قصة ليلى التي تتكرر!

لا يزال يؤرقها، صوته الخشن يدق في جمجمتها كالمسمار! زئيره الطاغي يستحث إفاقتها، ويبدد أحلامها التي لم تبدأ بعد!
 
لم يعد يمكنها تجاهله وهو يكاد يوقظ الجيران! هرعت تخرس منبهها وهي تحاول التماسك؛ لتستعد لرحلة يومية شاقة. كان عليها أن تعد القهوة ومتطلباتها؛ فقد حان دورها البغيض؛ كونه يقدم موعد إفاقتها المعتاد.
 
 وقفت تتأمل ظلمة السماء، وما زال الوقت باكراً على طلوع الفجر. تجمدت أطرافها وهي تنتظر سيارة (الفان) التي تقلها، بعد أن تكررت تهديدات السائق، وقد نفد صبره من تأخرها الدائم.
 
ألقت ليلى نفسها على سجادة، بهت لونها وسط السيارة التي انتُزعت مقاعدها، وبدت كحجرة صغيرة، يمكن أن تكون حجرة لأي شيء إلا لسبع سيدات وفتاة؟
 
ظلت رؤوسهن تتمايل مع ارتجاج السيارة الدائم حتى توقفوا لأداء صلاة الفجر قبيل أن يتعدوا البنيان! فاحت بعدها رائحة القهوة، وقد أدارتها ليلى؛ لتطرد نعاس صويحباتها، وتدفئ أجسادهن الباردة، وقبل أن يقتحم (السائق) الطريق الترابي! ذلك يعني أن تصبح السيارة مركبة فضائية وحسب! مع أن أجسامهن اعتادت ذلك الارتجاج بالقدر الذي يسمح لهن بالحفاظ على توازن فناجينهن!
 
ومنذ أن تلوح خيوط الصبح الأولى يشعرن ببعض الارتياح وهن يقطعن الأراضي الخالية، وربما بدأت حكايا الأمس وخطط اليوم والمخاوف الآنية وأحاديث الأسى لهذا التعب اليومي منذ سنوات، بوصفهن معلمات في هجرة نائية، لم يفزن بالنقل لمدينتهن! اليوم بكت سارة كثيراً وهي تتألم لفراق طفلها المريض! وبدا نشيجها يقطع قلوبهن. وما كادت عاصفة المشاعر اللاهبة تسكن في أنفسهن تعاطفاً مع أم تتوجع لفراق صغيرها حتى بدت قصة الخوف الكبرى تلقي بمشاعر الهلع في ثنايا كلماتهن وهن يتذاكرن حادث الأمس لزميلات الهجرة المجاورة! لا شيء يخيف أكثر من حادث يمكن أن يقصم النفس أو الظهر! خاصة مع هذا السائق الذي بدا في عالم آخر، وقد غطت ستارة قديمة عالمه المفترض!
 
أحياناً يشعرن بصلابتهن ويضحكن لجسارتهن لاقتحام كل هذا، وربما تندرن على مواقف كثيرة لم يكنّ يجرؤن على احتمالها في بيوتهن الآمنة!
 
 ليلى التي كان يخفيها مواء القط صارت تمشي قرب الكلاب مثلاً! وانفجار إطار السيارة الذي كان يصيب سارة بالإغماء أصبحت توجِّه السائقين بكيفية التعامل معه!
 
ولا يمكن أن يغفلن كيفية تفادي توقُّف السيارة المفاجئ مع ما يحدثه لهن عادة من إصابات!!
 
أما الوصول فيكون مزعجاً رغم الفرح بالسلامة وهن يحاولن القيام بعد ساعات الجلوس الثلاث! ولا تسل عن دافعيتهن للعمل وحماستهن التي أهدرها السفر، وطاقاتهن التي ذبلت على الطريق! لكنهن يحاولن بالكثير من الجهد أن يقدمن أفضل ما لديهن، وينتظرن بالكثير من الأمل انتهاء معاناتهن.
 
قصة ليلى وصويحباتها تتكرر، وحالما تنتهي قصة ليلى تبدأ ليلى أخرى متحمسة ومقبلة بنشاط لافت وسعادة غامرة؛ فقد حصلت على وظيفة (ولو في آخر الدنيا)، وحين تجيء وظيفة آخر الدنيا، ويصبح الواقع حقيقة، تذبل صاحبتنا، وتعاني، ونبدأ نحن نشفق ونكتب!

اعلان
قصة ليلى التي تتكرر!
سبق
لا يزال يؤرقها، صوته الخشن يدق في جمجمتها كالمسمار! زئيره الطاغي يستحث إفاقتها، ويبدد أحلامها التي لم تبدأ بعد!
 
لم يعد يمكنها تجاهله وهو يكاد يوقظ الجيران! هرعت تخرس منبهها وهي تحاول التماسك؛ لتستعد لرحلة يومية شاقة. كان عليها أن تعد القهوة ومتطلباتها؛ فقد حان دورها البغيض؛ كونه يقدم موعد إفاقتها المعتاد.
 
 وقفت تتأمل ظلمة السماء، وما زال الوقت باكراً على طلوع الفجر. تجمدت أطرافها وهي تنتظر سيارة (الفان) التي تقلها، بعد أن تكررت تهديدات السائق، وقد نفد صبره من تأخرها الدائم.
 
ألقت ليلى نفسها على سجادة، بهت لونها وسط السيارة التي انتُزعت مقاعدها، وبدت كحجرة صغيرة، يمكن أن تكون حجرة لأي شيء إلا لسبع سيدات وفتاة؟
 
ظلت رؤوسهن تتمايل مع ارتجاج السيارة الدائم حتى توقفوا لأداء صلاة الفجر قبيل أن يتعدوا البنيان! فاحت بعدها رائحة القهوة، وقد أدارتها ليلى؛ لتطرد نعاس صويحباتها، وتدفئ أجسادهن الباردة، وقبل أن يقتحم (السائق) الطريق الترابي! ذلك يعني أن تصبح السيارة مركبة فضائية وحسب! مع أن أجسامهن اعتادت ذلك الارتجاج بالقدر الذي يسمح لهن بالحفاظ على توازن فناجينهن!
 
ومنذ أن تلوح خيوط الصبح الأولى يشعرن ببعض الارتياح وهن يقطعن الأراضي الخالية، وربما بدأت حكايا الأمس وخطط اليوم والمخاوف الآنية وأحاديث الأسى لهذا التعب اليومي منذ سنوات، بوصفهن معلمات في هجرة نائية، لم يفزن بالنقل لمدينتهن! اليوم بكت سارة كثيراً وهي تتألم لفراق طفلها المريض! وبدا نشيجها يقطع قلوبهن. وما كادت عاصفة المشاعر اللاهبة تسكن في أنفسهن تعاطفاً مع أم تتوجع لفراق صغيرها حتى بدت قصة الخوف الكبرى تلقي بمشاعر الهلع في ثنايا كلماتهن وهن يتذاكرن حادث الأمس لزميلات الهجرة المجاورة! لا شيء يخيف أكثر من حادث يمكن أن يقصم النفس أو الظهر! خاصة مع هذا السائق الذي بدا في عالم آخر، وقد غطت ستارة قديمة عالمه المفترض!
 
أحياناً يشعرن بصلابتهن ويضحكن لجسارتهن لاقتحام كل هذا، وربما تندرن على مواقف كثيرة لم يكنّ يجرؤن على احتمالها في بيوتهن الآمنة!
 
 ليلى التي كان يخفيها مواء القط صارت تمشي قرب الكلاب مثلاً! وانفجار إطار السيارة الذي كان يصيب سارة بالإغماء أصبحت توجِّه السائقين بكيفية التعامل معه!
 
ولا يمكن أن يغفلن كيفية تفادي توقُّف السيارة المفاجئ مع ما يحدثه لهن عادة من إصابات!!
 
أما الوصول فيكون مزعجاً رغم الفرح بالسلامة وهن يحاولن القيام بعد ساعات الجلوس الثلاث! ولا تسل عن دافعيتهن للعمل وحماستهن التي أهدرها السفر، وطاقاتهن التي ذبلت على الطريق! لكنهن يحاولن بالكثير من الجهد أن يقدمن أفضل ما لديهن، وينتظرن بالكثير من الأمل انتهاء معاناتهن.
 
قصة ليلى وصويحباتها تتكرر، وحالما تنتهي قصة ليلى تبدأ ليلى أخرى متحمسة ومقبلة بنشاط لافت وسعادة غامرة؛ فقد حصلت على وظيفة (ولو في آخر الدنيا)، وحين تجيء وظيفة آخر الدنيا، ويصبح الواقع حقيقة، تذبل صاحبتنا، وتعاني، ونبدأ نحن نشفق ونكتب!
29 ديسمبر 2015 - 18 ربيع الأول 1437
11:56 PM

قصة ليلى التي تتكرر!

A A A
0
1,390

لا يزال يؤرقها، صوته الخشن يدق في جمجمتها كالمسمار! زئيره الطاغي يستحث إفاقتها، ويبدد أحلامها التي لم تبدأ بعد!
 
لم يعد يمكنها تجاهله وهو يكاد يوقظ الجيران! هرعت تخرس منبهها وهي تحاول التماسك؛ لتستعد لرحلة يومية شاقة. كان عليها أن تعد القهوة ومتطلباتها؛ فقد حان دورها البغيض؛ كونه يقدم موعد إفاقتها المعتاد.
 
 وقفت تتأمل ظلمة السماء، وما زال الوقت باكراً على طلوع الفجر. تجمدت أطرافها وهي تنتظر سيارة (الفان) التي تقلها، بعد أن تكررت تهديدات السائق، وقد نفد صبره من تأخرها الدائم.
 
ألقت ليلى نفسها على سجادة، بهت لونها وسط السيارة التي انتُزعت مقاعدها، وبدت كحجرة صغيرة، يمكن أن تكون حجرة لأي شيء إلا لسبع سيدات وفتاة؟
 
ظلت رؤوسهن تتمايل مع ارتجاج السيارة الدائم حتى توقفوا لأداء صلاة الفجر قبيل أن يتعدوا البنيان! فاحت بعدها رائحة القهوة، وقد أدارتها ليلى؛ لتطرد نعاس صويحباتها، وتدفئ أجسادهن الباردة، وقبل أن يقتحم (السائق) الطريق الترابي! ذلك يعني أن تصبح السيارة مركبة فضائية وحسب! مع أن أجسامهن اعتادت ذلك الارتجاج بالقدر الذي يسمح لهن بالحفاظ على توازن فناجينهن!
 
ومنذ أن تلوح خيوط الصبح الأولى يشعرن ببعض الارتياح وهن يقطعن الأراضي الخالية، وربما بدأت حكايا الأمس وخطط اليوم والمخاوف الآنية وأحاديث الأسى لهذا التعب اليومي منذ سنوات، بوصفهن معلمات في هجرة نائية، لم يفزن بالنقل لمدينتهن! اليوم بكت سارة كثيراً وهي تتألم لفراق طفلها المريض! وبدا نشيجها يقطع قلوبهن. وما كادت عاصفة المشاعر اللاهبة تسكن في أنفسهن تعاطفاً مع أم تتوجع لفراق صغيرها حتى بدت قصة الخوف الكبرى تلقي بمشاعر الهلع في ثنايا كلماتهن وهن يتذاكرن حادث الأمس لزميلات الهجرة المجاورة! لا شيء يخيف أكثر من حادث يمكن أن يقصم النفس أو الظهر! خاصة مع هذا السائق الذي بدا في عالم آخر، وقد غطت ستارة قديمة عالمه المفترض!
 
أحياناً يشعرن بصلابتهن ويضحكن لجسارتهن لاقتحام كل هذا، وربما تندرن على مواقف كثيرة لم يكنّ يجرؤن على احتمالها في بيوتهن الآمنة!
 
 ليلى التي كان يخفيها مواء القط صارت تمشي قرب الكلاب مثلاً! وانفجار إطار السيارة الذي كان يصيب سارة بالإغماء أصبحت توجِّه السائقين بكيفية التعامل معه!
 
ولا يمكن أن يغفلن كيفية تفادي توقُّف السيارة المفاجئ مع ما يحدثه لهن عادة من إصابات!!
 
أما الوصول فيكون مزعجاً رغم الفرح بالسلامة وهن يحاولن القيام بعد ساعات الجلوس الثلاث! ولا تسل عن دافعيتهن للعمل وحماستهن التي أهدرها السفر، وطاقاتهن التي ذبلت على الطريق! لكنهن يحاولن بالكثير من الجهد أن يقدمن أفضل ما لديهن، وينتظرن بالكثير من الأمل انتهاء معاناتهن.
 
قصة ليلى وصويحباتها تتكرر، وحالما تنتهي قصة ليلى تبدأ ليلى أخرى متحمسة ومقبلة بنشاط لافت وسعادة غامرة؛ فقد حصلت على وظيفة (ولو في آخر الدنيا)، وحين تجيء وظيفة آخر الدنيا، ويصبح الواقع حقيقة، تذبل صاحبتنا، وتعاني، ونبدأ نحن نشفق ونكتب!