خوارزميات تبث سمومها وسط المجتمع
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المقال يناقش انتشار محتوى قبلي وعنصري في وسائل التواصل الاجتماعي السعودية مؤخرًا، وما مثّله من تهديد للوحدة الوطنية والسلم المجتمعي، مما استدعى تدخلًا حازمًا من وزارة الداخلية والنيابة العامة واعتباره جريمة تستوجب العقوبة. ويشدّد الكاتب على أن هذه المرحلة المفصلية من تطور المملكة تتطلب حماية النسيج…
كأن البعض لا يريد لهذه البلاد المباركة أن تكمل مسيرتها نحو تطوير اقتصادها وتحديث مجتمعها واستكمال النهضة التي تقطع في طريقها كل يوم خطوات جديدة، أو يعملون على ضرب تماسك نسيجها الاجتماعي المتين فيحاولون – بقصد أو بدون – صرف الأنظار عن قضايانا المصيرية إلى أمور هامشية تجاوزها العصر الحديث.
خلال الأيام الماضية فوجئ المتابعون لوسائل التواصل الاجتماعي بتداول مواد تصب في خانة النعرات القبلية وإثارة التوتر بين فئات المجتمع، مما استدعى من السلطات المختصة سرعة التدخل الحازم لاحتواء الأمر وتصويب المسار، فكان بيان وزارة الداخلية الذي وصف ما تم تداوله بأنه محتوى يمس الوحدة الوطنية، ويهدد السلم والأمن المجتمعي، مؤكداً أن مثل هذه التصرفات لا تعكس وعي المجتمع السعودي ولا تمثل إلا أصحابها. وفي نفس المسار مضى بيان النيابة العامة الذي أكد أن ما يحدث جرائم تستوجب العقوبة.
وبتأمل بسيط للبيانين نلحظ دلالات عميقة، فالدولة لم تكتف بإدانة ما حدث لمجرد أنه فكرة سيئة، بل تعاملت معه بمنتهى الجدية كتهديد للوحدة الوطنية ولأمن المجتمع بوصفه منظومة قيم وثقة متبادلة، وفي هذا رسالة حازمة بأن هذه القضايا خط أحمر لا يسمح بمجرد الاقتراب منه.
هذا التعامل الجاد والمسؤول وجد استحسانا كبيرا من كافة فئات المجتمع، فأكثر ما يثير القلق في انتشار النعرات العنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي هو أنها لا تأتي دائما بوجهها الكريه، ولا تعبّر عن نفسها بوضوح، بل تتخفي في هيئة "نكتة"، أو تفاخر، أو تعليق عابر، وفي كل الحالات فإنها بمثابة قنبلة موقوتة تهدد بنسف جهود كبيرة بذلت حتى وصلنا إلى مرحلة نعتز فيها جميعا بانتمائنا لهذه البلاد، وترتفع رؤوسنا فخرا.
ومما يثير الدهشة هو أنه رغم ما تشهده المملكة من تطور على كافة الأصعدة، ورغم المسافات الكبيرة التي قطعتها رحلة التحديث ومسايرة العصر وتحقيق الازدهار إلا أن هناك من لا زالوا يعيشون في أفكارهم القديمة ويتمسكون بها وكأنهم يعيشون في غرف مغلقة.
هؤلاء يتصورون أن تميزهم لا يكتمل إلا بإقصاء الآخر أو تحقيره أو تصويره على أنه أقل قيمة، وكأننا في سباق. لذلك فإن سلطة القانون عندما تتدخل هنا فإنها لا تهدف لممارسة الوصاية على المزاج العام، بل لرسم الحدود التي تمنع تحول مشهد الاستقرار والأمن الذي ننعم به إلى فتنة.
وإن كان هناك من يستهين بمثل هذه التصرفات وينظرون إليها على أنها أصوات هامشية أو معزولة فعليهم إدراك أن الكراهية حين تُترك دون مساءلة تصبح توجّها عاما، وحين تتسلل إلى الخوارزميات فإنها تتحول إلى تيار عريض.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس وجود خطاب عنصري، فكل مجتمع قد يواجه انحرافات، لكن الخطورة تكمن في استسهال هذه الانحرافات وتطبيعها والتعايش معها وأن تصبح مألوفة. لهذا السبب تحديدا جاء التحذير في توقيته قبل أن تتحول الظاهرة إلى ثقافة.
ومنصات التواصل لا تجذب من هو أكثر حكمة، بل تبحث عن الإثارة؛ وتتجاهل الأكثر إنصافا لمصلحة الأكثر اشتعالا. لذلك فإن مصطلح (النظام العام) لم يعد يقتصر فقط على الجرائم التقليدية، بل يشمل أيضا سلامة المجتمعات وحمايتها من الاضطرابات والانهيار.
ما أريد التأكيد عليه هو أن هذه المرحلة التي نعيشها اليوم في السعودية هي مرحلة مفصلية في تاريخنا، تختلف عن كل ما سبقها، فنحن لا نسعى فقط وراء زيادة مواردنا الاقتصادية أو رفع مستوى المعيشة، بل نعمل لتطوير واقعنا وتحديث مجتمعنا وأن نكون في مقدمة ركب الدول المتقدمة. هذه الغاية تستلزم أن نكون جميعا على قلب واحد، وأن ننظر دوما إلى الأمام، فالمجتمعات التي تسعى نحو التطور لا تسمح للكراهية أن تكون محتوى رائجا، وهذه ليست معركة ضد رأي، أو تضييق على الناس، بل دفاع عن وطن لن يسمح أبناؤه أن يتعرضوا لفتنة تصنعها الخوارزميات.