ابتسموا في وجه أبيكم... فقد يعود من معارك لا نراها
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يعرض المقال أثر ابتسامة الأبناء في نفس الأب العائد من يومٍ مثقل بالهموم، وكيف تحوّل هذه الابتسامة البيت من جبهة جديدة للصراع إلى ملاذ يخفّف عبء الصمت والتعب والضغوط التي لا يراها أفراد الأسرة. ويؤكد أن قيمة الأب لا تُقاس بسعة راتبه، بل بحضوره وخوفه على أبنائه وأمانه وحكمته، وأن الابتسامة الصادقة في…
يقول أبٌ: «عندما أدخل البيت وأرى ابتسامة أبنائي، تتساقط عني بعض همومي، وكأنني أدخل من يومٍ مثقل إلى ربيع.»
فهو يرى في ابتسامة أبنائه شيئًا من تلك الصورة التي أبدع أبو تمام في وصفها حين قال:
مطرٌ يذوب الصحو منه وبعدهُ
صحوٌ يكاد من النضارة يُمطِرُ
فبعض الابتسامات تفعل بالقلب ما يفعله الصحو بعد المطر؛ تمرّ عليه، فتترك فيه شيئًا من النضارة.
والأبناء قد لا يعرفون قيمة ابتسامةٍ يستقبلون بها أبًا عائدًا إلى بيته.
لكن الأب يعرفها.
يراه أهله يدخل من الباب وحده.
وهو لا يدخل وحده؛ يدخل معه يومٌ كامل: كلمةٌ جارحة ابتلعها في عمله، وظلمٌ صبر عليه، ودَينٌ أثقل صدره، وموقفٌ آلمه ولم يجد وقتًا ليحزن.
يرون الرجل... ولا يرون اليوم.
وقد يسكت، لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأن وراء صمته طعامًا وأقساطًا وتعليمًا ومستقبلًا لأبنائه.
فالصمت عند بعض الآباء ليس فراغًا؛ إنه ثمنٌ يُدفع كل يوم.
وحين يعود الأب بكل ذلك، فهو لا يحتاج إلى بيتٍ مثالي؛ يكفيه بيتٌ لا يكون جبهةً جديدة.
فمعارك الخارج تُحتمل، أما الخذلان ممن يحب فأشدّ وقعًا.
وقد قال النبي ﷺ: «تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة».
فإذا كانت الابتسامة في وجه الأخ صدقة، فكيف يكون وقعها في قلب الأب؟
إنه لا يراها مجرد ابتسامة؛ يقرأ فيها برًّا وجبرًا للخاطر، ويسمع فيها ما لم يُقَل: أنا أحبك يا أبي.
ولعل أجمل ما تقوله تلك الابتسامة للأب: أن قيمتك عندنا أكبر مما تستطيع أن تقدمه لنا.
فقيمة الأب ليست في اتساع راتبه، بل في اتساع مظلته: في خوفه على أبنائه، وفي نصحه الذي يثقل عليهم اليوم ويفهمونه غدًا، وفي حضوره حين تشتد الأيام. وقد يقلّ المال، ويبقى الأب غنيًّا بما يمنحه من أمانٍ وحكمةٍ وانتماء.
ولا أحد يحب أباه لأن أبوّته اجتازت قائمةً من الشروط.
ويظهر صدق الابتسامة حين تنزل في قلب الأب ربيعًا، ولا تنطفئ خلف ظهره.
تنطفئ بما يُقال خلف الأبواب وفي الغياب: مقارنةٌ بآباء الآخرين، وعدٌّ للأخطاء والزلات، وحديثٌ عنه يبدأ شكوى وينتهي محاكمة؛ فتغيب محاسنه، وتتضخم هنّاته.
والاختلاف مع الأب لا يبيح إسقاط مكانته، ولا أن تصير الشكوى بين أفراد الأسرة نارًا تأكل الودّ وتُضعف البر.
فالأب سقف البيت، والشروخ التي تُحدثها الكلمات في هذا السقف لا تقف عنده وحده، بل تمتد إلى البيت كله.
والابتسامة في وجه الأب برٌّ يُرضي الله، وحبٌّ يصل إلى القلب بلا كلام، وربما أطفأت غضبًا عابرًا، وهوّنت يومًا قاسيًا، وليّنت طبعًا حادًّا.
وليس كل أبٍ يستطيع أن يقول: «أنا متعب».
وبعض الرجال يموتون... وفي صدورهم كلامٌ لم يسمعه أحد.