الميليشيات.. سرطان في الجسم العربي يجب استئصاله !

مقال رأي

صالح مطر الغامدي

2026-10-01T13:00:00.100Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يشدد المقال على أنّ انتشار الميليشيات والجماعات المسلحة العابرة للحدود في عدد من الدول العربية حوّلها إلى بؤر لعدم الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، ودمّر اقتصاداتها عبر نهب الثروات وتعطيل التنمية وتغذية الانقسامات المذهبية والقبلية. ويحذّر من أنّ خطر هذه الميليشيات يتجاوز حدود الدول التي تنشط ف…

لم تكن الميليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة ، في يوم من الأيام ، سوى مشروع هدم وتفكيك ، غير أن السنوات الأخيرة شهدت استفحالاً غير مسبوقاً لظاهرة انتشار الجماعات المسلحة العابرة للحدود والولاءات الوطنية في عدد من بلدان الوطن العربي ، هذا الانتشار السرطاني لم يكن مجرد حدث سياسي عابر ، بل تحوّل إلى زلزال ضرب أركان المجتمعات العربية ، مخلّفاً وراءه حالة عارمة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي ، ومدمراً الركائز الاقتصادية حتى غدا الفقر والفاقة عنواناً يومياً لملايين المواطنين .

لقد برهنت التجارب المأساوية في أكثر من دولة عربية أن دخول الميليشيات على خط الحكم والسيطرة ينزع عن الدولة مفهومها الفعلي وقدرتها على فرض القانون ، ففي خضم انتزاع السلاح من أيدي المؤسسات العسكرية الرسمية وتشتيته بين الفصائل والأجندات الضيقة ، غاب الاستقرار السياسي والتصقت تلك الدول بدوامات لا تنتهي من الصراعات الأهلية ، ولم يقف الأثر عند الانفلات الأمني والقتل والتهجير ، بل تعداه إلى تقويض النسيج الاجتماعي ، حيث تغذي هذه الميليشيات الانقسامات المذهبية والقبلية والمناطقية لضمان بقائها ، مسقطة قيم المواطنة والتعايش السلمي .

وعلى الصعيد الاقتصادي ، أثبتت الميليشيات أنها "سوسة" تنخر في عظام الاقتصاد الوطني ، فبدلاً من توفير بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية ، قامت تلك الجماعات بفرض جباية غير قانونية ، والسيطرة على المقدرات الوطنية والموانئ والمعابر ، وتدمير البنى التحتية ، وتعطيل الإنتاج ، والنتيجة الطبيعية لهذا العبث كانت نهب ثروات الشعوب ، وانهيار العملات الوطنية ، وهروب رؤوس الأموال ، لينتشر الفقر والمجاعة في أرض كانت وما زالت تزخر بالخيرات والكفاءات .

إن هذا الواقع المؤلم لا يهدد الدولة التي تتواجد فيها الميليشيات فحسب ، بل تمتد شرارته لزعزعة أمن المنطقة بأسرها ، مشكّلاً بيئة خصبة للتهريب والإرهاب وتغيير الهوية العربية السليمة بل وإسقاطه الأنظمة الرسمية والحكومات الشرعية .

أمام هذا المشهد القاتم ، تجد الأمة العربية نفسها اليوم أمام لحظة فارقة لا تحتمل الوقوف في موقف المتفرج أو الاكتفاء ببيانات التنديد والاستنكار ، فالمطلوب اليوم - وأكثر من أي وقت مضى- هو تحرك عربي جماعي حاسم وجاد ، تتكاتف فيه الدول العربية كافة للقيام بواجبها القومي والأخلاقي عبر رؤية شجاعة تستهدف تجفيف منابع دعم هذه الميليشيات ، وقطع دابرها ، ورفع الغطاء السياسي والمالي والعسكري عنها بلا استثناء .

إن استعادة الوطن العربي لوضعه الطبيعي ومكانته المستحقة ليست خياراً ثانوياً ، بل هي ضرورة وجودية ، ولن يتحقق ذلك إلا بدعم المؤسسات الوطنية الجامعة ، والجيوش النظامية الرسمية ، وفرض سيادة القانون والشرعية ، حتى يعود الأمن والأمان ليرفرف في ربوع العالم العربي ، وتستعيد شعوبه حقها المنهوب في العيش بكرامة وتنمية واستقرار .