التدخين في المقاهي والمطاعم.. صدام مع رؤية 2030!

أسعدتنا ثم صدمتنا أمانة الرياض بالأمس القريب بشأن خطابها الذي انتشر في منصات الإعلام الاجتماعي المتعلق بمنع التدخين الأسبوع الماضي؛ إذ تم تداول تعميم للأمانة، ينص على منع التدخين في المطاعم والمقاهي والمجمعات التجارية، ثم فوجئنا بأن الأمانة تناقض نفسها في بيان إلحاقي بأن ذلك يتعلق بحالة محددة لأحد المجمعات، ولاعتبارات محددة.

وهذا مؤشر مقلق للغاية، قد يُفهم منه فتح المجال للتدخين في تلك المواقع بما قد يخالف نظام ولائحة مكافحة التدخين؛ ما قد يكون أيضًا بوابة لفتح المجال للشيشة!! وإن صح ذلك فنحن أمام تناقض عجيب لدى الأمانة تجاه صحة المجتمع ورؤية 2030، وكذلك برنامج التحول الوطني.. وهو خلاف ما عهدنا عليه أمانة الرياض في دعمها للأنظمة والسياسات المعنية بالصحة والسلامة منذ سنين عدة.

وقبل أن أبدأ في إيضاح ذلك علينا أن نعلم أن تعاطي التبغ يكلف السعودية عشرات المليارات اقتصاديًّا، ويؤدي إلى 70 ألف وفاة سنويًّا في السعودية، وفق تصريح سابق لمعالي وزير الصحة؛ وهذا يعني 192 وفاة يوميًّا، بمعدل 8 وفيات كل ساعة. وهذا يمثل 10 أضعاف ما تسببه الحوادث المرورية من وفيات سنويًّا!!

كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قوانين منع التدخين في الأماكن العامة تقلل من التعرُّض للتدخين غير المباشر المضر بالصحة، وتساعد في الإقلاع عن التدخين، وتنقذ الأرواح، وتحد من الرعاية الصحية والتكاليف الأخرى المرتبطة باستهلاك التبغ.. فكيف لنا أن نتساهل في كل هذه المكتسبات؟!! وفي اعتقادي، إن السماح بالتدخين في تلك الأماكن كفيل بظهور متعاطين جدد؛ ومن ثم ضرب برامج مكافحة التدخين في العمق.

كما أن أكثر ما تخاف منه شركات صناعة التبغ هو قوانين منع التدخين؛ إذ تقول إنها "أكثر الأحداث خطورة على بقاء صناعة التبغ حتى الآن"، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. فهل نعي ذلك؟!!

وفي البُعد القانوني والنظامي فالسماح بتعاطي التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والمجمعات التجارية، هكذا دون شرط أو قيد، يُعد مخالفة صريحة لنظام مكافحة التدخين الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 56) ولائحته التنفيذية. فاللائحة تضع ضوابط صارمة في حال الحاجة لوضع مكان مخصص لتعاطي التبغ في الأماكن العامة التي لم ينص عليها النظام، بألا تكون مكانًا للتسلية وتقديم الأطعمة والمشروبات والخدمات فيها، وعلى أن يكون ذلك في أضيق الحدود.

كما أن ذلك يتصادم مباشرة مع موافقة خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ مؤخرًا على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لدى القطاعات الحكومية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي شق آخر فقد تثبت الأبحاث العلمية والتجارب الدولية أن منع التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والأماكن العامة أصبح أحد أهم الأنظمة للحد من تعاطي التبغ في الدول، وطبقت ذلك العديد من الدول الأوروبية وعدد من الولايات الأمريكية وغيرها من الدول على تفاوت في الضوابط والشروط.. فهل يُعقل أن تسير الدول للأمام في ذلك، ونحن نسير للخلف؟!

وعودًا إلى رؤية 2030، فقد نصت على بناء مجتمع ينعم أفراده بنمط حياة صحي، ومحيط يتيح العيش في بيئة إيجابية وجاذبة، والرقي بمستوى جودة الحياة للجميع.. والسماح بتعاطي التبغ في تلك المواقع يتصادم مع توجه الرؤية.

أما برنامج التحول الوطني فقد وضع في صلب أولوياته ومستهدفاته الصحية تحسين خدمات الصحة العامة، مع التركيز على الوقاية من التدخين.. فكيف سيستقيم ذلك مع التساهل في منع التدخين بشتى صوره في تلك الأماكن؟ ألا يمثل هذا تناقضًا عجيبًا وغريبًا؟!!

والأعجب أن يشير برنامج التحول الوطني في أهدافه ومستهدفاته لوزارة الشؤون البلدية والقروية إلى ضرورة تحسين مستوى جودة الحياة في مدن ومناطق السعودية، وتوفير بيئة حضرية محلية ذات معيشة صحية، ثم نجد توجهًا محتملاً نحو معاكسة ذلك!!

وبالأمس القريب تخطو السعودية خطوة رائدة للأمام بفرض ضريبة انتقائية على التبغ للحد من تعاطيه، فهل من الحكمة والمنطق أن نتراجع للخلف ونسمح بتعاطيه في تلك الأماكن؟ أليس هذا تناقضًا غريبًا؟!!

أما في البُعد السياسي فكون السعودية تعلن توقيعها والتزامها بالاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ، التي تطالب بتوفير الحماية من التعرُّض لدخان التبغ في الأماكن العامة المغلقة، وعند الاقتضاء الأماكن العامة الأخرى، وتبني السعودية نظام مكافحة التدخين وفقًا للاتفاقية، ثم تتراجع أمانة عاصمة السعودية عن ذلك، فقد يفهم منه عدم الامتثال للاتفاقية. كما أن ذلك - بلا شك - سيضع السعودية أمام حرج شديد تجاه المنظمات والمحافل الدولية المعنية بالصحة والبيئة.

وبعد.. فهل تلك الحقائق والمعطيات تعطي مجالاً لمجرد التفكير في التساهل في منع التدخين في الأماكن العامة؟

نحن المتخصصين في مجال تعزيز الصحة والصحة العامة نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا من أن توجُّهًا مثل ذلك يصادم التنمية الصحية في السعودية، ونتطلع من أمانة الرياض إلى بيان توضيحي، يطمئننا على صحة المجتمع، وهي التي ما فتئت تتدافع نحو ذلك.

وأجزم يقينا أن اللجنة الوطنية لمكافحة التدخين ستتحرك وفق اختصاصاتها في مواجهة ما يخل بأنظمة مكافحة التدخين. وفي المقابل، فإن جمعيات مكافحة التبغ والجمعيات الصحية العلمية مطالبة بأن تؤدي دورها، وترعى الأمانة المناطة بها في إيصال صوتها للمسؤولين وقادة المجتمع بلا تردد؛ فهم مؤتمنون على ذلك.

اعلان
التدخين في المقاهي والمطاعم.. صدام مع رؤية 2030!
سبق

أسعدتنا ثم صدمتنا أمانة الرياض بالأمس القريب بشأن خطابها الذي انتشر في منصات الإعلام الاجتماعي المتعلق بمنع التدخين الأسبوع الماضي؛ إذ تم تداول تعميم للأمانة، ينص على منع التدخين في المطاعم والمقاهي والمجمعات التجارية، ثم فوجئنا بأن الأمانة تناقض نفسها في بيان إلحاقي بأن ذلك يتعلق بحالة محددة لأحد المجمعات، ولاعتبارات محددة.

وهذا مؤشر مقلق للغاية، قد يُفهم منه فتح المجال للتدخين في تلك المواقع بما قد يخالف نظام ولائحة مكافحة التدخين؛ ما قد يكون أيضًا بوابة لفتح المجال للشيشة!! وإن صح ذلك فنحن أمام تناقض عجيب لدى الأمانة تجاه صحة المجتمع ورؤية 2030، وكذلك برنامج التحول الوطني.. وهو خلاف ما عهدنا عليه أمانة الرياض في دعمها للأنظمة والسياسات المعنية بالصحة والسلامة منذ سنين عدة.

وقبل أن أبدأ في إيضاح ذلك علينا أن نعلم أن تعاطي التبغ يكلف السعودية عشرات المليارات اقتصاديًّا، ويؤدي إلى 70 ألف وفاة سنويًّا في السعودية، وفق تصريح سابق لمعالي وزير الصحة؛ وهذا يعني 192 وفاة يوميًّا، بمعدل 8 وفيات كل ساعة. وهذا يمثل 10 أضعاف ما تسببه الحوادث المرورية من وفيات سنويًّا!!

كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قوانين منع التدخين في الأماكن العامة تقلل من التعرُّض للتدخين غير المباشر المضر بالصحة، وتساعد في الإقلاع عن التدخين، وتنقذ الأرواح، وتحد من الرعاية الصحية والتكاليف الأخرى المرتبطة باستهلاك التبغ.. فكيف لنا أن نتساهل في كل هذه المكتسبات؟!! وفي اعتقادي، إن السماح بالتدخين في تلك الأماكن كفيل بظهور متعاطين جدد؛ ومن ثم ضرب برامج مكافحة التدخين في العمق.

كما أن أكثر ما تخاف منه شركات صناعة التبغ هو قوانين منع التدخين؛ إذ تقول إنها "أكثر الأحداث خطورة على بقاء صناعة التبغ حتى الآن"، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. فهل نعي ذلك؟!!

وفي البُعد القانوني والنظامي فالسماح بتعاطي التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والمجمعات التجارية، هكذا دون شرط أو قيد، يُعد مخالفة صريحة لنظام مكافحة التدخين الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 56) ولائحته التنفيذية. فاللائحة تضع ضوابط صارمة في حال الحاجة لوضع مكان مخصص لتعاطي التبغ في الأماكن العامة التي لم ينص عليها النظام، بألا تكون مكانًا للتسلية وتقديم الأطعمة والمشروبات والخدمات فيها، وعلى أن يكون ذلك في أضيق الحدود.

كما أن ذلك يتصادم مباشرة مع موافقة خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ مؤخرًا على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لدى القطاعات الحكومية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي شق آخر فقد تثبت الأبحاث العلمية والتجارب الدولية أن منع التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والأماكن العامة أصبح أحد أهم الأنظمة للحد من تعاطي التبغ في الدول، وطبقت ذلك العديد من الدول الأوروبية وعدد من الولايات الأمريكية وغيرها من الدول على تفاوت في الضوابط والشروط.. فهل يُعقل أن تسير الدول للأمام في ذلك، ونحن نسير للخلف؟!

وعودًا إلى رؤية 2030، فقد نصت على بناء مجتمع ينعم أفراده بنمط حياة صحي، ومحيط يتيح العيش في بيئة إيجابية وجاذبة، والرقي بمستوى جودة الحياة للجميع.. والسماح بتعاطي التبغ في تلك المواقع يتصادم مع توجه الرؤية.

أما برنامج التحول الوطني فقد وضع في صلب أولوياته ومستهدفاته الصحية تحسين خدمات الصحة العامة، مع التركيز على الوقاية من التدخين.. فكيف سيستقيم ذلك مع التساهل في منع التدخين بشتى صوره في تلك الأماكن؟ ألا يمثل هذا تناقضًا عجيبًا وغريبًا؟!!

والأعجب أن يشير برنامج التحول الوطني في أهدافه ومستهدفاته لوزارة الشؤون البلدية والقروية إلى ضرورة تحسين مستوى جودة الحياة في مدن ومناطق السعودية، وتوفير بيئة حضرية محلية ذات معيشة صحية، ثم نجد توجهًا محتملاً نحو معاكسة ذلك!!

وبالأمس القريب تخطو السعودية خطوة رائدة للأمام بفرض ضريبة انتقائية على التبغ للحد من تعاطيه، فهل من الحكمة والمنطق أن نتراجع للخلف ونسمح بتعاطيه في تلك الأماكن؟ أليس هذا تناقضًا غريبًا؟!!

أما في البُعد السياسي فكون السعودية تعلن توقيعها والتزامها بالاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ، التي تطالب بتوفير الحماية من التعرُّض لدخان التبغ في الأماكن العامة المغلقة، وعند الاقتضاء الأماكن العامة الأخرى، وتبني السعودية نظام مكافحة التدخين وفقًا للاتفاقية، ثم تتراجع أمانة عاصمة السعودية عن ذلك، فقد يفهم منه عدم الامتثال للاتفاقية. كما أن ذلك - بلا شك - سيضع السعودية أمام حرج شديد تجاه المنظمات والمحافل الدولية المعنية بالصحة والبيئة.

وبعد.. فهل تلك الحقائق والمعطيات تعطي مجالاً لمجرد التفكير في التساهل في منع التدخين في الأماكن العامة؟

نحن المتخصصين في مجال تعزيز الصحة والصحة العامة نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا من أن توجُّهًا مثل ذلك يصادم التنمية الصحية في السعودية، ونتطلع من أمانة الرياض إلى بيان توضيحي، يطمئننا على صحة المجتمع، وهي التي ما فتئت تتدافع نحو ذلك.

وأجزم يقينا أن اللجنة الوطنية لمكافحة التدخين ستتحرك وفق اختصاصاتها في مواجهة ما يخل بأنظمة مكافحة التدخين. وفي المقابل، فإن جمعيات مكافحة التبغ والجمعيات الصحية العلمية مطالبة بأن تؤدي دورها، وترعى الأمانة المناطة بها في إيصال صوتها للمسؤولين وقادة المجتمع بلا تردد؛ فهم مؤتمنون على ذلك.

11 فبراير 2018 - 25 جمادى الأول 1439
11:30 PM

التدخين في المقاهي والمطاعم.. صدام مع رؤية 2030!

A A A
2
2,838

أسعدتنا ثم صدمتنا أمانة الرياض بالأمس القريب بشأن خطابها الذي انتشر في منصات الإعلام الاجتماعي المتعلق بمنع التدخين الأسبوع الماضي؛ إذ تم تداول تعميم للأمانة، ينص على منع التدخين في المطاعم والمقاهي والمجمعات التجارية، ثم فوجئنا بأن الأمانة تناقض نفسها في بيان إلحاقي بأن ذلك يتعلق بحالة محددة لأحد المجمعات، ولاعتبارات محددة.

وهذا مؤشر مقلق للغاية، قد يُفهم منه فتح المجال للتدخين في تلك المواقع بما قد يخالف نظام ولائحة مكافحة التدخين؛ ما قد يكون أيضًا بوابة لفتح المجال للشيشة!! وإن صح ذلك فنحن أمام تناقض عجيب لدى الأمانة تجاه صحة المجتمع ورؤية 2030، وكذلك برنامج التحول الوطني.. وهو خلاف ما عهدنا عليه أمانة الرياض في دعمها للأنظمة والسياسات المعنية بالصحة والسلامة منذ سنين عدة.

وقبل أن أبدأ في إيضاح ذلك علينا أن نعلم أن تعاطي التبغ يكلف السعودية عشرات المليارات اقتصاديًّا، ويؤدي إلى 70 ألف وفاة سنويًّا في السعودية، وفق تصريح سابق لمعالي وزير الصحة؛ وهذا يعني 192 وفاة يوميًّا، بمعدل 8 وفيات كل ساعة. وهذا يمثل 10 أضعاف ما تسببه الحوادث المرورية من وفيات سنويًّا!!

كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قوانين منع التدخين في الأماكن العامة تقلل من التعرُّض للتدخين غير المباشر المضر بالصحة، وتساعد في الإقلاع عن التدخين، وتنقذ الأرواح، وتحد من الرعاية الصحية والتكاليف الأخرى المرتبطة باستهلاك التبغ.. فكيف لنا أن نتساهل في كل هذه المكتسبات؟!! وفي اعتقادي، إن السماح بالتدخين في تلك الأماكن كفيل بظهور متعاطين جدد؛ ومن ثم ضرب برامج مكافحة التدخين في العمق.

كما أن أكثر ما تخاف منه شركات صناعة التبغ هو قوانين منع التدخين؛ إذ تقول إنها "أكثر الأحداث خطورة على بقاء صناعة التبغ حتى الآن"، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. فهل نعي ذلك؟!!

وفي البُعد القانوني والنظامي فالسماح بتعاطي التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والمجمعات التجارية، هكذا دون شرط أو قيد، يُعد مخالفة صريحة لنظام مكافحة التدخين الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 56) ولائحته التنفيذية. فاللائحة تضع ضوابط صارمة في حال الحاجة لوضع مكان مخصص لتعاطي التبغ في الأماكن العامة التي لم ينص عليها النظام، بألا تكون مكانًا للتسلية وتقديم الأطعمة والمشروبات والخدمات فيها، وعلى أن يكون ذلك في أضيق الحدود.

كما أن ذلك يتصادم مباشرة مع موافقة خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ مؤخرًا على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لدى القطاعات الحكومية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي شق آخر فقد تثبت الأبحاث العلمية والتجارب الدولية أن منع التدخين بشتى صوره في المقاهي والمطاعم والأماكن العامة أصبح أحد أهم الأنظمة للحد من تعاطي التبغ في الدول، وطبقت ذلك العديد من الدول الأوروبية وعدد من الولايات الأمريكية وغيرها من الدول على تفاوت في الضوابط والشروط.. فهل يُعقل أن تسير الدول للأمام في ذلك، ونحن نسير للخلف؟!

وعودًا إلى رؤية 2030، فقد نصت على بناء مجتمع ينعم أفراده بنمط حياة صحي، ومحيط يتيح العيش في بيئة إيجابية وجاذبة، والرقي بمستوى جودة الحياة للجميع.. والسماح بتعاطي التبغ في تلك المواقع يتصادم مع توجه الرؤية.

أما برنامج التحول الوطني فقد وضع في صلب أولوياته ومستهدفاته الصحية تحسين خدمات الصحة العامة، مع التركيز على الوقاية من التدخين.. فكيف سيستقيم ذلك مع التساهل في منع التدخين بشتى صوره في تلك الأماكن؟ ألا يمثل هذا تناقضًا عجيبًا وغريبًا؟!!

والأعجب أن يشير برنامج التحول الوطني في أهدافه ومستهدفاته لوزارة الشؤون البلدية والقروية إلى ضرورة تحسين مستوى جودة الحياة في مدن ومناطق السعودية، وتوفير بيئة حضرية محلية ذات معيشة صحية، ثم نجد توجهًا محتملاً نحو معاكسة ذلك!!

وبالأمس القريب تخطو السعودية خطوة رائدة للأمام بفرض ضريبة انتقائية على التبغ للحد من تعاطيه، فهل من الحكمة والمنطق أن نتراجع للخلف ونسمح بتعاطيه في تلك الأماكن؟ أليس هذا تناقضًا غريبًا؟!!

أما في البُعد السياسي فكون السعودية تعلن توقيعها والتزامها بالاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ، التي تطالب بتوفير الحماية من التعرُّض لدخان التبغ في الأماكن العامة المغلقة، وعند الاقتضاء الأماكن العامة الأخرى، وتبني السعودية نظام مكافحة التدخين وفقًا للاتفاقية، ثم تتراجع أمانة عاصمة السعودية عن ذلك، فقد يفهم منه عدم الامتثال للاتفاقية. كما أن ذلك - بلا شك - سيضع السعودية أمام حرج شديد تجاه المنظمات والمحافل الدولية المعنية بالصحة والبيئة.

وبعد.. فهل تلك الحقائق والمعطيات تعطي مجالاً لمجرد التفكير في التساهل في منع التدخين في الأماكن العامة؟

نحن المتخصصين في مجال تعزيز الصحة والصحة العامة نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا من أن توجُّهًا مثل ذلك يصادم التنمية الصحية في السعودية، ونتطلع من أمانة الرياض إلى بيان توضيحي، يطمئننا على صحة المجتمع، وهي التي ما فتئت تتدافع نحو ذلك.

وأجزم يقينا أن اللجنة الوطنية لمكافحة التدخين ستتحرك وفق اختصاصاتها في مواجهة ما يخل بأنظمة مكافحة التدخين. وفي المقابل، فإن جمعيات مكافحة التبغ والجمعيات الصحية العلمية مطالبة بأن تؤدي دورها، وترعى الأمانة المناطة بها في إيصال صوتها للمسؤولين وقادة المجتمع بلا تردد؛ فهم مؤتمنون على ذلك.