حين يخدم المال الرسالة

مقال رأي

عبدالمحسن محمد الحارثي

2026-07-17T10:01:49.502Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يوضح أن مصطلح «القطاع غير الربحي» لا يعني غياب الأرباح أو الاستثمار، بل يعني أن العوائد لا تُوزَّع على أفراد أو مساهمين، وإنما تُعاد استثمارها داخل الكيان لتعظيم الأثر وخدمة المجتمع. ويؤكد أن تنويع مصادر الدخل والاستثمار المشروع يُعدّان ضرورة لاستدامة هذا القطاع مع الحفاظ على هويته ورسالة الع…

ليست كل الإشكالات التي تواجه القطاعات التنموية مرتبطة بالموارد أو الأنظمة.. فبعضها يبدأ من المصطلحات نفسها ؛ لأن الكلمات لا تكتفي بوصف الواقع، بل تصنع صورة ذهنية عنه، وقد تقود أحيانًا إلى فهمٍ لا ينسجم مع الحقيقة.

ولعل مصطلح «القطاع غير الربحي» من أكثر المصطلحات التي تحتاج إلى إعادة قراءة؛ فقد ترسخ لدى البعض أن هذا القطاع لا يحقق عوائد، ولا يمارس الاستثمار، ولا ينبغي أن يمتلك فوائض مالية، وكأن عدم الربحية تعني غياب القدرة على النمو والاستدامة.

وهنا يكمن التشوه في المفهوم ؛ فالقطاع غير الربحي لا يعني قطاعًا بلا أرباح، وإنما يعني أن العوائد لا تُوزع على أفراد أو مساهمين، بل تُعاد استثمارها داخل الكيان لتحقيق الرسالة التي أُنشئ من أجلها. فالفرق الحقيقي بين القطاع الربحي والقطاع غير الربحي ليس في وجود العائد، وإنما في وجهة العائد ؛ فالقطاع الربحي يجعل الاستثمار طريقًا لتحقيق منفعة تعود إلى المساهمين، أما القطاع غير الربحي فيجعل الاستثمار وسيلة لتعظيم الأثر وخدمة المجتمع.

ومن هنا ؛ فإن الاستثمار ليس مفهومًا خاصًا بالقطاع الربحي، بل هو أداة تنموية يمكن للقطاع غير الربحي أن يوظفها وفق هويته وأهدافه ؛ فالمؤسسة التي تستثمر في أصولها، أو تنمي مواردها، أو تبني شراكاتها ؛ لا تبتعد عن رسالتها، بل تعزز قدرتها على الوفاء بها.

لقد نظر الإسلام إلى المال باعتباره وسيلة لإقامة المصالح، لا غاية منفصلة عنها، فالعبرة ليست بامتلاك المال، وإنما بحسن توظيفه واتساع نفعه.

ومن أبلغ الشواهد على ذلك نظام الوقف في الحضارة الإسلامية؛ حيث تحول المال من عطاء مؤقت إلى مورد مستدام، ومن مبادرة فردية إلى أثر ممتد يخدم المجتمع عبر الأجيال.

وهذه هي فلسفة الاستدامة التي يحتاجها القطاع غير الربحي اليوم؛ فالرسالة العظيمة لا يكفي أن تبدأ بنية صادقة، بل تحتاج إلى موارد قادرة على حملها، وإدارة رشيدة تحافظ على استمرارها.

ومن هنا ؛ فإن تنويع مصادر الدخل ليس خروجًا عن طبيعة القطاع، بل ضرورة لحمايته..فالاعتماد على مورد واحد يجعل الكيان أكثر عرضة للظروف، بينما يمنحه تنوع الموارد قدرة أكبر على التخطيط والتطوير والابتكار.

غير أن فتح باب الاستثمار لا يعني أن تتحول الجمعيات إلى كيانات تجارية، ولا أن تحل لغة السوق محل لغة الإحسان؛ فالعطاء سيظل روح هذا القطاع، والثقة المجتمعية ستبقى رأس ماله الحقيقي. لكن الاستدامة المالية هي التي تمنح هذا العطاء القدرة على الاستمرار والتوسع.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين تخصص الجمعية ومصادر مواردها ؛ فتخصص الجمعية هو هويتها وسبب وجودها، أما تنويع الموارد فهو وسيلتها للاستمرار.

فالرسالة تجيب عن سؤال: لماذا وُجد الكيان؟

أما الموارد فتجيب عن سؤال: كيف يستمر؟

وليس مطلوبًا أن تكون كل موارد الجمعية من جنس نشاطها ؛ وإنما المطلوب أن تكون مشروعة، ومحكومة بالحوكمة والشفافية، وأن تعود عوائدها كاملة إلى خدمة أهداف الكيان ؛ فالرسالة تحدد الاتجاه، والاستثمار يوفر الإمكانات، والإدارة الرشيدة تحفظ التوازن.

إن التحدي الحقيقي ليس في أن يستثمر القطاع غير الربحي، بل في أن يُحسن اختيار استثماراته وإدارتها بما يحفظ هويته ويعظم أثره ؛ فالمشكلة ليست في المال، وإنما في موقعه من الرسالة ؛ فالمال إذا أصبح غايةً ؛ طغى على المعنى، أما إذا بقي وسيلةً لخدمة الإنسان ؛ فإنه يتحول إلى قوة تنموية عظيمة.

ولهذا ؛ فإن مستقبل القطاع غير الربحي لا ينبغي أن يقوم على انتظار الدعم فقط، بل على بناء نموذج مستدام يجمع بين حرارة الرسالة وكفاءة الإدارة، وبين قيم العطاء وأدوات الاستثمار ؛ فالكيانات العظيمة لا تُقاس بما تجمعه من موارد، بل بما تصنعه من أثر.

التبرعات تصنع البداية… والاستدامة تحفظ المسيرة ؛ وحين يخدم المال الرسالة ؛ يتحول الاستثمار إلى أثر، وتتحول الموارد إلى تنمية، ويبقى الإنسان هو الغاية الأولى.