محنة قطر.. أمير مأزوم بأوهام والده.. وسياسة تحكمها عقد مرضية

عدائية متوحشة للأشقاء.. ومروق على وحدة الصف

محمد صبح

بعد أكثر من عام على تفجر الأزمة بين قطر والدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، لا يزال المروق القطري على وحدة الصف الخليجي والعربي على حاله، ولا تزال السياسة العدائية للدوحة ضد هذه الدول ماضية في مساراتها الهادفة إلى العبث بأمنها، وزعزعة استقرارها، والإخلال بتوازنات تركيباتها الاجتماعية، عبر إثارة الفتن وإيقاظ التوجهات الطائفية المدمرة، ما يدعو إلى التساؤل عن دوافع تخليق هذه التوجهات العدائية المتوحشة في سياسة قطر الخارجية في حقبة حاكميها الأخيرين، بعدما كانت تتبع سياسة تلتزم بقيم حسن الجوار، والتعاون المشترك، والتعايش السلمي، في إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي.

ازدواجية السلطة

فمحنة قطر التي تخطت حدود الأزمة إلى محنة وجودية، تعود في نشأتها وتعقدها المستمر إلى حاكمها السابق الأمير حمد بن خليفة (الأمير الوالد)، الذي أفرز استيلاؤه على الحكم بـ"انقلاب أبيض" على والده صيف عام 1995، هذه التوجهات العدائية التي تحكم السياسة القطرية منذ قرابة 23 سنة، وتسبب تحوله إلى "أمير والد" في مشكلة ازدواجية السلطة، التي تمنع التوصل إلى حلول موضوعية لأزمة الدوحة مع دول الرباعي العربي، والتعاطي مع الأسباب الحقيقية للأزمة.

فالطريقة التي اختارها للاستحواذ على السلطة، رغم أنها كانت ستؤول إليه بالانتقال الطبيعي لأنه كان ولياً للعهد في زمن والده، والفهم الخاطئ الذي فرضه على معطيات الجغرافيا السياسية لموقع قطر، أدى إلى تحول جذري حاد في توجهات سياسة قطر الخارجية، وجعلها أسيرة لثلاث عقد مزمنة هي: عقدة الحجم الصغير، وعقدة الخوف من دول الجوار، وعقدة "الانقلاب الأبيض".

إفرازات العُقد

موضوعياً ليس هناك من أسباب تبرر نشأة هذه العقد، أو تبيح تحولها إلى مرتكزات لسياسة قطر، فصغر حجم الإمارة جغرافياً وتضاؤلها سكانياً لم يعرضها لأي غزو منذ استقلالها عام 1971، كما أنها تتمتع باعتراف كل دول الجوار والعالم وتحظى بالمزايا الإستراتيجية التي يكفلها تكتل مجلس التعاون الخليجي، ولم يغير قيام الشيخ حمد بن خليفة بـ"انقلابه الأبيض" من استدامة هذه الأوضاع بعد أن قبض على زمام السلطة.

ورغم أن هذه العقد الثلاث نتاج إفراز شخصي مرضي للشيخ حمد بن خليفة، وتفتقر إلى أي دواعي في الواقع، إلا أن خطورتها تفاقمت بعد تحولها إلى محركات لصناعة القرار في الدوحة، لا سيما أن تأثيرها لم يقتصر على فترة حكم "الأمير الوالد"، بل امتد إلى حكم نجله الأمير تميم، بعد تغلغلها إلى بنية وأساليب المؤسسات القوية في قطر مثل، مؤسسة العرش التي لا يزال الأمير الوالد يسيّر من خلالها شؤون الحكم، ووزارة الخارجية التي لا تزال تعمل بالتقاليد المتوافقة مع هذه العقد، والتي أرساها وزير الخارجية الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني (شريك الأمير الوالد)، والمؤسسات الاستخبارية والأمنية.

مؤامرات ودسائس

وبدلاً من أن يلجأ الشيخ حمد بن خليفة إلى سياسات تتعاطى بإيجابية مع عقده الثلاث، وتمحو مفاعيلها السلبية في تقديراته، عبر اتباع نهج سلمي يستند إلى التعاون مع دول الجوار الخليجي والعربي فيما يعزز أمن المنطقة واستقرارها، اختار طريق التآمر والدسائس بانتهاج سياسة عدائية تقوم على التحالف مع إيران في هز أمن الدول الخليجية انطلاقاً من عداء طهران المذهبي والسياسي لها، ودعم التنظيمات الإرهابية وحركات الإسلام السياسي لقلب أنظمة الحكم في هذه الدول وإثارة الفوضى والاضطرابات فيها، ظناً منه أن إضعاف دول الجوار سيوفر الحماية لبلاده، وهو ظن خاطئ حتى في جانب تعامله مع العقد الثلاث.

ففي الوقت الذي يصعب فيه استيعاب جواز بناء نظام حكم على عقد وهمية، ليس هناك ما يبرر انحراف هذا النظام إلى حد انتهاج سياسات عدائية تجاه دول تربطه بها أواصر الأخوة والدين والثقافة والمصير المشترك، غير أن استمرار التعنت القطري بقيادة "الحمدين" في التجاوب مع مطالب دول الرباعي العربي يشير إلى أن حبل محنة قطر سيظل ممدوداً على الغارب بلا نهاية، بما قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية إضافية تفاقم من أزمات تلك الإمارة الصغيرة، وتضاعف معاناة شعبها.

اعلان
محنة قطر.. أمير مأزوم بأوهام والده.. وسياسة تحكمها عقد مرضية
سبق

محمد صبح

بعد أكثر من عام على تفجر الأزمة بين قطر والدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، لا يزال المروق القطري على وحدة الصف الخليجي والعربي على حاله، ولا تزال السياسة العدائية للدوحة ضد هذه الدول ماضية في مساراتها الهادفة إلى العبث بأمنها، وزعزعة استقرارها، والإخلال بتوازنات تركيباتها الاجتماعية، عبر إثارة الفتن وإيقاظ التوجهات الطائفية المدمرة، ما يدعو إلى التساؤل عن دوافع تخليق هذه التوجهات العدائية المتوحشة في سياسة قطر الخارجية في حقبة حاكميها الأخيرين، بعدما كانت تتبع سياسة تلتزم بقيم حسن الجوار، والتعاون المشترك، والتعايش السلمي، في إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي.

ازدواجية السلطة

فمحنة قطر التي تخطت حدود الأزمة إلى محنة وجودية، تعود في نشأتها وتعقدها المستمر إلى حاكمها السابق الأمير حمد بن خليفة (الأمير الوالد)، الذي أفرز استيلاؤه على الحكم بـ"انقلاب أبيض" على والده صيف عام 1995، هذه التوجهات العدائية التي تحكم السياسة القطرية منذ قرابة 23 سنة، وتسبب تحوله إلى "أمير والد" في مشكلة ازدواجية السلطة، التي تمنع التوصل إلى حلول موضوعية لأزمة الدوحة مع دول الرباعي العربي، والتعاطي مع الأسباب الحقيقية للأزمة.

فالطريقة التي اختارها للاستحواذ على السلطة، رغم أنها كانت ستؤول إليه بالانتقال الطبيعي لأنه كان ولياً للعهد في زمن والده، والفهم الخاطئ الذي فرضه على معطيات الجغرافيا السياسية لموقع قطر، أدى إلى تحول جذري حاد في توجهات سياسة قطر الخارجية، وجعلها أسيرة لثلاث عقد مزمنة هي: عقدة الحجم الصغير، وعقدة الخوف من دول الجوار، وعقدة "الانقلاب الأبيض".

إفرازات العُقد

موضوعياً ليس هناك من أسباب تبرر نشأة هذه العقد، أو تبيح تحولها إلى مرتكزات لسياسة قطر، فصغر حجم الإمارة جغرافياً وتضاؤلها سكانياً لم يعرضها لأي غزو منذ استقلالها عام 1971، كما أنها تتمتع باعتراف كل دول الجوار والعالم وتحظى بالمزايا الإستراتيجية التي يكفلها تكتل مجلس التعاون الخليجي، ولم يغير قيام الشيخ حمد بن خليفة بـ"انقلابه الأبيض" من استدامة هذه الأوضاع بعد أن قبض على زمام السلطة.

ورغم أن هذه العقد الثلاث نتاج إفراز شخصي مرضي للشيخ حمد بن خليفة، وتفتقر إلى أي دواعي في الواقع، إلا أن خطورتها تفاقمت بعد تحولها إلى محركات لصناعة القرار في الدوحة، لا سيما أن تأثيرها لم يقتصر على فترة حكم "الأمير الوالد"، بل امتد إلى حكم نجله الأمير تميم، بعد تغلغلها إلى بنية وأساليب المؤسسات القوية في قطر مثل، مؤسسة العرش التي لا يزال الأمير الوالد يسيّر من خلالها شؤون الحكم، ووزارة الخارجية التي لا تزال تعمل بالتقاليد المتوافقة مع هذه العقد، والتي أرساها وزير الخارجية الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني (شريك الأمير الوالد)، والمؤسسات الاستخبارية والأمنية.

مؤامرات ودسائس

وبدلاً من أن يلجأ الشيخ حمد بن خليفة إلى سياسات تتعاطى بإيجابية مع عقده الثلاث، وتمحو مفاعيلها السلبية في تقديراته، عبر اتباع نهج سلمي يستند إلى التعاون مع دول الجوار الخليجي والعربي فيما يعزز أمن المنطقة واستقرارها، اختار طريق التآمر والدسائس بانتهاج سياسة عدائية تقوم على التحالف مع إيران في هز أمن الدول الخليجية انطلاقاً من عداء طهران المذهبي والسياسي لها، ودعم التنظيمات الإرهابية وحركات الإسلام السياسي لقلب أنظمة الحكم في هذه الدول وإثارة الفوضى والاضطرابات فيها، ظناً منه أن إضعاف دول الجوار سيوفر الحماية لبلاده، وهو ظن خاطئ حتى في جانب تعامله مع العقد الثلاث.

ففي الوقت الذي يصعب فيه استيعاب جواز بناء نظام حكم على عقد وهمية، ليس هناك ما يبرر انحراف هذا النظام إلى حد انتهاج سياسات عدائية تجاه دول تربطه بها أواصر الأخوة والدين والثقافة والمصير المشترك، غير أن استمرار التعنت القطري بقيادة "الحمدين" في التجاوب مع مطالب دول الرباعي العربي يشير إلى أن حبل محنة قطر سيظل ممدوداً على الغارب بلا نهاية، بما قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية إضافية تفاقم من أزمات تلك الإمارة الصغيرة، وتضاعف معاناة شعبها.

26 يوليو 2018 - 13 ذو القعدة 1439
08:23 PM
اخر تعديل
13 أكتوبر 2018 - 4 صفر 1440
10:23 AM

محنة قطر.. أمير مأزوم بأوهام والده.. وسياسة تحكمها عقد مرضية

عدائية متوحشة للأشقاء.. ومروق على وحدة الصف

A A A
61
74,876

محمد صبح

بعد أكثر من عام على تفجر الأزمة بين قطر والدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، لا يزال المروق القطري على وحدة الصف الخليجي والعربي على حاله، ولا تزال السياسة العدائية للدوحة ضد هذه الدول ماضية في مساراتها الهادفة إلى العبث بأمنها، وزعزعة استقرارها، والإخلال بتوازنات تركيباتها الاجتماعية، عبر إثارة الفتن وإيقاظ التوجهات الطائفية المدمرة، ما يدعو إلى التساؤل عن دوافع تخليق هذه التوجهات العدائية المتوحشة في سياسة قطر الخارجية في حقبة حاكميها الأخيرين، بعدما كانت تتبع سياسة تلتزم بقيم حسن الجوار، والتعاون المشترك، والتعايش السلمي، في إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي.

ازدواجية السلطة

فمحنة قطر التي تخطت حدود الأزمة إلى محنة وجودية، تعود في نشأتها وتعقدها المستمر إلى حاكمها السابق الأمير حمد بن خليفة (الأمير الوالد)، الذي أفرز استيلاؤه على الحكم بـ"انقلاب أبيض" على والده صيف عام 1995، هذه التوجهات العدائية التي تحكم السياسة القطرية منذ قرابة 23 سنة، وتسبب تحوله إلى "أمير والد" في مشكلة ازدواجية السلطة، التي تمنع التوصل إلى حلول موضوعية لأزمة الدوحة مع دول الرباعي العربي، والتعاطي مع الأسباب الحقيقية للأزمة.

فالطريقة التي اختارها للاستحواذ على السلطة، رغم أنها كانت ستؤول إليه بالانتقال الطبيعي لأنه كان ولياً للعهد في زمن والده، والفهم الخاطئ الذي فرضه على معطيات الجغرافيا السياسية لموقع قطر، أدى إلى تحول جذري حاد في توجهات سياسة قطر الخارجية، وجعلها أسيرة لثلاث عقد مزمنة هي: عقدة الحجم الصغير، وعقدة الخوف من دول الجوار، وعقدة "الانقلاب الأبيض".

إفرازات العُقد

موضوعياً ليس هناك من أسباب تبرر نشأة هذه العقد، أو تبيح تحولها إلى مرتكزات لسياسة قطر، فصغر حجم الإمارة جغرافياً وتضاؤلها سكانياً لم يعرضها لأي غزو منذ استقلالها عام 1971، كما أنها تتمتع باعتراف كل دول الجوار والعالم وتحظى بالمزايا الإستراتيجية التي يكفلها تكتل مجلس التعاون الخليجي، ولم يغير قيام الشيخ حمد بن خليفة بـ"انقلابه الأبيض" من استدامة هذه الأوضاع بعد أن قبض على زمام السلطة.

ورغم أن هذه العقد الثلاث نتاج إفراز شخصي مرضي للشيخ حمد بن خليفة، وتفتقر إلى أي دواعي في الواقع، إلا أن خطورتها تفاقمت بعد تحولها إلى محركات لصناعة القرار في الدوحة، لا سيما أن تأثيرها لم يقتصر على فترة حكم "الأمير الوالد"، بل امتد إلى حكم نجله الأمير تميم، بعد تغلغلها إلى بنية وأساليب المؤسسات القوية في قطر مثل، مؤسسة العرش التي لا يزال الأمير الوالد يسيّر من خلالها شؤون الحكم، ووزارة الخارجية التي لا تزال تعمل بالتقاليد المتوافقة مع هذه العقد، والتي أرساها وزير الخارجية الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني (شريك الأمير الوالد)، والمؤسسات الاستخبارية والأمنية.

مؤامرات ودسائس

وبدلاً من أن يلجأ الشيخ حمد بن خليفة إلى سياسات تتعاطى بإيجابية مع عقده الثلاث، وتمحو مفاعيلها السلبية في تقديراته، عبر اتباع نهج سلمي يستند إلى التعاون مع دول الجوار الخليجي والعربي فيما يعزز أمن المنطقة واستقرارها، اختار طريق التآمر والدسائس بانتهاج سياسة عدائية تقوم على التحالف مع إيران في هز أمن الدول الخليجية انطلاقاً من عداء طهران المذهبي والسياسي لها، ودعم التنظيمات الإرهابية وحركات الإسلام السياسي لقلب أنظمة الحكم في هذه الدول وإثارة الفوضى والاضطرابات فيها، ظناً منه أن إضعاف دول الجوار سيوفر الحماية لبلاده، وهو ظن خاطئ حتى في جانب تعامله مع العقد الثلاث.

ففي الوقت الذي يصعب فيه استيعاب جواز بناء نظام حكم على عقد وهمية، ليس هناك ما يبرر انحراف هذا النظام إلى حد انتهاج سياسات عدائية تجاه دول تربطه بها أواصر الأخوة والدين والثقافة والمصير المشترك، غير أن استمرار التعنت القطري بقيادة "الحمدين" في التجاوب مع مطالب دول الرباعي العربي يشير إلى أن حبل محنة قطر سيظل ممدوداً على الغارب بلا نهاية، بما قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية إضافية تفاقم من أزمات تلك الإمارة الصغيرة، وتضاعف معاناة شعبها.