حين تُهزم الصفحات أمام الشاشات
مقال رأي
يؤكد المقال أهمية الكتاب والقراءة الورقية في زمن العولمة الرقمية والملهيات، باعتبارهما وعاء العلم والمعرفة ووسيلة لبناء الوعي الإنساني بعيدًا عن ضجيج الشاشات. ويستعرض العلاقة التاريخية التكاملية بين الصحف الورقية والكتب، مستشهدًا بآراء مفكرين مثل فولتير وأبي حيّان التوحيدي حول قوة الكلمة ومكانة الكت…
في زمن العولمة وحاضرها، وبين غدٍ زاخرٍ بعولمة الإنسان ودهرٍ مفعمٍ بالملهيات والمغريات بكل ما تستطيب به النفس البشرية، كيف يكون الهروب من صخب عولمة العالم الرقمي إلى زمن تقليب الصفحات الورقية واستنشاق رائحة حبرها؟
ربما افتقدنا الكاتب والكتاب؛ فـ«الكاتب» صاحب الراية الأسمى، والوسيلة الموجِّهة إلى المعرفة والدِّراية، و«الكتاب» صاحب الغاية الذي يجمع الناس على المعرفة والعلم، بالكشف عمّا تجهله العقول ولا تعيه القلوب، مُثريًا بما يخلِّفه من فهمٍ واطلاعٍ ووعي، تهتدي به العقول وتصل إليه بوصفه غايةً معرفية؛ فالكاتب بحمله للراية يجمع الأبدان على الغاية التي تُحيي الوجدان، وهي «الكتاب».
تجمع بين الصحف الورقية والكتب علاقةٌ تكاملية وتأثير متبادل؛ فالأصل أن الصحافة وُلدت من رحم الكتب والمطابع، واعتمدت على الورق والحبر وسيلةً لنقل الخبر. ولطالما كانت الصحف منصةً للتعريف بالكتب الجديدة، ونقل كل ما هو جديد من الأخبار والآراء إلى القراء وعامة الناس.
ولكن لم يبقَ من الصحف والأوراق والكتب المحبّرة إلا أثرُ الحبر المعتّق وقيمتها العظيمة في ذاكرة مُحبي الصحف والكتب؛ ففيها عراقة الماضي، وذكريات الصباحات الممتعة حين كانت الأوراق الملموسة بين أيديهم محسوسة، فالورق عند العرب وعاء العلم والمعرفة.
لقد كان فولتير يرى أن الكلمة أقوى من السيف، وأن الكتاب هو الحصن الذي يحمي الإنسان من أن يكون مجرد «تابعٍ» في قطيع، وهو ما يمثله اليوم من يمسك بالشاشات أكثر من الصفحات؛ وأن المعرفة المكتسبة من القراءة هي الدرع الواقي للعقل ضد الجهل المتعالي. كما يرى أبو حيان التوحيدي أن الكتاب نعم المتاع، ونعم الأنيس وقت العزلة، ونعم القرين وقت الوحشة.
فالكتاب خير جليس، وأفضل إرثٍ معرفي للأمم والأجيال؛ فاقرأ ما يطيب لك وما يفيدك، ويهذّب لسانك ويغذّي عقلك، وتحسّس كل ورقةٍ محبّرة وكل غلافٍ بأناملك؛ فاليوم أنت المتصفح، وغدًا غيرك المطالع.
ختامًا، يبقى اختيار الجليس بيد الإنسان؛ فالكتاب هو الخلوة الفكرية التي تبني الوعي الإنساني، وليس مجرد صفحات بل هو أداةٌ لصياغة العقل البشري، فكن من جُلّاس الصفحات لا الشاشات.