"خواجا": يؤسفني أن الشعراء السعوديين الشباب تسيطر عليهم العدمية لاستقائهم مرجعيتهم بمفاهيم الحداثة الغربية

في ندوة بجناح السعودية بالشارقة للكتاب: الكون أصبح لهم فضاءً موحشاً ومروعاً.. ويتحدثون عن الموت

استهلّت الأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، ندوتها المقامة في الصالون الثقافي، بالجناح السعودي بمعرض الكتاب في الشارقة، والتي جاءت بعنوان "تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، متسائلةً عن شاب عمره 19 عاماً يصدر ديواناً عنوانه "يترجل عن ظهره كخطأ كوني"؟

وتقول: لماذا شاب في سن مبكرة يعتبره خطأ وخطأ كونياً؟ حينها كانت رحلتي مع مجموعة من الشعراء الشباب، والذين وجدت عندهم ظواهر، مثل "هيمنة الموت" يتحدثون عن الموت ليس باعتباره بقدر ومصير الإنسان بل قيمة عليه في الوجود، والإنسان عليه أن يتقبلها في النهاية، والكون أصبح لهم فضاءً موحشاً ومروعاً، ومن ثم مصير الإنسان وحياته لا يرسمها إلا الموت، والإحساس بالموت ليس باعتباره هنا مصيراً يؤدي إلى حياةٍ أخرى، بل هناك إحساس عدمي، كأننا لا نصل إلى شيء، ومصير الإنسان لا شيء، نحن لا نستطيع المقاومة بالتالي نستسلم لمصيرنا، ولا وجود حتى لفكرة الخلود لا عبر الكتابة، ولا الفن، ولا حتى الوجود الإنساني.

وتؤكد الدكتورة "خواجا" أنها تتحدث عن جيل من الشعراء كانت بدايته الكتابية بعد عام 2000م، وتقول عن فئة من الشعراء لا يتجاوز أكبرهم 30 عاماً: ما لفت نظري أن هؤلاء الشعراء الشباب كنت أدرس في البداية أعمالهم الأولى، وقد أصدر بعضهم عملاً أو اثنين على الأكثر، وهناك شيء يجمع بين هؤلاء الشعراء على مستوى الثيمات أو الموضوعات التي يتناولها، وهي سمات غريبة لفتت نظري، لماذا هؤلاء الشعراء نصوصهم وكأنها خارج الزمان والمكان، ينطوون فيها على ذواتهم، وتخلصوا من دور المثقف القادر على التغيير، اختفت مركزية الإنسان وتعاليه لتصير الذات وحيدةً في مواجهة الآخر، وموجوداً ضمن الموجودات الأخرى لا قدرة لها على التغيير، ولا مصير لها غير العدمية والإحساس بالفراغ واللاجدوى.

وقالت: الكثير من الشعراء الشباب السعوديين الذين كتبوا بعد عام 2000، يشتركون في الإحساس بالعدمية، وبأن الانسان لا قيمة له، ينتج عن ذلك رغبات الفرد وحاجاته مما يعمل على زرع الاضطراب في علاقة الفرد بالمجتمع، وكل شيء يتشذر من الشخصية الفردية إلى الحياة الاجتماعية، ومن ثم الانطواء على الحياة الخاصة والفوضى التكنولوجية، وظهور الثقافات المهمشة، ورفض الفصل بين الثقافة الراقية وثقافة الجماهير.

ولفتت إلى أن جيلاً من الشباب الشعراء يعاني أزمة ما، أزمة إحساسه بالوجود، وأنه غير قادر على التعامل مع التسارعات في الحياة، فيشعر الإنسان الشاعر بأنه آلة من ضمن الآلات، أو كما يقول الشاعر أحمد العلي: الإنسان خطأ في النظام، حياته خطأ في النظام، إن مسحت بعض المعلومات من جهازها فإن حياته قد انتهت" أو كما يقول: "لست سوى نقطة حمراء في عين قمر صناع"، وهذا ما يظنه العالم، إذاً الشاعر هنا ليس قادراً على التفاعل مع البشر، ينعكس على النص الشعري في أنه نص يعيش في عالم العزلة، ألفاظ الغياب، الموت، العدم، الهزيمة، الجفاف، فهي كلها ألفاظ سلبية لا توحي بأي إحساس أو رغبة حتى في مقاومة هذا الإحساس العدمي، فيشعر الإنسان بأن التكنولوجيا تهيمن على حياته، ومن ثم أصبح جزءاً منها، وفقد قيمته الإنسانية، والنتيجة هنا في تعامله مع الأشياء المحيطة بها تساوي قيمته الإنسانية، والإنسان أصبح شيئاً من ضمن الأشياء، فمعظم النصوص لا نجد فيها القضايا الوجودية الكبرى مثل الإحساس للوطن فيها غياب لدرجة أن بعض النصوص تنسخ بعضها، يتحدثون عن مكانٍ عام وزمانٍ عام. يشبه بعضهم، حيث الإنسان المعاصر في غرفةٍ واحدة ويراقب نملة، لقد وصلت اللغة إلى درجة من البساطة إلى النثرية، وبعض النصوص فقدت حتى شاعريتها.

وتضع "خواجا" احتمالين لإحساس العدمية لدى الشعراء الشباب، حيث الاحتمال الأول: أن تكون التجربة مستقاة من تجربة غربية، والاحتمال الثاني الانفصال ما بين الإنسان والواقع والحياة، مبينةً أنَّ التلاحق السريع في التطور أدى إلى شعور الانسان وهؤلاء الشعراء بالسلبية، وللأسف بعض التجارب مكررة لا تقدم شيئاً جديداً، ولكن هناك شعراء يمتلكون الحس باللغة الشعرية، رغم إحساسهم بالعدمية والانفصال عن الحياة والكون.

وانتقد مدير الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي، "خواجا": قائلاً: سأنظر باتجاهٍ آخر إلى الكوب الممتلئ من ذلك الشعر، مفترضاً أن يكون عنوان الندوة بدلاً من "تجربة الشعراء الشباب في المملكة" أن تكون "العدمية في تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، وأن تلك الإصدارات الشعرية من أولئك المبدعين من الشباب السعودي الذين تغنّوا بالأوطان والوجدان وكثيرٌ منهم كتبوا كتابات، ولدينا نماذج لم تكتفِ بالمحلية والعربية، بل وصلت إلى العالمية.

واستشهد بالشعراء "حيدر العبدالله، وطارق الصميلي، وإياد حكمي"، حيث قال: كنا نحن معهم، ودعمتهم الملحقية الثقافية، وحصولهم على المراكز المتقدمة في مسابقة أمير الشعراء، وأيضاً علي الحازمي، الذي وصلت نصوصه إلى العالمية، وترجمت إلى الأرجنتينية وغيرها، والكثير من الشباب يتمسك بالشعر الكلاسيكي أو النثري، بجميع أهدافه.

وفي دفاعٍ على المداخلة، قالت "خواجا": لدينا شعراء نعتز بهم مثل إياد حكمي، وفكرة الإبداع موجودة وفرادة التجربة موجودة ما بين الكثير من الشعراء السعوديين، إنما ما يقلقني هو أن شباباً في عمر العشرين تسيطر عليهم العدمية، أعتقد أن مشكلتهم وواقع بعضهم تحت تأثير تجربة غربية، فهم يستقون بمفاهيم الحداثة الغربية مرجعيتهم الشعرية، وهي مرجعية غربية وليست عربية، بل انقطعوا عن أدبهم وهيمنت عليهم العولمة والتكنولوجية، وعلينا أن ننظر إصداراتهم الجديدة ونرى ماذا سيقولون بعد، والحكم على القيمة الشعرية أو الخروج من التكرار في الأعمال المقبلة.

وفي مداخلة للملحق الثقافي السعودي بدولة الإمارات الدكتور راشد الغياض، ضمن نقاشات الندوة: أقول من هو المسؤول؟ الواضح في السنوات الأخيرة عزلة كبيرة وفجوة كبيرة بين المثقف، ورجل الدين، وبين الشباب، والفجوة هذه إذا حللناها نرى الشباب الحديث لديه تصالح مع الذات ولديه مساحة من الحرية، ومسألة العدمية هو جزء من قضية هامش الحرية الكبيرة ليس لديهم انضباط كامل، أعتقد هناك مشكلة كبيرة في الجيل القادم، ليس هو قادراً على أن يعيش حياته الحالية ولا حياة آباءه وأجداده، والرؤية المستقبلية ليست واضحة لحياته، وحتى النظر لرجل الدين والمثقف نظرة سلبية للكثير من الشباب؛ فهم يرون رجل الدين والمثقف في صورة هو سيندثر في السنوات القادمة، وهنا يبرز السؤال: أين دور المؤسسات وخاصةً المؤسسات التعليمية في قضية إعادة الشباب في إطار انضباطي أخلاقي وديني في كل مؤسسات الإنسان، في ظل الغياب الموجود في الكثير من الدول، وسوف تزيد الفجوة وسيكون لدينا فقط شباب عبثي.

يُذكر أن الندوة أقيمت بالصالون الثقافي لجناح المملكة العربية السعودية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن أنشطته الثقافية، بحضور الملحق الثقافي الدكتور راشد الغياض، بعنوان: "العدم في تجربة الشعراء الشباب في المملكة" للأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، وأدار الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي.

اعلان
"خواجا": يؤسفني أن الشعراء السعوديين الشباب تسيطر عليهم العدمية لاستقائهم مرجعيتهم بمفاهيم الحداثة الغربية
سبق

استهلّت الأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، ندوتها المقامة في الصالون الثقافي، بالجناح السعودي بمعرض الكتاب في الشارقة، والتي جاءت بعنوان "تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، متسائلةً عن شاب عمره 19 عاماً يصدر ديواناً عنوانه "يترجل عن ظهره كخطأ كوني"؟

وتقول: لماذا شاب في سن مبكرة يعتبره خطأ وخطأ كونياً؟ حينها كانت رحلتي مع مجموعة من الشعراء الشباب، والذين وجدت عندهم ظواهر، مثل "هيمنة الموت" يتحدثون عن الموت ليس باعتباره بقدر ومصير الإنسان بل قيمة عليه في الوجود، والإنسان عليه أن يتقبلها في النهاية، والكون أصبح لهم فضاءً موحشاً ومروعاً، ومن ثم مصير الإنسان وحياته لا يرسمها إلا الموت، والإحساس بالموت ليس باعتباره هنا مصيراً يؤدي إلى حياةٍ أخرى، بل هناك إحساس عدمي، كأننا لا نصل إلى شيء، ومصير الإنسان لا شيء، نحن لا نستطيع المقاومة بالتالي نستسلم لمصيرنا، ولا وجود حتى لفكرة الخلود لا عبر الكتابة، ولا الفن، ولا حتى الوجود الإنساني.

وتؤكد الدكتورة "خواجا" أنها تتحدث عن جيل من الشعراء كانت بدايته الكتابية بعد عام 2000م، وتقول عن فئة من الشعراء لا يتجاوز أكبرهم 30 عاماً: ما لفت نظري أن هؤلاء الشعراء الشباب كنت أدرس في البداية أعمالهم الأولى، وقد أصدر بعضهم عملاً أو اثنين على الأكثر، وهناك شيء يجمع بين هؤلاء الشعراء على مستوى الثيمات أو الموضوعات التي يتناولها، وهي سمات غريبة لفتت نظري، لماذا هؤلاء الشعراء نصوصهم وكأنها خارج الزمان والمكان، ينطوون فيها على ذواتهم، وتخلصوا من دور المثقف القادر على التغيير، اختفت مركزية الإنسان وتعاليه لتصير الذات وحيدةً في مواجهة الآخر، وموجوداً ضمن الموجودات الأخرى لا قدرة لها على التغيير، ولا مصير لها غير العدمية والإحساس بالفراغ واللاجدوى.

وقالت: الكثير من الشعراء الشباب السعوديين الذين كتبوا بعد عام 2000، يشتركون في الإحساس بالعدمية، وبأن الانسان لا قيمة له، ينتج عن ذلك رغبات الفرد وحاجاته مما يعمل على زرع الاضطراب في علاقة الفرد بالمجتمع، وكل شيء يتشذر من الشخصية الفردية إلى الحياة الاجتماعية، ومن ثم الانطواء على الحياة الخاصة والفوضى التكنولوجية، وظهور الثقافات المهمشة، ورفض الفصل بين الثقافة الراقية وثقافة الجماهير.

ولفتت إلى أن جيلاً من الشباب الشعراء يعاني أزمة ما، أزمة إحساسه بالوجود، وأنه غير قادر على التعامل مع التسارعات في الحياة، فيشعر الإنسان الشاعر بأنه آلة من ضمن الآلات، أو كما يقول الشاعر أحمد العلي: الإنسان خطأ في النظام، حياته خطأ في النظام، إن مسحت بعض المعلومات من جهازها فإن حياته قد انتهت" أو كما يقول: "لست سوى نقطة حمراء في عين قمر صناع"، وهذا ما يظنه العالم، إذاً الشاعر هنا ليس قادراً على التفاعل مع البشر، ينعكس على النص الشعري في أنه نص يعيش في عالم العزلة، ألفاظ الغياب، الموت، العدم، الهزيمة، الجفاف، فهي كلها ألفاظ سلبية لا توحي بأي إحساس أو رغبة حتى في مقاومة هذا الإحساس العدمي، فيشعر الإنسان بأن التكنولوجيا تهيمن على حياته، ومن ثم أصبح جزءاً منها، وفقد قيمته الإنسانية، والنتيجة هنا في تعامله مع الأشياء المحيطة بها تساوي قيمته الإنسانية، والإنسان أصبح شيئاً من ضمن الأشياء، فمعظم النصوص لا نجد فيها القضايا الوجودية الكبرى مثل الإحساس للوطن فيها غياب لدرجة أن بعض النصوص تنسخ بعضها، يتحدثون عن مكانٍ عام وزمانٍ عام. يشبه بعضهم، حيث الإنسان المعاصر في غرفةٍ واحدة ويراقب نملة، لقد وصلت اللغة إلى درجة من البساطة إلى النثرية، وبعض النصوص فقدت حتى شاعريتها.

وتضع "خواجا" احتمالين لإحساس العدمية لدى الشعراء الشباب، حيث الاحتمال الأول: أن تكون التجربة مستقاة من تجربة غربية، والاحتمال الثاني الانفصال ما بين الإنسان والواقع والحياة، مبينةً أنَّ التلاحق السريع في التطور أدى إلى شعور الانسان وهؤلاء الشعراء بالسلبية، وللأسف بعض التجارب مكررة لا تقدم شيئاً جديداً، ولكن هناك شعراء يمتلكون الحس باللغة الشعرية، رغم إحساسهم بالعدمية والانفصال عن الحياة والكون.

وانتقد مدير الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي، "خواجا": قائلاً: سأنظر باتجاهٍ آخر إلى الكوب الممتلئ من ذلك الشعر، مفترضاً أن يكون عنوان الندوة بدلاً من "تجربة الشعراء الشباب في المملكة" أن تكون "العدمية في تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، وأن تلك الإصدارات الشعرية من أولئك المبدعين من الشباب السعودي الذين تغنّوا بالأوطان والوجدان وكثيرٌ منهم كتبوا كتابات، ولدينا نماذج لم تكتفِ بالمحلية والعربية، بل وصلت إلى العالمية.

واستشهد بالشعراء "حيدر العبدالله، وطارق الصميلي، وإياد حكمي"، حيث قال: كنا نحن معهم، ودعمتهم الملحقية الثقافية، وحصولهم على المراكز المتقدمة في مسابقة أمير الشعراء، وأيضاً علي الحازمي، الذي وصلت نصوصه إلى العالمية، وترجمت إلى الأرجنتينية وغيرها، والكثير من الشباب يتمسك بالشعر الكلاسيكي أو النثري، بجميع أهدافه.

وفي دفاعٍ على المداخلة، قالت "خواجا": لدينا شعراء نعتز بهم مثل إياد حكمي، وفكرة الإبداع موجودة وفرادة التجربة موجودة ما بين الكثير من الشعراء السعوديين، إنما ما يقلقني هو أن شباباً في عمر العشرين تسيطر عليهم العدمية، أعتقد أن مشكلتهم وواقع بعضهم تحت تأثير تجربة غربية، فهم يستقون بمفاهيم الحداثة الغربية مرجعيتهم الشعرية، وهي مرجعية غربية وليست عربية، بل انقطعوا عن أدبهم وهيمنت عليهم العولمة والتكنولوجية، وعلينا أن ننظر إصداراتهم الجديدة ونرى ماذا سيقولون بعد، والحكم على القيمة الشعرية أو الخروج من التكرار في الأعمال المقبلة.

وفي مداخلة للملحق الثقافي السعودي بدولة الإمارات الدكتور راشد الغياض، ضمن نقاشات الندوة: أقول من هو المسؤول؟ الواضح في السنوات الأخيرة عزلة كبيرة وفجوة كبيرة بين المثقف، ورجل الدين، وبين الشباب، والفجوة هذه إذا حللناها نرى الشباب الحديث لديه تصالح مع الذات ولديه مساحة من الحرية، ومسألة العدمية هو جزء من قضية هامش الحرية الكبيرة ليس لديهم انضباط كامل، أعتقد هناك مشكلة كبيرة في الجيل القادم، ليس هو قادراً على أن يعيش حياته الحالية ولا حياة آباءه وأجداده، والرؤية المستقبلية ليست واضحة لحياته، وحتى النظر لرجل الدين والمثقف نظرة سلبية للكثير من الشباب؛ فهم يرون رجل الدين والمثقف في صورة هو سيندثر في السنوات القادمة، وهنا يبرز السؤال: أين دور المؤسسات وخاصةً المؤسسات التعليمية في قضية إعادة الشباب في إطار انضباطي أخلاقي وديني في كل مؤسسات الإنسان، في ظل الغياب الموجود في الكثير من الدول، وسوف تزيد الفجوة وسيكون لدينا فقط شباب عبثي.

يُذكر أن الندوة أقيمت بالصالون الثقافي لجناح المملكة العربية السعودية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن أنشطته الثقافية، بحضور الملحق الثقافي الدكتور راشد الغياض، بعنوان: "العدم في تجربة الشعراء الشباب في المملكة" للأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، وأدار الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي.

07 نوفمبر 2018 - 29 صفر 1440
07:06 PM

"خواجا": يؤسفني أن الشعراء السعوديين الشباب تسيطر عليهم العدمية لاستقائهم مرجعيتهم بمفاهيم الحداثة الغربية

في ندوة بجناح السعودية بالشارقة للكتاب: الكون أصبح لهم فضاءً موحشاً ومروعاً.. ويتحدثون عن الموت

A A A
29
13,604

استهلّت الأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، ندوتها المقامة في الصالون الثقافي، بالجناح السعودي بمعرض الكتاب في الشارقة، والتي جاءت بعنوان "تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، متسائلةً عن شاب عمره 19 عاماً يصدر ديواناً عنوانه "يترجل عن ظهره كخطأ كوني"؟

وتقول: لماذا شاب في سن مبكرة يعتبره خطأ وخطأ كونياً؟ حينها كانت رحلتي مع مجموعة من الشعراء الشباب، والذين وجدت عندهم ظواهر، مثل "هيمنة الموت" يتحدثون عن الموت ليس باعتباره بقدر ومصير الإنسان بل قيمة عليه في الوجود، والإنسان عليه أن يتقبلها في النهاية، والكون أصبح لهم فضاءً موحشاً ومروعاً، ومن ثم مصير الإنسان وحياته لا يرسمها إلا الموت، والإحساس بالموت ليس باعتباره هنا مصيراً يؤدي إلى حياةٍ أخرى، بل هناك إحساس عدمي، كأننا لا نصل إلى شيء، ومصير الإنسان لا شيء، نحن لا نستطيع المقاومة بالتالي نستسلم لمصيرنا، ولا وجود حتى لفكرة الخلود لا عبر الكتابة، ولا الفن، ولا حتى الوجود الإنساني.

وتؤكد الدكتورة "خواجا" أنها تتحدث عن جيل من الشعراء كانت بدايته الكتابية بعد عام 2000م، وتقول عن فئة من الشعراء لا يتجاوز أكبرهم 30 عاماً: ما لفت نظري أن هؤلاء الشعراء الشباب كنت أدرس في البداية أعمالهم الأولى، وقد أصدر بعضهم عملاً أو اثنين على الأكثر، وهناك شيء يجمع بين هؤلاء الشعراء على مستوى الثيمات أو الموضوعات التي يتناولها، وهي سمات غريبة لفتت نظري، لماذا هؤلاء الشعراء نصوصهم وكأنها خارج الزمان والمكان، ينطوون فيها على ذواتهم، وتخلصوا من دور المثقف القادر على التغيير، اختفت مركزية الإنسان وتعاليه لتصير الذات وحيدةً في مواجهة الآخر، وموجوداً ضمن الموجودات الأخرى لا قدرة لها على التغيير، ولا مصير لها غير العدمية والإحساس بالفراغ واللاجدوى.

وقالت: الكثير من الشعراء الشباب السعوديين الذين كتبوا بعد عام 2000، يشتركون في الإحساس بالعدمية، وبأن الانسان لا قيمة له، ينتج عن ذلك رغبات الفرد وحاجاته مما يعمل على زرع الاضطراب في علاقة الفرد بالمجتمع، وكل شيء يتشذر من الشخصية الفردية إلى الحياة الاجتماعية، ومن ثم الانطواء على الحياة الخاصة والفوضى التكنولوجية، وظهور الثقافات المهمشة، ورفض الفصل بين الثقافة الراقية وثقافة الجماهير.

ولفتت إلى أن جيلاً من الشباب الشعراء يعاني أزمة ما، أزمة إحساسه بالوجود، وأنه غير قادر على التعامل مع التسارعات في الحياة، فيشعر الإنسان الشاعر بأنه آلة من ضمن الآلات، أو كما يقول الشاعر أحمد العلي: الإنسان خطأ في النظام، حياته خطأ في النظام، إن مسحت بعض المعلومات من جهازها فإن حياته قد انتهت" أو كما يقول: "لست سوى نقطة حمراء في عين قمر صناع"، وهذا ما يظنه العالم، إذاً الشاعر هنا ليس قادراً على التفاعل مع البشر، ينعكس على النص الشعري في أنه نص يعيش في عالم العزلة، ألفاظ الغياب، الموت، العدم، الهزيمة، الجفاف، فهي كلها ألفاظ سلبية لا توحي بأي إحساس أو رغبة حتى في مقاومة هذا الإحساس العدمي، فيشعر الإنسان بأن التكنولوجيا تهيمن على حياته، ومن ثم أصبح جزءاً منها، وفقد قيمته الإنسانية، والنتيجة هنا في تعامله مع الأشياء المحيطة بها تساوي قيمته الإنسانية، والإنسان أصبح شيئاً من ضمن الأشياء، فمعظم النصوص لا نجد فيها القضايا الوجودية الكبرى مثل الإحساس للوطن فيها غياب لدرجة أن بعض النصوص تنسخ بعضها، يتحدثون عن مكانٍ عام وزمانٍ عام. يشبه بعضهم، حيث الإنسان المعاصر في غرفةٍ واحدة ويراقب نملة، لقد وصلت اللغة إلى درجة من البساطة إلى النثرية، وبعض النصوص فقدت حتى شاعريتها.

وتضع "خواجا" احتمالين لإحساس العدمية لدى الشعراء الشباب، حيث الاحتمال الأول: أن تكون التجربة مستقاة من تجربة غربية، والاحتمال الثاني الانفصال ما بين الإنسان والواقع والحياة، مبينةً أنَّ التلاحق السريع في التطور أدى إلى شعور الانسان وهؤلاء الشعراء بالسلبية، وللأسف بعض التجارب مكررة لا تقدم شيئاً جديداً، ولكن هناك شعراء يمتلكون الحس باللغة الشعرية، رغم إحساسهم بالعدمية والانفصال عن الحياة والكون.

وانتقد مدير الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي، "خواجا": قائلاً: سأنظر باتجاهٍ آخر إلى الكوب الممتلئ من ذلك الشعر، مفترضاً أن يكون عنوان الندوة بدلاً من "تجربة الشعراء الشباب في المملكة" أن تكون "العدمية في تجربة الشعراء الشباب في المملكة"، وأن تلك الإصدارات الشعرية من أولئك المبدعين من الشباب السعودي الذين تغنّوا بالأوطان والوجدان وكثيرٌ منهم كتبوا كتابات، ولدينا نماذج لم تكتفِ بالمحلية والعربية، بل وصلت إلى العالمية.

واستشهد بالشعراء "حيدر العبدالله، وطارق الصميلي، وإياد حكمي"، حيث قال: كنا نحن معهم، ودعمتهم الملحقية الثقافية، وحصولهم على المراكز المتقدمة في مسابقة أمير الشعراء، وأيضاً علي الحازمي، الذي وصلت نصوصه إلى العالمية، وترجمت إلى الأرجنتينية وغيرها، والكثير من الشباب يتمسك بالشعر الكلاسيكي أو النثري، بجميع أهدافه.

وفي دفاعٍ على المداخلة، قالت "خواجا": لدينا شعراء نعتز بهم مثل إياد حكمي، وفكرة الإبداع موجودة وفرادة التجربة موجودة ما بين الكثير من الشعراء السعوديين، إنما ما يقلقني هو أن شباباً في عمر العشرين تسيطر عليهم العدمية، أعتقد أن مشكلتهم وواقع بعضهم تحت تأثير تجربة غربية، فهم يستقون بمفاهيم الحداثة الغربية مرجعيتهم الشعرية، وهي مرجعية غربية وليست عربية، بل انقطعوا عن أدبهم وهيمنت عليهم العولمة والتكنولوجية، وعلينا أن ننظر إصداراتهم الجديدة ونرى ماذا سيقولون بعد، والحكم على القيمة الشعرية أو الخروج من التكرار في الأعمال المقبلة.

وفي مداخلة للملحق الثقافي السعودي بدولة الإمارات الدكتور راشد الغياض، ضمن نقاشات الندوة: أقول من هو المسؤول؟ الواضح في السنوات الأخيرة عزلة كبيرة وفجوة كبيرة بين المثقف، ورجل الدين، وبين الشباب، والفجوة هذه إذا حللناها نرى الشباب الحديث لديه تصالح مع الذات ولديه مساحة من الحرية، ومسألة العدمية هو جزء من قضية هامش الحرية الكبيرة ليس لديهم انضباط كامل، أعتقد هناك مشكلة كبيرة في الجيل القادم، ليس هو قادراً على أن يعيش حياته الحالية ولا حياة آباءه وأجداده، والرؤية المستقبلية ليست واضحة لحياته، وحتى النظر لرجل الدين والمثقف نظرة سلبية للكثير من الشباب؛ فهم يرون رجل الدين والمثقف في صورة هو سيندثر في السنوات القادمة، وهنا يبرز السؤال: أين دور المؤسسات وخاصةً المؤسسات التعليمية في قضية إعادة الشباب في إطار انضباطي أخلاقي وديني في كل مؤسسات الإنسان، في ظل الغياب الموجود في الكثير من الدول، وسوف تزيد الفجوة وسيكون لدينا فقط شباب عبثي.

يُذكر أن الندوة أقيمت بالصالون الثقافي لجناح المملكة العربية السعودية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن أنشطته الثقافية، بحضور الملحق الثقافي الدكتور راشد الغياض، بعنوان: "العدم في تجربة الشعراء الشباب في المملكة" للأكاديمية والناقدة الدكتورة ميساء خواجا، وأدار الندوة مدير الشؤون الثقافية المشرف على أنشطة الجناح السعودي الدكتور محمد المسعودي.