أيها الكاتب.. اكتب أثرًا لا سطورًا

مقال رأي

د. بندر الحنيشي

2026-10-02T08:00:00.163Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يدعو المقال الكتّاب إلى التعامل مع الصفحة البيضاء كأرض تحتاج إلى حرث وزراعة مسؤولة، معتبرًا القلم فأسًا والكلمات بذورًا والكتاب مزرعة تمتد آثارها إلى ما بعد عمر الكاتب. يؤكّد النص وجوب تحرّي الصدق والعلم والقيمة في كل ما يُكتب، لأن الكلمة تتحوّل إلى فكرة وقناعة ومنهج في حياة الأفراد والأمم. ويخلص إل…

أيها الكاتب، لا تكتب على الصفحة؛ احرثها، فالأرض التي لا تُحرث لا تُنبت، والصفحة التي لا تُستصلح لا تُثمر.

القلم فأسٌ في يدك، يشق صمت الورق كما يشق الفلاح صلابة الأرض، والصفحة تربةٌ تنتظر منك أن تضع فيها ما يستحق أن ينبت. والحبر ماءٌ، والكلمات بذورٌ، والفكرة أصلٌ، والكتاب مزرعةٌ تمتد أبعد من عمرك.

فإياك أن تنثر في أرض الناس بذورًا فاسدة؛ فما تكتبه اليوم قد يصبح غدًا فكرةً في عقل، وقناعةً في قلب، ومنهجًا في حياة، وتراثًا في يد أمة.

لا تكتب لتملأ الورق، اكتب لتملأ العقول، ولا تقِس كتابك بعدد صفحاته، ولا قلمك بكثرة ما خطّه؛ فليست العبرة بكثرة الحرث، بل بما يُخرج الحرث من ثمر.

اسأل نفسك قبل أن تضع الكلمة: هل تستحق هذه الكلمة أن تعيش بعدي؟ وهل أرضى أن يقرأها من يأتي بعدي؟ وهل إذا بقي اسمي وغابت يدي، بقيت هذه الصفحات شاهدةً لي لا عليّ؟

فاحرث بعقلك، وانتقِ بذرك بعلمك، واسقه من صدقك، ودعه للزمن؛ فالزمن أطول عمرًا من الكاتب، والأجيال أبعد نظرًا من لحظة الكتابة.

واعلم أن الكاتب يموت، ويده تسكن، وقلمه يصمت، لكن الكتاب قد يظل حيًا، يطرق أبواب العقول بعد أن يُغلق باب صاحبه.

فلا تزرع في الورق ما تخجل أن تحصده الأجيال. ازرع علمًا، وازرع وعيًا، وازرع فكرةً إذا كبرت، كبر بها الإنسان.

ثم ارحل مطمئنًا؛ فليس أعظم ما يتركه الكاتب أن يُقال: كان يكتب، بل أن يُقال بعد غيابه:

كان يزرع… فأنبتت كلماته أجيالًا.

فالكتاب ليس أثر الكاتب حين يكون حيًا، بل حصاده حين يرحل.