طيبة أولاً.. طيبة دائماً

لا أعرف لماذا يتملكني هذا الحنين، هذا الشوق العارم العظيم؟! حين أنوي فقط أن أتجهز للرحيل فحسب، قبل أن أبدأ الخطوات الأولى باتجاه طيبة، انعطافة التاريخ، أبجديات الإسلام الأولى التي كتبها الرسول الأمين، النشأة الحقيقة لآخر الأمم، للرجال الطيبين فعلاً، النساء الطاهرات الأول، أطفال البراءة الناصعة، مجتمع الفطرة والحب والفداء.. شوق تختزله الكلمات فلا تستطيع، تستشفّه الأرواح فلا تقوى.
 
سبعة أيام في انتظار الموعد المضروب، أتلهف إلى السفر كما لم أتلهف له من قبل، كما لم يدفعني يوماً الشوق إلى مضارب القاهرة أو شواطئ ماليزيا أو ضياع الشام من قبل.. أترقب لحظة الصفر حتى أسيح في ملكوت الروح، وبهجة الروح، وقبلة الروح.. عسى أن أظفر ببضع حيوات، أو بضعة علوم، أو كلا الأمرين. 
 
عزائي في هذه الرحلة الشدو مع مجنون ليلى، قيس بن الملوح، بيد أنّ لكل منّا حبيبته، وتباينت الأهواء، والعشق واحد:
 
أحب من الأسماء ما شابه اسمها*** ووافقه أو كان منه دانيا
 
أعد الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
 
في الطريق، أتلمس ما تبقى من ظلال المدينة الزاهرة، أتفيأ هواجرها العابرة، أترفق في الدخول، أتهيب السير على الطرقات والأزقة المحاذية لمسجد المصطفى، أسترق أحاديث الصحابة الجانبية فيما بينهم، أتخيل الكلمات التاريخية للسيد الكريم، يذهب الصوت ويعود، تظهر الصورة وتختفي، وأنا أراوح بين الحياة الحقيقية التي عاشوها وتلك النسخة التي أتعايش معها.. أذهب إلى الماضي السحيق، إلى الأبنية الطينية المباركة، أتسلل لواذاً إلى مظاهرة الاستقبال العارمة للرسول الكريم، أقف وحيداً بلا أقدام، أحلق بلا أجنحة، أسبح بلا أذرعة، أراهم ولا أحد يراني: تحايا الرجال العظام، همسات النساء الخلفية، تلهُّف الأطفال الوديع، والرسول وصاحبه يطلّان على مشارف المدينة، يدلفان خائفَيْن إلى دار السلام، تحتضنهما أشجار الأراك وجذوع النخيل، تحاول أن تلتصق بالأيدي الكريمة، والأقدام المباركة، حتى أعناق الإبل تطول وتستشرف.. أغيب ساعات وربما أعواماً وأعود أدلف إليهما مجدداً من باب السلام، أطفق على الروضة المباركة، أخصف على نفسي العارية، أتلمس الشفاعة بالدعاء، وأوقف الحنين بالبكاء.. الزمن يتبعثر بين يدي وأنا أتبعثر في اللحظة، أسخر من كل ما عداها، الروح تحلق في المسجد، النفس تنكمش في بوتقة ضئيلة، الجسد يذوب في الأجساد المحشورة ويختفي.
 
مهلكة هي الكلمات التي تأتي من القلب، ليس لأن ماء القلب صادقاً فحسب، بل نادراً وباهظ الثمن، لا يعطيك حتى يأخذ أضعافه من عينيك، وقلبك، وروحك.. أخبئه لنوائب الدهر، وفجائع القدر، وغاشيات الحنين، الحنين المسكون في أعماق الذاكرة، إلى الأشياء الجميلة، والأحداث القديمة.. ولا أقسى من الحنين إلى الذين سمعت عنهم ولم ترَهُمْ، السابقين المقربين، نماذج لا تتكرر، بشهادة الحق المبين، ومن أصدق من الله حديثاً؟! تتمنى أن تعيش لحظة تاريخية صادقة بحق، ساعة أو بضع ساعات مع الحبيب، لتشاهد ناره الموراة يوماً، والمتوارية أياماً، تستمع إلى كلماته الشافية، إلى لمساته الحانية، تلك هي العافيةُ العافية، ثم لا يهم بعدها ما يحدث لك، تتلاشى، تذوب، تموت.
 
تتطلع بشغف إلى أن تعرف من أي معين تغرف رحمة أبي بكر، ومن أي قوة يستمد الفاروق صلابته، ومن أي أرض جاء عثمان بحيائه وعلي ببلاغته، والزمن يعوض الناس دائماً بالحكماء والفلاسفة والمخترعين، يموت هؤلاء ويولد أولئك، إلا الرجال، إلا ملح الأرض، إلا هذه الصحبة الخالدة، والمدينة الخالدة، والعصر الخالد أيضاً؛ لأنهم لا يولدون بل يُصنعون!

اعلان
طيبة أولاً.. طيبة دائماً
سبق
لا أعرف لماذا يتملكني هذا الحنين، هذا الشوق العارم العظيم؟! حين أنوي فقط أن أتجهز للرحيل فحسب، قبل أن أبدأ الخطوات الأولى باتجاه طيبة، انعطافة التاريخ، أبجديات الإسلام الأولى التي كتبها الرسول الأمين، النشأة الحقيقة لآخر الأمم، للرجال الطيبين فعلاً، النساء الطاهرات الأول، أطفال البراءة الناصعة، مجتمع الفطرة والحب والفداء.. شوق تختزله الكلمات فلا تستطيع، تستشفّه الأرواح فلا تقوى.
 
سبعة أيام في انتظار الموعد المضروب، أتلهف إلى السفر كما لم أتلهف له من قبل، كما لم يدفعني يوماً الشوق إلى مضارب القاهرة أو شواطئ ماليزيا أو ضياع الشام من قبل.. أترقب لحظة الصفر حتى أسيح في ملكوت الروح، وبهجة الروح، وقبلة الروح.. عسى أن أظفر ببضع حيوات، أو بضعة علوم، أو كلا الأمرين. 
 
عزائي في هذه الرحلة الشدو مع مجنون ليلى، قيس بن الملوح، بيد أنّ لكل منّا حبيبته، وتباينت الأهواء، والعشق واحد:
 
أحب من الأسماء ما شابه اسمها*** ووافقه أو كان منه دانيا
 
أعد الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
 
في الطريق، أتلمس ما تبقى من ظلال المدينة الزاهرة، أتفيأ هواجرها العابرة، أترفق في الدخول، أتهيب السير على الطرقات والأزقة المحاذية لمسجد المصطفى، أسترق أحاديث الصحابة الجانبية فيما بينهم، أتخيل الكلمات التاريخية للسيد الكريم، يذهب الصوت ويعود، تظهر الصورة وتختفي، وأنا أراوح بين الحياة الحقيقية التي عاشوها وتلك النسخة التي أتعايش معها.. أذهب إلى الماضي السحيق، إلى الأبنية الطينية المباركة، أتسلل لواذاً إلى مظاهرة الاستقبال العارمة للرسول الكريم، أقف وحيداً بلا أقدام، أحلق بلا أجنحة، أسبح بلا أذرعة، أراهم ولا أحد يراني: تحايا الرجال العظام، همسات النساء الخلفية، تلهُّف الأطفال الوديع، والرسول وصاحبه يطلّان على مشارف المدينة، يدلفان خائفَيْن إلى دار السلام، تحتضنهما أشجار الأراك وجذوع النخيل، تحاول أن تلتصق بالأيدي الكريمة، والأقدام المباركة، حتى أعناق الإبل تطول وتستشرف.. أغيب ساعات وربما أعواماً وأعود أدلف إليهما مجدداً من باب السلام، أطفق على الروضة المباركة، أخصف على نفسي العارية، أتلمس الشفاعة بالدعاء، وأوقف الحنين بالبكاء.. الزمن يتبعثر بين يدي وأنا أتبعثر في اللحظة، أسخر من كل ما عداها، الروح تحلق في المسجد، النفس تنكمش في بوتقة ضئيلة، الجسد يذوب في الأجساد المحشورة ويختفي.
 
مهلكة هي الكلمات التي تأتي من القلب، ليس لأن ماء القلب صادقاً فحسب، بل نادراً وباهظ الثمن، لا يعطيك حتى يأخذ أضعافه من عينيك، وقلبك، وروحك.. أخبئه لنوائب الدهر، وفجائع القدر، وغاشيات الحنين، الحنين المسكون في أعماق الذاكرة، إلى الأشياء الجميلة، والأحداث القديمة.. ولا أقسى من الحنين إلى الذين سمعت عنهم ولم ترَهُمْ، السابقين المقربين، نماذج لا تتكرر، بشهادة الحق المبين، ومن أصدق من الله حديثاً؟! تتمنى أن تعيش لحظة تاريخية صادقة بحق، ساعة أو بضع ساعات مع الحبيب، لتشاهد ناره الموراة يوماً، والمتوارية أياماً، تستمع إلى كلماته الشافية، إلى لمساته الحانية، تلك هي العافيةُ العافية، ثم لا يهم بعدها ما يحدث لك، تتلاشى، تذوب، تموت.
 
تتطلع بشغف إلى أن تعرف من أي معين تغرف رحمة أبي بكر، ومن أي قوة يستمد الفاروق صلابته، ومن أي أرض جاء عثمان بحيائه وعلي ببلاغته، والزمن يعوض الناس دائماً بالحكماء والفلاسفة والمخترعين، يموت هؤلاء ويولد أولئك، إلا الرجال، إلا ملح الأرض، إلا هذه الصحبة الخالدة، والمدينة الخالدة، والعصر الخالد أيضاً؛ لأنهم لا يولدون بل يُصنعون!
26 نوفمبر 2014 - 4 صفر 1436
11:32 PM

طيبة أولاً.. طيبة دائماً

A A A
0
7,936

لا أعرف لماذا يتملكني هذا الحنين، هذا الشوق العارم العظيم؟! حين أنوي فقط أن أتجهز للرحيل فحسب، قبل أن أبدأ الخطوات الأولى باتجاه طيبة، انعطافة التاريخ، أبجديات الإسلام الأولى التي كتبها الرسول الأمين، النشأة الحقيقة لآخر الأمم، للرجال الطيبين فعلاً، النساء الطاهرات الأول، أطفال البراءة الناصعة، مجتمع الفطرة والحب والفداء.. شوق تختزله الكلمات فلا تستطيع، تستشفّه الأرواح فلا تقوى.
 
سبعة أيام في انتظار الموعد المضروب، أتلهف إلى السفر كما لم أتلهف له من قبل، كما لم يدفعني يوماً الشوق إلى مضارب القاهرة أو شواطئ ماليزيا أو ضياع الشام من قبل.. أترقب لحظة الصفر حتى أسيح في ملكوت الروح، وبهجة الروح، وقبلة الروح.. عسى أن أظفر ببضع حيوات، أو بضعة علوم، أو كلا الأمرين. 
 
عزائي في هذه الرحلة الشدو مع مجنون ليلى، قيس بن الملوح، بيد أنّ لكل منّا حبيبته، وتباينت الأهواء، والعشق واحد:
 
أحب من الأسماء ما شابه اسمها*** ووافقه أو كان منه دانيا
 
أعد الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
 
في الطريق، أتلمس ما تبقى من ظلال المدينة الزاهرة، أتفيأ هواجرها العابرة، أترفق في الدخول، أتهيب السير على الطرقات والأزقة المحاذية لمسجد المصطفى، أسترق أحاديث الصحابة الجانبية فيما بينهم، أتخيل الكلمات التاريخية للسيد الكريم، يذهب الصوت ويعود، تظهر الصورة وتختفي، وأنا أراوح بين الحياة الحقيقية التي عاشوها وتلك النسخة التي أتعايش معها.. أذهب إلى الماضي السحيق، إلى الأبنية الطينية المباركة، أتسلل لواذاً إلى مظاهرة الاستقبال العارمة للرسول الكريم، أقف وحيداً بلا أقدام، أحلق بلا أجنحة، أسبح بلا أذرعة، أراهم ولا أحد يراني: تحايا الرجال العظام، همسات النساء الخلفية، تلهُّف الأطفال الوديع، والرسول وصاحبه يطلّان على مشارف المدينة، يدلفان خائفَيْن إلى دار السلام، تحتضنهما أشجار الأراك وجذوع النخيل، تحاول أن تلتصق بالأيدي الكريمة، والأقدام المباركة، حتى أعناق الإبل تطول وتستشرف.. أغيب ساعات وربما أعواماً وأعود أدلف إليهما مجدداً من باب السلام، أطفق على الروضة المباركة، أخصف على نفسي العارية، أتلمس الشفاعة بالدعاء، وأوقف الحنين بالبكاء.. الزمن يتبعثر بين يدي وأنا أتبعثر في اللحظة، أسخر من كل ما عداها، الروح تحلق في المسجد، النفس تنكمش في بوتقة ضئيلة، الجسد يذوب في الأجساد المحشورة ويختفي.
 
مهلكة هي الكلمات التي تأتي من القلب، ليس لأن ماء القلب صادقاً فحسب، بل نادراً وباهظ الثمن، لا يعطيك حتى يأخذ أضعافه من عينيك، وقلبك، وروحك.. أخبئه لنوائب الدهر، وفجائع القدر، وغاشيات الحنين، الحنين المسكون في أعماق الذاكرة، إلى الأشياء الجميلة، والأحداث القديمة.. ولا أقسى من الحنين إلى الذين سمعت عنهم ولم ترَهُمْ، السابقين المقربين، نماذج لا تتكرر، بشهادة الحق المبين، ومن أصدق من الله حديثاً؟! تتمنى أن تعيش لحظة تاريخية صادقة بحق، ساعة أو بضع ساعات مع الحبيب، لتشاهد ناره الموراة يوماً، والمتوارية أياماً، تستمع إلى كلماته الشافية، إلى لمساته الحانية، تلك هي العافيةُ العافية، ثم لا يهم بعدها ما يحدث لك، تتلاشى، تذوب، تموت.
 
تتطلع بشغف إلى أن تعرف من أي معين تغرف رحمة أبي بكر، ومن أي قوة يستمد الفاروق صلابته، ومن أي أرض جاء عثمان بحيائه وعلي ببلاغته، والزمن يعوض الناس دائماً بالحكماء والفلاسفة والمخترعين، يموت هؤلاء ويولد أولئك، إلا الرجال، إلا ملح الأرض، إلا هذه الصحبة الخالدة، والمدينة الخالدة، والعصر الخالد أيضاً؛ لأنهم لا يولدون بل يُصنعون!