أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!

لا أذكر يوماً أن أمي وبختني على واجبٍ لم أحلّه، ولم تعاتبني على درجةٍ منخفضةٍ في العلوم أو القواعد، ولم تلاحقني لتسمّع لي القرآن أو تهجّيني كلمات الإملاء.

ولا أذكر أنها شرحت لي المعادلات، أو أخرجت من حقيبتي دفتر الواجبات.

لم تسأل معلمتي يوماً عن منهجنا في الاختبار.. ولم تجعل أيام الامتحانات حالة طوارئ.

لم تكن تشكو من فوضى لعبي، أو توبخني للرسم على كتبي.

ومع ذلك كنت متفوقةً بفضل الله، وكنت الطالبة المثالية في الابتدائية والمتوسطة ثم في الجامعة بحمد الله.

وتخرجت من الجامعة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

وكنت إلى عهدٍ قريب أعتقد أن أمي لم تكنْ تفعل شيئاً؛ ولكني الآن أرفع لها كل القبعات، وأشكرها من كل قلبي لعل رب السماوات يجزي صنيعها؛ فكان ما فعلته عظيماً.

أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!

إنها لم تفعل شيئاً!

نعم لم تفعل شيئاً!

وذلك أصعب أمرٍ على أي أم؛ ففطرتها تقودها لتعليم أطفالها وتوجيههم بكثرة، والتدخل في تفاصيل شؤونهم ودراستهم، ونصحهم؛ بل كثرة النصح بحجة الخوف عليهم وتربيتهم ومساعدتهم.

وقد عرفت صعوبة الأمر حينما أصبحت أماً؛ فكم هو صعب أن أدع ابني يسقط أو يتعثر،

يخطئ، يتعب ويحاول؛ دون أن أتدخل وأمنعه من السقوط، ودون أن أملي عليه ما كان يجب أن يفعل، ودون أن أحل معه واجبه الصعب، أو أدرّسه الاختبار، أو أن أفرض عليه الأجمل -من وجهة نظري- في ملابسه وهندامه.

إنّ أمي بفعلها اللاشيء؛ جعلتني أتعلم كل شيء.

لقد تركت لي فرصة تعلم "الاستقلالية"، وجعلتني أفهم معنى "الإخفاق ثم النجاح"، ساعدتني بأن أصل لمرحلة "الاعتماد على النفس"، ووجهتني دون كلام "للإنجاز والإصرار والتعلم".. دفعتني بصمتٍ لا "للتفوق" فقط؛ بل "لحب العلم" أيضاً، ووجهتني بحكمتها وحزمها لأفضل الأخلاق بفضل الله وكرمه.

فعلت كل ذلك بدون إجبار، أو مقارناتٍ مدمرة ونصح متكرر، أو ملاحقة خانقة وصيدٍ للأخطاء، أو حرصٍ زائد وحماية مفرطة، أو إهمالٍ سائد، أو قلقٍ مدمر، أو تدخلٍ في شؤون المدرسة، أو التحكم في شؤوني الخاصة، أو رسم أهدافي بدلاً عني، أو التحقير من أخطائي، أو القيام بمهامي بدلاً عني.

كانت تلعب دورها كأمٍ فقط!

منحتني الحب والرعاية، وتركت لي الفرصة لأخوض غمار التعلم، وأجيد كل تلك المهارات بفضل الله ثم بفضل حرصها غير المفسد، ومتابعتها غير المقيدة، وهدوئها وإشرافها الحكيم، ودون أن تقوم بأي مهمةٍ بدلاً عني.

أيها الســادة..

إن الطفل يولد ومعه قدرات يودعها الله فيه؛ كالفضول عندما يريد أن يجرب طعم كل شيء، وحب الاستقلالية عندما يقرر أن يأكل بنفسه، والشجاعة حين ينطلق نحو القطّة أول مرة، والإصرار عندما يصرّ على صعود الدرج لوحده، والاعتماد على النفس عندما يبكي لأنه يريد أن يمشي بمفرده.

إن نحن تركناه في بيئة حاضنة لتلك القدرات سيتعلمها بجدارة بل ويتقنها، وإن كان لدينا الوعي والحكمة سنطوّرها ونستثمرها بشكل أفضل أيضاً.

ولكن ما يحدث هو:

أن تدخلات الأهل بدافع الحب والحرص والخوف تعيق كل ما سبق؛ بل وتوقفه أحياناً!

والأسوأ عندما تُحدث النتائج العكسية؛ فتنقلب الاستقلالية إلى الاعتماد على الغير! والمثابرة إلى تعثر! والإصرار إلى استسلام من الصعوبات الأولى! والشجاعة إلى ضعف وخوف! والمبادرة إلى تردد وعدم قدرة على اتخاذ أي قرار!

ثم تأتي الأم تشكو أن ابنها متعثّرٌ دراسياً، أو يخاف من كل شيء! والسبب واضح فقد كانت تحميه من كل شيء..

أو يشكو الأب من ولده بأنه يتهرب من أداء ما يُطلب منه، وأنه يخلو من حس المسؤولية؛ فلا يكلف نفسه عناء التفكير بل يركن لمتعته وحياته الخاصة!

فيكبر معه ذاك الشعور ويعتاده، وتبدأ حلقة أخرى من مشاكل العزوف عن الزواج أو عدم تحمل المسؤولية عندما يتزوج.

إنّ بعض الأهل بتدخلاتهم غير الواعية وغير الصحيحة، وبتوقيتها ونوعيتها الخاطئة؛ يفسدون النمو والتطور الطبيعي الذي وهبه الله لأطفالهم.

فيجتهدون ويتدخلون ويقومون أو يوكلون الخدم بمهامهم بدلاً عنهم؛ بحكم أنهم لن يعرفوا وما زالوا صغاراً، أو من باب مواكبة المجتمع؛ فيحيطونهم بسياج من الحماية المفرطة منذ نعومة الأظفار؛ فتلاحقه الخادمة كظله لتمنعه من اكتشاف كل شيء حتى نفسه، وهنا يبدأ اختلال التوازن للقدرات والنمو والسلوكيات؛ فيظهر العناد والاتكالية وقلة الثقة بالنفس وربما التمرد.

ساعد ابنك بالاعتماد عليه والثقة به، وتكليفه بالمهام والمسؤوليات دائماً.

توصلت بكل بساطة إلى أن التربية هي: "أن تعرف متى تتدخل، وكيف تتدخل"؛ فالتدخل في الوقت الخطأ لن يفيد، والتدخل بشكل خاطئ سيدمر الطفل، والتدخل الدائم والحماية الزئدة تجعل الطفل يكبر ليصبح شخصاً من اثنين:

ضعيفٌ اتكاليٌ وغير مسؤول، أو متمردٌ لا يحترم مَن رباه؛ بل يستقوي على لين جانبه ويستغل عطاءه اللامحدود.

خاتمة:

لا بأس إن أخطأ الطفل أو واجه صعوبة في ارتداء ملابسه أو دراسة امتحانه؛ فلسنا مسؤولين عن جعل الحياة وردية من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله؛ فليس ذلك هو الواقع..

فالواقع هو أنه يحتاج أن يخوض غمار الحياة ليتعلم أساسيات البقاء والنجاح واجتياز المصاعب؛ ابتداء من ربط الحذاء وحتى اختيار تخصصه الجامعي.

لذلك من صميم التربية أن ندعه وشأنه؛ ما لم يهدده خطرٌ واضح.. وهذا هو أنموذج التربية في القرآن في قصة آدم عليه السلام؛ فقد تركه الله سبحانه وتعالى يخطئ عندما رآه يأكل من الشجرة المحرمة، ولم يفعل شيئاً لمنعه؛ حتى يتعلم من خطئه؛ فيكون درساً له وللبشرية أجمع.

ومن صميم التربية أيضاً أن يكون تواجدنا منصباً للدعم والتشجيع والإشراف وإثراء الخبرات والاستمتاع بمشاهدتهم وهم يتعلّمون دروساً في الحياة؛ فلا يعني ما سبق أن نُهملهم؛ فهناك فرقٌ كبير بين الغفلة والتغافل، وبين التربية والحماية الزائدة.

اعلان
أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!
سبق

لا أذكر يوماً أن أمي وبختني على واجبٍ لم أحلّه، ولم تعاتبني على درجةٍ منخفضةٍ في العلوم أو القواعد، ولم تلاحقني لتسمّع لي القرآن أو تهجّيني كلمات الإملاء.

ولا أذكر أنها شرحت لي المعادلات، أو أخرجت من حقيبتي دفتر الواجبات.

لم تسأل معلمتي يوماً عن منهجنا في الاختبار.. ولم تجعل أيام الامتحانات حالة طوارئ.

لم تكن تشكو من فوضى لعبي، أو توبخني للرسم على كتبي.

ومع ذلك كنت متفوقةً بفضل الله، وكنت الطالبة المثالية في الابتدائية والمتوسطة ثم في الجامعة بحمد الله.

وتخرجت من الجامعة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

وكنت إلى عهدٍ قريب أعتقد أن أمي لم تكنْ تفعل شيئاً؛ ولكني الآن أرفع لها كل القبعات، وأشكرها من كل قلبي لعل رب السماوات يجزي صنيعها؛ فكان ما فعلته عظيماً.

أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!

إنها لم تفعل شيئاً!

نعم لم تفعل شيئاً!

وذلك أصعب أمرٍ على أي أم؛ ففطرتها تقودها لتعليم أطفالها وتوجيههم بكثرة، والتدخل في تفاصيل شؤونهم ودراستهم، ونصحهم؛ بل كثرة النصح بحجة الخوف عليهم وتربيتهم ومساعدتهم.

وقد عرفت صعوبة الأمر حينما أصبحت أماً؛ فكم هو صعب أن أدع ابني يسقط أو يتعثر،

يخطئ، يتعب ويحاول؛ دون أن أتدخل وأمنعه من السقوط، ودون أن أملي عليه ما كان يجب أن يفعل، ودون أن أحل معه واجبه الصعب، أو أدرّسه الاختبار، أو أن أفرض عليه الأجمل -من وجهة نظري- في ملابسه وهندامه.

إنّ أمي بفعلها اللاشيء؛ جعلتني أتعلم كل شيء.

لقد تركت لي فرصة تعلم "الاستقلالية"، وجعلتني أفهم معنى "الإخفاق ثم النجاح"، ساعدتني بأن أصل لمرحلة "الاعتماد على النفس"، ووجهتني دون كلام "للإنجاز والإصرار والتعلم".. دفعتني بصمتٍ لا "للتفوق" فقط؛ بل "لحب العلم" أيضاً، ووجهتني بحكمتها وحزمها لأفضل الأخلاق بفضل الله وكرمه.

فعلت كل ذلك بدون إجبار، أو مقارناتٍ مدمرة ونصح متكرر، أو ملاحقة خانقة وصيدٍ للأخطاء، أو حرصٍ زائد وحماية مفرطة، أو إهمالٍ سائد، أو قلقٍ مدمر، أو تدخلٍ في شؤون المدرسة، أو التحكم في شؤوني الخاصة، أو رسم أهدافي بدلاً عني، أو التحقير من أخطائي، أو القيام بمهامي بدلاً عني.

كانت تلعب دورها كأمٍ فقط!

منحتني الحب والرعاية، وتركت لي الفرصة لأخوض غمار التعلم، وأجيد كل تلك المهارات بفضل الله ثم بفضل حرصها غير المفسد، ومتابعتها غير المقيدة، وهدوئها وإشرافها الحكيم، ودون أن تقوم بأي مهمةٍ بدلاً عني.

أيها الســادة..

إن الطفل يولد ومعه قدرات يودعها الله فيه؛ كالفضول عندما يريد أن يجرب طعم كل شيء، وحب الاستقلالية عندما يقرر أن يأكل بنفسه، والشجاعة حين ينطلق نحو القطّة أول مرة، والإصرار عندما يصرّ على صعود الدرج لوحده، والاعتماد على النفس عندما يبكي لأنه يريد أن يمشي بمفرده.

إن نحن تركناه في بيئة حاضنة لتلك القدرات سيتعلمها بجدارة بل ويتقنها، وإن كان لدينا الوعي والحكمة سنطوّرها ونستثمرها بشكل أفضل أيضاً.

ولكن ما يحدث هو:

أن تدخلات الأهل بدافع الحب والحرص والخوف تعيق كل ما سبق؛ بل وتوقفه أحياناً!

والأسوأ عندما تُحدث النتائج العكسية؛ فتنقلب الاستقلالية إلى الاعتماد على الغير! والمثابرة إلى تعثر! والإصرار إلى استسلام من الصعوبات الأولى! والشجاعة إلى ضعف وخوف! والمبادرة إلى تردد وعدم قدرة على اتخاذ أي قرار!

ثم تأتي الأم تشكو أن ابنها متعثّرٌ دراسياً، أو يخاف من كل شيء! والسبب واضح فقد كانت تحميه من كل شيء..

أو يشكو الأب من ولده بأنه يتهرب من أداء ما يُطلب منه، وأنه يخلو من حس المسؤولية؛ فلا يكلف نفسه عناء التفكير بل يركن لمتعته وحياته الخاصة!

فيكبر معه ذاك الشعور ويعتاده، وتبدأ حلقة أخرى من مشاكل العزوف عن الزواج أو عدم تحمل المسؤولية عندما يتزوج.

إنّ بعض الأهل بتدخلاتهم غير الواعية وغير الصحيحة، وبتوقيتها ونوعيتها الخاطئة؛ يفسدون النمو والتطور الطبيعي الذي وهبه الله لأطفالهم.

فيجتهدون ويتدخلون ويقومون أو يوكلون الخدم بمهامهم بدلاً عنهم؛ بحكم أنهم لن يعرفوا وما زالوا صغاراً، أو من باب مواكبة المجتمع؛ فيحيطونهم بسياج من الحماية المفرطة منذ نعومة الأظفار؛ فتلاحقه الخادمة كظله لتمنعه من اكتشاف كل شيء حتى نفسه، وهنا يبدأ اختلال التوازن للقدرات والنمو والسلوكيات؛ فيظهر العناد والاتكالية وقلة الثقة بالنفس وربما التمرد.

ساعد ابنك بالاعتماد عليه والثقة به، وتكليفه بالمهام والمسؤوليات دائماً.

توصلت بكل بساطة إلى أن التربية هي: "أن تعرف متى تتدخل، وكيف تتدخل"؛ فالتدخل في الوقت الخطأ لن يفيد، والتدخل بشكل خاطئ سيدمر الطفل، والتدخل الدائم والحماية الزئدة تجعل الطفل يكبر ليصبح شخصاً من اثنين:

ضعيفٌ اتكاليٌ وغير مسؤول، أو متمردٌ لا يحترم مَن رباه؛ بل يستقوي على لين جانبه ويستغل عطاءه اللامحدود.

خاتمة:

لا بأس إن أخطأ الطفل أو واجه صعوبة في ارتداء ملابسه أو دراسة امتحانه؛ فلسنا مسؤولين عن جعل الحياة وردية من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله؛ فليس ذلك هو الواقع..

فالواقع هو أنه يحتاج أن يخوض غمار الحياة ليتعلم أساسيات البقاء والنجاح واجتياز المصاعب؛ ابتداء من ربط الحذاء وحتى اختيار تخصصه الجامعي.

لذلك من صميم التربية أن ندعه وشأنه؛ ما لم يهدده خطرٌ واضح.. وهذا هو أنموذج التربية في القرآن في قصة آدم عليه السلام؛ فقد تركه الله سبحانه وتعالى يخطئ عندما رآه يأكل من الشجرة المحرمة، ولم يفعل شيئاً لمنعه؛ حتى يتعلم من خطئه؛ فيكون درساً له وللبشرية أجمع.

ومن صميم التربية أيضاً أن يكون تواجدنا منصباً للدعم والتشجيع والإشراف وإثراء الخبرات والاستمتاع بمشاهدتهم وهم يتعلّمون دروساً في الحياة؛ فلا يعني ما سبق أن نُهملهم؛ فهناك فرقٌ كبير بين الغفلة والتغافل، وبين التربية والحماية الزائدة.

14 مايو 2018 - 28 شعبان 1439
11:29 AM

أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
4
3,250

لا أذكر يوماً أن أمي وبختني على واجبٍ لم أحلّه، ولم تعاتبني على درجةٍ منخفضةٍ في العلوم أو القواعد، ولم تلاحقني لتسمّع لي القرآن أو تهجّيني كلمات الإملاء.

ولا أذكر أنها شرحت لي المعادلات، أو أخرجت من حقيبتي دفتر الواجبات.

لم تسأل معلمتي يوماً عن منهجنا في الاختبار.. ولم تجعل أيام الامتحانات حالة طوارئ.

لم تكن تشكو من فوضى لعبي، أو توبخني للرسم على كتبي.

ومع ذلك كنت متفوقةً بفضل الله، وكنت الطالبة المثالية في الابتدائية والمتوسطة ثم في الجامعة بحمد الله.

وتخرجت من الجامعة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

وكنت إلى عهدٍ قريب أعتقد أن أمي لم تكنْ تفعل شيئاً؛ ولكني الآن أرفع لها كل القبعات، وأشكرها من كل قلبي لعل رب السماوات يجزي صنيعها؛ فكان ما فعلته عظيماً.

أتعلمون يا سادة ماذا فعلت أمي؟!

إنها لم تفعل شيئاً!

نعم لم تفعل شيئاً!

وذلك أصعب أمرٍ على أي أم؛ ففطرتها تقودها لتعليم أطفالها وتوجيههم بكثرة، والتدخل في تفاصيل شؤونهم ودراستهم، ونصحهم؛ بل كثرة النصح بحجة الخوف عليهم وتربيتهم ومساعدتهم.

وقد عرفت صعوبة الأمر حينما أصبحت أماً؛ فكم هو صعب أن أدع ابني يسقط أو يتعثر،

يخطئ، يتعب ويحاول؛ دون أن أتدخل وأمنعه من السقوط، ودون أن أملي عليه ما كان يجب أن يفعل، ودون أن أحل معه واجبه الصعب، أو أدرّسه الاختبار، أو أن أفرض عليه الأجمل -من وجهة نظري- في ملابسه وهندامه.

إنّ أمي بفعلها اللاشيء؛ جعلتني أتعلم كل شيء.

لقد تركت لي فرصة تعلم "الاستقلالية"، وجعلتني أفهم معنى "الإخفاق ثم النجاح"، ساعدتني بأن أصل لمرحلة "الاعتماد على النفس"، ووجهتني دون كلام "للإنجاز والإصرار والتعلم".. دفعتني بصمتٍ لا "للتفوق" فقط؛ بل "لحب العلم" أيضاً، ووجهتني بحكمتها وحزمها لأفضل الأخلاق بفضل الله وكرمه.

فعلت كل ذلك بدون إجبار، أو مقارناتٍ مدمرة ونصح متكرر، أو ملاحقة خانقة وصيدٍ للأخطاء، أو حرصٍ زائد وحماية مفرطة، أو إهمالٍ سائد، أو قلقٍ مدمر، أو تدخلٍ في شؤون المدرسة، أو التحكم في شؤوني الخاصة، أو رسم أهدافي بدلاً عني، أو التحقير من أخطائي، أو القيام بمهامي بدلاً عني.

كانت تلعب دورها كأمٍ فقط!

منحتني الحب والرعاية، وتركت لي الفرصة لأخوض غمار التعلم، وأجيد كل تلك المهارات بفضل الله ثم بفضل حرصها غير المفسد، ومتابعتها غير المقيدة، وهدوئها وإشرافها الحكيم، ودون أن تقوم بأي مهمةٍ بدلاً عني.

أيها الســادة..

إن الطفل يولد ومعه قدرات يودعها الله فيه؛ كالفضول عندما يريد أن يجرب طعم كل شيء، وحب الاستقلالية عندما يقرر أن يأكل بنفسه، والشجاعة حين ينطلق نحو القطّة أول مرة، والإصرار عندما يصرّ على صعود الدرج لوحده، والاعتماد على النفس عندما يبكي لأنه يريد أن يمشي بمفرده.

إن نحن تركناه في بيئة حاضنة لتلك القدرات سيتعلمها بجدارة بل ويتقنها، وإن كان لدينا الوعي والحكمة سنطوّرها ونستثمرها بشكل أفضل أيضاً.

ولكن ما يحدث هو:

أن تدخلات الأهل بدافع الحب والحرص والخوف تعيق كل ما سبق؛ بل وتوقفه أحياناً!

والأسوأ عندما تُحدث النتائج العكسية؛ فتنقلب الاستقلالية إلى الاعتماد على الغير! والمثابرة إلى تعثر! والإصرار إلى استسلام من الصعوبات الأولى! والشجاعة إلى ضعف وخوف! والمبادرة إلى تردد وعدم قدرة على اتخاذ أي قرار!

ثم تأتي الأم تشكو أن ابنها متعثّرٌ دراسياً، أو يخاف من كل شيء! والسبب واضح فقد كانت تحميه من كل شيء..

أو يشكو الأب من ولده بأنه يتهرب من أداء ما يُطلب منه، وأنه يخلو من حس المسؤولية؛ فلا يكلف نفسه عناء التفكير بل يركن لمتعته وحياته الخاصة!

فيكبر معه ذاك الشعور ويعتاده، وتبدأ حلقة أخرى من مشاكل العزوف عن الزواج أو عدم تحمل المسؤولية عندما يتزوج.

إنّ بعض الأهل بتدخلاتهم غير الواعية وغير الصحيحة، وبتوقيتها ونوعيتها الخاطئة؛ يفسدون النمو والتطور الطبيعي الذي وهبه الله لأطفالهم.

فيجتهدون ويتدخلون ويقومون أو يوكلون الخدم بمهامهم بدلاً عنهم؛ بحكم أنهم لن يعرفوا وما زالوا صغاراً، أو من باب مواكبة المجتمع؛ فيحيطونهم بسياج من الحماية المفرطة منذ نعومة الأظفار؛ فتلاحقه الخادمة كظله لتمنعه من اكتشاف كل شيء حتى نفسه، وهنا يبدأ اختلال التوازن للقدرات والنمو والسلوكيات؛ فيظهر العناد والاتكالية وقلة الثقة بالنفس وربما التمرد.

ساعد ابنك بالاعتماد عليه والثقة به، وتكليفه بالمهام والمسؤوليات دائماً.

توصلت بكل بساطة إلى أن التربية هي: "أن تعرف متى تتدخل، وكيف تتدخل"؛ فالتدخل في الوقت الخطأ لن يفيد، والتدخل بشكل خاطئ سيدمر الطفل، والتدخل الدائم والحماية الزئدة تجعل الطفل يكبر ليصبح شخصاً من اثنين:

ضعيفٌ اتكاليٌ وغير مسؤول، أو متمردٌ لا يحترم مَن رباه؛ بل يستقوي على لين جانبه ويستغل عطاءه اللامحدود.

خاتمة:

لا بأس إن أخطأ الطفل أو واجه صعوبة في ارتداء ملابسه أو دراسة امتحانه؛ فلسنا مسؤولين عن جعل الحياة وردية من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله؛ فليس ذلك هو الواقع..

فالواقع هو أنه يحتاج أن يخوض غمار الحياة ليتعلم أساسيات البقاء والنجاح واجتياز المصاعب؛ ابتداء من ربط الحذاء وحتى اختيار تخصصه الجامعي.

لذلك من صميم التربية أن ندعه وشأنه؛ ما لم يهدده خطرٌ واضح.. وهذا هو أنموذج التربية في القرآن في قصة آدم عليه السلام؛ فقد تركه الله سبحانه وتعالى يخطئ عندما رآه يأكل من الشجرة المحرمة، ولم يفعل شيئاً لمنعه؛ حتى يتعلم من خطئه؛ فيكون درساً له وللبشرية أجمع.

ومن صميم التربية أيضاً أن يكون تواجدنا منصباً للدعم والتشجيع والإشراف وإثراء الخبرات والاستمتاع بمشاهدتهم وهم يتعلّمون دروساً في الحياة؛ فلا يعني ما سبق أن نُهملهم؛ فهناك فرقٌ كبير بين الغفلة والتغافل، وبين التربية والحماية الزائدة.