الإعلام.. وصناعة الإدراك!
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المقال يناقش تحوّل دور الإعلام من مجرّد ناقل للواقع إلى فاعل يختار ما نراه منه، وكيف تُسهم عناوين الأخبار وزوايا التناول والخوارزميات في تشكيل إدراكنا لما هو مهم وما هو هامشي. ويؤكد أن المسؤولية الأخلاقية للإعلام لم تعد تقتصر على صحة المعلومة، بل تشمل أيضًا طريقة ترتيب القضايا ومساحة حضورها في الوعي…
لم يعد الإعلام يقف أمام الواقع ليصفه كما هو؛ بل أصبح في كثير من الأحيان يختار لنا أيَّ جزء منه يستحق أن نراه، وأيَّ صوتٍ يستحق أن يصل إلينا، وأيَّ قصةٍ تستحق أن تتصدر المشهد. وهنا يحدث التحول: من إعلامٍ ينقل الواقع إلى منظومةٍ تسهم في صناعة إدراكنا له.
فالواقع أوسع من أن تستوعبه شاشة، أو صحيفة، أو منصة. وما يصل إلينا ليس الواقع كله، بل نسخة منتقاة منه؛ تصنعها عناوين الأخبار، وزوايا التصوير، وترتيب القضايا، ومساحات الظهور، ثم تعيد الخوارزميات ترتيب هذا المحتوى وتوزيعه وفق منطق الانتباه والتفاعل. وهكذا لا يعود السؤال متعلقًا بما حدث فقط، بل بما اختير لنا أن نراه من بين كل ما حدث.
وهنا يتغير السؤال الصحفي التقليدي: "ماذا حدث؟" ليصبح السؤال الأعمق: "لماذا رأينا هذا الحدث دون غيره؟ ولماذا رأيناه بهذه الزاوية تحديدًا؟".
فالإعلام لا يحتاج إلى اختلاق وقائع كي يؤثر في إدراكنا لها؛ يكفيه أن ينتقي وقائع محددة، ويضعها في سياق معين، ويمنحها مساحة واسعة من الحضور والانتباه، حتى تبدو الأجزاء المختارة كأنها تمثل الواقع كله. فحين يتكرر مشهد، يصبح حاضرًا في الوعي؛ وحين يغيب مشهد، يتحول إلى واقع غير مرئي.
ومن هنا، فإن "صناعة الإدراك" لا تعني بالضرورة تغيير الوقائع نفسها، بقدر ما تعني إعادة ترتيب حضورها في الوعي: ما الذي يظهر؟ وما الذي يتراجع؟ وما الذي يتكرر حتى يرسخ؟ وما الذي يبقى خارج دائرة الضوء؟
فالإدراك لا يتشكل فقط بما يصل إلينا، بل أيضًا بما يتكرر أمامنا، وبما يُمنح مساحة أكبر من الانتباه. وفي عصر صراع الروايات، تصبح المسؤولية المهنية أكبر من مجرد التحقق من صحة المعلومة؛ إنها مسؤولية تجاه الصورة الذهنية التي تتشكل من مجموع المعلومات. وهي كذلك مسؤولية تجاه ترتيب القضايا والموضوعات، والسياقات التي تُقدَّم فيها، والمساحة التي تُمنح لها، والزوايا التي تُرى من خلالها.
فالإعلام لا يصنع الحقيقة، لكنه يستطيع أن يصنع الطريق الذي يسلكه الجمهور إليها.
ولهذا، فإن أخلاق الإعلام اليوم لا تُقاس فقط بما ينشره، بل أيضًا بما يختاره ليكون في دائرة الضوء، وما يتركه خارجها. فاختيار ما يصل إلى الجمهور ليس قرارًا تقنيًا محضًا؛ لأنه في النهاية يؤثر في ترتيب الأشياء داخل الوعي العام.
فالانتباه ليس مساحة محايدة؛ إنه البوابة التي يدخل منها الواقع إلى وعينا.
وهنا تبدأ مسؤولية الإعلام: أن يوسّع نافذة الرؤية، لا أن يستبدل الواقع بإطارها.