعض المصانع بتشغيل الأطفال والنساء؛ لأن أجورهم أقل. وبعد أن كان العمل يحتاج إلى عدد من الأشخاص للقيام به أصبحت الآلة تكفي للقيام بعمل عشرات الأشخاص. عمل النساء في المصانع وبقاء الرجال في البيوت أدى إلى مشكلات أسرية كثيرة؛ نتج منها التفكك الأسري.
 
كل تلك المشكلات الاجتماعية وغيرها أثارت اهتمام الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في ذاك الوقت، إضافة إلى الثورات التي قام بها العمال للحصول على حقوقهم، والتي أدت إلى وجود حقوق للعمال، تطورت حتى وصلت إلى ما هو مطبَّق اليوم.
 
المتأمل للمجتمع البشري هذه الأيام يلاحظ حصول تغير كبير ومؤثر في المجتمعات البشرية مشابه لتأثير الثورة الصناعية. الثورة التقنية وما صاحبها من ثورة معلوماتية أثرت في البشر بشكل كبير؛ فبالرغم من الآثار الإيجابية الكبيرة التي نتجت منها إلا أنها أفرزت مشكلات اجتماعية أيضاً. هناك محاولات متفرقة ينادي بها الاجتماعيون والمهتمون بحقوق الإنسان لمعالجة هذه المشكلات وتجاوزها.
 
نتج من الثورة التقنية والمعلوماتية العديد من المشكلات الاجتماعية. فانتشار المعلومات الخاصة الفردية والمؤسسية أصبح سهلاً وميسراً؛ وهو ما أدى إلى أن يقوم البعض باستخدام هذه التقنية لابتزاز الفتيات والصبيان. أدى هذا إلى العمل على ردع المتسببين في التطفل على خصوصيات الآخرين بقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. أيضاً، أصبح من الممكن تـأجيج وشحن الرأي العام نحو قضية ما دون التجمهر والتجمع في مكان واحد؛ فقد أصبح العالم الافتراضي المتوافر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت كافياً. يُضاف إلى ذلك وجود ما يسمى بالتحرش أو الدعارة الإلكترونية، وممارسة بعض أنواع التجارة الممنوعة.
 
أصبح كثير من الناس يعيش في عالمه الافتراضي أكثر من عيشه مع أهله وأصدقائه، وارتحل عدد من الناس من حياتهم الاجتماعية إلى ذاك العالم الافتراضي الذي يلتقي فيه أشخاصاً من مختلف مناطق العالم؛ فأصبح التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو المفضل عند الكثيرين. تم الاكتفاء بالتواصل برسالة عبر "الواتس أب"، أو بتفضيل تغريدة في "تويتر"، أو ربما اكتفى البعض بإظهار تواصله مع أحدهم بضغط "لايك" على تعليق أو صورة في "الفيسبوك". هذا التواصل الإلكتروني نتج منه حالات تفكك أسري بسبب انشغال أحد الزوجين بعالمه الافتراضي عن مهامه وشريك حياته وأطفاله.
 
كان كثير من الآباء والأمهات يشتكون من صعوبة تربيتهم لأطفالهم، ومعاناتهم في توجيههم ومنع ما يضرهم من الوصول إلى فلذات أكبادهم. مع ما يحصل اليوم من ثورة تقنية ومعلوماتية أصبح الحِمل أكبر، والمهمة أكثر تحدياً.. وأصبح على الدولة بمؤسساتها المعنية حِمل جديد في حماية المجتمع وأفراده بسَن قوانين جديدة، تتواءم مع الحقبة الزمنية ومتغيراتها الحديثة. 

اعلان
الهجرة إلى العالم الافتراضي
سبق
كانت للثورة الصناعية التي بدأت من القرن الثامن عشر في إنجلترا آثارها الإيجابية الكبيرة، التي نقلت حياة البشر من العمل اليدوي ومن مجتمعات زراعية إلى مجتمعات مدنية؛ إذ كان اختراع الآلة أحد أهم العوامل في التغير البشري على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فقد هاجر الناس من الأرياف، واتجهوا للمدن للعمل في المصانع التي تقدِّم لهم عائداً مادياً سريعاً أفضل من عملهم في الحقول.
 
بعد أن كان الدخل قليلاً بسبب أن العمل اليدوي أصبح أكبر مع استخدام الآلات، الذي نتج منه ازدياد الإنتاج، وزيادة في الدخل لأصحاب المصانع الذين سعوا للحصول على أكبر قدر من المال، بغض النظر عن أي اعتبارات إنسانية بحق العمال. 
 
كان لمثل هذا الأمر آثاره السلبية اجتماعياً؛ فقد أصبح أرباب العمل يطلبون من العمال العمل ساعات طوالاً، وصلت إلى ست عشرة ساعة يومياً بلا فترة راحة. كان أصحاب المصانع يتعاملون بقسوة مع العمال، وكأنهم عبيد ليس لهم حقوق. ولم تكن المصانع أماكن تتمتع بوسائل سلامة كافية؛ فنتج من ذلك إصابات عمل، إضافة إلى إعاقة ووفاة للبعض. حصلت البطالة؛ إذ قامت بعض المصانع بتشغيل الأطفال والنساء؛ لأن أجورهم أقل. وبعد أن كان العمل يحتاج إلى عدد من الأشخاص للقيام به أصبحت الآلة تكفي للقيام بعمل عشرات الأشخاص. عمل النساء في المصانع وبقاء الرجال في البيوت أدى إلى مشكلات أسرية كثيرة؛ نتج منها التفكك الأسري.
 
كل تلك المشكلات الاجتماعية وغيرها أثارت اهتمام الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في ذاك الوقت، إضافة إلى الثورات التي قام بها العمال للحصول على حقوقهم، والتي أدت إلى وجود حقوق للعمال، تطورت حتى وصلت إلى ما هو مطبَّق اليوم.
 
المتأمل للمجتمع البشري هذه الأيام يلاحظ حصول تغير كبير ومؤثر في المجتمعات البشرية مشابه لتأثير الثورة الصناعية. الثورة التقنية وما صاحبها من ثورة معلوماتية أثرت في البشر بشكل كبير؛ فبالرغم من الآثار الإيجابية الكبيرة التي نتجت منها إلا أنها أفرزت مشكلات اجتماعية أيضاً. هناك محاولات متفرقة ينادي بها الاجتماعيون والمهتمون بحقوق الإنسان لمعالجة هذه المشكلات وتجاوزها.
 
نتج من الثورة التقنية والمعلوماتية العديد من المشكلات الاجتماعية. فانتشار المعلومات الخاصة الفردية والمؤسسية أصبح سهلاً وميسراً؛ وهو ما أدى إلى أن يقوم البعض باستخدام هذه التقنية لابتزاز الفتيات والصبيان. أدى هذا إلى العمل على ردع المتسببين في التطفل على خصوصيات الآخرين بقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. أيضاً، أصبح من الممكن تـأجيج وشحن الرأي العام نحو قضية ما دون التجمهر والتجمع في مكان واحد؛ فقد أصبح العالم الافتراضي المتوافر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت كافياً. يُضاف إلى ذلك وجود ما يسمى بالتحرش أو الدعارة الإلكترونية، وممارسة بعض أنواع التجارة الممنوعة.
 
أصبح كثير من الناس يعيش في عالمه الافتراضي أكثر من عيشه مع أهله وأصدقائه، وارتحل عدد من الناس من حياتهم الاجتماعية إلى ذاك العالم الافتراضي الذي يلتقي فيه أشخاصاً من مختلف مناطق العالم؛ فأصبح التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو المفضل عند الكثيرين. تم الاكتفاء بالتواصل برسالة عبر "الواتس أب"، أو بتفضيل تغريدة في "تويتر"، أو ربما اكتفى البعض بإظهار تواصله مع أحدهم بضغط "لايك" على تعليق أو صورة في "الفيسبوك". هذا التواصل الإلكتروني نتج منه حالات تفكك أسري بسبب انشغال أحد الزوجين بعالمه الافتراضي عن مهامه وشريك حياته وأطفاله.
 
كان كثير من الآباء والأمهات يشتكون من صعوبة تربيتهم لأطفالهم، ومعاناتهم في توجيههم ومنع ما يضرهم من الوصول إلى فلذات أكبادهم. مع ما يحصل اليوم من ثورة تقنية ومعلوماتية أصبح الحِمل أكبر، والمهمة أكثر تحدياً.. وأصبح على الدولة بمؤسساتها المعنية حِمل جديد في حماية المجتمع وأفراده بسَن قوانين جديدة، تتواءم مع الحقبة الزمنية ومتغيراتها الحديثة. 
28 أغسطس 2014 - 2 ذو القعدة 1435
08:36 AM

الهجرة إلى العالم الافتراضي

A A A
0
4,282

كانت للثورة الصناعية التي بدأت من القرن الثامن عشر في إنجلترا آثارها الإيجابية الكبيرة، التي نقلت حياة البشر من العمل اليدوي ومن مجتمعات زراعية إلى مجتمعات مدنية؛ إذ كان اختراع الآلة أحد أهم العوامل في التغير البشري على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فقد هاجر الناس من الأرياف، واتجهوا للمدن للعمل في المصانع التي تقدِّم لهم عائداً مادياً سريعاً أفضل من عملهم في الحقول.
 
بعد أن كان الدخل قليلاً بسبب أن العمل اليدوي أصبح أكبر مع استخدام الآلات، الذي نتج منه ازدياد الإنتاج، وزيادة في الدخل لأصحاب المصانع الذين سعوا للحصول على أكبر قدر من المال، بغض النظر عن أي اعتبارات إنسانية بحق العمال. 
 
كان لمثل هذا الأمر آثاره السلبية اجتماعياً؛ فقد أصبح أرباب العمل يطلبون من العمال العمل ساعات طوالاً، وصلت إلى ست عشرة ساعة يومياً بلا فترة راحة. كان أصحاب المصانع يتعاملون بقسوة مع العمال، وكأنهم عبيد ليس لهم حقوق. ولم تكن المصانع أماكن تتمتع بوسائل سلامة كافية؛ فنتج من ذلك إصابات عمل، إضافة إلى إعاقة ووفاة للبعض. حصلت البطالة؛ إذ قامت بعض المصانع بتشغيل الأطفال والنساء؛ لأن أجورهم أقل. وبعد أن كان العمل يحتاج إلى عدد من الأشخاص للقيام به أصبحت الآلة تكفي للقيام بعمل عشرات الأشخاص. عمل النساء في المصانع وبقاء الرجال في البيوت أدى إلى مشكلات أسرية كثيرة؛ نتج منها التفكك الأسري.
 
كل تلك المشكلات الاجتماعية وغيرها أثارت اهتمام الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في ذاك الوقت، إضافة إلى الثورات التي قام بها العمال للحصول على حقوقهم، والتي أدت إلى وجود حقوق للعمال، تطورت حتى وصلت إلى ما هو مطبَّق اليوم.
 
المتأمل للمجتمع البشري هذه الأيام يلاحظ حصول تغير كبير ومؤثر في المجتمعات البشرية مشابه لتأثير الثورة الصناعية. الثورة التقنية وما صاحبها من ثورة معلوماتية أثرت في البشر بشكل كبير؛ فبالرغم من الآثار الإيجابية الكبيرة التي نتجت منها إلا أنها أفرزت مشكلات اجتماعية أيضاً. هناك محاولات متفرقة ينادي بها الاجتماعيون والمهتمون بحقوق الإنسان لمعالجة هذه المشكلات وتجاوزها.
 
نتج من الثورة التقنية والمعلوماتية العديد من المشكلات الاجتماعية. فانتشار المعلومات الخاصة الفردية والمؤسسية أصبح سهلاً وميسراً؛ وهو ما أدى إلى أن يقوم البعض باستخدام هذه التقنية لابتزاز الفتيات والصبيان. أدى هذا إلى العمل على ردع المتسببين في التطفل على خصوصيات الآخرين بقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. أيضاً، أصبح من الممكن تـأجيج وشحن الرأي العام نحو قضية ما دون التجمهر والتجمع في مكان واحد؛ فقد أصبح العالم الافتراضي المتوافر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت كافياً. يُضاف إلى ذلك وجود ما يسمى بالتحرش أو الدعارة الإلكترونية، وممارسة بعض أنواع التجارة الممنوعة.
 
أصبح كثير من الناس يعيش في عالمه الافتراضي أكثر من عيشه مع أهله وأصدقائه، وارتحل عدد من الناس من حياتهم الاجتماعية إلى ذاك العالم الافتراضي الذي يلتقي فيه أشخاصاً من مختلف مناطق العالم؛ فأصبح التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو المفضل عند الكثيرين. تم الاكتفاء بالتواصل برسالة عبر "الواتس أب"، أو بتفضيل تغريدة في "تويتر"، أو ربما اكتفى البعض بإظهار تواصله مع أحدهم بضغط "لايك" على تعليق أو صورة في "الفيسبوك". هذا التواصل الإلكتروني نتج منه حالات تفكك أسري بسبب انشغال أحد الزوجين بعالمه الافتراضي عن مهامه وشريك حياته وأطفاله.
 
كان كثير من الآباء والأمهات يشتكون من صعوبة تربيتهم لأطفالهم، ومعاناتهم في توجيههم ومنع ما يضرهم من الوصول إلى فلذات أكبادهم. مع ما يحصل اليوم من ثورة تقنية ومعلوماتية أصبح الحِمل أكبر، والمهمة أكثر تحدياً.. وأصبح على الدولة بمؤسساتها المعنية حِمل جديد في حماية المجتمع وأفراده بسَن قوانين جديدة، تتواءم مع الحقبة الزمنية ومتغيراتها الحديثة.