المواطنة بين السَّحْب والإيداع!

في كل مرة نستقبل فيها ذكرى اليوم الوطني أتساءل دائمًا: كيف يمكنني التعبير عن العلاقة بين الوطن والمواطن؟ ما طبيعة هذه العلاقة؟ أهي علاقة انتماء لهذه الأرض فقط أم أنها تتعدى ذلك بكثير؟

في هذه المرة قررت أن أقيس هذه العلاقة من منظور "المواطنة بين المنح والأخذ".

أعتقد أن المواطنة حسب هذا المفهوم هي علاقة تبادلية بين الوطن والمواطن، وليست علاقة من طرف واحد فقط.

فكما أن الوطن يمنح بسخاء فعلينا كقاطنين لهذه الأرض أن نبادله الوفاء؛ فالعلاقة - إن صح التعبير مجازًا - هي علاقة سَحْب وإيداع من رصيد المواطنة.

وحتى أكون أكثر إنصافًا، فعامل الإيداع مقدَّم على عامل السَّحب. ومن جرب لذة المنح يدرك ما أعنيه تمامًا. وإذا اتفقنا أن الوطن دائم الإيداع فالمواطن الصالح هو الذي يودع أكثر من أن يسحب من رصيد المواطنة. ومن هذا المفهوم يظهر جليًّا أن رصيد المواطنة يتفاوت من شخص لآخر.

في الحقيقة، عملية زيادة رصيد المواطنة ليست بالأمر الصعب؛ فالكل يقدر عليها، كل حسب مجاله وفئته العمرية وجنسه.. وهناك الكثير من المجالات حتى لو بدت بسيطة فهي تسهم بشكل فعال في رفع رصيد المواطنة.

فالحفاظ على الممتلكات العامة يزيد من رصيد المواطنة.. اتباع الأنظمة المرورية يزيد من رصيد المواطنة.. التبليغ عن قضايا الفساد والمحافظة على الأمن يزيد من رصيد المواطنة.. المحافظة على لحمة الوطن والابتعاد عمن يبث الفتنة هو أيضًا يزيد من رصيد المواطنة.. والكثير من الأوجه التي ما إن تأملناها قليلاً لوجدنا أنها سهلة وبسيطة التنفيذ، ولكنها عظيمة الأثر.

من ناحية أخرى، هذه الأشياء البسيطة عندما يقل الاهتمام بها فإنها تضرُّ وتُنقص رصيد المواطنة؛ فقطعة منديل تُرمى في الشارع على بساطة الحدث تدل على مؤشر خطير، هو أن هذا الشخص لا يهمه أن يبدو وطنه نظيفًا، ولا تهمه الصورة الكبرى أن تبدو جميلة.

في الحقيقة، زيادة رصيد المواطنة موضوع محوري مهم، يستدعي الكثير من الاهتمام والمبادرات الفردية والجماعية، وقبلها المؤسسية؛ فبوجوده يزيد حب الوطن، وتزيد الغيرة عليه، ويزيد حب الدفاع عنه والموت في سبيله.

الوطن في الحقيقة دائم الإيداع والعطاء، ومع كل أبنائه، حتى مع الذين أساؤوا إليه في يوم من الأيام، مهما كان مستوى هذه الإساءة، ومهما كانت فداحتها، فإنك تجد الوطن فاتحًا ذراعيه بالصفح والعفو والجود والحنان، متجاوزًا عما أُلحق به من ضرر.. فحري بنا نحن المواطنين أن نبادله هذا الوفاء.

مجمل القول: لنكن في يومنا الوطني التاسع والثمانين عاقدين العزم على أن نكون مواطنين صالحين دائمي الإيداع في رصيد المواطنة؛ فالمملكة العربية السعودية تستحق منا الكثير. وكل عام والوطن والمواطن وما بينهما بخير.

اعلان
المواطنة بين السَّحْب والإيداع!
سبق

في كل مرة نستقبل فيها ذكرى اليوم الوطني أتساءل دائمًا: كيف يمكنني التعبير عن العلاقة بين الوطن والمواطن؟ ما طبيعة هذه العلاقة؟ أهي علاقة انتماء لهذه الأرض فقط أم أنها تتعدى ذلك بكثير؟

في هذه المرة قررت أن أقيس هذه العلاقة من منظور "المواطنة بين المنح والأخذ".

أعتقد أن المواطنة حسب هذا المفهوم هي علاقة تبادلية بين الوطن والمواطن، وليست علاقة من طرف واحد فقط.

فكما أن الوطن يمنح بسخاء فعلينا كقاطنين لهذه الأرض أن نبادله الوفاء؛ فالعلاقة - إن صح التعبير مجازًا - هي علاقة سَحْب وإيداع من رصيد المواطنة.

وحتى أكون أكثر إنصافًا، فعامل الإيداع مقدَّم على عامل السَّحب. ومن جرب لذة المنح يدرك ما أعنيه تمامًا. وإذا اتفقنا أن الوطن دائم الإيداع فالمواطن الصالح هو الذي يودع أكثر من أن يسحب من رصيد المواطنة. ومن هذا المفهوم يظهر جليًّا أن رصيد المواطنة يتفاوت من شخص لآخر.

في الحقيقة، عملية زيادة رصيد المواطنة ليست بالأمر الصعب؛ فالكل يقدر عليها، كل حسب مجاله وفئته العمرية وجنسه.. وهناك الكثير من المجالات حتى لو بدت بسيطة فهي تسهم بشكل فعال في رفع رصيد المواطنة.

فالحفاظ على الممتلكات العامة يزيد من رصيد المواطنة.. اتباع الأنظمة المرورية يزيد من رصيد المواطنة.. التبليغ عن قضايا الفساد والمحافظة على الأمن يزيد من رصيد المواطنة.. المحافظة على لحمة الوطن والابتعاد عمن يبث الفتنة هو أيضًا يزيد من رصيد المواطنة.. والكثير من الأوجه التي ما إن تأملناها قليلاً لوجدنا أنها سهلة وبسيطة التنفيذ، ولكنها عظيمة الأثر.

من ناحية أخرى، هذه الأشياء البسيطة عندما يقل الاهتمام بها فإنها تضرُّ وتُنقص رصيد المواطنة؛ فقطعة منديل تُرمى في الشارع على بساطة الحدث تدل على مؤشر خطير، هو أن هذا الشخص لا يهمه أن يبدو وطنه نظيفًا، ولا تهمه الصورة الكبرى أن تبدو جميلة.

في الحقيقة، زيادة رصيد المواطنة موضوع محوري مهم، يستدعي الكثير من الاهتمام والمبادرات الفردية والجماعية، وقبلها المؤسسية؛ فبوجوده يزيد حب الوطن، وتزيد الغيرة عليه، ويزيد حب الدفاع عنه والموت في سبيله.

الوطن في الحقيقة دائم الإيداع والعطاء، ومع كل أبنائه، حتى مع الذين أساؤوا إليه في يوم من الأيام، مهما كان مستوى هذه الإساءة، ومهما كانت فداحتها، فإنك تجد الوطن فاتحًا ذراعيه بالصفح والعفو والجود والحنان، متجاوزًا عما أُلحق به من ضرر.. فحري بنا نحن المواطنين أن نبادله هذا الوفاء.

مجمل القول: لنكن في يومنا الوطني التاسع والثمانين عاقدين العزم على أن نكون مواطنين صالحين دائمي الإيداع في رصيد المواطنة؛ فالمملكة العربية السعودية تستحق منا الكثير. وكل عام والوطن والمواطن وما بينهما بخير.

22 سبتمبر 2019 - 23 محرّم 1441
09:42 PM
اخر تعديل
21 أكتوبر 2019 - 22 صفر 1441
10:42 AM

المواطنة بين السَّحْب والإيداع!

يحيى فقيهي - الرياض
A A A
1
950

في كل مرة نستقبل فيها ذكرى اليوم الوطني أتساءل دائمًا: كيف يمكنني التعبير عن العلاقة بين الوطن والمواطن؟ ما طبيعة هذه العلاقة؟ أهي علاقة انتماء لهذه الأرض فقط أم أنها تتعدى ذلك بكثير؟

في هذه المرة قررت أن أقيس هذه العلاقة من منظور "المواطنة بين المنح والأخذ".

أعتقد أن المواطنة حسب هذا المفهوم هي علاقة تبادلية بين الوطن والمواطن، وليست علاقة من طرف واحد فقط.

فكما أن الوطن يمنح بسخاء فعلينا كقاطنين لهذه الأرض أن نبادله الوفاء؛ فالعلاقة - إن صح التعبير مجازًا - هي علاقة سَحْب وإيداع من رصيد المواطنة.

وحتى أكون أكثر إنصافًا، فعامل الإيداع مقدَّم على عامل السَّحب. ومن جرب لذة المنح يدرك ما أعنيه تمامًا. وإذا اتفقنا أن الوطن دائم الإيداع فالمواطن الصالح هو الذي يودع أكثر من أن يسحب من رصيد المواطنة. ومن هذا المفهوم يظهر جليًّا أن رصيد المواطنة يتفاوت من شخص لآخر.

في الحقيقة، عملية زيادة رصيد المواطنة ليست بالأمر الصعب؛ فالكل يقدر عليها، كل حسب مجاله وفئته العمرية وجنسه.. وهناك الكثير من المجالات حتى لو بدت بسيطة فهي تسهم بشكل فعال في رفع رصيد المواطنة.

فالحفاظ على الممتلكات العامة يزيد من رصيد المواطنة.. اتباع الأنظمة المرورية يزيد من رصيد المواطنة.. التبليغ عن قضايا الفساد والمحافظة على الأمن يزيد من رصيد المواطنة.. المحافظة على لحمة الوطن والابتعاد عمن يبث الفتنة هو أيضًا يزيد من رصيد المواطنة.. والكثير من الأوجه التي ما إن تأملناها قليلاً لوجدنا أنها سهلة وبسيطة التنفيذ، ولكنها عظيمة الأثر.

من ناحية أخرى، هذه الأشياء البسيطة عندما يقل الاهتمام بها فإنها تضرُّ وتُنقص رصيد المواطنة؛ فقطعة منديل تُرمى في الشارع على بساطة الحدث تدل على مؤشر خطير، هو أن هذا الشخص لا يهمه أن يبدو وطنه نظيفًا، ولا تهمه الصورة الكبرى أن تبدو جميلة.

في الحقيقة، زيادة رصيد المواطنة موضوع محوري مهم، يستدعي الكثير من الاهتمام والمبادرات الفردية والجماعية، وقبلها المؤسسية؛ فبوجوده يزيد حب الوطن، وتزيد الغيرة عليه، ويزيد حب الدفاع عنه والموت في سبيله.

الوطن في الحقيقة دائم الإيداع والعطاء، ومع كل أبنائه، حتى مع الذين أساؤوا إليه في يوم من الأيام، مهما كان مستوى هذه الإساءة، ومهما كانت فداحتها، فإنك تجد الوطن فاتحًا ذراعيه بالصفح والعفو والجود والحنان، متجاوزًا عما أُلحق به من ضرر.. فحري بنا نحن المواطنين أن نبادله هذا الوفاء.

مجمل القول: لنكن في يومنا الوطني التاسع والثمانين عاقدين العزم على أن نكون مواطنين صالحين دائمي الإيداع في رصيد المواطنة؛ فالمملكة العربية السعودية تستحق منا الكثير. وكل عام والوطن والمواطن وما بينهما بخير.