الحي يحييك.. والميت يزيدك غبن

مقال رأي

عبدالعزيز بن خالد العمران

2026-10-10T07:00:00.262Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يشرح المقال كيف يتحوّل بعض الموظفين الجدد من الحماس والرغبة في التغيير إلى "موت مهني" يصير فيه الحضور والانصراف أبرز ما يقدمونه، تحت تأثير بطء الإجراءات وثقافة "نحن متعودون نسويها كذا". ويؤكد أن الموظف "الحي" هو من يرى المشكلة ويفهم أثرها ويقترح حلولًا قابلة للتطبيق ضمن صلاحياته، لا من يكتفي بالتذمر…

في كل بيئة عمل ستقابل ثلاثة أنواع من القادمين الجدد؛ موظف يدخل بحماس وكأنه يريد إصلاح المؤسسة في أسبوعه الأول، وآخر يصطدم سريعًا بما لم يكن يتوقعه فيبدأ بمراجعة قراره، وثالث يصل وفي داخله شيء من الحياة، ثم لا تمضي أشهر كثيرة حتى يصبح حضوره وانصرافه هما أبرز إنجازاته اليومية.

المفارقة أن الثلاثة قد يكونون الشخص نفسه، ولكن في أوقات مختلفة.

يبدأ الموظف غالبًا بصورة جميلة عمّا يستطيع تقديمه، ثم يكتشف أن بعض الأشياء لا تتحرك بالسرعة التي تصورها، وأن الاقتراح الذي رآه بديهيًا يحتاج إلى أكثر من اجتماع، وأن بعض القرارات تمر في طرق أطول مما ينبغي، وربما يسمع لأول مرة تلك العبارة التي أفسدت كثيرًا من الأفكار: «نحن متعودون نسويها كذا».

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

ليس اختبار المؤسسة وحدها، بل اختبار الموظف أيضًا.

لأن أسهل موقف يمكن اتخاذه بعد الصدمة هو الانسحاب الداخلي؛ أن تؤدي المطلوب فقط، وأن تكف عن السؤال، وأن تتحول تدريجيًا من شخص كان يبحث عما يمكن تحسينه إلى شخص ينتظر قائمة المهام في بداية اليوم، ثم يغادر في نهايته وقد فعل كل شيء قيل له، ولا شيء أكثر.

وهذا في رأيي أحد أخطر أنواع الموت المهني؛ لأن صاحبه ما زال يأتي إلى العمل، لكنه توقف عن الحضور إليه فعلًا.

الموظف الحي لا يعني الموظف الذي يعترض على كل شيء، ولا الذي يملأ الاجتماعات بالأفكار، ولا الذي يتخذ قرارات ليست من صلاحياته ثم يسمي ذلك مبادرة، الحياة المهنية شيء أكثر نضجًا من ذلك؛ أن ترى، وأن تفهم، ثم أن تتحرك في المساحة التي تملكها.

هناك فرق بين شخص يقول: «هذه مشكلة»، وآخر يأتي ويقول: «هذه المشكلة، وهذا أثرها، وهذه ثلاثة حلول ممكنة، وأرى أن نجرب الثاني لمدة أسبوعين».

الأول وصف الواقع، والثاني بدأ في تغييره.

وهذا هو الفارق الذي أعتقد أننا أحيانًا لا نعلّمه للموظفين الجدد بما يكفي، نتحدث كثيرًا عن المبادرة، لكننا لا نشرح لهم أن المبادرة ليست اقتحام القرار، بل صناعة أرضية جيدة له، وأن اتخاذ القرار لا يبدأ لحظة قول «نعم» أو «لا»، بل قبل ذلك بكثير؛ بجمع المعلومات، وفهم أصحاب العلاقة، ومعرفة ما الذي يمكن أن يحدث لو فعلنا، وما الذي قد يحدث لو لم نفعل.

تخيل موظفًا في فريق اتصال يلاحظ أن طلبات التغطية الإعلامية تصل كل مرة بالطريقة نفسها: متأخرة، ومعلوماتها ناقصة، ثم يبدأ الفريق في مطاردة التفاصيل قبل التنفيذ بساعات.

يمكنه أن يتذمر من المشكلة كل أسبوع، وسيكون محقًا.

لكن يمكنه أيضًا أن يجمع الطلبات السابقة، ويرصد أكثر المعلومات التي كانت تنقصها، ويبني نموذجًا بسيطًا يحتوي على كل ما يحتاجه الفريق منذ البداية، ثم يعرضه على مديره قائلًا: «نجربه في الطلبات القادمة، وإذا لم يختصر الوقت نرجع للطريقة السابقة».

هو هنا لم ينتظر قرارًا كبيرًا، ولم يتجاوز صلاحياته، ولم يكتب عرضًا من أربعين شريحة عن تطوير الإجراءات، رأى مشكلة، فهمها، واقترح حلًا يمكن اختباره.

هذه مبادرة.

وإذا أصبح مسؤولًا يومًا عن اعتماد ذلك النموذج، وقارن بين أثر تطبيقه وتكلفته واعتمده، فهذه صناعة قرار، وإذا تحمل نتيجة اختياره وعدّله عندما اكتشف نقصه، فهذا اتخاذ قرار حقيقي.

المؤسسات تحتاج إلى هذا النوع من الناس أكثر مما تحتاج إلى موظفين يعرفون كيف يبدون مشغولين، تحتاج إلى من يضيف للحركة حركة، لا من ينتظر حتى يتحرك الجميع قبله.

ولهذا أحب المثل الشعبي: «الحي يحييك، والميت يزيدك غبن»، فالحي في العمل لا ينتظر بيئة مثالية حتى يظهر، ولا يجعل أول صدمة مبررًا لانطفائه، قد يعترض، وقد يُرفض اقتراحه، وقد يخطئ، لكنه يظل حاضر الذهن، يبحث عن المساحة التي يستطيع أن يحسنها.

أما الميت مهنيًا، فلن يرهقك بخطئه فقط، بل بما كان يستطيع فعله ولم يفعله.