"أرامكو" التي لا تتثاءب.. "عصا المملكة السحرية" لتنفيذ المشاريع العاجلة

محمد حضاض- سبق- جدة: بخبرة تجاوزت الثمانين ربيعاً، وسيرة هندسية ناصعة لم تخالطها الشكوك، نجحت شركة النفط العريقة "أرامكو" في الانتهاء من تنفيذ جوهرة الشرق الجديدة، مدينة الملك عبدالله الرياضية؛ لتنضم إلى باقي المشروعات الضخمة التي نجحت في تنفيذها ""أرامكو" بكل حِرَفية ودقة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من جامعة الملك عبدالله بـ"ثول" (كاوست)، ومروراً بمشاريع درء خطر سيول جدة، ووصولاً إلى "جوهرة الملاعب"، والذي سيُفتتح غداً الخميس برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
 
"أرامكو" التي باتت مضرب مثل في دقة التنفيذ، وجودة المنتج، ومع نجاحها العالمي في مجال البترول، أثبتت قدراتها الخارقة عندما كسرت طوق حصار أعمالها النفطية، وانطلقت في تحدٍّ جديد لمتابعة تنفيذ المشاريع الوطنية العملاقة، ونجحت في إدارة دفة العديد من المشروعات الوطنية باقتدار، والانتهاء منها قبل مواعيدها المفترضة؛ على عكس ما اعتاده السعوديون من وزاراتهم الخدَمية ذات المشاريع المتعثرة. 
 
فرحة كبيرة تلك التي شعر بها المجتمع الرياضي، عندما أعلن الملك عبدالله قبل عدة أعوام عن إنشاء مدينة رياضية في جدة لتساعد في تنمية الحراك الشبابي في المدينة الساحلية؛ إلا أن القلق انتاب أولئك الشباب؛ خوفاً من أن يخالطهم الشيب قبل أن يروا حلم الملعب ماثلاً أمامهم، ولعل ما هدأ مخاوف التأخير هو القرار التاريخي بأن تستلم الشركة -التي لا تتثاءب- مهام الإشراف على تنفيذ المدينة، ونجحت في ظرف عامين ونصف في تنفيذ المشروع الحلم، والذي لم يكن ملعباً رئيساً بسعة 60 ألف متفرج فقط؛ بل كان مدينة رياضية ضمّت بين جنباتها ملعباً رديفاً بسعة 20 ألف متفرج، وملعباً خارجياً مستقلاً لألعاب القوى بسعة ألف متفرج، وملاعب أخرى مختلفة، وصالة مغلقة، وقاعة متعددة الاستعمال بسعة 10 آلاف متفرج للألعاب الرياضية، ومواقف خارجية بسعة ثمانية آلاف سيارة، بالإضافة للمرافق الأخرى.
 
الحلم.. جامعة كاوست
وبالعودة بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نرى أن المهمة كانت ثقيلة، عندما أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عن مشروع مستقبلي -غير مسبوق- لإنشاء جامعة متخصصة في العلوم والتقنية، بكلفة تلامس الـ 10 مليارات ريال، وعلى مساحة تزيد على 36 مليون متر مربع في بلدة ثول (100 كلم شمالي جدة). ومنذ الإعلان عن المشروع، وضع الملك عبدالله أمانة التنفيذ في عنق "أرامكو"؛ مطالباً إياها بالإشراف الدقيق العاجل؛ فقررت القبول فوراً بالمهمة، ومنذ وضع حجر الأساس في أكتوبر عام 2007م شمّر مهندسو الشركة عن سواعدهم، وعملوا ليلاً ونهاراً، إشرافاً ومتابعة لعمل عشرات الشركات المتخصصة، وفاجأت "أرامكو" مَن حولها بأن المشروع الضخم سيتم افتتاحه في سبتمبر لعام 2009م؛ أي خلال أقل من عامين تقريباً، وهو الوقت الذي لا يكفي في العادة لإنشاء جسر خرساني في جدة.
 
سيول جدة
وتواصل "أرامكو" الإبهار في عالم المقاولات، وبعد أن تعرضت جدة لسيول هادرة عام 2009م ذهب ضحيتها 114 شخصاً، قررت الدولة تنفيذ مشاريع عاجلة لدرء خطر السيول عن المدينة التي يسكنها أكثر من 5 ملايين نسمة، وكان الحل الأنسب للإسراع في التنفيذ أن تسلّم المهمة لـ"أرامكو"؛ لعلها تكرر نجاحاتها الإشرافية السابقة؛ وذلك ما تَحقق واقعاً.
 
فبعد بدء عملها الإشرافي على مشاريع السيول العاجلة الـ 14، تعاقدت مع شركات وطنية وعالمية، وواصلت منهجها القائم على العمل اليومي المتواصل، وأعلنت الانتهاء منه في ظرف ثلاثة أشهر فقط؛ حيث كان المشروع يتواصل تنفيذه على مدار 24 ساعة يومياً، وتم تسجيل 2.4 مليون ساعة عمل دون إصابات، وشمل حفر 755 ألف متر مكعب في الشوارع، وتثبيت 18 ألف متر أنابيب أسمنتية، وتحديد 2700 نقطة تجمع للمياه في الشوارع، وإعادة سفلتة 35 ألف متر مربع من الشوارع، قبل أن تعاود "أرامكو" الإشراف على مشاريع السيول الثمانية الأخرى، التي نفّذتها 4 شركات وطنية وعالمية بقيمة تلامس 3.38 مليار ريال، وتم الانتهاء منها في الوقت المحدد؛ لتعود الطمأنينة لسكان جدة بعد الانتهاء من مشاريع السدود ودرء خطر السيول.
 
مسيرة ناجحة
هذه المسيرة المشرّفة للشركة النفطية الثمانينية الوقورة، كانت -ولا زالت- مضرب مثل في تحقيق النجاحات الواحدة تلو الأخرى منذ انطلاقتها الصعبة وحتى يومنا الحاضر، ولعل المتتبع لمسيرة شركة الزيت العربية السعودية "أرامكو" منذ بداياتها قبل ثمانية عقود، يكتشف أن النجاحات المتتالية والدقة المتناهية في أعمالها لم تكن وليدة صدفة أو مرتبطة بنجاح شخصي؛ فالشركة التي تدير احتياطات من الزيت الخام والمكثفات تبلغ 260.2 بليون برميل إلى جانب 284.8 تريليون قدم مكعبة قياسية من احتياطات الغاز، يعمل بها أكثر من 54 ألف موظف ينتمون إلى 77 دولة، وتتخذ من مدينة الظهران (شرقي المملكة) مقراً رئيساً لها، استمرت بخُطى حثيثة نحو التفوق منذ انطلاقتها؛ حيث كانت البدايات المتعثرة والمرتبطة بالبحث عن النفط في منتصف الثلاثينيات الميلادية، وكانت الشركة آنذاك أمريكية الجنسية، وتحمل اسماً آخر قَدِمت به من بلادها وهو "كاسوك".
 
ونجحت بعد خمسة أعوام من الحفر والتنقيب في اكتشاف النفط للمرة الأولى في بئر الخير؛ وتحديداً في مارس 1938م، قبل أن تواصل مهامها، وتبدأ الحكومة السعودية في دمج مواطنيها تدريجياً داخل الشركة الأمريكية، وكانت أولى بشارات سعودة الشركة، تغيير اسمها إلى "أرامكو" عام 1944م، ومن ثم شراء حصة تقدر بـ 25% من الشركة عام 1973م، وبعد أن تشرّبت الدولة المهنة، وعلّمت أبناءها على أصول التنقيب والتكرير والإدارة، نجحت في تملك الشركة بالكامل في منتصف السبعينيات الميلادية، ولا تزال "أرامكو" تواصل نجاحاتها العالمية بعقلية سعودية خالصة.
 
 
 
 

اعلان
"أرامكو" التي لا تتثاءب.. "عصا المملكة السحرية" لتنفيذ المشاريع العاجلة
سبق
محمد حضاض- سبق- جدة: بخبرة تجاوزت الثمانين ربيعاً، وسيرة هندسية ناصعة لم تخالطها الشكوك، نجحت شركة النفط العريقة "أرامكو" في الانتهاء من تنفيذ جوهرة الشرق الجديدة، مدينة الملك عبدالله الرياضية؛ لتنضم إلى باقي المشروعات الضخمة التي نجحت في تنفيذها ""أرامكو" بكل حِرَفية ودقة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من جامعة الملك عبدالله بـ"ثول" (كاوست)، ومروراً بمشاريع درء خطر سيول جدة، ووصولاً إلى "جوهرة الملاعب"، والذي سيُفتتح غداً الخميس برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
 
"أرامكو" التي باتت مضرب مثل في دقة التنفيذ، وجودة المنتج، ومع نجاحها العالمي في مجال البترول، أثبتت قدراتها الخارقة عندما كسرت طوق حصار أعمالها النفطية، وانطلقت في تحدٍّ جديد لمتابعة تنفيذ المشاريع الوطنية العملاقة، ونجحت في إدارة دفة العديد من المشروعات الوطنية باقتدار، والانتهاء منها قبل مواعيدها المفترضة؛ على عكس ما اعتاده السعوديون من وزاراتهم الخدَمية ذات المشاريع المتعثرة. 
 
فرحة كبيرة تلك التي شعر بها المجتمع الرياضي، عندما أعلن الملك عبدالله قبل عدة أعوام عن إنشاء مدينة رياضية في جدة لتساعد في تنمية الحراك الشبابي في المدينة الساحلية؛ إلا أن القلق انتاب أولئك الشباب؛ خوفاً من أن يخالطهم الشيب قبل أن يروا حلم الملعب ماثلاً أمامهم، ولعل ما هدأ مخاوف التأخير هو القرار التاريخي بأن تستلم الشركة -التي لا تتثاءب- مهام الإشراف على تنفيذ المدينة، ونجحت في ظرف عامين ونصف في تنفيذ المشروع الحلم، والذي لم يكن ملعباً رئيساً بسعة 60 ألف متفرج فقط؛ بل كان مدينة رياضية ضمّت بين جنباتها ملعباً رديفاً بسعة 20 ألف متفرج، وملعباً خارجياً مستقلاً لألعاب القوى بسعة ألف متفرج، وملاعب أخرى مختلفة، وصالة مغلقة، وقاعة متعددة الاستعمال بسعة 10 آلاف متفرج للألعاب الرياضية، ومواقف خارجية بسعة ثمانية آلاف سيارة، بالإضافة للمرافق الأخرى.
 
الحلم.. جامعة كاوست
وبالعودة بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نرى أن المهمة كانت ثقيلة، عندما أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عن مشروع مستقبلي -غير مسبوق- لإنشاء جامعة متخصصة في العلوم والتقنية، بكلفة تلامس الـ 10 مليارات ريال، وعلى مساحة تزيد على 36 مليون متر مربع في بلدة ثول (100 كلم شمالي جدة). ومنذ الإعلان عن المشروع، وضع الملك عبدالله أمانة التنفيذ في عنق "أرامكو"؛ مطالباً إياها بالإشراف الدقيق العاجل؛ فقررت القبول فوراً بالمهمة، ومنذ وضع حجر الأساس في أكتوبر عام 2007م شمّر مهندسو الشركة عن سواعدهم، وعملوا ليلاً ونهاراً، إشرافاً ومتابعة لعمل عشرات الشركات المتخصصة، وفاجأت "أرامكو" مَن حولها بأن المشروع الضخم سيتم افتتاحه في سبتمبر لعام 2009م؛ أي خلال أقل من عامين تقريباً، وهو الوقت الذي لا يكفي في العادة لإنشاء جسر خرساني في جدة.
 
سيول جدة
وتواصل "أرامكو" الإبهار في عالم المقاولات، وبعد أن تعرضت جدة لسيول هادرة عام 2009م ذهب ضحيتها 114 شخصاً، قررت الدولة تنفيذ مشاريع عاجلة لدرء خطر السيول عن المدينة التي يسكنها أكثر من 5 ملايين نسمة، وكان الحل الأنسب للإسراع في التنفيذ أن تسلّم المهمة لـ"أرامكو"؛ لعلها تكرر نجاحاتها الإشرافية السابقة؛ وذلك ما تَحقق واقعاً.
 
فبعد بدء عملها الإشرافي على مشاريع السيول العاجلة الـ 14، تعاقدت مع شركات وطنية وعالمية، وواصلت منهجها القائم على العمل اليومي المتواصل، وأعلنت الانتهاء منه في ظرف ثلاثة أشهر فقط؛ حيث كان المشروع يتواصل تنفيذه على مدار 24 ساعة يومياً، وتم تسجيل 2.4 مليون ساعة عمل دون إصابات، وشمل حفر 755 ألف متر مكعب في الشوارع، وتثبيت 18 ألف متر أنابيب أسمنتية، وتحديد 2700 نقطة تجمع للمياه في الشوارع، وإعادة سفلتة 35 ألف متر مربع من الشوارع، قبل أن تعاود "أرامكو" الإشراف على مشاريع السيول الثمانية الأخرى، التي نفّذتها 4 شركات وطنية وعالمية بقيمة تلامس 3.38 مليار ريال، وتم الانتهاء منها في الوقت المحدد؛ لتعود الطمأنينة لسكان جدة بعد الانتهاء من مشاريع السدود ودرء خطر السيول.
 
مسيرة ناجحة
هذه المسيرة المشرّفة للشركة النفطية الثمانينية الوقورة، كانت -ولا زالت- مضرب مثل في تحقيق النجاحات الواحدة تلو الأخرى منذ انطلاقتها الصعبة وحتى يومنا الحاضر، ولعل المتتبع لمسيرة شركة الزيت العربية السعودية "أرامكو" منذ بداياتها قبل ثمانية عقود، يكتشف أن النجاحات المتتالية والدقة المتناهية في أعمالها لم تكن وليدة صدفة أو مرتبطة بنجاح شخصي؛ فالشركة التي تدير احتياطات من الزيت الخام والمكثفات تبلغ 260.2 بليون برميل إلى جانب 284.8 تريليون قدم مكعبة قياسية من احتياطات الغاز، يعمل بها أكثر من 54 ألف موظف ينتمون إلى 77 دولة، وتتخذ من مدينة الظهران (شرقي المملكة) مقراً رئيساً لها، استمرت بخُطى حثيثة نحو التفوق منذ انطلاقتها؛ حيث كانت البدايات المتعثرة والمرتبطة بالبحث عن النفط في منتصف الثلاثينيات الميلادية، وكانت الشركة آنذاك أمريكية الجنسية، وتحمل اسماً آخر قَدِمت به من بلادها وهو "كاسوك".
 
ونجحت بعد خمسة أعوام من الحفر والتنقيب في اكتشاف النفط للمرة الأولى في بئر الخير؛ وتحديداً في مارس 1938م، قبل أن تواصل مهامها، وتبدأ الحكومة السعودية في دمج مواطنيها تدريجياً داخل الشركة الأمريكية، وكانت أولى بشارات سعودة الشركة، تغيير اسمها إلى "أرامكو" عام 1944م، ومن ثم شراء حصة تقدر بـ 25% من الشركة عام 1973م، وبعد أن تشرّبت الدولة المهنة، وعلّمت أبناءها على أصول التنقيب والتكرير والإدارة، نجحت في تملك الشركة بالكامل في منتصف السبعينيات الميلادية، ولا تزال "أرامكو" تواصل نجاحاتها العالمية بعقلية سعودية خالصة.
 
 
 
 
30 إبريل 2014 - 1 رجب 1435
12:01 PM

"أرامكو" التي لا تتثاءب.. "عصا المملكة السحرية" لتنفيذ المشاريع العاجلة

A A A
0
96,934

محمد حضاض- سبق- جدة: بخبرة تجاوزت الثمانين ربيعاً، وسيرة هندسية ناصعة لم تخالطها الشكوك، نجحت شركة النفط العريقة "أرامكو" في الانتهاء من تنفيذ جوهرة الشرق الجديدة، مدينة الملك عبدالله الرياضية؛ لتنضم إلى باقي المشروعات الضخمة التي نجحت في تنفيذها ""أرامكو" بكل حِرَفية ودقة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من جامعة الملك عبدالله بـ"ثول" (كاوست)، ومروراً بمشاريع درء خطر سيول جدة، ووصولاً إلى "جوهرة الملاعب"، والذي سيُفتتح غداً الخميس برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
 
"أرامكو" التي باتت مضرب مثل في دقة التنفيذ، وجودة المنتج، ومع نجاحها العالمي في مجال البترول، أثبتت قدراتها الخارقة عندما كسرت طوق حصار أعمالها النفطية، وانطلقت في تحدٍّ جديد لمتابعة تنفيذ المشاريع الوطنية العملاقة، ونجحت في إدارة دفة العديد من المشروعات الوطنية باقتدار، والانتهاء منها قبل مواعيدها المفترضة؛ على عكس ما اعتاده السعوديون من وزاراتهم الخدَمية ذات المشاريع المتعثرة. 
 
فرحة كبيرة تلك التي شعر بها المجتمع الرياضي، عندما أعلن الملك عبدالله قبل عدة أعوام عن إنشاء مدينة رياضية في جدة لتساعد في تنمية الحراك الشبابي في المدينة الساحلية؛ إلا أن القلق انتاب أولئك الشباب؛ خوفاً من أن يخالطهم الشيب قبل أن يروا حلم الملعب ماثلاً أمامهم، ولعل ما هدأ مخاوف التأخير هو القرار التاريخي بأن تستلم الشركة -التي لا تتثاءب- مهام الإشراف على تنفيذ المدينة، ونجحت في ظرف عامين ونصف في تنفيذ المشروع الحلم، والذي لم يكن ملعباً رئيساً بسعة 60 ألف متفرج فقط؛ بل كان مدينة رياضية ضمّت بين جنباتها ملعباً رديفاً بسعة 20 ألف متفرج، وملعباً خارجياً مستقلاً لألعاب القوى بسعة ألف متفرج، وملاعب أخرى مختلفة، وصالة مغلقة، وقاعة متعددة الاستعمال بسعة 10 آلاف متفرج للألعاب الرياضية، ومواقف خارجية بسعة ثمانية آلاف سيارة، بالإضافة للمرافق الأخرى.
 
الحلم.. جامعة كاوست
وبالعودة بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نرى أن المهمة كانت ثقيلة، عندما أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عن مشروع مستقبلي -غير مسبوق- لإنشاء جامعة متخصصة في العلوم والتقنية، بكلفة تلامس الـ 10 مليارات ريال، وعلى مساحة تزيد على 36 مليون متر مربع في بلدة ثول (100 كلم شمالي جدة). ومنذ الإعلان عن المشروع، وضع الملك عبدالله أمانة التنفيذ في عنق "أرامكو"؛ مطالباً إياها بالإشراف الدقيق العاجل؛ فقررت القبول فوراً بالمهمة، ومنذ وضع حجر الأساس في أكتوبر عام 2007م شمّر مهندسو الشركة عن سواعدهم، وعملوا ليلاً ونهاراً، إشرافاً ومتابعة لعمل عشرات الشركات المتخصصة، وفاجأت "أرامكو" مَن حولها بأن المشروع الضخم سيتم افتتاحه في سبتمبر لعام 2009م؛ أي خلال أقل من عامين تقريباً، وهو الوقت الذي لا يكفي في العادة لإنشاء جسر خرساني في جدة.
 
سيول جدة
وتواصل "أرامكو" الإبهار في عالم المقاولات، وبعد أن تعرضت جدة لسيول هادرة عام 2009م ذهب ضحيتها 114 شخصاً، قررت الدولة تنفيذ مشاريع عاجلة لدرء خطر السيول عن المدينة التي يسكنها أكثر من 5 ملايين نسمة، وكان الحل الأنسب للإسراع في التنفيذ أن تسلّم المهمة لـ"أرامكو"؛ لعلها تكرر نجاحاتها الإشرافية السابقة؛ وذلك ما تَحقق واقعاً.
 
فبعد بدء عملها الإشرافي على مشاريع السيول العاجلة الـ 14، تعاقدت مع شركات وطنية وعالمية، وواصلت منهجها القائم على العمل اليومي المتواصل، وأعلنت الانتهاء منه في ظرف ثلاثة أشهر فقط؛ حيث كان المشروع يتواصل تنفيذه على مدار 24 ساعة يومياً، وتم تسجيل 2.4 مليون ساعة عمل دون إصابات، وشمل حفر 755 ألف متر مكعب في الشوارع، وتثبيت 18 ألف متر أنابيب أسمنتية، وتحديد 2700 نقطة تجمع للمياه في الشوارع، وإعادة سفلتة 35 ألف متر مربع من الشوارع، قبل أن تعاود "أرامكو" الإشراف على مشاريع السيول الثمانية الأخرى، التي نفّذتها 4 شركات وطنية وعالمية بقيمة تلامس 3.38 مليار ريال، وتم الانتهاء منها في الوقت المحدد؛ لتعود الطمأنينة لسكان جدة بعد الانتهاء من مشاريع السدود ودرء خطر السيول.
 
مسيرة ناجحة
هذه المسيرة المشرّفة للشركة النفطية الثمانينية الوقورة، كانت -ولا زالت- مضرب مثل في تحقيق النجاحات الواحدة تلو الأخرى منذ انطلاقتها الصعبة وحتى يومنا الحاضر، ولعل المتتبع لمسيرة شركة الزيت العربية السعودية "أرامكو" منذ بداياتها قبل ثمانية عقود، يكتشف أن النجاحات المتتالية والدقة المتناهية في أعمالها لم تكن وليدة صدفة أو مرتبطة بنجاح شخصي؛ فالشركة التي تدير احتياطات من الزيت الخام والمكثفات تبلغ 260.2 بليون برميل إلى جانب 284.8 تريليون قدم مكعبة قياسية من احتياطات الغاز، يعمل بها أكثر من 54 ألف موظف ينتمون إلى 77 دولة، وتتخذ من مدينة الظهران (شرقي المملكة) مقراً رئيساً لها، استمرت بخُطى حثيثة نحو التفوق منذ انطلاقتها؛ حيث كانت البدايات المتعثرة والمرتبطة بالبحث عن النفط في منتصف الثلاثينيات الميلادية، وكانت الشركة آنذاك أمريكية الجنسية، وتحمل اسماً آخر قَدِمت به من بلادها وهو "كاسوك".
 
ونجحت بعد خمسة أعوام من الحفر والتنقيب في اكتشاف النفط للمرة الأولى في بئر الخير؛ وتحديداً في مارس 1938م، قبل أن تواصل مهامها، وتبدأ الحكومة السعودية في دمج مواطنيها تدريجياً داخل الشركة الأمريكية، وكانت أولى بشارات سعودة الشركة، تغيير اسمها إلى "أرامكو" عام 1944م، ومن ثم شراء حصة تقدر بـ 25% من الشركة عام 1973م، وبعد أن تشرّبت الدولة المهنة، وعلّمت أبناءها على أصول التنقيب والتكرير والإدارة، نجحت في تملك الشركة بالكامل في منتصف السبعينيات الميلادية، ولا تزال "أرامكو" تواصل نجاحاتها العالمية بعقلية سعودية خالصة.