ماكينة قهوة لإنتاج معرفة جديدة

"العلماء البارزون لا يبنون آراءهم ويبدعون نظرياتهم انطلاقاً من جمع المادة فحسب؛ وإنما بإعمال الفكر والخيال" أعجبتني هذه الجملة الاعتراضية في مقدمة الدكتور حمزة المزيني لكتاب تشومسكي "أي نوع من المخلوقات نحن"، وأقول أعجبتني؛ لأنها تعطي تصوراً لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي، من التروي في دراسة الأفكار وتحليلها ومقارنتها مع بعضها، وتصنيفها لإنتاج فكرة جديدة، ويجب أن يكون هذا هو الهاجس العلمي لدينا، وليس التركيز فقط على جمع المعلومات أو دراستها ميدانياً ثم تتبع خطوات البحث العلمي الشكلية أو دراسة قضايا كبيرة في وقت وجيز؛ فهذه كلها إما أن تكون أشياء مساعدة أو هياكل معرفية جاهزة أو أفكاراً مشتتة لا رابط بينها؛ بل جعلتها الجامعات نماذج صارمة موحدة للجميع ترفض وتقبل بسببها الأبحاث العلمية.

إن القيمة الحقيقة للبحث العلمي في النهاية؛ أن يُبدع في حل الإشكالات القائمة وعلاج المشكلات المعرفية، وليس بتوحيد صورة البحث العلمي وإجراءاته المقننة بشدة؛ فتكون توصياته في نهاية البحث كأي معلومة خالية من أي عمق معرفي أو دلالة على نتائج البحث، ويجب أن يكون الخيال مكوناً أساسياً من عناصر البحث العلمي؛ سواء في البحوث العلمية أو النظرية، وقد نُقل عن أينشتاين أنه كان يتخيل نفسه يرمي عملة نقدية وهو يهبط في مصعد، أو راكباً شعاعاً من الضوء وهو ينظر إلى الوراء في ساعة؛ وذلك قبل هذه الاكتشافات العلمية.

وغنيّ عن القول أن تهميش الخيال وإعمال الفكر في البحث؛ جاء على حساب التوسع في المعلومات والمواد الدراسية والكورسات؛ لا سيما أن الخيال أمر ذهني يصعب فيه قياس مستوى الطالب؛ لكن في الحقيقة فإن التعليم الموسوعي له مساوئه على المدى الطويل، وكما يقول "سانتياغوا رامون" الحائز على جائزة نوبل للطب عام 1906، إنه قد ينتج متحدثاً لبقاً أو كاتباً صحفياً، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف أفكار ذات قيمة علمية حقيقية؛ لأن غايته التشتت والفوضى، ولا يُخرج إلا عقولاً ضعيفة لا تقوى على التركيز والانتباه لمدة طويلة في فكرة واحدة.

إن صياغة قوانين مقاربة للواقع تكتشف من خلاله حقيقة جديدة؛ يُسهم في نمو البحث العلمي، ولعل ذلك يدعو إلى التساؤل في نهاية المقال: كيف استطاع عشرات الفلاسفة والمفكرين أن ينتجوا هذا الكم الكبير من النظريات العلمية والقوانين الطبيعية، دون أن يتقيدوا بهذا الكم الكبير من الإجراءات التي لا تنتهي.. كيف استطاع ديكارت -كما تقول كاترينا- إنتاج نظام كامل من الفلسفة وهو جالس بمفرده على المدفأة؟!

اعلان
ماكينة قهوة لإنتاج معرفة جديدة
سبق

"العلماء البارزون لا يبنون آراءهم ويبدعون نظرياتهم انطلاقاً من جمع المادة فحسب؛ وإنما بإعمال الفكر والخيال" أعجبتني هذه الجملة الاعتراضية في مقدمة الدكتور حمزة المزيني لكتاب تشومسكي "أي نوع من المخلوقات نحن"، وأقول أعجبتني؛ لأنها تعطي تصوراً لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي، من التروي في دراسة الأفكار وتحليلها ومقارنتها مع بعضها، وتصنيفها لإنتاج فكرة جديدة، ويجب أن يكون هذا هو الهاجس العلمي لدينا، وليس التركيز فقط على جمع المعلومات أو دراستها ميدانياً ثم تتبع خطوات البحث العلمي الشكلية أو دراسة قضايا كبيرة في وقت وجيز؛ فهذه كلها إما أن تكون أشياء مساعدة أو هياكل معرفية جاهزة أو أفكاراً مشتتة لا رابط بينها؛ بل جعلتها الجامعات نماذج صارمة موحدة للجميع ترفض وتقبل بسببها الأبحاث العلمية.

إن القيمة الحقيقة للبحث العلمي في النهاية؛ أن يُبدع في حل الإشكالات القائمة وعلاج المشكلات المعرفية، وليس بتوحيد صورة البحث العلمي وإجراءاته المقننة بشدة؛ فتكون توصياته في نهاية البحث كأي معلومة خالية من أي عمق معرفي أو دلالة على نتائج البحث، ويجب أن يكون الخيال مكوناً أساسياً من عناصر البحث العلمي؛ سواء في البحوث العلمية أو النظرية، وقد نُقل عن أينشتاين أنه كان يتخيل نفسه يرمي عملة نقدية وهو يهبط في مصعد، أو راكباً شعاعاً من الضوء وهو ينظر إلى الوراء في ساعة؛ وذلك قبل هذه الاكتشافات العلمية.

وغنيّ عن القول أن تهميش الخيال وإعمال الفكر في البحث؛ جاء على حساب التوسع في المعلومات والمواد الدراسية والكورسات؛ لا سيما أن الخيال أمر ذهني يصعب فيه قياس مستوى الطالب؛ لكن في الحقيقة فإن التعليم الموسوعي له مساوئه على المدى الطويل، وكما يقول "سانتياغوا رامون" الحائز على جائزة نوبل للطب عام 1906، إنه قد ينتج متحدثاً لبقاً أو كاتباً صحفياً، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف أفكار ذات قيمة علمية حقيقية؛ لأن غايته التشتت والفوضى، ولا يُخرج إلا عقولاً ضعيفة لا تقوى على التركيز والانتباه لمدة طويلة في فكرة واحدة.

إن صياغة قوانين مقاربة للواقع تكتشف من خلاله حقيقة جديدة؛ يُسهم في نمو البحث العلمي، ولعل ذلك يدعو إلى التساؤل في نهاية المقال: كيف استطاع عشرات الفلاسفة والمفكرين أن ينتجوا هذا الكم الكبير من النظريات العلمية والقوانين الطبيعية، دون أن يتقيدوا بهذا الكم الكبير من الإجراءات التي لا تنتهي.. كيف استطاع ديكارت -كما تقول كاترينا- إنتاج نظام كامل من الفلسفة وهو جالس بمفرده على المدفأة؟!

08 يوليو 2018 - 24 شوّال 1439
09:03 AM

ماكينة قهوة لإنتاج معرفة جديدة

حامد الإقبالي - الرياض
A A A
1
775

"العلماء البارزون لا يبنون آراءهم ويبدعون نظرياتهم انطلاقاً من جمع المادة فحسب؛ وإنما بإعمال الفكر والخيال" أعجبتني هذه الجملة الاعتراضية في مقدمة الدكتور حمزة المزيني لكتاب تشومسكي "أي نوع من المخلوقات نحن"، وأقول أعجبتني؛ لأنها تعطي تصوراً لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي، من التروي في دراسة الأفكار وتحليلها ومقارنتها مع بعضها، وتصنيفها لإنتاج فكرة جديدة، ويجب أن يكون هذا هو الهاجس العلمي لدينا، وليس التركيز فقط على جمع المعلومات أو دراستها ميدانياً ثم تتبع خطوات البحث العلمي الشكلية أو دراسة قضايا كبيرة في وقت وجيز؛ فهذه كلها إما أن تكون أشياء مساعدة أو هياكل معرفية جاهزة أو أفكاراً مشتتة لا رابط بينها؛ بل جعلتها الجامعات نماذج صارمة موحدة للجميع ترفض وتقبل بسببها الأبحاث العلمية.

إن القيمة الحقيقة للبحث العلمي في النهاية؛ أن يُبدع في حل الإشكالات القائمة وعلاج المشكلات المعرفية، وليس بتوحيد صورة البحث العلمي وإجراءاته المقننة بشدة؛ فتكون توصياته في نهاية البحث كأي معلومة خالية من أي عمق معرفي أو دلالة على نتائج البحث، ويجب أن يكون الخيال مكوناً أساسياً من عناصر البحث العلمي؛ سواء في البحوث العلمية أو النظرية، وقد نُقل عن أينشتاين أنه كان يتخيل نفسه يرمي عملة نقدية وهو يهبط في مصعد، أو راكباً شعاعاً من الضوء وهو ينظر إلى الوراء في ساعة؛ وذلك قبل هذه الاكتشافات العلمية.

وغنيّ عن القول أن تهميش الخيال وإعمال الفكر في البحث؛ جاء على حساب التوسع في المعلومات والمواد الدراسية والكورسات؛ لا سيما أن الخيال أمر ذهني يصعب فيه قياس مستوى الطالب؛ لكن في الحقيقة فإن التعليم الموسوعي له مساوئه على المدى الطويل، وكما يقول "سانتياغوا رامون" الحائز على جائزة نوبل للطب عام 1906، إنه قد ينتج متحدثاً لبقاً أو كاتباً صحفياً، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف أفكار ذات قيمة علمية حقيقية؛ لأن غايته التشتت والفوضى، ولا يُخرج إلا عقولاً ضعيفة لا تقوى على التركيز والانتباه لمدة طويلة في فكرة واحدة.

إن صياغة قوانين مقاربة للواقع تكتشف من خلاله حقيقة جديدة؛ يُسهم في نمو البحث العلمي، ولعل ذلك يدعو إلى التساؤل في نهاية المقال: كيف استطاع عشرات الفلاسفة والمفكرين أن ينتجوا هذا الكم الكبير من النظريات العلمية والقوانين الطبيعية، دون أن يتقيدوا بهذا الكم الكبير من الإجراءات التي لا تنتهي.. كيف استطاع ديكارت -كما تقول كاترينا- إنتاج نظام كامل من الفلسفة وهو جالس بمفرده على المدفأة؟!